جامع السعادات جلد 1

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

جامع السعادات - جلد 1

محمد مهدی النراقی

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید



فصل


الكتاب و السنة متظاهران في ذم المال و كراهة حبه، قال الله سبحانه:

«يا ايها الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم و لا اولادكم عن ذكر الله و من يفعل ذلك
فاولئك هم الخاسرون » (24) .

و قال: «و اعلموا انما اموالكم و اولادكم فتنة » (25) .

و قال: «المال و البنون زينة الحياة الدنيا. . . » الآية (26) .

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «حب المال و الشرف ينبتان النفاق، كما
ينبت الماء البقل » . و قال-صلى الله عليه و آله-:

«ما ذئبان ضاريان ارسلا في زريبة غنم باكثر فسادا من حب المال و الجاه في
دين الرجل المسلم » ، و قال: «شرامتى الاغنياء» . و قال-صلى الله عليه و آله-: «يقول
الله-تعالى-: يا ابن آدم! مالى، مالى! و هل لك من مالك الا ما تصدقت فامضيت،
او اكلت فافنيت، او لبست فابليت؟ ! » و قال صلى الله عليه و آله: «اخلاء ابن آدم
ثلاثة: واحد يتبعه الى قبض روحه و هو ماله، و واحد يتبعه الى قبره و هو اهله، و
واحد يتبعه الى محشره و هو عمله » . و قال-صلى الله عليه و آله: «يجاء بصاحب الدنيا
الذي اطاع الله فيها و ماله بين يديه، كلما يكفا به الصراط قال له ماله: امض و قد
اديت حق الله في. ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها و ماله بين كفيه،
كلما يكفا به الصراط قال ماله: و يلك الا اديت حق الله في؟ . . . فما يزال كذلك حتى
يدعو بالثبور و الويل »

و قال-صلى الله عليه و آله: «ان الدينار و الدرهم اهلكا من كان قبلكم، و هما مهلكاكم » .
و قال-صلى الله عليه و آله: «لكل امة عجل، و عجل هذه الامة الدينار و الدرهم » . و
قال-صلى الله عليه و آله: «يؤتى برجل يوم القيامة، و قد جمع مالا من حرام و انفقه في
حرام فيقال: اذهبوا به الى النار. و يؤتي برجل قد جمع مالا من حلال و انفقه في
حرام، فيقال اذهبوا به الى النار. و يؤتى برجل قد جمع ما لا من حرام و انفقه في
حلال فيقال اذهبوا به الى النار. و يؤتى برجل قد جمع مالا من حلال و انفقه في حلال،
فيقال له: قف لعلك قصرت فى طلب هذا بشي ء مما فرضت عليك من صلاة لم تصلها لوقتها، و
فرطت في شي ء من ركوعها و سجودها و وضوئها، فيقول: لا يا رب! كسبت من حلال و انفقت
في حلال، و لم اضيع شيئا مما فرضت، فيقال: لعلك اختلت في هذا المال في شي ء من مركب
او ثوب باهيت به، فيقول: لا يا رب! لم اختل و لم اباه في شي ء، فيقال: لعلك منعت حق احد
امرتك ان تعطيه من ذوى القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل، فيقول:
لا يارب! لم اضيع حق احد امرتني ان اعطيه. فيجى ء اولئك فيخاصمونه، فيقولون: يا
رب اعطيته و اغنيته و جعلته بين اظهرنا و امرته ان يعطينا، فان كان قد اعطاهم
و ما ضيع مع ذلك شيئا من الفرائض و لم يختل في شي ء، فيقال: قف الآن هات شكر نعمة
انعمتها عليك من اكلة او شربة او لقمة او لذة. . . فلا يزال يسال » .

فليت شعري-يا اخي-ان الرجل الذى فعل في الحلال، و ادى الفرائض بحدودها، و قام
بالحقوق كلها، اذا حوسب بهذه المحاسبة، فكيف يكون حال امثالنا الغرقي في فتن
الدنيا و تخاليطها، و شبهاتها و شهواتها و زينتها، فيالها من مصيبة ما
افظعها، و رزية ما اجلها، و حسرة ما اعظمها لا ندرى ما تفعل بنا الدنيا غدا في
الموقف عند يدى الجبار.

و لخوف هذا الخطر قال بعض الصحابة: «ما يسرني ان اكتسب كل يوم الف دينار من
حلال و انفقها في طاعة الله، و لم يشغلني الكسب عن صلاة الجماعة » ، قالوا له: و لم
ذلك رحمك الله؟ قال: «لاني غنى عن مقامى يوم القيامة، فيقول الله: عبدى من اين
اكتسبت و في اى شي ء انفقت؟ » .

فينبغي لكل مؤمن تقي الا يتلبس بالدنيا، فيرضى بالكفاف، و ان كان معه فضل فليقدمه
لنفسه، اذ لو بقي بعده لكان له مفاسد و آفات.

روى: «انه قال رجل: يا رسول الله، ما لى لا احب الموت؟ فقال:

هل معك من مال؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: قدم مالك امامك فان قلب المؤمن مع
ماله، ان قدمه احب ان يلحقه، و ان خلفه احب ان يتخلف معه » . و وضع امير المؤمنين-عليه
السلام-درهما على كفه ثم قال: «اما انك ما لم تخرج عني لا تنفعني » . و روي: «ان اول ما
ضرب الدينار و الدرهم رفعهما ابليس، ثم وضعهما على جبهته، ثم قبلهما و قال: من
احبكما فهو عبدى حقا» . و قال عيسى عليه السلام: «لا تنظروا الى اموال اهل
الدنيا، فان بريق اموالهم يذهب بنور ايمانكم » . و قال بعض الاكابر: «مصيبتان
لم يسمع الاولون و الآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته » ، قيل: و ما هما؟ قال:
«يؤخذ منه كله، و يسال عنه كله » .

ثم جميع ما ورد في ذم الغني و مدح الفقر-كما ياتي بعضه-، و جميع ما ورد في ذم
الدنيا-كما تقدم بعضه-يتناول ذم المال، لانه اعظم اركان الدنيا.

فصل


(الجمع بين ذم المال و مدحه)


اعلم انه كما ورد ذم المال في الآيات و الاخبار ورد مدحه فيهما ايضا و قد
سماه الله خيرا في مواضع، فقال:

«ان ترك خيرا الوصية. . . » (27) . و قال في مقام الامتنان:

«و يمددكم باموال و بنين و يجعل لكم جنات و يجعل لكم انهارا» (28) .

و قال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: «نعم المال الصالح للرجل الصالح » . و كل ما
جاء في ثواب الصدقة، و الضيافة، و السخاء، و الحج و غير ذلك مما لا يمكن الوصول
اليه الا بالمال، فهو ثناء عليه.

و وجه الجمع بين الظواهر المادحة و الذامة هو: ان المال قد يكون وسيلة الى مقصود
صحيح هو السعادة الاخروية، اذ الوسائل اليها في الدنيا ثلاث، و هي: الفضائل
النفسية، و الفضائل البدنية، و الفضائل الخارجية التي عمدتها المال. و قد يكون وسيلة
الى مقاصد فاسدة و هى المقاصد الصادة عن السعادة الاخروية و الحياة الابدية، و
الصادة سبيل العلم و العمل. فهو اذن محمود و مذموم بالاضافة الى المقصودين.
فالظواهر الذامة محمولة على صورة كونه وسيلة الى مقاصد فاسدة، و المادحة على صورة
كونه وسيلة الى مقاصد صحيحة. و لما كانت الطبائع مائلة الى اتباع الشهوات
القاطعة لسبيل الله، و كان المال مسهلا لها و آلة اليها، عظم الخطر في ما يزيد على
قدر الكفاية، فاستعاذ طوائف الانبياء و الاولياء من شره، حتى قال نبينا-صلى
الله عليه و آله و سلم-: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا»

و قال-صلى الله عليه و آله-: «اللهم احينى مسكينا و امتني مسكينا» .

فصل


(غوائل المال و فوائده)


قد ظهر مما ذكر: ان المال مثل حية فيها سم و ترياق، فغوائله سمه، و فوائده ترياقه،
فمن عرفهما امكنه ان يحترز من شره و يستدر منه خيره.

و لبيان ذلك نقول: ان غوائله اما دنيوية او دينية:

و الدنيوية: هي ما يقاسيه ارباب الاموال: من الخوف، و الحزن، و الهم، و الغم، و
تفرق الخاطر، و سوء العيش، و التعب في كسب الاموال و حفظها، و دفع الحساد و كيد
الظالمين، و غير ذلك.

و الدينية: ثلاثة انواع:

اولها-اداؤه الى المعصية. اذ المال من الوسائل الى المعاصي، و نوع من القدرة
المحركة لداعيتها. فاذا استشعرها الانسان من نفسه، انبعثت الداعية، و اقتحم
في المعاصي، و ارتكب انواع الفجور. و مهما كان آيسا عن القدرة لم يتحرك داعية
اليها: اذ العجز قد يحول بين المرء و بين المعصية، و من العصمة الا يقدر، و اما مع
القدرة فان اقتحم ما يشتهيهه هلك، و ان صبر وقع في شدة. اذ الصبر مع القدرة اشد، و
فتنة السراء من فتنة الضراء اعظم.

و ثانيها-اداؤه الى التنعم في المباحات. فان الغالب ان صاحب المال يتنعم
بالدنيا و يمرن عليه نفسه، فيصير التنعم محبوبا عنده مالوفا، بحيث لا يصبر عنه،
و يجره البعض منه الى البعض. و اذا اشتد الفه به و صار عادة له، ربما لم يقدر
عليه من الحلال، فيقتحم فى الشبهات و يخوض في المحرمات: من الخيانة، و الظلم، و
الغصب، و الرياء، و الكذب و النفاق، و المداهنة، و سائر الاخلاق المهلكة، و الاشغال
الردية، لينتظم امر دنياه و يتيسر له تنعمه. و ما اقل لصاحب الثروة و المال الا
يصير التنعم مالوفا له، اذ متى يقدر ان يقنع بخبز الشعير و لبس الخشن و ترك لذيذ
الاطعمة باسرها، فانما ذلك شان نادر من اولى النفوس القوية القدسية كسليمان بن
داود عليه السلام و امثاله. على ان من كثر ماله كثرت حاجته الى الناس، و من
احتاج الى الناس فلا بد ان ينافقهم و يسخط الله في طلب رضاهم، فان سلم من الآفة
الاولى، اعنى مباشرة المحرمات، فلا يسلم من هذه اصلا. و من الحاجة الى الناس
تثور العداوة و الصداقة، و يحصل الحقد، و الحسد، و الكبر، و الرياء، و الكذب، و الغيبة،
و البهتان و النميمة، و سائر معاصي القلب و اللسان، و كل ذلك يلزم من شؤم المال
و الحاجة الى حفظه و اصلاحه.

و ثالثها-و هو الذي لا ينفك عنه احد من ارباب الاموال، و هو انه يلهيه اصلاح
ماله و حفظه عن ذكر الله تعالى، و كل ما يشغل العبد عن الله تعالى فهو خسران و
وبال. و لذا قال روح الله عليه السلام: «فى المال ثلاث آفات، ان ياخذه من غير
حله » ، فقيل: ان اخذه من حله؟

قال: «يضعه في غير حقه » ، فقيل: ان وضعه في حقه؟ فقال:

«يشغله اصلاحه عن الله » . و هذا هو الداء العضال، اذ اصل العبادات و روحها و
حقيقتها هو الذكر و الفكر في جلال الله تعالى، و ذلك يستدعى قلبا فارغا. و صاحب
الضيعة يصبح و يمسى متفكرا في خصومة الفلاح و محاسبته و خيانته، و منازعة الشركاء
و خصومتهم في الماء و الحدود، و خصومة اعوان السلطان في الخراج، و خصومة الاجراء
في التقصير في العمارة و غير ذلك. و صاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة
الشركاء و انفرادهم بالربح و تقصيرهم في العمل و تضييعهم المال، و يكون غالبا في
بلاد الغربة متفرق الهم محزون القلب من كساد ما يصحبه من مال التجارة. و
كذلك صاحب المواشي و غيره من ارباب اصناف الاموال. و ابعدها عن كثرة الشغل
النقد المكنون تحت الارض، و صاحبه ايضا لا يزال متفكرا مترددا فيما يصرف اليه،
و في كيفية حفظه، و في الخوف ممن يعثر عليه، و في دفع طمع الخلق منه. و بالجملة: اودية
افكار اهل الدنيا لا نهاية لها، و الذي ليس معه الا قوت يومه او سنته، و لا يطلب
ازيد من ذلك، فهو في سلامة من جميع ذلك.

و اما فوائده: فهي ايضا دنيوية و دينية:

اما الدنيوية: فهى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة: من الخلاص من ذل السؤال، و حقارة
الفقر، و الوصول الى العز و المجد بين الخلق، و كثرة الاخوان و الاصدقاء و الاعوان،
و حصول الوقار و الكرامة في القلوب.

و اما الدينية: فثلاثة انواع:

اولها-ان ينفقه على نفسه في عبادة، كالحج و الجهاد، او فيما يقوى على العبادة،
كالمطعم و الملبس و المسكن.

و ثانيها-ان يصرفه الى اشخاص معينة: كالصدقة، و المروة، و وقاية العرض، و اجرة
الاستخدام. و اما الصدقة بانواعها، فلا يحصى ثوابها، و ربما نشير الى فضيلتها
في موضعها، و اما المروة، و نعنى بها صرف المال الى الاغنياء و الاشراف في
ضيافة او هدية او اعانة و ما يجري مجراها مما يكتسب به الاخوان و الاصدقاء و
يجلب به صفة الجود و السخاء، اذ لا يتصف بالجود الا من يصطنع المعروف و يسلك
سبيل الفتوة و المروة، فلا ريب في كونه مما يعظم ثوابه. فقد وردت اخبار كثيرة
في الهدايا و الضيافات و اطعام الطعام، من غير اشتراط الفقر و الفاقة في
مصارفها. و اما وقاية العرض، و نعني بها بذل المال لدفع ثلب السفهاء، و هجو
الشعراء، و قطع السنة الفاحشين و المغتابين، و منع شر الظالمين و امثال ذلك فهو
ايضا من الفوائد الدينية. قال رسول الله صلى الله عليه و آله:

«ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة » ، و اما اجرة الاستخدام، فلا ريب في اعانته
على امور الدين، اذ الاعمال التي يحتاج اليها الانسان لتهيئة اسبابه كثيرة،
و لو تولاها بنفسه ضاعت اوقاته، و تعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر و الذكر الذي
هو اعلى مقامات السالكين، و من لا مال له يحتاج ان يتولى بنفسه جميع الاعمال
التي يحتاج اليها في الدنيا، حتى نسخ الكتاب الذي يفتقر اليه، و كلما يتصور
ان يقوم به الغير فتضييع الوقت فيه خسران و ندامة.

و ثالثها-ان يصرفه الى غير معين يحصل به خير عام، و هي الخيرات الجارية: من
بناء المساجد، و المدارس، و القناطر، و الرباطات، و نصب الخشيات في الطرق، و
اجراء القنوات، و نسخ المصاحف و الكتب العلمية و غير ذلك من الاوقاف المرصدة
للخيرات المؤبدة، الدائرة بعد الموت، المستجلبة ببركة ادعية الصالحين الى
اوقات متمادية.

فصل


(الامور المنجية من غوائل المال)


من اراد النجاة من غوائل المال، فليحافظ على امور:

الاول-ان يعرف مقصود المال و باعث خلقه و علة الاحتياج اليه حتى لا يكتسب و لا
يحفظ الا قدر حاجته.

الثاني-ان يراعي جهة دخله، فيجتنب الحرام و المشتبه، و الجهات المكروهة
القادحة في المروة و الحرية، كالهدايا المشوبة بالرشوة، و السؤال الذى فيه
الانكسار و الذلة.

الثالث-ان يراعى جهة الخرج، و يقتصد في الانفاق، غير مبذر و لا مقتر. قال الله
تعالى:

«و الذين اذا انفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما» (29) .

و قال النبي صلى الله عليه و آله-: «ما عال من اقتصد» . ثم للاقتصاد في المطعم و
الملبس و المسكن درجات ثلاث: ادنى و اوسط و اعلى، و ربما كان الميل الى الاول
احرى و اولى، ليدخل في زمرة المخفين يوم القيامة.

الرابع-ان يضع ما اكتسبه من حله في حقه، و لا يضعه في غير حقه، فان الاثم في
الاخذ من غير حله و الوضع في غير حقه سواء.

الخامس-ان يصلح نيته في الاخذ و الترك و الانفاق و الامساك، فياخذ ما ياخذ
استعانة به على ما خلق لاجله، و يترك ما يترك زهدا فيه و استحقارا له و اجتنابا
عن وزره و ثقله، و اذا فعل ذلك لم يضره وجوده قال امير المؤمنين عليه السلام:
«لو ان رجلا اخذ جميع ما في الارض و اراد به وجه الله فهو زاهد، و لو ترك الجميع
و لم يرد به وجه الله فليس بزاهد» .

فينبغي لكل مؤمن ان يكون باعث جميع افعاله التقرب الى الله ليصير الجميع
عبادة. فان ابعد الافعال عن العبادة الاكل و الوقاع و قضاء الحاجة و يصير
بالقصد عبادة. فمن اخذ من المال ما يحتاج اليه في طريق الدين، و بذل ما فضل
منه على اخوانه المؤمنين، فهو الذى اخذ من حية المال ترياقها، و اتقى سمها، فلا
تضره كثرة المال. الا انه لا يتاتى ذلك الا لمن كثر علمه و استحكمت في الدين
قدمه. و العامي اذ يشتبه به في الاستكثار من المال، فشانه شان الصبي الذي يرى
المعزم الحاذق ياخذ بالحية و يتصرف بها لياخذ ترياقها، فيقتدى به و ياخذها
مستحسنا صورتها و شكلها و مستلينا جلدها فتقتله في الحال. الا ان قتيل الحية يدري
انه قتيل، و قتيل المال قد لا يعرف ذلك. و كما يمتنع ان يتشبه الاعمى بالبصير في
التخطى قلل الجبال و اطراف البحار و الطرق المشوكة، فيمتنع ان يتشبه العامى
الجاهل بالعالم الكامل في الاستكثار من المال.

وصل


(الزهد)


ضد حب الدنيا و الرغبة اليها هو (الزهد) ، و هو الا يريد الدنيا بقلبه، و يتركها
بجوارحه، الا بقدر ضرورة بدنه. و بعبارة اخرى: هو الاعراض من متاع الدنيا و
طيباتها، من الاموال و المناصب و سائر ما يزول بالموت. و بتقرير آخر: هو
الرغبة عن الدنيا عدولا الى الآخرة، او عن غير الله، عدولا الى الله، و هو الدرجة
العليا. فمن رغب عن كل ما سوى الله حتى الفراديس، و لم يحب الا الله، فهو الزاهد
المطلق. و من رغب عن حظوظ الدنيا خوفا من النار او طمعا في نعيم الجنة، من
الحور و القصور و الفواكه و الانهار، فهو ايضا زاهد، و لكنه دون الاول. و من ترك
بعض حظوظ الدنيا دون بعض، كالذي يترك المال دون الجاه، او يترك التوسع في الاكل
دون التجمل في الزينة، لا يستحق اسم الزاهد مطلقا. و بما ذكر يظهر: ان الزهد انما
يتحقق اذا تمكن من نيل الدنيا و تركها، و كان باعث الترك هو حقارة المرغوب عنه
و خساسته، اعنى الدنيا بالاضافة الى المرغوب اليه و هو الله و الدار الآخرة. فلو
كان الترك لعدم قدرته عليها، او لغرض غير الله تعالى غير الدار الآخرة، من حسن
الذكر، و استمالة القلوب، او الاشتهار بالفتوة و السخاء، او الاستثقال لما في
حفظ الاموال من المشقة و العناء، او امثال ذلك، لم يكن من الزهد اصلا.

فصل


(مدح الزهد)


الزهد احد منازل الدين و اعلى مقامات السالكين. قال الله سبحانه:

«فخرج على قومه في زينته. . . و قال الذين اوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير» (30) .

فنسب الزهد الى العلماء، و وصف اهله بالعلم، و هو غاية المدح.

و قال:

«و لا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه و
رزق ربك خير و ابقى » (31) .

و قال: «و من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و ماله في الآخرة من نصيب » (32) .

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «من اصبح و همه الدنيا، شتت الله عليه امره،
و فرق عليه ضيعته، و جعل فقره بين عينيه، و لم يؤته من الدنيا الا ما كتب له. و من
اصبح و همه الآخرة، جمع الله له همه، و حفظ عليه ضيعته، و جعل غناه في قلبه، و اتته
الدنيا و هي راغمة »

و قال صلى الله عليه و آله: «اذا رايتم العبد قد اعطى صمتا و زهدا في الدنيا
فاقتربوا منه، فانه يلقى الحكمة » . و قال صلى الله عليه و آله:

«من اراد ان يؤتيه الله علما بغير تعلم، و هدى بغير هداية، فليزهد في الدنيا» . و قال
صلى الله عليه و آله: «ازهد في الدنيا يحبك الله. و ازهد فيما في ايدي الناس يحبك
الناس » و قال-صلى الله عليه و آله-لامير المؤمنين عليه السلام: «يا علي، من عرضت
له دنياه و آخرته فاختار الآخرة و ترك الدنيا فله الجنة، و من اختار الدنيا
استخفافا بآخرته فله النار» و قال-صلى الله عليه و آله-: «سيكون بعدي قوم لا يستقيم
لهم الملك الا بالقتل و التجبر، و لا الغنى الا بالفخر و البخل، و لا المحبة الا
باتباع الهوى. الا فمن ادرك ذلك الزمان منكم، فصبر على الفقر و هو يقدر على الغناء،
و صبر للبغضاء و هو يقدر على المحبة، و صبر على الذل و هو يقدر على العز، لا يريد بذلك
الا وجه الله، اعطاه الله ثواب خمسين صديقا» . و قال-صلى الله عليه و آله-: بعد ما
سئل على معنى شرح الصدر للاسلام-: «ان النور اذا دخل القلب انشرح له و انفسح قيل: يا
رسول الله، و هل لذلك من علامة؟ قال: «نعم! التجافي عن دار الغرور، و الانابة الى
دار الخلود، و الاستعداد للموت قبل نزوله »

و قال-صلى الله عليه و آله-: «استحيوا من الله حق الحياء» ، قالوا انا لنستحيي منه
تعالى، قال: «فليس كذلك، تبنون ما لا تسكنون، و تجمعون ما لا تاكلون » . و روى: «انه
قدم عليه بعض الوفود. و قالوا انا مؤمنون. قال: و ما علامة ايمانكم؟ فذكروا
الصبر عند البلاء، و الشكر عند الرخاء، و الرضى بمواقع القضاء، و ترك الشماتة
بالمصيبة اذا نزلت بالاعداء. فقال-صلى الله عليه و آله-: ان كنتم كذلك، فلا
تجمعوا ما لا تاكلون، و لا تبنوا ما لا تسكنون، و لا تنافسوا فيما عنه ترحلون » ،
فجعل الزهد من مكملات ايمانهم. و قال-صلى الله عليه و آله-: «من جاء بلا اله الا
الله، لا يخلط معها غيرها، وجبت له الجنة » ، و فسر (غيرها) (بحب الدنيا و طلبها. و
قال صلى الله عليه و آله: «من زهد في الدنيا، ادخل الله الحكمة قلبه، فانطق بها
لسانه، و عرفه داء الدنيا و دواءها، و اخرجه منها سالما الى دار السلام » . و
روى: «ان بعض زوجاته بكت مما رات به من الجوع، و قالت له: يا رسول الله، الا
تستطعم الله فيطعمك؟ فقال: و الذى نفسى بيده! لو سالت ربي ان يجرى معى جبال
الدنيا ذهبا لاجراها حيث شئت من الارض، و لكني اخترت جوع الدنيا على شبعها، و
فقر الدنيا على غنائها، و حزن الدنيا على فرحها. ان الدنيا لا تنبغي لمحمد و لا لآل
محمد. ان الله لم يرض لاولى العزم من الرسل الا الصبر على مكروه الدنيا و الصبر
عن محبوبها، ثم لم يرض لى الا ان يكلفنى مثل ما كلفهم، فقال:

«فاصبر كما صبر اولو العزم من الرسل » (33) .

و الله مالى بد من طاعته! و اني و الله لاصبرن كما صبروا بجهدى و لا قوة الا
بالله! » . . و قال-صلى الله عليه و آله-: «لا يستكمل العبد الايمان حتى يكون الا يعرف
احب اليه من ان يعرف، و حتى يكون قلة الشي ء احب اليه من كثرته » . و قال-صلى الله
عليه و آله- «اذا اراد الله بعبد خيرا، زهده في الدنيا، و رغبه في الآخرة، و بصره
بعيوب نفسه »

و قال-صلى الله عليه و آله-: «من اشتاق الى الجنة سارع الى الخيرات و من خاف من
النار لهى عن الشهوات، و من ترقب الموت ترك اللذات، و من زهد فى الدنيا هانت
عليه المصيبات » . و قال-صلى الله عليه و آله-:

«ان ربى عز و جل عرض على ان يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت:

لا يا رب، و لكن اجوع يوما و اشبع يوما، فاما اليوم الذي اجوع فيه فاتضرع
اليك و ادعوك، و اما اليوم الذي اشبع فيه فاحمدك و اثنى عليك » .

و روى: «انه-صلى الله عليه و آله-: خرج ذات يوم يمشي و معه جبرئيل، فصعد على الصفا،
فقال له رسول الله-صلى الله عليه و آله-:

يا جبرئيل، و الذى بعثك بالحق! ما امسى لآل محمد كف سويق و لا سفة دقيق فلم يتم
كلامه باسرع من ان سمع هدة من السماء افزعته، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله:
امر الله القيامة ان تقوم؟ قال: لا!

و لكن هذا اسرافيل عليه السلام قد نزل اليك حين سمع كلامك. فاتاه اسرافيل،
فقال: ان الله-عز و جل-سمع ما ذكرت، فبعثنى بمفاتيح الارض، و امرني ان اعرض عليك
ان احببت ان اسير معك جبال تهامة زمردا و ياقوتا و ذهبا و فضة فعلت، و ان شئت
نبيا ملكا، و ان شئت نبيا عبدا. فاوما اليه جبرئيل ان تواضع لله. فقال: «نبيا
عبدا، ثلاثا»

و قال-صلى الله عليه و آله-: «قال الله تعالى: ان من اغبط اوليائى عندى رجلا حفيف
الحال ذا حظ من صلاة، احسن عبادة ربه بالغيب و كان غامضا في الناس، جعل رزقه
كفافا فصبر عليه، عجلت منيته فقل تراثه و قل بواكيه » (34) و عن علي بن
الحسين-صلوات الله عليهما- قال: «مر رسول الله-صلى الله عليه و آله-: براعى ابل،
فبعث يستسقيه، فقال: اما ما في ضروعها فصبوح الحي، و اما في آنيتنا فغبوقهم
فقال رسول الله-صلى الله عليه و آله-: اللهم كثر ماله و ولده. ثم مر براعى غنم،
فبعث اليه يستسقيه، فحلب له ما في ضروعها و اكفا ما في اناءه في اناء رسول
الله-صلى الله عليه و آله-، و بعث اليه بشاة، و قال: هذا ما عندنا، و ان احببت ان
نزيدك زدناك، قال: رسول الله-صلى الله عليه و آله-: اللهم ارزقه الكفاف. فقال له بعض
اصحابه: يا رسول الله دعوت للذي ردك بدعاء عامتنا نحبه، و دعوت للذي اسعفك
بحاجتك بدعاء كلنا نكرهه. فقال رسول الله-صلى الله عليه و آله: ان ما قل و كفى خير
مما كثر و الهى. اللهم ارزق محمدا و آل محمد الكفاف » (35) و قال امير المؤمنين عليه
السلام: «الناس ثلاثة: زاهد، و صابر، و راغب.

فاما الزاهد، فقد خرجت الاحزان و الافراح من قلبه، فلا يفرح بشي ء من الدنيا و لا
ياسى على شي ء منها فاته، فهو مستريح. و اما الصابر، فانه يتمناها بقلبه، فاذا
نال منها الجم نفسه عنها بسوء عاقبتها و شناءتها و لو اطلعت على قلبه لعجبت من
عفته و تواضعه و حزمه. و اما الراغب، فلا يبالى من اين جاءته، من حلها او
حرامها، و لا يبالي ما دنس فيها عرضه و اهلك نفسه و اذهب مروته، فهم في غمرته
يعمهون و يضطربون » .

و قال عليه السلام: «ان من اعون الاخلاق على الدين الزهد في الدنيا» و قال عليه
السلام: «من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا و لا عن النار مهربا: عرف الله
فاطاعه، و عرف الشيطان فعصاه، و عرف الدنيا فتركها، و عرف الآخرة فطلبها، و
عرف الباطل فاتقاه، و عرف الحق فاتبعه » . و قال-عليه السلام-: «من اشتاق الجنة
سارع الى الخيرات و من خاف النار نهى عن الشهوات، و من ترقب الموت ترك
اللذات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات » . و قال عليه السلام: «ان علامة
الراغب فى ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا، اما ان زهد الزاهد في هذه
الدنيا لا ينقصه مما قسم الله عز و جل له فيها و ان زهد و ان حرص الحريص على عاجل
زهرة الدنيا لا يزيده فيها و ان حرص. فالمغبون من حرم حظه من الآخرة (36) و قال علي
بن الحسين-عليهما السلام-: «ما من عمل بعد معرفة الله عز و جل و معرفة رسوله صلى
الله عليه و آله افضل من بغض الدنيا. . . الحديث » (37) و قال الباقر عليه السلام:
«اكثر ذكر الموت، فانه لم يكثر انسان ذكر الموت الا زهد في الدنيا» . و قال
عليه السلام: «قال الله تعالى: و عزتي و جلالي و عظمتي و بهائي و علو ارتفاعي لا يؤثر
عبد مؤمن هواى على هواه في شي ء من امر الدنيا، الا جعلت غناه في نفسه، و همته في
آخرته، و ضمنت السماوات و الارض رزقه، و كنت له من وراء تجارة كل تاجر» . و قال
عليه السلام: «اعظم الناس قدرا من لا يناول الدنيا في يد من كانت، فمن كرمت عليه
نفسه صغرت الدنيا في عينيه، و من هانت عليه نفسه كبرت الدنيا في عينيه » .

و قال الصادق-عليه السلام-: «جعل الخير كله في بيت، و جعل مفتاحه الزهد في الدنيا» .
و قال-عليه السلام-: «ما كان شي ء احب الى رسول الله-صلى الله عليه و آله-من ان يظل
خائفا جائعا في الله تعالى » . و قال عليه السلام: «اذا اراد الله بعبد خيرا، زهده
في الدنيا و فقهه في الدين، و بصره عيوبها. و من اوتيهن فقد اوتى خير الدنيا و
الآخرة و قال عليه السلام: «لم يطلب احد الحق بباب افضل من الزهد في الدنيا»

و هو ضد لما طلب اعداء الحق، قلت: جعلت فداك، مما ذا؟ قال:

«من الرغبة فيها» ، و قال: «الا من صبار كريم؟ فانما هى ايام قلائل الا انه
حرام عليكم ان تجدوا طعم الايمان حتى تزهدوا في الدنيا (38) و قال عليه السلام:
«الزهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار، و هو تركك كل شي ء يشغلك عن الله من
غير تاسف على فوتها، و لا اعجاب في تركها، و لا انتظار فرج منها و لا طلب محمدة
عليها، و لا عوض منها، بل يرى فوتها راحة و كونها آفة و يكون ابدا هاربا من الآفة
معتصما بالراحة و الزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا و الذل على العز و الجهد
على الراحة و الجوع على الشبع و عافية الآجل على محبة العاجل و الذكر على الغفلة، و
تكون نفسه في الدنيا و قلبه في الآخرة » ، و قال الرضا عليه السلام:

«من اصبح و امسى معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه فكانما خيرت له
الدنيا» .

و كفى للزهد فضيلة و مدحا انه اعرف صفات الانبياء و الاولياء، و لم يبعث نبي الا
به، و لو لم يتوقف التقرب الى الله و النجاة في دار الآخرة عليه، لما ضيق عظماء
نوع الانسان و اعرف الناس بحقيقة الحال على انفسهم في فطامها عن شهوات
الدنيا و لذاتها.

فانظر الى كليم الله موسى-عليه السلام-كيف كان غالب قوته نبت الارض و اوراق
الاشجار، و كان ضعف بدنه من كثرة رياضته، بحيث ترى الخضرة من صفاق بطنه، كما
اخبر به امير المؤمنين-عليه السلام- في نهج البلاغة. ثم انظر الى روح الله عليه
السلام كيف يلبس الشعر و ياكل الشجر، و لم يكن له ولد يموت و لا بيت يخرب و لا يدخر
لغد، اينما يدركه المساء نام، و قال له الحواريون يوما: يا نبى الله لو امرتنا
ان نبي بيتا تعبد الله فيه » ، قال «اذهبوا فابنوا بيتا على الماء» فقالوا:

كيف يستقيم بنيان على الماء؟ قال: «فكيف تستقيم عبادة على حب الدنيا» و روى:
«انه اشتد به يوما المطر و الرعد و البرق، فجعل يطلب بيتا يلجا اليه، فرفعت
اليه خيمة من بعيد فاتاها فاذا فيها امراة فحاد عنها فاذا هو بكهف في جبل
فاتاه فاذا فيه اسد، فوضع يده عليه و قال:

«الهي جعلت لكل شي ء ماوى و لم تجعل لي ماوى » فاوحى الله اليه «ماواك في مستقر من
رحمتي، لازوجنك يوم القيامة الف حوراء خلقتها بيدى، و لاطعمنك في عرسك اربعة
آلاف عام، يوم منها كعمر الدنيا، و لآمرن مناديا ينادى اين الزهاد في الدنيا،
زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم » .

ثم انظر الى يحيى بن زكريا، حيث يلبس المسوح حتى ثقب جلده تركا للتنعم بلين
اللباس و استراحة حس اللمس فسالته امه ان يلبس مكانها جبة من صوف ففعل،
فاوحى الله اليه: «يا يحيى آثرت علي الدنيا» ، فبكى و نزع الصوف و عاد الى ما
كان عليه.

ثم افتح بصيرتك و تامل في سيرة رسول الله-صلى الله عليه و آله- و زهده في الدنيا،
فانه لبث في النبوة ما لبث، و لم يشبع هو و اهل بيته غدوة الا جاعوا عشية، و لم
يشبعوا عشية الا جاعوا غدوة، و لم يشبع من التمر هو و اهل بيته حتى فتح الله
عليهم خيبر، و قرب اليه يوما طعاما على مائدة فيها ارتفاع، فشق ذلك عليه حتى
تغير لونه، فامر بالمائدة فرفعت و وضع الطعام على الارض، و كان ينام على عباءة
مثنية فثنوها له ليلة اربع طاقات فنام عليها، فلما استيقط قال منعتموني قيام
الليلة هذه بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها، و كان يضع ثيابه
لتغسل فياتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به الى الصلاة حتى
تجف ثيابه فيخرج بها الى الصلاة. و روى: «ان امراة من بنى ظفر صنعت له صلى الله
عليه و آله كساءين ازارا و رداء و بعثت اليه باحدهما قبل ان يبلغ الآخر فخرج
الى الصلاة و هو مشتمل به ليس عليه غيره قد عقد طرفيه الى عنقه فصلى كذلك » .

و شدة زهد علي عليه السلام و تركه الدنيا اشهر من ان يحتاج الى بيان، و كذا من
بعده من الائمة الراشدين و الاصحاب و التابعين و غيرهم من اكابر الدين و السلف
الصالحين، حتى كان احدهم يعيش خمسين سنة و ستين لم يطو له ثوب و لم ينصب له قدر و
لم يجعل بينه و بين الارض شيئا و لا امر من في بيته بصنعة طعام، فعلى اطرافهم
يقومون و وجوهم على الارض يفترشون تجرى دموعهم على خدودهم و يناجون ربهم في فكاك
رقابهم من النار.

و قد حكى ان بعض الخلفاء ارسل الى بعضهم بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها فشق ذلك على
اهله، فقال اتدرون؟ ما مثلى و مثلكم الا كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها
فلما هرمت ذبحوها لينتفعوا بجلدها، فكذلك انتم اردتم ذبحى على كبر سنى
فموتوا جوعا خير لكم من ان تذبحونى. و قد بلغ بعضهم من الزهد بحيث يطلب لقيام
الليل موضعا لا يصيبه نسيم الاسحار خيفة من الاستراحة به. و كان لبعضهم حب مكسور،
فيه ماؤه، لا يرفعه من الشمس و يشرب الماء الحار و يقول من وجد لذة الماء البارد
يشق عليه مفارقة الدنيا. فياحبيبي افق من سكر الهوى و اعرف المضادة التي بين
الآخرة و الدنيا، و اقتد بالواقفين على جلية الحال و المطلعين على حقيقة المآل في
المواظبة على الزهد و التقوى و فطام النفس عن لذائذ الدنيا، فان ذلك و ان كان
شاقا فمدته قريبة، و الاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التاييد لا يثقل على اهل المعرفة
القاهرين انفسهم بسياسة الشرع المبين المعتصمين بعروة اليقين بما وعد الله
في الآخرة لعباده الزاهدين.

فصل


(اعتبارات الزهد و درجاته)


اعلم ان للزهد اعتبارات تتحقق له بكل اعتبار درجات:

(الاول) اعتبار نفسه اى من حيث نفس الترك للدنيا و بهذا الاعتبار له درجات
ثلاث: (الاولى) ان يزهد في الدنيا مع ميله اليها و حبه لها بان يكف نفسه عنها
بالمجاهدة و المشقة، و هذا هو التزهد. (الثانية)

ان يترك الدنيا طوعا و سهولة من دون ميل اليها لاستحقاره اياها بالاضافة الى
ما يطمع فيه من لذات الآخرة، و هذا كالذي يترك درهما لاجل درهمين معاوضة فانه لا
يشق عليه ذلك و ان كان يحتاج الى قليل انتظار، و مثله ربما اعجب بنفسه و بزهده
لاحتمال ان يظن بنفسه انه ترك شيئا له قدر لما هو اعظم قدرا منه. (الثالثة) و هي اعلى
الدرجات ان يترك الدنيا طوعا و شوقا و لا يرى انه ترك شيئا، اذ عرف ان الدنيا لا
شي فيكون كمن ترك خنفساء و اخذ ياقوتة صافية حمراء، فلا يرى ذلك معاوضة و لا يرى
نفسه تاركا شيئا و سبب هذا الترك كمال المعرفة، فان العارف على يقين بان
الدنيا بالاضافة الى الله و نعيم الآخرة اخس من خنفساء بالنظر الى ياقوتة، هذا
الزاهد في امن من خطر الالتفات الى الدنيا، كما ان تارك الخنفساء بالياقوتة في
امن من طلب الاقالة في البيع.

و قد ذكر ارباب القلوب من اهل المعرفة ان مثل تارك الدنيا بالآخرة مثل من منعه عن
باب الملك كلب يكون في بابه فالقى اليه لقمة خبز نالها من موائد الملك فشغله
بنفسه و دخل الباب و نال غاية القرب من الملك حتى نفذ امره في جميع مملكته،
افترى انه يرى لنفسه عوضا عند الملك بلقمة خبز القاها الى كلب في مقابلة ما يناله
مع كون هذه اللقمة ايضا من الملك. فالشيطان كلب على باب الله يمنع الناس من
الدخول، مع ان الباب مفتوح و الحجاب مرفوع و الدنيا كلقمة خبز ان اكلها
فلذتها في حال المضغ و تنقضي على القرب بالابتلاع ثم يبقى ثقله في المعدة ثم
ينتهى الى النتن و القذر و يحتاج الى اخراجه، فمن تركها لينال عز الملك كيف
يلتفت اليها. و لا ريب في نسبة الدنيا لكل شخص اعني ما يسلم له منها و ان عمر الف سنة
بالاضافة الى نعيم الآخرة اقل من لقمة بالاضافة الى ملك الدنيا، اذ لا نسبة
للمتناهي الى غير المتناهي، و الدنيا متناهية، و لو كانت تتمادى الف الف سنة
صافية عن كل كدورة لكان لا نسبة لها الى الابد فكيف و مدة العمر قصيرة و لذاتها
مكدرة غير صافية فاى نسبة لها اى نعيم الابد.

(الثاني) اعتبار المرغوب عنه اعني ما يترك و بهذا الاعتبار له خمس درجات:

(الاولى) ان يترك المحرمات و هو الزهد في الحرام، و يسمى زهد فرض. (الثانية)
ان يترك المشتبهات ايضا و هو الزهد في الشبهة، و يسمى زهد سلامة.

(الثالثة) ان يزهد في الزائد عن قدر الحاجة من الحلال ايضا و لا يزهد في التمتع
بالقدر الضروري من المطعم و الملبس و المسكن و اثاثه و المنكح و ما هو وسيلة
اليها من المال و الجاه، و الى هذه الدرجات كلا او بعضا اشار مولانا امير
المؤمنين عليه السلام بقوله: «كونوا على قبول العمل اشد عناية منكم على العمل، الزهد
في الدنيا قصر الامل و شكر كل نعمة و الورع عن كل ما حرم الله عز و جل » (39) و مولانا
الصادق عليه بقوله:

«الزهد في الدنيا ليس باضاعة المال و لا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا الا تكون
بما في يدك اوثق بما في بد الله عز و جل » (40) و هذا مع ما ياتي بعده هو الزهد في الحلال،
و يسمى زهد ثقل.

(الرابعة) ان يترك جميع ما للنفس فيه تمتع و يزهد فيه و لو في قدر الضرورة، لا بمعنى
ترك هذا القدر بالمرة، اذ ذلك متعذر، بل تركه من حيث التمتع به و ان ارتكبه
اضطرارا من قبيل اكل الميتة مع الاكراه له باطنا، و هذا يتناول ترك جميع
مقتضيات الطبع من الشهوة و الغضب و الكبر و الرئاسة و المال و الجاه و غيرها،
و الى هذه الدرجة اشارة الصادق عليه السلام بقوله: (الزاهد في الدنيا الذي يترك
حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عذابه) و اليها يرجع قول امير
المؤمنين عليه السلام: (الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه:

«لكيلا تاسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم » (41) .

فمن لم ياس على الماضي و لم يفرح بالآتي فقد اخذ الزهد بطرفيه (42)

و قوله عليه السلام (الزهد في الدنيا ثلاثة احرف: زاء و هاء و دال اما الزاء فترك
الزينة و اما الهاء فترك الهوى و اما الدال فترك الدنيا» .

(الخامسة) ان يترك جميع ما سوى الله و يزهد فيه حتى في بدنه و نفسه ايضا بحيث
كان ما يصحبه و يرتكبه في الدنيا الجاء و اكراها من دون استلذاذ و تمتع به،
و الى هذه الدرجة اشار مولانا الصادق-عليه السلام-في كلامه المنقول سابقا (ص 62)
حيث قال: «الزهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار و هو تركك كل شي ء يشغلك عن
الله من غير تاسف على فوقها و لا اعجاب في تركها و لا انتظار فرج منها و لا طلب
محمدة عليها و لا عوض منها بل يرى فوتها راحة و كونها آفة » الى آخر الحديث (43) .

ثم الالتفات الى بعض ما سوى الله و الاشتغال به ضروري كضرورة الاكل و اللبس و
مخالطة الناس و مكالمتهم و امثال ذلك، لا ينافي هذه المرتبة من الزهد، اذ معنى
الانصراف من الدنيا الى الله تعالى انما هو الاقبال بكل القلب اليه تعالى
ذكرا و فكرا، و هذا لا يتصور بدون البقاء و لا بقاء الا بضرورات المعيشة، فمتى
اقتصر من الدنيا عليها قصدا لدفع المهلكات عن البدن و الاستعانة بالبدن على
العبادة و سائر ما يقربه الى الله لم يكن مشتغلا بغير الله، اذ ما لا يتوصل الى
الشي ء الا به فهو منه، فالمشتغل بعلف دابته في طريق الحج ليس معرضا عن الحج، و لكن
ينبغي ان يكون البدن في طريق الله مثل الدابة في طريق الحج، فكما ان قصدك من تهيئة
ما تحتاج اليه دابتك دفع المهلكات عنها حتى تسير بك الى مقصدك دون تنعمها،
فكذلك ينبغي ان يكون قصدك من الاكل و الشرب و اللباس و السكنى صيانة بدنك عما يهلكك
من الجوع و العطش و الحر و البرد فتقتصر على قدر الضرورة و تقصد به التقوى على
طاعة الله دون التلذذ و التنعم، و ذلك لا ينافي الزهد بل هو شرطه، ثم ترتب التلذذ
على ذلك لا يضرك اذا لم يكن مقصودا بالذات لك فان الانسان قد يستريح في قيام
الليل بنسيم الاسحار و صوت الطيور و هذا لا يضر بعبادته اذا لم يقصد طلب موضع
خاص لهذه الاستراحة على انه لا لذة حقيقة في الاكل و الشرب و اللباس و انما تندفع
بها آلام الجوع و العطش و الحر و البرد.

ثم لا يخفى ان الفضول من امور الدنيا من المطعم و المشرب و الملبس و المسكن و
اثاثه و المنكح و المال و الجاه ينبغي تركها و الزهد فيها اذ الاخذ بما لا
يحتاج اليه ينافي الزهد. (و اما) غير الفضول مما يحتاج اليه الانسان و يكون
مهما له من الامور الثمانية، فينبغي الا يترك الزهد فيها، اذ ما هو المهم
الضروري يتطرق اليه فضول في مقداره و جنسه و اوقاته فينبغي الا يترك الزهد فيه
ايضا.

و مقتضى غاية الزهد فيه ان يقتصر من القوت على قوت يومه و ليلته فان كان عنده
ازيد من ذلك فليبذله على بعض المستحقين، فان اقتصر من جنسه على خبز الشعير
فهو نهاية الزهد في القوت، الا ان اكل خبز الحنطة في بعض الاحيان بل اكل ادام
واحد في بعض الاوقات اذا لم يكن من اللذائذ الشديدة من اطعمة المتنعمين من اهل
الدنيا لا ينافي الزهد، و ربما لم يكن اكل اللحم في بعض الاحيان منافيا له. و
يقتصر من (اللباس)

بعد كونه من القطن او الصوف على ما يستر الاعضاء و يحفظها من الحر و البرد و
لا باس بكونه اثنين ليلبس الآخر عند غسل احدهما. و من (المسكن)

على ما يحفظ نفسه و اهله من الحر و البرد. و من (اثاثه) اعني الفرش و الظرف و
القدر و الكوز و امثال ذلك، ما يدفع حاجته من غير تعد الى ما يمكن زوال ضرورته
بدونه. و من (المنكح) على ما تنكسر به سورة شبقة و يحفظه عن النظر و الوساوس الشهوية
المانعة عن الحضور في العبادات و من (المال) على ما يقتضى به حاجة يومه
بليلته فان كان كاسبا فاذا اكتسب حاجة يومه فليترك كسبه و يشتغل بامر
الدين، و ان كانت له ضيعة و لم يكن له مدخل آخر يمكن ان يصل اليه كل يوم قدر حاجته
فيه فالظاهر عدم خروجه عن الزهد بامساك قدر ما يكفي لسد رمقه بسنة واحدة بشرط ان
يتصدق بكل ما يفضل من كفاية نفقته. و ربما قيل ان مثله من ضعفاء الزهاد، بمعنى ان ما
وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات العالية و الدرجات الرفيعة لا يناله، و
ان صدق عليه كونه زاهدا، اذ مثله ليس له قوة اليقين، لان صاحب اليقين الواقعي
اذا كان له قوت يومه لا يدخر شيئا لغده و من شرط التوكل في الزهد، فلا يكون هذا من
الزهاد عنده. و هذا غاية الزهد في الامور المذكورة، و عليه جرت طوائف الانبياء و
زمرة الاوصياء و من بعدهم من السلف الاتقياء. و الحق ان حكم الزهد فيها يختلف
باختلاف الاشخاص و الاوقات فان امر المتفرد فى جميع ذلك اخف من امر المعيل،
و من قصر جميع همه على تحصيل العلم و العمل و لم يقدر على كسب، حاله يخالف حال اهل
الكسب، و كذا في بعض الاوقات و في بعض الاماكن يمكن تحصيل قدر الحاجة في كل
يوم و في بعض آخر منها لا يمكن ذلك، فاللائق لكل احد ان يلاحظ حاله و وقته و مكانه و
يتامل في ان الاصلح بامر آخرته و الاعون على تحصيل ما خلق لاجله امساك اى قدر من
المال و صرف اي قدر و جنس من القوت، بحيث لو كان اقل منه لم يتمكن من تحصيل ما
يقربه الى ربه فياخذ به و يترك الزائد، فان بعد صحة النية و خلوص القصد في ذلك لا
يخرج به عن الزهد الواقعي و ان تصور الاكتفاء باقل من ذلك مع ايجابه لفقد ما هو
اهم في تكميل النفس.

و اما (الجاه) فقد تقدم ان القدر الضرورى منه في امر المعيشة كتحصيل منزلة في قلب
خادمه ليخدمه، و في قلب السلطان ليدفع الاشرار عنه، لا باس به، فالظاهر عدم
منافاة هذا القدر للزهد، و قال بعض العلماء: (هذا القدر و ان لم يكن به باس الا انه
يتمادى الى هاوية لا عمق لها و من حام حول الحمى يوشك ان يقع فيه) و انما
يحتاج الى المحل في القلوب اما لجلب نفع او لدفع ضرر او لخلاص من ظلم، اما النفع
فيغني عنه المال فان من يخدم باجرة يخدم و ان لم يكن لمستاجره عنده قدر، و انما
يحتاج الى الجاه في قلب من يخدم بغير اجرة، و معلوم ان من اراد ان يخدم بغير
اجرة فهو من الظالمين فكيف يكون من الزاهدين. و اما دفع الضرر فيحتاج
لاجله الى الجاه في بلد لا يكمل العدل فيها و ان يكون بين جيران يظلمونه و لا يقدر
على دفع شرهم الا بمحل له في القلوب او محل له عند السلطان. و قدر الحاجة فيه لا
ينضبط لا سيما اذا انضم اليه الخوف و سوء الظن بالعواقب، و الخائض في طلب
الجاه سالك طريق الهلاك، بل حق الزاهد الا يسعى لطلب المحل في القلوب اصلا، فان
اشتغاله بالدين و العبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع عنه الاذى و لو
كان بين الكفار فكيف بين المسلمين. و اما التوهمات و التقديرات التي تخرج
الى الزيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهى اوهام كاذبة، اذ من طلب
الجاه ايضا لم يخل عن اذى في بعض الاوقات فعلاج ذلك بالاحتمال و الصبر اولى
من علاجه بطلب الجاه، فاذن طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه اصلا و اليسير منه
داع الى الكثير و ضراوته اشد من ضراوة الخمر فليحترز من قليله و كثيره، نعم ما
اعطاه الله لبعض عبيده من دون سعيه في طلبه لنشر دينه او لاتصافه ببعض الكمالات
المختصة لحصول منزلة له في القلوب فليس به باس و لا ينافى الزهد، فان جاه رسول
الله-صلى الله عليه و آله و سلم-كان اوسع الجاه مع كونه ازهد الناس.

و الحق كما تقدم ان الجاه كالمال في نفى الباس من قدر يضطر اليه الانسان
اذا وقع في زمان او بلد توقف امر معيشته عليه، فالقدر الضروري منهما غير محذور و
غير مناف للزهد، و الزائد على الحاجة سم قاتل، فلا ينبغي ان ينسب المقتصر على
الضرورة الى الدنيا، بل ذلك القدر من الدين لانه من شرطه و الشرط من جملة
المشروط، و يدل عليه ما روى ان ابراهيم عليه السلام اصابته حاجة فذهب الى صديق
له يستقرض شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما، فاوحى الله تعالى اليه: (لو سالت خليلك
لاعطاك) ، فقال يا رب: (عرفت مقتك للدنيا فخفت ان اسالك منها) ، فاوحى الله اليه:
(ليس الحاجة من الدنيا) و يدل عليه ايضا كلام الصادق-عليه السلام-مع سفيان
الثورى كما اورده بطوله شيخنا الاقدم رحمه الله في جامعه الكافي.

فاذن قدر الحاجة من الدين و ما وراءه و بال في الاخرة، بل في الدنيا ايضا، و
يعرف ذلك بالتامل في احوال الاغنياء و ما عليهم من المحنة في كسب المال و جمعه
و حفظه و تحمل الذل فيه، و غاية سعادته ان يتركه لورثته، فياكلونه و هم اعداؤه،
او يستعينون به على المعصية، فيكون معينا لهم عليها، و لذلك شبه جامع الدنيا و
تابع الشهوات بدود القز، لا يزال ينسج على نفسه حتى يقتلها، ثم يروم الخروج فلا
يجد مخلصا فيموت و يهلك بسبب العمل الذى عمله بنفسه كما قيل في ذلك:

الم تر ان المرء طول حياتهمعنى بامر لا يزال يعالجه كدود كدود القز ينسج دائماو
يهلك غما وسط ما هو ناسجه فكل مكب على الدنيا متبع للشهوات لا يزال يقيد نفسه
بسلاسل و اغلال لا يقدر على قطعها، الى ان يفرق ملك الموت بينه و بين شهواته دفعة،
فتبقى السلاسل من قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته و خلفها، و هي تجاذبه الى
الدنيا، و مخالب ملك الموت قد تعلقت بعروق قلبه تجذبه الى الاخرة فاهون احواله
عند الموت ان يكون مثل شخص ينشر بالمناشير و يفصل احد جانهبه عن الاخر. فهذا اول
عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرات نزوله في اسفل السافلين و منعه عن اعلى عليين
و جوار رب العالمين. فبالنزوع الى الدنيا يحجب عن لقاء الله، و عند الحجاب
تتسلط عليه نار جهنم، اذ النار لكل محجوب معدة، كما قال الله تعالى:

«كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ثم انهم لصالوا الجحيم » (44) .

و لما انكشف لارباب القلوب ان العبد يهلك نفسه باتباع الهوى و الخوض في
الدنيا اهلاك دود القز نفسه، رفضوا الدنيا بالكلية. فنسال الله تعالى ان يقرر في
قلوبنا ما نفث في روع حبيبه صلى الله عليه و آله، حيث اوحى اليه: «احبب ما
احببت، فانك مفارقه » .

(الثالث) اعتبار المرغوب فيه: اعنى ما يترك لاجله. و له بهذا الاعتبار ثلاث
درجات. الاولى: ان يكون المرغوب فيه النجاة من النار و سائر عذاب الاخرة، و
هذا زهد الخائفين. الثانية: ان يكون ثواب الله و نعيم الجنة، و هذا زهد الراجين.
الثالثة: و هي الدرجة العليا: الا تكون له رغبة الا في الله و في لقائه، فلا يلتفت الى
الآلام ليقصد منها الخلاص و لا الى اللذات ليقصد نيلها، بل كان مستغرق الهم بالله،
و هذا زهد العارفين، لانه لا يحب الله خاصة الا من عرفه بصفاته الكمالية. فكما
ان من عرف الدينار و الدرهم، و علم انه لا يقدر على الجمع بينهما، لم يحب الا
الدينار. كذلك من عرف الله، و عرف لذة النظر الى وجهه الكريم و عرف ان الجمع
بين تلك اللذة و لذة التنعم بالحور العين و النظر الى القصور و خضرة الاشجار
غير ممكن، فلا يحب الا لذة النظر و لا يؤثر غيره.

و قال بعض العرفاء: و لا تظنن ان اهل الجنة عند النظر الى وجه الله تعالى ييقى للذة
الحور و القصور متسع في قلوبهم، بل تلك اللذة بالاضافة الى لذة نعيم الجنة، كلذة
ملك الدنيا و الاستيلاء على اطراف الارض و رقاب الخلق، بالاضافة الى لذة
الاستيلاء على عصفور و اللعب به و الطالبون لنعيم الجنة، عند اهل المعرفة و ارباب
القلوب، كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة الملك، و ذلك لقصوره عن ادراك
لذة الملك، لا لان اللعب بالعصفور في نفسه اعلى و الذ من الاستيلاء بطريق الملك
على كافة الخلق.

تتميم


الزهد الحقيقي


لا تظنن ان كل من يترك مال الدنيا انه زاهد، فان ترك المال و اظهار التضييق و
الخشونة في الماكل و الملبس سهل على من احب المدح بالزهد.

فكم من الرهبان و المرائين تركوا مال الدنيا و روضوا (45) انفسهم كل يوم على قدر
قليل من القوت، و اكتفوا من المسكن باى موضع اتفق لهم، و كان غرضهم من ذلك ان
يعرفهم الناس بالزهد و يمدحهم عليه، فهم تركوا المال لنيل الجاه. فالزهد الحقيقي
ترك المال و الجاه، بل جميع حظوظ النفس من الدنيا. و علامة ذلك استواء الغنى و
الفقر و الذم و المدح و الذل و العز لاجل غلبة الانس بالله، اذ ما لم يغلب على
القلب الانس بالله و الحب له لم يخرج عنه حب الدنيا بكليته. اذ محبة الله و محبة
الدنيا في القلب كالماء و الهواء في القدح، فاذا دخل احدهما خرج الآخر، فكلاهما لا
يجتمعان و لا يرتفعان ايضا. فالقلب المملوء من حب الدنيا يكون خاليا عن حب
الله، كما ان القلب المشغول بحب الله و انسه فارغ عن حب الدنيا و بقدر ما يقدر ما
يخرج احدهما يدخل الآخر و بالعكس.

و منها:

الغنى


و هو وجود كل ما يحتاج اليه من الاموال، و هذا اقل مراتبه، و فوق ذلك مراتب
لا تحصى، حتى ينتهي الى جمع اكثر اموال الدنيا، كما اتفق لبعض الملوك.

ثم (الغني) اما ان يكون بحيث يسعى في طلب المال و جمعه و يتعب في تحصيله و يكره
خروجه عن يده و يتاذى به، و هذا غنى حريص. او يكون بحيث لا يتعب و لا يسعى في تحصيله،
الا انه لما اتاه اخذه و فرح به، مع تاذيه بفقده و كراهته له، و هذا ايضا لا يخلو
عن الحرص لحزنه بفقده او يكون بحيث لا يتعب في طلبه و لا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله
و يتاذى بفقده، و لكن لما اتاه رضى به: اما مع تساوى وجوده و عدمه او مع كون وجوده
احب اليه من عدمه، و مثله الغنى الراضى و القانع.

و ايضا الغنى اما ان يكون جميع ماله حلالا، او يكون بعضه او كله حراما.

و ايضا اما يمسكه غاية الامساك، بحيث لا يؤدى شيئا من حقوقه الواجبة و المستحبة،
او ينفقه في مصارفه اللائقة. و للانفاق مراتب شتي:

ادناها ان يؤدى الحقوق الواجبة، و اعلاها ان يبذل كلما يزيد عن اقل مراتب الغنى،
بحيث لو تعدى عنه يسيرا صار فقيرا.

فصل


ذم الغنى


الغنى الحاصل من الحلال، مع بذل ما يفضل عن اقل مرتبته في المصارف اللائقة و
مساواة وجوده و عدمه عند صاحبه، سالم من الآفات و الاخطار. و غير ذلك من
اقسامه لا يخلو عن آفة او خطر، و حبه بعض افراد حب الدنيا، بل هو راجع الى حب
المال بعينه، فيدل على ذمه ما ورد في ذمهما. و قد ورد في ذمه بخصوصه بعض الآيات و
الاخبار، قال الله سبحانه:

«ان الانسان ليطغى ان رءاه استغنى » (46) .

و قيل لرسول الله-صلى الله عليه و آله-: اي امتك اشر؟ قال:

«الاغنياء» . و قال-صلى الله عليه و آله لبلال: «الق الله فقيرا، و لا تلقه غنيا» . و
قال-صلى الله عليه و آله-: «يدخل فقراء امتي الجنة قبل اغنيائهم بخمسمائة عام » . و قال
صلى الله عليه و آله: «اطلعت على الجنة، فرايت اكثر اهلها الفقراء. و اطلعت على
النار، فرايت اكثر اهلها الاغنياء» . و في طريق: «فقلت: اين الاغنياء؟ فقال:
حسبهم الجد» . و اوحى الله تعالى الى موسى «يا موسى، اذا رايت الفقر مقبلا، فقل:

مرحبا بشعار الصالحين، و اذا رايت الغنى مقبلا، فقل: ذنب عجلت عقوبته » . و روى:
«انه ما من يوم الا و ملك ينادي من تحت العرش:

يا ابن آدم، قليل يكفيك خير من كثير يطغيك » . و قال عيسى-عليه السلام-: «بشدة يدخل
الغنى الجنة » .

وصل


الفقر


ضد الغنى (الفقر) . و هو فقد ما يحتاج اليه. و لا يسمى فقد ما لا حاجة اليه فقرا.
فان عمم ما يحتاج اليه و لم يخص بالمال، لكان كل موجود ممكن محتاجا، لاحتياجه
الى دوام الوجود و غيره من الحاجات المستفادة من الله سبحانه، و انحصر
الغنى بواحد واجب لذاته و مفيد لوجود غيره من الموجودات، اعنى الله سبحانه.
فهو الغنى المطلق، و سائر الاشياء الموجودة فقراء محتاجون. و قد اشير الى هذا
الحصر في الكتاب الآلهى بقوله تعالى:

«و الله الغني و انتم الفقراء» (47) .

و ان خص بالمال لم يكن كل الناس فقراء، بل من فقد المال الذى هو محتاج اليه كان
فقيرا بالاضافة اليه، و الفقر بهذا المعنى هو الذى نريد بيانه هنا.

فصل


اختلاف احوال الفقراء


(الفقير) اما ان يكون راغبا في المال محبا له، بحيث لو وجد اليه سبيلا لطلبه، و
لو بالتعب و المشقة، و انما ترك طلبه لعجزه منه، و يسمى هذا فقيرا (حريصا) .

او يكون وجود المال احب اليه من عدمه، و لكن لم يبلغ حبه له حدا يبعثه على طلبه،
بل ان اتاه بلا طلب اخذه و فرح به، و ان افتقر الى سعى في طلبه لم يشتغل به، و
يسمى هذا فقيرا (قانعا) .

او يكون بحيث لا يحبه و لا يرغب فيه، و يكره وجوده و يتاذى به، و لو اتاه هرب منه،
مبغضا له و محترزا عن شره، و يسمى هذا فقيرا (زاهدا) . فاعراضه عنه و عدم سعيه
في محافظته و ضبطه لو وجده، ان كان لخوف العقاب فهو (فقر الخائفين) . و ان كان
لشوق الثواب فهو (فقر الراجين) . و ان كان لعدم التفاته اللازم لا قباله على
الله تعالى بشراشره من دون غرض دنيوى او اخروى فهو (فقر العارفين) .

او يكون بحيث لا يحبه حبا يفرح بحصوله و لا يكرهه كراهة يتاذى بها و يزهد فيه، بل
يستوى عنده وجوده و عدمه، فلا يفرح بحصوله و لا يتاذى بفقده، بل كان راضيا
بالحالتين على السواء، و غنيا عن دخوله و بقائه و خروجه من يده، من غير خوف من
الاحتياج اذ فقد، كالحريص و القانع، و لا حذار من شره و اضراره اذا وجد كالزاهد.
فمثله لو كانت اموال الدنيا باسرها في يده لم تضره، اذ هو يرى الاموال في
خزانة الله لا فى يد نفسه، فلا تفريق بين ان تكون في يده او في يد غيره، فيكون
حيث يستوى عنده المال و الهواء المخلوق في الجو، فكما ان كثرة الهواء في جواره
لا يؤذيه، و لا يكون قلبه مشغولا بالفرار عنه و لا يبغضه، بل يستنشق منه بقدر الضرورة،
و لا يبخل به على احد، فكذلك كثرة المال لا يؤذيه و لا يشغل قلبه، و يرى نفسه و غيره
فيه على السواء في المالكية.

و مثله ينبغي ان يسمى (مستغنيا راضيا) ، لاستغنائه عنه وجودا و عدما، و رضائه
بالحالتين من دون تفاوت، و مرتبته فوق الزاهد، اذ غاية درجة الزهد كمال
الابرار، و صاحب هذه المرتبة من المقربين، فالزهد في حقه نقصان، اذ حسنات
الابرار سيئات المقربين. و السر فيه: ان الزاهد كاره للدنيا، فهو مشغول
بالدنيا، كما ان الراغب فيها مشغول بها و الشغل بما سوى الله حجاب عن الله،
سواء كان بالحب او بالبغض.

فكل ما سوى الله، كالرقيب الحاضر في مجلس جمع العاشق و المعشوق.

فكما ان التفات قلب العاشق الى الرقيب و بغضه و كراهته حضوره نقص في العشق،
فكذلك التفات قلب العبد الى غير الله تعالى و بغضه و كراهته نقصان في الحب و
الانس، كما ان التفاته بالحب نقص فيهما. اذ كما لا يجتمع في قلب واحد حبان في
حالة واحدة، فكذلك لا يجتمع فيه حب و بغض في حالة واحدة، فالمشغول ببغض الدنيا
غافل عن الله كالمشغول بحبها، و ان كان الثاني اسوا حالا من الآخر. اذ
المشغول بحبها غافل في غفلته، سالك في طريق البعد، و المشغول ببغضها غافل، و هو
في غفلته سالك في طريق القرب، فيحتمل زوال غفلته و تبدلها بالشهود، فالكمال
مرتقب له، اذ بغض الدنيا مظنة توصل العبد الى الله.

و هرب الانبياء و الاولياء من المال، و فرارهم عنه، و ترجيحهم فقده على
وجوده-كما اشير اليه في بعض الاخبار و الآثار-: اما نزول منهم الى درجة الضعفاء
ليقتدوا بهم في الترك، اذ الكمال في حقهم حب الترك و بغض الوجود، لان مع وجوده
يتعذر في حقهم استواء وجوده و فقده و كونه عندهم كماء البحر، فلو لم يظهر الانبياء
النفار و الكراهة من المال و يقتدى الضعفاء بهم في الاخذ لهلكوا. فمثل النبي كمثل
المعزم الحاذق، يفر بين يدي اولاده من الحية، لا لضعفه عن اخذها، بل لعلمه بانه لو
اخذها لاخذها اولاده ايضا اذا راوها، و هلكوا. فالسير بسيرة الضعفاء صفة
الانبياء و الاوصياء. او غير الهرب و النفار اللازمين للبغض و الكراهة و خوف
الاشتغال به، بل كان نفارهم منه كنفارهم من الماء، على معنى انهم شربوا منه بقدر
حاجتهم، و تركوا الباقي في الشطوط و الانهار للمحتاجين، من غير اشتغال
قلوبهم بحبه و بغضه. الا ترى انه قد حملت خزائن الارض الى رسول الله و خلفائه،
فاخذوها و وضعوها في مواضعها، من غير هرب منه و بغض له، و ذلك لاستواء المال و
الماء و الحجر و الذهب عندهم.

ثم تسمية صاحب هذه المرتبة بالفقير و المستغنى لا يوجب التنافي، اذ اطلاق
الفقير عليه لمعرفته بكونه محتاجا اليه تعالى في جميع اموره عامة و في بقاء
استغنائه عن المال خاصة، فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه
بالعبودية و اقر بها، فانه احق باسم العبد من الغافلين، و ان كان عاما للخلق،
ثم كل مرتبة من المراتب المذكورة للفقر، ما عدا الاخيرة، اعم من ان يكون
بالغا حد الاضطرار، بان يكون ما فقده من المال مضطرا اليه، كالجائع الفاقد للخبز
و العارى الفاقد للثوب، ام لا.

و انت، بعد ما فهمت اشتراك الفقر بين المعاني المذكورة، لم يشكل عليك الجمع بين
ما ورد في مدح الفقر-كما ياتي-و بين ما ورد في ذمه، كقوله صلى الله عليه و آله:
«كاد الفقر ان يكون كفرا» ، و قوله صلى الله عليه و آله: «الفقر الموت الاكبر» . و قول
امير المؤمنين عليه السلام:

«من ابتلى بالفقر فقد ابتلى باربع خصال: بالضعف فى يقينه، و النقصان في عقله، و
الرقة في دينه، و قلة الحياء في وجهه. فنعوذ بالله من الفقر! » .

فصل


مراتب الفقر و مدحه


قد عرفت ان بعض مراتب الفقر راجع الى الزهد، و بعضها الى ما هو فوقه، اعنى الرضى
و الاستغناء، و بعضها الى القناعة، ففضيلة هذه المراتب ظاهرة، و الاخبار
الواردة في فضيلة الزهد و الرضى و القناعة تدل على فضيلة المراتب المذكورة من
الفقر. و اما المرتبة الاولى المتضمنة للحرص، فهو ايضا لا يخلو عن فضيلة بالنظر
الى الغنى المتضمن له و الاخبار الواردة في مدح الفقر تتناول بعمومها جميع
مراتبه، قال الله سبحانه:

«للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم و اموالهم » (48) .

و قال: «للفقراء الذين احصروا في سبيل الله. . . » الآية (49) .

ساق الله سبحانه الكلام في معرض المدح، و قدم وصفهم بالفقر على وصفهم بالهجرة و
الاحصار، و فيه دلالة جلية على مدح الفقر (50) .

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «خير هذه الامه فقراؤها، و اسرعها تصعدا في
الجنة ضعفاؤها» . و قال-صلى الله عليه و آله: «اللهم احيني مسكينا و امتني مسكينا، و
احشرنى في زمرة المساكين) . و قال صلى الله عليه و آله: «ان لي حرفتين اثنتين،
فمن احههما فقد احبني، و من ابغضهما فقد ابغضني: الفقر و الجهاد» . و قال-صلى الله
عليه و آله-:

«الفقر ازين للمؤمنين من العذار الحسن على خد الفرس » . و سئل عن الفقر، فقال: «خزانة
من خزائن الله » ، و سئل عنه ثانيا، فقال:

«كرامة من الله » . و سئل عنه ثالثا، فقال: «شي ء لا يعطيه الا نبيا مرسلا او مؤمنا
كريما على الله » . و قال صلى الله عليه و آله: «ان في الجنة غرفة من ياقوتة حمراء، ينظر
اليها اهل الجنة كما ينظر اهل الارض الى نجوم السماء، لا يدخل فيها الا نبي
فقير او مؤمن فقير» . و قال:

«يوم فقراء امتى يوم القيامة و ثيابهم خضر، و شعورهم منسوجة بالدر و الياقوت،
و بايديهم قضبان من نور يخطبون على المنابر، فيمر عليهم الانبياء، فيقولون:
هؤلاء من الملائكة، و تقول الملائكة: هؤلاء من الانبياء. فيقولون: نحن لا ملائكة و لا
انبياء! بل من فقراء امة محمد-صلى الله عليه و آله-، فيقولون: بم نلتم هذه الكرامة؟
فيقولون:

لم تكن اعمالنا شديدة، و لم نصم الدهر، و لم نقم الليل، و لكن اقمنا على الصلوات
الخمس، و اذا سمعنا ذكر محمد فاضت دموعنا على خدودنا»

و قال-صلى الله عليه و آله-: «كلمني ربي فقال: يا محمد، اذا احببت عبدا، اجعل له
ثلاثة اشياء: قلبه حزينا، و بدنه سقيما، و يده خالية من حطام الدنيا. و اذا ابغضت
عبدا، اجعل له ثلاثة اشياء: قلبه مسرورا و بدله صحيحا، و يده مملوة من حطام
الدنيا» . و قال-صلى الله عليه و آله- «الناس كلهم مشتاقون الى الجنة، و الجنة مشتاقة
الى الفقراء» . و قال -صلى الله عليه و آله-: «الفقر فخرى » . و قال صلى الله عليه و آله:

«تحفة المؤمن في الدنيا الفقر» و قال-صلى الله عليه و آله-: «يؤتى بالعبد يوم
القيامة، فيعتذر الله تعالى اليه كما يعتذر الاخ الى اخيه في الدنيا، فيقول: و
عزتي و جلالي! ما زويت الدنيا عنك لهوانك علي، و لكن لما اعددت لك من الكرامة و
الفضيلة. اخرج يا عبدى الى هذه الصفوف، فمن اطعمك في او كساك في يريد بذلك وجهي،
فخذ بيده فهو لك و الناس يومئذ قد الجمهم العرق. فيتخلل الصفوف. و ينظر من فعل ذلك
به، و يدخله الجنة » . و قال-صلى الله عليه و آله-: «اكثروا معرفة الفقراء و اتخذوا
عندهم الايادي، فان لهم دولة » ، قالوا: يا رسول الله، و ما دولتهم؟ قال: «اذا كان
يوم القيامة، قيل لهم: انظروا الى من اطعمكم كسرة او سقاكم شربة او كساكم ثوبا،
فخذوا بيده ثم امضوا به الى الجنة » . و قال صلى الله عليه و آله: «الا اخبركم بملوك
اهل الجنة؟ »

قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «كل ضعيف مستضعف اغبر اشعث ذى طمرين لا يؤبه به لو
اقسم على الله لابره » . و دخل-صلى الله عليه و آله-على رجل فقير، و لم ير له شيئا،
فقال: «لو قسم نور هذا على اهل الارض لوسعهم » . و قال-صلى الله عليه و آله-: «اذا
ابغض الناس فقراءهم، و اظهروا عمارة الدنيا، و تكالبوا على جمع الدراهم و
الدنانير، رماهم الله باربع خصال: بالقحط من الزمان، و الجور من السلطان، و
الجناية من ولاة الحكام، و الشوكه من الاعداء» (51) .

و ورد من طريق اهل البيت عليهم السلام: «ان الله تعالى اذا احب عبدا ابتلاه،
فاذا احبه الحب البالغ اقتناه. قيل: و ما اقتناه؟ قال:

لم يترك له اهلا و لا ما لا» . و قال امير المؤمنين عليه السلام: «و كل الرزق
بالحمق، و وكل الحرمان بالعقل، و وكل البلاء بالصبر» و قال الباقر عليه السلام:
«اذا كان يوم القيامة، امر الله تعالى مناديا ينادي بين يديه: اين الفقراء؟
فيقوم عنق من الناس كثير، فيقول: عبادي! فيقولون: لبيك ربنا! فيقول: انى لم
افقركم لهون بكم علي، و لكن انما اخترتكم لمثل هذا اليوم. تصفحوا وجوه الناس،
فمن صنع اليكم معروفا لم يصنعه الا في فكافوه عني بالجنة » . و قال الصادق عليه
السلام: «لو لا الحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق، لنقلهم من الحال التي هم
فيها الى حال اضيق منها» . و قال عليه السلام: «ليس لمصاص (52) شيعتنا في دولة
الباطل الا القوت، شرقوا ان شئتم او غربوا، لن ترزقوا الا القوت » . و قال عليه
السلام: «ما كان من ولد آدم مؤمن الا فقيرا و لا كافر الا غنيا، حتى جاء
ابراهيم عليه السلام، فقال:

«ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا» (53) .

فصير الله في هؤلاء اموالا و حاجة » . و قال-عليه السلام-: «ان فقراء المؤمنين
يتقلبون في رياض الجنة قبل اغنيائهم باربعين خريفا» ، ثم قال: «ساضرب لك مثل ذلك:
انما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر، فنظر في احداهما فلم ير فيها شيئا،
فقال: اسربوها. و نظر في الاخرى، فاذا هي موقرة، فقال: احبسوها» . و في بعض
الاخبار فسر الخريف بالف عام، و العام بالف سنة. و على هذا، فيكون المراد
من اربعين خريفا اربعين الف الف عام. و قال الصادق عليه السلام:

«المصائب منح من الله، و الفقر مخزون عند الله » : اى المصائب عطايا من الله يعطيها
عباده، و الفقر من جملتها مخزون عنده عزيز لا يعطيه الا من خصه بمزيد العناية. و قال
عليه السلام: «ان الله عز و جل يلتفت يوم القيامة الى فقراء المؤمنين شبيها
بالمعتذر اليهم، فيقول: و عزتي و جلالى! ما افقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي، و
لترون ما اصنع بكم اليوم، فمن زود منكم فى دار الدنيا معروفا فخذوا بيده
فادخلوه الجنة » ، قال «فيقول رجل منهم: يا رب، ان اهل الدنيا تنافسوا في دنياهم،
فنكحوا النساء، و لبسوا الثياب اللينة، و اكلوا الطعام، و سكنوا الدور، و ركبوا
المشهور من الدواب. فاعطنى مثل ما اعطيتهم. فيقول تبارك و تعالى:

لك و لكل عبد منكم مثل ما اعطيت اهل الدنيا منذ كانت الدنيا الى ان انقضت الدنيا
سبعون ضعفا» . و قال-عليه السلام-: «ان الله جل ثناؤه ليعتذر الى عبده المؤمن
المحوج في الدنيا كما يعتذر الاخ الى اخيه، فيقول: و عزتي و جلالى! ما احوجتك
في الدنيا من هوان كان بك علي فارفع هذا السجف، فانظر الى ما عوضتك من
الدنيا. قال: فيرفع، فيقول: ما ضرني ما منعتنى ما عوضتنى » . و قال عليه السلام:
«اذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى ياتوا باب الجنة، فيضربوا باب
الجنة فيقال لهم: من انتم؟ فيقولون: نحن الفقراء، فيقال لهم: اقبلوا الحساب
فيقولون: ما اعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه، فيقول الله عز و جل: صدقوا، ادخلوا
الجنة » . و قال-لبعض اصحابه: «اما تدخل للسوق؟ اما ترى الفاكهة تباع و الشي ء مما
تشتهيه؟ فقلت: بلى! فقال: اما ان لك بكل ما تراه فلا تقدر على شراه حسنة » . و قال
الكاظم عليه السلام:

«ان الله عز و جل يقول: انى لم اغن الغنى لكرامة به علي، و لم افقر الفقير لهوان به
علي، و هو مما ابتليت به الاغنياء بالفقراء، و لو لا الفقراء لم يستوجب الاغنياء
الجنة » (54) . و قال-عليه السلام-: «ان الانبياء و اولاد الانبياء و اتباع
الانبياء خصوا بثلاث خصال: السقم في الابدان و خوف السلطان، و الفقر» . و قال
الرضا-عليه السلام-: «من لقى فقيرا مسلما و سلم عليه خلاف سلامه على الغني، لقى
الله يوم القيامة و هو عليه غضبان » . و قال عليه السلام: «الفقر شين عند الناس و
زين عند الله يوم القيامة » و قال موسى-عليه السلام-في بعض مناجاته: «الهي من
احباؤك من خلقك حتى احبهم لاجلك؟ فقال: كل فقير» و قال عيسى-عليه السلام-: «ان
احب الاسامى الى ان يقال: يا مسكين »

و قال بعض الصحابة: «ملعون من اكرم الغني و اهان الفقير» . و قال لقمان لابنه: «لا
تحقرن احدا لخلقان ثيابه، فان ربك و ربه واحد» .

و مما يدل على فضيلة الفقر، اذا كان مع الرضى او القناعة او الصبر او الصدق او
الستر، قوله صلى الله عليه و آله: «يا معشر الفقراء:

اعطوا الله الرضى من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم، فان لم تفعلوا فلا ثواب لكم » .
و قوله-صلى الله عليه و آله-: «ان احب العباد الى الله الفقير القانع برزقه الراضي
عن الله تعالى » . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «لا احد افضل من الفقير اذا كان
راضيا» ، و قوله صلى الله عليه و آله: «يقول الله تعالى يوم القيامة: اين صفوتي من
خلقي؟

فتقول الملائكة: من هم يا ربنا؟ فيقول: فقراء المسلمين القانعين بعطائى الراضين
بقدرى، ادخلوهم الجنة. فيدخلونها، و ياكلون و يشربون، و الناس في الحساب يترددون » .
و قوله صلى الله عليه و آله: «ما من احد، غنى و لا فقير، الا ود يوم القيامة انه كان
اوتى قوتا في الدنيا» و قوله صلى الله عليه و آله: «طوبى للمساكين بالصبر! و هم
الذين يرون ملكوت السماوات و الارض » . و قوله-صلى الله عليه و آله-: «من جاع او
احتاج، فكتمه عن الناس و افشاه الى الله تعالى، كان حقا على الله ان يرزقه رزق
السنة من الحلال » . و قوله-صلى الله عليه و آله-:

«ان لكل شي ء مفتاحا، و مفتاح الجنة حب المساكين و الفقراء الصابرين و هم جلساء
الله يوم القيامة » . و ما روى: «ان الله اوحى الى اسماعيل -عليه السلام-: اطلبني
عند المنكسرة قلوبهم من اجلى. قال: و من هم؟ قال: الفقراء الصادقون » . و قال رسول
الله-صلى الله عليه و آله- لامير المؤمنين عليه السلام: «يا علي، ان الله جعل الفقر
امانة عند خلقه، فمن ستره اعطاه الله تعالى مثل اجر الصائم القائم، و من افشاه
الى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله اما انه ما قتله بسيف و لا رمح و لكنه
قتله بما نكا من قلبه » .

ثم لا ريب في ان كل من لم يجد القوت من التعفف و ستر احتياجه هذا و صبر و رضى
يكون داخلا تحت هذه الاخبار و تثبت له الفضيلة التي وردت فيها، و لا ريب في ان
هذه صفة لا توجد في الف الف واحد.

و اما الفقير الحريص الذي يظهر فقره و يجزع معه، فظاهر بعض الاخبار و ان تناوله،
الا ان الظاهر خروجه منها كما او مات اليه بعض الاخبار المذكورة و ان كان
احسن حالا من الغنى الذي مثله في الحرص.

فصل


(الموازنة بين الفقر و الغنى)


لا ريب في ان الفقر مع الصبر و القناعة و قصد الفراغ افضل من الغنى مع الحرص و
الامساك، كما لا ريب في ان الغنى مع الانفاق و قصد الاستعانة على العبادة افضل من
الفقر مع الحرص و الجزع، و انما وقع الشك في الترجيح بين الفقر و الغنى في مواضع:

(الاول) في الترجيح بين الفقر مع الصبر، و القناعة و الغنى مع الانفاق، و قصد
الاستعانة على العبادة، فقال قوم ان الاول افضل، لما روى: «ان رسول الله صلى
الله عليه و آله قال لاصحابه: اى الناس خير؟ فقالوا: موسر من المال يعطى حق الله
تعالى من نفسه و ماله، فقال نعم الرجل هذا و ليس به المراد، قالوا فمن خير
الناس يا رسول الله؟

فقال: فقير يعطى جهده » ، و ما روى: «ان الفقراء بعثوا رسولا الى رسول الله صلى الله
عليه و آله فقال: اني رسول الفقراء اليك، فقال:

مرحبا بك و بمن جئت من عندهم، جئت من عند قوم احبهم، فقال:

قالوا ان الاغنياء ذهبوا بالجنة يحجون و لا نقدر عليه، و يعتمرون و لا نقدر عليه، و
اذا مرضوا بعثوا بفضل اموالهم ذخيرة لهم، فقال النبي صلى الله عليه و آله: بلغ
عنى الفقراء ان لمن صبر و احتسب منكم ثلاث خصال ليست للاغنياء: اما (الاولى)
فان في الجنة غرفا ينظر اليها اهل الجنة كما ينظر اهل الارض الى نجوم السماء،
لا يدخلها الا نبي فقير، او شهيد فقير، او مؤمن فقير، (و الثانية) يدخل الفقراء الجنة
قبل الاغنياء بنصف يوم و هو خمسمائة عام. (و الثالثة) اذا قال الغنى: سبحان الله
و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر، و قال الفقير مثل ذلك، لم يلحق الغنى
بالفقير و ان انفق فيها عشرة آلاف درهم، و كذلك اعمال البر كلها، فرجع اليهم،
فقالوا رضينا» .

و قال آخرون: الثاني افضل، لان الغنى من صفات الربوبية، و الفقر من لوازم
العبودية، و وصف الحق افضل من وصف العبد.

(و اجيب عنه) بان غنى الواجب سبحانه ليس بالاسباب و الاغراض و غنى العبد بهما،
اذ هو غنى بوجود المال و مفتقر الى بقائه، فانى يكون الغنى الذي يتصف العبد به
من اوصاف الربوبية، نعم الغنى الاستغناء من وجود المال و عدمه جميعا بان
يستوى كلاهما عنده يشبه اوصاف الحق، الا انك قد عرفت انه نوع من الفقر، و بان
التكبر من اوصاف الربوبية، فينبغي ان يكون افضل من التواضع، مع ان الامر ليس
كذلك، بل الحق ان الافضل للعبد انما هو صفات العبودية كالخوف و الرجاء، اذ
صفات الربوبية لا ينبغي ان ينازع فيها، و لذلك قال الله سبحانه: «و العظمة ازارى،
و الكبرياء ردائي، فمن نازعنى فيهما قصمته » . و على هذا فالفقر افضل من الغنى.

و الحق ان ترجيح واحد من صفات الربوبية و صفات العبودية على الآخر للعبد على
الاطلاق غير صحيح، اذ كما ينتقض ترجيح الاولى على الثانية بالتكبير ينتقض العكس
بالعلم و المعرفة و الجهل و الغفلة، فان العلم من صفات الربوبية، و الجهل من
صفات العبودية، مع ان الاول افضل من الثاني ضرورة.

و الحق ان الافضل من الفقر و الغنى ما لا يشغل العبد عن الله، فان كان الفقر
يشغله فالغنى اولى به، و ان كان الغنى يشغله عن الله فالفقر اولى به، و ذلك لان
الغني ليس محذورا بعينه، بل لكونه عائقا عن الوصول الى الله، و الفقر ليس مطلوبا
لذاته، بل لعدم كونه عائقا عن الله، و ليس مانعية الاول و عدم مانعية الثاني كليا،
اذ رب فقير يشغله الفقر عن المقصد و كم من غني لا يصرفه الغنى عنه، اذ الشاغل ليس
الا حب الدنيا لمضادته حب الله تعالى، و المحب للشى ء مشغول به، سواء كان في
وصاله او فى فراقه. فاذن فضل الفقير و الغنى بحسب تعلق قلبهما بالمال وجودا و
عدما، فان تساويا فيه تساوت درجتهما. و ان تفاوتا فيه فايهما اقل تعلقا
درجته اعلى و افضل، بل مع وجود تعلق لهما و تساويهما فيه يكون وجود قدر الحاجة
من المال افضل من فقده، اذ الجائع يسلك سبيل الموت لا سبيل المعرفة و الطاعة،
و مع عدم تعلق قلبهما اصلا بحيث يستوى عندهما وجود المال و عدمه كان المال عندهما
كهواء الجو و ماء البحر-و بالجملة حصلت لهما المرتبة الاخيرة من الفقر، اعني
الاستغناء و الرضا-كان الواجد افضل من الفاقد، لاستوائهما في عدم الالتفات
اليه، و مزية الواجد باستفادة ادعية الفقراء و المساكين.

ثم الحكم بانقطاع القلب راسا عن المال وجودا و عدما انما يتصور في الشاذ
النادر الذي لا يسمح الدهر بمثله الا بعد ازمنة متطاولة، و قلوب جل الناس غير خالية
عن حب المال و التعلق به. فتفصيل القول بافضلية من هو اقل تعلقا بالمال، و
استواء درجتهما مع استوائهما في التعلق، و مزية الواجد على الفاقد مع انقطاع
قلبهما بالكلية عنه مزلة الاقدام و موضع الغرور، اذ الغنى ربما يظن انه منقطع القلب
عن المال و يكون حبه دفينا في باطنه و هو لا يشعر به، و انما يشعر به اذا فقده، فما
عدا الانبياء و الاولياء و شرذمة قليلة من اكابر الاتقياء لو ظنوا انقطاعهم عن
الدنيا اذا جربوا انفسهم باخراج المال من ايديهم يظهر لهم انهم مغرورون و
ليس لهم تمام الانقطاع عن الدنيا، و اذا كان ذلك محالا او بعيدا فليطلق القول
بان الفقر اصلح لكافة الناس و افضل، لانه عن الخطر ابعد، اذ فتنة السراء من فتنة
الضراء اشد، و علاقة الفقير و انسه بالدنيا غالبا اضعف، و بقدر ضعف علاقته يتضاعف
ثواب اذكاره و عبادته، اذ حركات اللسان و الجوارح ليست مرادة لا عيانها
بل ليتاكد بها الانس بالمذكور و تاثيرها في اثارة الانس في قلب فارغ عن غير
المذكور اشد من تاثيرها في قلب مشغول، و لهذا وردت الاخبار مطلقة في فضل الفقر
على الغنى، و في فضل الفقراء على الاغنياء.

(الثاني) في الترجيح بين الفقر مع الحرص و الجزع، و الغنى مع الحرص و الامساك. و
التحقيق فيه ان مطلوب الفقير ان كان ما لا بد منه في المعيشة و كان حرصه في تحصيل
هذا القدر دون الزائد منه و كان قصده الاستعانة به على الدين، و كذا كان حرص الغني و
امساكه في هذا القدر بهذا القصد، فحال الوجود افضل لان الفقد يصده عن امور
الدين لاضطراره في طلب القوت، و هو اولى بالتفضيل اذا كان قصد الغنى ذلك و كان
مطلوب الفقير فوق الحاجة، او قدر الحاجة، او قدر الحاجة بدون قصد الاستعانة به الى
امر الدين. و ان كان مطلوب كل منها فوق الحاجة او لم يكن قصدهما الاستعانة به على
امر الدين، فالفقد اصلح و افضل، لانهما استويا في الحرص و حب المال، و في عدم قصد
الاستعانة به على الدين، لكنهما افترقا في ان الواجد يتاكد حب الدنيا في قلبه، و
يطمئن اليها لانسه بها، و الفاقد يتجافى قلبه عنها اضطرارا، او تكون الدنيا
عنده كالسجن الذي يطلب الخلاص منه. و هو اولى و احرى بالتفضيل، اذا كان قصد
الفقير ذلك و كان قصد الغني فوق الحاجة، او قدر الحاجة بدون الاستعانة به على امر
الدين.

(الثالث) في الترجيح بين فقير حريص متكالب على الدنيا ليس له هم سواه، و غني هو
دونه في الحرص على حفظ المال، و تفجعه بفقد المال لو فقده اقل من تفجع الفقير بفقده، و
الظاهر حينئذ كون الفقير اسوا حالا، اذ البعد عن الله بقدر قوة التفجع بفقد المال،
و القرب بقدر ضعف التفجع به.


/ 15