المسألة الخامسة:
البداء عند الشيعة الإمامية
إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الإمامية، هو القول بالبداء، ومن الكلمات الدارجة بين علمائهم أنّ النسخ والبداء صنوان، غير أنّ الأوّل في التشريع، والثاني في التكوين، وقد اشتهرت بالقول به كاشتهارها بالقول بالتقية وجواز متعة النساء. وصار القول بهذه الأُمور الثلاثة من خصائصهم وقد أنكرت عليهم السنّة أشد الإنكار خصوصاً في مسألة البداء، ولكنّهم لو كانوا واقفين على مراد الشيعة من تجويز البداء على الله لتوقّفوا عن الاستنكار، ولأعلنوا الوفاق، وأقول عن جدّ: لو أُتيحت الفرصة لعلماء الفريقين للبحث عن النقاط الخلافية بعيداً عن التعصّب والتشنّج لتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره، ولأقرّوا بصحّة مقالة الشيعة، غير أنّ تلك أُمنية لا تتحقّق إلاّ في فترات خاصة، وقد سألني أحد علماء أهل السنّة عن حقيقة البداء فأجبته بإجمال ما أُفصّله في هذا المقام، فتعجّب عن إتقان معناه، غير أنّه زعم أنّ ما ذكرته نظرية شخصية لا صلة بها بنظرية الإمامية في البداء، فطلب منّي كتاباً لقدماء علماء الشيعة، فدفعت إليه أوائل المقالات، وشرح عقـائد الصـدوق لشيخ الأُمّة محمّد بن النعمان المفيد (336 ـ413هـ) فقرأهما بدقة، وجاء بالكتاب بعد أيام وقال: لو كان معنى البداء هو الذي يذكره صاحب الكتاب فهو من صميم عقيدة أهل السنّة ولا يخالفون الشيعة في هذا المبدأ أبداً.ولتوضيح حقيقة البداء نأتي بمقدمات:الأُولى: اتّفقت الشيعة على أنّه سبحانه عالم بالحوادث كلّها غابرها وحاضرها، ومستقبلها، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فلا يتصوّر