الاعلان الاسلامي - حقوق الإنسان بین الأعلانین الإسلامی و العالمی (3) نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

حقوق الإنسان بین الأعلانین الإسلامی و العالمی (3) - نسخه متنی

محمد علی التسخیری

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید



دراسات
حقوق الانسان بين الاعلانين الاسلامي
والعالمي
(3)

حقوق الانسان في الاسلام والاعلان
العالمي
والمبادئ التي بُنيت عليها

سماحة الشيخ محمد علي التسخيري

على ضوء ما تقدّم يجب أن نؤكّد من جديد
على أن الاعلان العالمي ـ مع

الاسف ـ لم يربط مطلقاً بين المسألتين
الواقعيّة والاجتماعيّة، في حين أكّد
الاعلان الاسلامي على هذا الربط تماماً،
ولذلك كان منطقيّاً مع ذاته وذات الحقوق
المقرّرة.

إنّ الاعلان العالمي يطرح الاُسس
التالية في مقدمته:

* ضرورة معرفة الحيثيّة الذاتيّة
للانسان لتحقيق الحريّة والعدالة والسلام.

* وقوع الاعمال الوحشيّة نتيجة عدم
الاعتراف بالحقوق الانسانيّة.

* ظهور عالم جديد تسوده حريّة التعبير
والعقيدة وعدم الخوف من الفقر باعتبار ذلك
أسمى آمال البشريّة.

* ضرورة صيانة الحقوق لئلاّ يضطر
الانسان للثورة ضد الظلم.

* ضرورة تشجيع العلاقات الوديّة.

* عزم الشعوب على دعم التقدّم
الاجتماعي.

* ضرورة تحقيق التفاهم المشترك.

ولكن ما هي الحيثيّة الذاتيّة
للانسان؟ هل هي الفطرة؟ و إذا كانت كذلك
فكيف نطرح هذا الاعلان أمام عالم يعجّ
بالافكار الماديّة المنكرة لنظريّة الفطرة؟
وما هي المميزات للعمل الوحشي عن العمل
الانساني؟ وهل يمكن الوصول إلى معيار عام
واقعي إذا لم نؤمن بنظرية التكامل الانساني؟

وهل هناك دراسة للامال الانسانيّة
توضّح أن هذه الامال تنحصر في الحريّة
التعبيرية والعقيدية والتخلّص من الخوف
والفقر؟

وهل صحيح أن الامل الانساني يكمن في
تحرّره في التعبير بما يشاء والاعتقاد بما
يشاء دونما أيـّة ضوابط حتى لو استهزأ
بمقدّسات الاخرين مثلاً؟

ثم أليس هنا خلط بين الاُسس والبُنى
الفوقيّة؟ إلاّ أن يقال: إنّ الامال
الانسانيّة العامّة يجب تحقيقها باعتبارها
حاجات ضروريّة.

فإذا كان الامر كذلك، قلنا: أليس الامل
الانساني في الوصول إلى معرفة المطلق الخالق،
والاستناد إلى القوّة المطلقة، والعبوديّة
للمالك الحقّ أملاً إنسانياً عامّاً يتجلّى
من خلال استعراض مجمل التاريخ الانساني؟

ثمّ أليس الامل الانساني العامّ يكمن
في تحقيق نظام خلقي شامل؟ فأين الحديث عنه؟ بل
أليس فسح المجال للتحرّر الفردي في كل مجال (السلوكي،
والعقائدي، والاقتصادي والسياسي) دونما
تقييد بقيمة خلقيّة يؤدّي إلى فناء قسم كبير
من النظام الخلقي؟

وهكذا الحديث عن باقي الاُسس المذكورة
في مقدمة الاعلان.

وعلى أيّ حال، فإنّ الباحث لا يستطيع
أن يدرك العلاقة المنطقيّة بين الاُسس
والبُنى الفوقيّة، بل قد يلمح أهدافاً
سياسيّة اُخرى من خلال تعبيرات اُخرى من قبيل:
(لئلاّ يضطر الانسان للنهضة والثورة
باعتبارها آخر علاج). و(ضرورة تشجيع العلاقات
الوديّة) وأمثالها ليدرك الهدف الذي يطرحه
المشكّكون في دوافع الاعلان العالمي على ضوء
الظروف الّتي طرح فيها.

حيث إنّه طرح بعد انتهاء الحرب
العالميّة الثانية وسيطرة القوى العظمى على
العالم.

وحيث خرجت أمريكا منها منتصرة بأقلّ
قدر من الخسارة في الاموال والارواح، في حين
خرجت الاقطار الاوربية ضعيفة منهكة القوى من
جهة، وراحت الشيوعيّة توسع من نفوذها بطرح
فلسفة تاريخية تبتني عليها نظريّة ثوريّة
يسيل لها لعاب الجماهير المحرومة فتجذبها
إليها من جهة ثانية.

وحيث التّوق العالمي إلى نظام جديد
تقلّ فيه النّزاعات، ويتحقّق فيه الحلم
الانساني لقيام النظام الافضل.

كل هذه الظروف كانت تتطلّب فلسفة
وشعاراً إنسانيّاً عالميّاً تطرح أمريكا فيه
نفسها رائدة لحضارة إنسانيّة ومستقبل بشري
رائع فتخرج عن انزوائها إلى قيادة العالم،
وتعمّق فلسفتها الرأسماليّة القائمة على
الحريّة الفرديّة، وتنافس النظريّة
الشيوعيّة بنظريّة إنسانيّة اُخرى يسيل لها
لعاب المحرومين أيضاً.

على أن الشعوب المحرومة يجب أن تُعطى
حقّاً شبه وهمي لتقول كلمتها، فكانت الجمعيّة
العامّة للاُمم المتّحدة تعبيراً عن التساوي
في الاصوات بين أمريكا وبورما مثلاً. أما
القوّة والتسلّط فتخص بهما القوى العظمى
المنتصرة من خلال مجلس الامن وحقّ النقض (الفيتو).

هكذا إذن يتصوّر المشكّكون في هذا
الاعلان الدّوافع الحقيقيّة.

إلاّ أنـّة على أي حال يمثّل بلا ريب
نقلة كبرى على صعيد الاعتراف الرسمي الدولي
بحقوق الانسان، الامر الذي لا يمكن إنكاره،
رغم كل نقاط الضّعف فيه، كما سيبدو لنا ـ إن
شاء اللّه تعالى ـ في ما يلي من بحوث.

الاعلان الاسلامي

وعندما ندرس المقدّمة الّتي تبيّن
الاُسس الّتي يقوم عليها نظام الحقوق نجدها
متقدّمة جداً ومنطقيّة جدّاً في مجال الربط
بين المسألتين الانفتين، حتّى ليمكننا أن
نستفيد منها بسهولة كلّ الحقوق المذكورة في
الاعلان:

فالاساس الاوّل:

هو الايمان باللّه تعالى وصفاته
الكماليّة.

و إن (خلق كل شيء، هبة النعم كلّها،
خلق الانسان في أحسن تقويم، الكرم، منح
الانسان الخلافة، إيكال العمارة له، وضع
أمانة التّكاليف على عاتقه، تسخير الكون له).
كلها تصوّرات تشكّل اُسساً للايمان بحق
الانسان في الحياة، في الكرامة، في إعمار
الارض، في حمل التكليف، في الاستفادة من
الكون. بل يمكننا أن نستفيد كلّ الحقوق من هذا
المقطع.

والاساس الثاني:

هو التصديق بالاسلام الهادي، الاسلام
دين الحق، دين الرّحمة للعالمين، دين التحرير
للمستعبدين، والتحطيم للطواغيت، دين
المساواة إلاّ بالتّقوى، دين إلغاء الفوارق
والكراهيّة بين الناس الذين خلقهم اللّه من
نفس واحدة.

وللباحث أن يستنبط من هذه الاُسس
أيضاً أهم الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة: (حق
طلب التّعاون والرّحمة، حق الحريّة، حق
المقارعة ضد الطّاغوت، حقّ المساواة).

والاساس الثالث:

عقيدة التوحيد الخالص (العبادة للّه
وحده والتحرّر من سواه، مما يستدعي الحريّة
المسؤولة والكرامة).

الاساس الرابع:

تشريعات الاسلام في المحافظة على
الدّين والنفس والعقل والعرض والمال والنسل،
وملاحظة خصائصها العامّة من الشمول
والوسطيّة والتّعامل الواقعي، وهو أساس
بنفسه أيضاً لمجمل الحقوق.

الاساس الخامس:

الدور الحضاري للاُمّة الاسلاميّة
باعتبارها خير اُمّة أورثت البشريّة حضارة
متوازنة تربط الدنيا بالاخرة وتجمع بين العلم
والايمان.

الاساس السادس:

الايمان بالمساهمة الانسانيّة في
حماية حقوق الانسان.

الاساس السابع:

الايمان بالحاجة الدائمة للبشريّة
إلى السند الايماني.

الاساس الثامن:

الايمان بأنّ الحقوق الاساسيّة جزء من
الدّين، فرعايتها عبادة و إهمالها منكر،
وكل إنسان مسؤول عنها بمفرده، والاُمّة
مسؤولة عنها بالتضامن، وهو أساس نظري
للمسؤولية الفرديّة والاجتماعيّة لتطبيق
بنود الاعلان.

هذه هي الاُسس القويمة للحقوق يطرحها
الاعلان الاسلامي بكلّ براعة ويصدق بها مع
ذاته كما قلنا، ونحن نعتقد أنـّها تشكّل
اُسساً طبيعية لهذه البُنى الفوقيّة.

إلاّ أنـّنا نرى أنّ الامر ما زال
بحاجة إلى إعادة نظر، ولذا نشير إلى بعض
النواقص الّتي نرجو أن يتمّ تكميلها، ومنها:

أوّلاً: ضرورة الاشارة في الاساس
الاوّل إلى الصفات الالهيّة الذاتيّة وهي: (العلم
والقدرة والحياة) فإن لها إيحاءاتها المهمّة
في معرفة هذه الحقوق، خصوصاً إذا أشرنا إلى
الطلب الاسلامي للمسلم بأن يكون ربّانيّاً
يتحلّى بالصفات الالهيّة المناسبة له.

ثانياً: حبّذا لو تمّ نقل الاساس
الثالث إلى المرتبة التالية للاساس الاوّل
فهو المرحلة الطبيعيّة التي تتلو مرحلة
الصفات وهي مرحلة التوحيد.

ثالثاً: وحينئذ فمن الطبيعي أن يلتحق
الاساس الرابع بالثالث، كما تضاف بعض صفات
الشريعة الاُخرى إليها لانـّها تترك أثرها
الايجابي في موضوع الحقوق الانسانية، وهذه
الصفات هي من قبيل: (الواقعيّة، الشمول،
الخلود، المرونة، الترابط بين أجزاء
الشريعة، وتصوّرها للترابط والتّكامل بين
أبناء البشريّة وأبناء الاُمّة الاسلاميّة،
وأمثال ذلك).

رابعاً: الاشارة للنظام الحقوقي
الاسلامي ضروريّة في المقدّمة وكذلك مسألة
الاشارة للنظام الاخلاقي وأهدافه.

خامساً: من المناسب أن تطرح في
المقدّمة فكرة عالميّة الرسالة، وذلك دفعاً
لشبهة ربّما تطرح نفسها، وملخّصها: أنّ هذه
الحقوق لا تصلح لان تطرح على الصعيد العالمي،
في حين أن الاسلام عندما ينطلق من نظريّة
الفطرة وصفته الواقعيّة يلاحظ مسألة
الانسجام مع الحاجات الفطريّة، الامر الذي
يمنحه صفة عالميّة، لانّ الفطرة لا تختلف من
إنسان لاخر.

الحقوق الانسانية على اختلاف أنواعها
في الاعلانين

قبل كلّ شيء ينبغي أن نلقي نظرة خاطفة
على مجمل الحقوق الواردة في الاعلانين
ليمكننا المقارنة بينها.

وقبل معرفة هذا المجمل لا بدّ أن نلاحظ
أن ترتيب المواد يختلف بين الاعلانين، كما
أنـّه قد يُذكر حقّ في أكثر من مادة، إلاّ أن
الملاحظ أيضاً أن الترتيب في الاعلان
الاسلامي أكثر منطقيّة وترتيباً منه في
الاعلان العالمي مما يعبّر عن تكامل في
الصياغة الاسلاميّة.

ثمّ إن هذه الحقوق نفسها قد يمكن إرجاع
بعضها إلى البعض الاخر باعتبار نسبة العموم
والخصوص بينها، ولكن إفرادها في مادة لا بدّ
أن يكون لاهميّة خاصّة لهذا الحقّ وضرورة
للتأكيد عليه.

موارد الاتفاق بين الاعلانين

و إذا أردنا أن نلخّص أهم موارد
الاتفاق بين الاعلانين أمكننا ذكر ما يلي:
يتفق الاعلانان على حقوق الحياة المناسبة،
والحرية، والامن ونفي التعذيب، ونفي العقوبة
غير العادلة، ونفي السلوك المنافي للشؤون
الشخصيّة (الاهانة).

كما يتّفقان على حقّ تأمين البيئة
الصحيّة المناسبة والتمتّع بالخدمات
الاجتماعيّة، والحياة الكريمة ومنع التوقيف
دون سبب قانوني، ومنع تقييد الحريات،
والابعاد والنفي، ومنع الجزاء دونما علّة أو
بشكل يزيد على الجريمة، وضمان الكرامة
الذاتيّة، ومنع أي تأثير للموقع الاجتماعي
على مستوى الكرامة، وكذلك حق تأمين المستوى
المعيشي المناسب.

وهكذا يتفقان أيضاً على مسألة تساوي
الرجل والمرأة من حيث الكرامة الذاتيّة،
وضرورة تأمين الشخصيّة الاجتماعيّة للمرأة
كالرجل وكذلك موضوع تأمين الشخصيّة الماليّة
الاعتباريّة لها، كما أنـّه يجب أن يتمّ
الزواج برضا الطرفين، وأنّ العائلة ركن أساس
للمجتمع، ولها الحقّ في التمتّع بدعم الدولة
والمجتمع، وضرورة توفير الامن الديني
والمالي والعرضي والشخصي والعائلي وطنيّاً
ودولياً وحقّ الاستقلال في الشؤون الخاصّة: (المسكن،
العائلة، المال والمراسلات والاتصالات).

وكذلك نجدهما يتوافقان على مبدأ
التّعليم والتعلّم، وهدفهما وهو التكامل
الانساني (رغم اختلاف معنى التّكامل) وترجيح
رأي الابوين على غيرهما في هذا الموضوع.

ويعتبر الاعلانان أن كل إنسان يولد
حرّاً ولا يمكن استعباده، وأن الافراد
متساوون من حيث الحقوق، وأن لهم عقلاً
ووجداناً (وهذا ليس أمراً حقوقياً) وأنـّه
يلزم التعاون بروح الاخوّة.

ويؤكّدان على حريّة التفكير والعقيدة
والبيان (إلى الحدّ المعقول) وأنّ للانسان أن
يتمتّع بانتاجه العلمي والادبي والفني، وأنّ
له حقّ التمذهب بأحد الاديان، وحريّة التفكير
إلى الحدّ الذي لا يضرّ به وبالاخرين، وحقّ
التمتّع بالشخصيّة القانونيّة، وحقّ التنقّل
من مكان لاخر، وحق اللجوء شريطة أن لا تكون
هناك جريمة غير سياسيّة.

كما ينسجم الاعلانان في الاعتراف بحقّ
العمل، والحريّة في اختياره، وأنـّه لا يمكن
تحميل العامل أكثر مما يطيق، وحقّ التمتّع
بصورة مساوية في الاجرة، وحقّ التمتّع بضمان
المستوى المتوسط للمعيشة عند العطالة غير
المتعمدة والمرض ونقص الاعضاء والترمّل
والشيخوخة.

ويتّفقان أيضاً على أن كلّ شخص بريء
حتّى تثبت إدانته، وأنّ الجريمة شخصيّة، وأنّ
لكلّ فرد حقّ التمتّع بمحاكمة عادلة، وأنّ
الجزاء هو نفس ما قرّر له عند الارتكاب.

وهكذا يتّفقان على حقّ التملّك وضرورة
نفي أي حرمان من الملكيّة في نفس الوقت الذي
يجب أن لا تضرّ الملكيّة بالمجتمع.

وكذلك يتّفقان على منع الاستبداد،
وأنّ لكلّ أحد الحقّ في الاشتراك في صياغة
القرار السياسي، وتصدّي الوظائف العامّة،
كما يجب تحقيق المساواة أمام القانون، و إعطاء
الافراد حقّ التّقاضي لدى المحاكم المناسبة،
وحقّ تشكيل الجمعيّات الخيريّة والاجتماعيّة.

وأخيراً يؤكّدان معاً على أنّ كلّ
إنسان مكلّف بحماية هذه الحرّيات والتمتّع
بها، وأنّ عليه السعي نحو التكامل، وأنّ كلّ
فرد يجب أن لا يزاحم حرّيات الاخرين، وأنـّه
لا يجوز استغلال هذا القانون لتحقيق مصالح
فرديّة أو حكوميّة معيّنة.

هذه أهمّ نقاط الاتفاق لخّصناها روماً
للاختصار.

موارد الافتراق

اما الموارد الّتي يختلفان فيها فيمكن
تلخيصها بشكل نقاط:

1ـ إنّ الاعلان الاسلامي يفصل ـ بحقّ ـ
بين أصل الكرامة (أو الكرامة الّتي يحصل عليها
الانسان باعتبار انتمائه الانساني فقط)
والكرامة المكتسبة التي ينالها عبر سيره
التكاملي المعنوي وعمله الصالح في خدمة الخلق.
وهذه نقطة مهمّة لم يدركها الاعلان العالمي،
ولذلك نعتبره في هذا المجال ناقصاً جداً،
فإنّ أي وجدان يدرك الفرق بين عالم كبير كابن
سينا مثلاً، وفرد عادي يعيش لنفسه دون أن يترك
أثراً في الحياة.

2ـ التركيز ـ في الاسلامي ـ على كون
الخلق عيال اللّه تعالى يوضح الاساس المفهومي
الكامل لهذا التّساوي في أصل الكرامة، ولا
يكتفي بالجانب الحقوقي البحت. بالاضافة إلى
ربط الكرامة بمجموعها بالوجود الكريم
المطلق، فالخلق كلّهم عيال على اللّه تعالى
ونسبته إليهم واحدة تماماً، إلاّ أنّ بينهم
تنافساً في التقرّب المعنوي إليه عبر البناء
النفسي بالعقيدة الواقعيّة والعمل الصالح
المؤثر في تحقيق مقتضى الخلافة.

أما الاعلان العالمي فهو يفتقد هذا
المستوى من الفهم تماماً.

3ـ ونفس هذا المفهوم نلحظه في المادة
الثانية من الاسلامي، فالحياة هبة اللّه ـ من
حيث المفهوم ـ وبالتالي فقيمتها الحقوقيّة
رفيعة جدّاً ويجب صيانتها وكفالتها بأقصى ما
يمكن حتّى يتحقّق هدف هذه الهبة.

أمّا ـ العالمي ـ فلا نجد فيه مثل هذا
السموّ، و إن كان يؤكّد على أن للانسان
عقلاً ووجداناً، وهي إشارة جيدة إلاّ أنـّها
تكاد تقف عند حقيقة واضحة دون أن تعبرها إلى
مقتضياتها.

4ـ التركيز ـ في الاسلامي ـ على حرمة
إفناء الينبوع البشري، إشارة حكيمة إلى الهبة
الالهيّة السالفة ولزوم استمرار هذا المدد
الالهي، في حين لم يشر الاعلان العالمي لهذا
المعنى، ولا معنى للقول بأنّ هناك عموماً في
بعض المواد، فهو أمر مبهم لا أثر له في
المجالات الحقوقيّة.

وينبغي أن نشير إلى عبارة (استمرار
الحياة إلى ما شاء اللّه) فهي عبارة موحية
بلزوم المحافظة على الحياة من قبل الجميع،
حتّى صاحب الحياة نفسه، فتجب صيانتها ضدّ أيّ
تهديد مهما كان، والحقيقة هي أن اهتمام
النصوص الاسلاميّة بالحياة الانسانية لا
يبلغه أي مذهب أو فكرة عقائديّة واجتماعية
مطروحة في الساحة.

5 ـ يضاف إلى ذلك مسألة الاشارة إلى
حماية الجنين في المادّة السابعة وهي غير
موجودة في الاعلان العالمي.

6 ـ وبالتالي فإنّ هناك تركيزاً على
حرمة الجنازة الانسانيّة ولزوم عدم انتهاكها
وحرمة تشريحها العشوائي ـ اللّهمّ إلاّ أن
يكون هناك مجوّز شرعي ـ وهذا أمر يفتقده
الاعلان العالمي.

7ـ تطرح المادّة الثالثة مسألة أخلاق
النزاع والحرب الّتي جاء الاسلام بأروع
مُثُلها، بشكل لا مثيل له آنذاك. فالحياة
مصونة إلى أقصى حدّ ممكن، وحرمة الكرامة
الانسانيّة محفوظة حتّى بعد الموت، فالتمثيل
حرام حتّى بالكلب العقور، والاسر له أحكامه
الاخلاقيّة المؤطّرة بالرحمة، والزرع
والمنشآت المدنيّة مصانة.

وهذه المادّة لا نجد لها أثراً في
الاعلان العالمي مما يشكل أكبر نقص فيه. وقد
حاول العالم تدارك هذا النقص في اتفاقيات
جنيف التالية.

8 ـ والمادة الثامنة ـ من الاسلامي ـ
أيضاً تؤكّد على السمعة الانسانيّة، الامر
الّذي يؤكّده الاعلان العالمي إلاّ أنـّها
هنا تمتدّ بها إلى ما بعد الموت بما يشمل
حماية الجثمان والمدفن.

9 ـ ورغم أنّ الاعلانين معاً يؤكّدان
على كون العائلة ركناً أساسياً في البناء
الاجتماعي وأنّ على المجتمع والدولة حمايتها
تماماً، وأنّ لكلّ من الرجل والمرأة الحقّ في
الزواج الّذي يجب أن لا تمنع منه عوائق منشؤها
العِرق أو اللون أو الجنسيّة. إلاّ أنّ هناك
فروقاً بين الاعلانين في هذا المجال يمكن أن
نلخّصها على النحو التالي:

أ ـ الاعلان الاسلامي أشار إلى أنّ
الزواج هو الاساس في التشكيل العالمي، ولم
يشر الاعلان العالمي إلى هذه الحقيقة.

ب ـ اعطى الاعلان العالمي حقوقاً
مساوية لكلّ من الرجل والمرأة مما يشمل حتّى
النفقة والمهر والطّلاق وأمثال ذلك، في حين
فصّل الاعلان الاسلامي في هذه الامور فأكّد
بأنّ على المرأة حقوقاً تعادل ما عليها من
واجبات، وأنّ لها شخصيّتها المدنيّة وذمّتها
الماليّة المستقلّة وحقّ الاحتفاظ باسمها
ونسبها، وأنّ على الرجل عبء الانفاق
ومسؤوليّة الرعاية (وهو تعبير مناسب عن
القوامة).

ج ـ الاشارة الاسلاميّة إلى الواجب
الاجتماعي على المجتمع والدولة لازالة
العوائق أمام الزّواج وتيسير سبله، أمر لا
نجده في الاعلان العالمي.

د ـ ونشير هنا إلى وجود فارق آخر وهو
عدم ذكر الدّين في الاعلان الاسلامي عائقاً
يجب نفيه، في حين ركّز الاعلان العالمي عليه،
والحقيقة هي أنّ الدّين والانسجام فيه إلى
حدٍّ ما، كوحدة دين الزوج والزوجة إلى حدّ
الايمان بالاله الواحد والايمان بالرّسالة
أمر ضروري جدّاً لتحقيق الانسجام المطلوب، و إلاّ
انخرمت كلّ الامال المعلّقة على التشكيل
العائلي الذي يراد له أن يكون الاساس
الاجتماعي.

10ـ يختلف الاعلان الاسلامي عن نظيره
العالمي بأنّ الاسلامي يؤكّد على حقوق
الابوين وحقوق الاقارب.

11ـ في مجال التربية والتعليم نجد
الاعلان الاسلامي يؤكّد وجوبهما على المجتمع
والدولة، وذلك بشكل مطلق ولكلّ المراحل، أمّا
الاعلان العالمي فيؤكّد على أنّ التعليم
الابتدائي يجب أن يكون مجّانياً و إجباريّاً،
ثمّ يطرح فكرة الفرص المتساوية في المراحل
الاُخرى.

12ـ أهداف التربية في الاعلان الاسلامي
تتلخّص في: (إيجاد التكامل والتوازن وتنمية
الشخصية، وتعزيز الايمان باللّه، والاحترام
للحقوق والواجبات وحمايتها).

في حين يؤكّد الاعلان العالمي على
مسألة إيجاد الحدّ الاكمل من النموّ في
الشخصيّة، وتقوية احترام الحقوق والحريّات
الانسانيّة، وتسهيل مبدأ حسن التفاهم
والتضحية واحترام العقائد المخالفة، ونشر
المحبّة والعمل على حفظ السلام، والفرق
بينهما واضح.

13ـ المادّة العاشرة في الاعلان
الاسلامي تنسجم تماماً مع الاُسس العقائديّة
والانسانيّة، فهي تؤكّد على أنّ الاسلام
ينسجم تماماً مع المميّز الاول والاخر
للانسان (الفطرة) فهو دين الانسانيّة.

وبالتالي فمن الطبيعي أن يمنع أي لون
من الاكراه والاستغلال لابعاد الانسان عن خطّ
الفطرة لانـّه يعني تغريبه عن ذاته.

وهكذا نجد الاعلان الاسلامي يكتفي
بالمادّة العاشرة التي تمنع الاكراه
والاستغلال، ويسكت عن مسألة الحريّة في هذا
التغيير، وذلك لانّ للاسلام رأيه الكامل
الواضح الّذي بيّنته هذه المادّة، فهو دين
الفطرة، وما عداه من أديان أصابها التّحريف
ففقدت مصداقيّتها الدينيّة الكاملة.

أمّا الالحاد فهو في نظر الاسلام خروج
عن الاطار الانساني ودخول في العالم
الحيواني، بل هو أضلّ من هذا المستوى.

وفي قبال هذا المعنى نجد الاعلان
العالمي يؤكّد على حريّة تغيير الدّين
والعقيدة مطلقاً، ممّا يعبّر عن فارق جوهري
في التصوّر بينهما، ولسنا بصدد الاستدلال على
صحّة الموقف الاسلامي بقدر ما نحن بصدد
التأكيد على أن الاعلان العالمي يفصل المسألة
الحقوقيّة عن المسألة الفلسفيّة كما قلنا،
وهو أمر رفضناه بشدّة.

14ـ في قبال المادّة الحادية عشرة من
الاعلان الاسلامي تطرح المادّة الرابعة من
الاعلان العالمي نفسها، إلاّ أنّ الفرق شاسع
بينهما، فالمادّة الاسلاميّة تعلن ولادة
الانسان بطبيعته حرّاً، وتنفي عنه الاستعباد
والذلّ والقهر والاستغلال، وتعتبر الحريّة
نابعة من عبوديّته للّه تعالى. فالعبوديّة
للّه تعالى لا تعني ـ كما يتصوّرها الجاهلون ـ
تكريساً للذات الالهيّة، فهو الغني المطلق
جلّ وعلا، و إنّما يعني التحرّر من كلّ
تعلّق بسواه، والعمل وفق هداه لانـّه سبيل
الفلاح.

أمّا المادّة العالميّة فإنّما ترفض
الاستعباد ونظام الرقّ دونما بيان للاُسس أو
توضيح للعلاقة الانسانيّة باللّه تعالى.

15ـ وممّا يمتاز به الاعلان الاسلامي
مسألة نفي الاستعمار بشتّى أنواعه، وتحريمه
تحريماً مؤكّداً، ومنح الشعوب حقّ العمل
للتحرّر وتقرير المصير، و إيجاب الدعم لها
على كلّ الشعوب الاُخرى، ثمّ التّـأكيد على
الشخصيّة المستقلّة لجميع الشعوب.

في حين لا يذكر الاعلان العالمي هذا
الموضوع مما يكشف ـ على الاقلّ عن نقطة ضعف
كبيرة في أهداف واضعيه ـ بل ربّما أراد أن
يحذّر بعض الشعوب لئلاّ تلجأ للثورة ضدّه كما
يبدو من الفقرة الثالثة في مقدّمته.

16ـ ومما يمتاز به الاعلان الاسلامي
أيضاً أنـّه لم يذكر حقّ التجنّس بجنسيّة
لانّ هذا من الامور الموضوعة، التي مزّقت
حتّى الاُمم الواحدة وتحوّلت إلى عائق كبير
في سبيل توحيدها.

17ـ ورغم أن الاعلانين آمنا بحقوق
العمل إلاّ أنّ الاعلان الاسلامي طلب من
العامل بدوره أن يخلص ويتقن عمله، كما طلب من
الدولة أن تتدخّل بكلّ نزاهة لحلّ النزاع بين
العامل وربّ العمل و إقرار الحقّ دون تحيّز.

18ـ تؤكّد المادّة الرابعة عشرة في
الاعلان الاسلامي على حقّ الكسب، ولكنّها
تقيّده بالمشروع، مما يوحي بمفهوم الوصف
بوجود أساليب مرفوضة، وذكرت منها الاحتكار
والغش والاضرار بالنفس أو بالغير كما ركّزت
على منع الرّبا مؤكّداً.

أمّا الاعلان العالمي فلا نجده يتعرّض
لمثل هذه الاُمور.

19ـ تؤكّد المادة الخامسة عشرة ضرورة
مشروعيّة السبيل لحصول الملكيّة، وتؤكّد
أيضاً على أن لا تؤدّي الملكيّة إلى إيجاد ضرر
بالشخص نفسه أو بغيره، و إذا تمشّينا مع
اتّساع مفهوم الضرر ليشمل الاضرار
الاجتماعيّة المتنوّعة أدركنا دقّة التّعبير
الاسلامي ونفوره من استغلال الرأسماليّة
لهذا الحقّ في الاضرار بحق الشعوب الاُخرى
وضرب اقتصادها ونهب خيراتها.

20ـ ومما يمتاز به الاعلان الاسلامي
حقّاً هو اعتباره المسألة الاخلاقيّة حقّاً
انسانيّاً مهمّاً، فقرّر ذلك في المادّة
السابعة عشرة.

ولا يوجد نص يقابله في الاعلان
العالمي و إن كان قد ذكر في المادّة
التاسعة والعشرين أن رعاية المقتضيات
الاخلاقيّة يمكن أن تشكّل حدوداً لتمتّع
الفرد بالحريّات، ولكن ملاحظة عبارة (في اطار
مجتمع ديمقراطي) في ختام المادّة تنبئنا أن
المراد بالاخلاق هنا هو حرّيات الاخرين لا
المعاني الاخلاقيّة الرفيعة، وعلى أي حال فهي
لا تقرّر ـ بلا ريب ـ حقّاً إنسانيّاً في
الحصول على بيئة أخلاقيّة نظيفة تمكِّن
الانسان من بناء ذاته معنويّاً.

21ـ من الامور الّتي امتاز بها الاعلان
الاسلامي أيضاً موضوع رفضه لاخضاع أي فرد
للتجارب الطبيّة أو العلميّة إلاّ بشرطين:
الرضا، وعدم الخطر.

22ـ كما رفضت المادّة العشرون فكرة سنّ
القوانين الاستثنائيّة الّتي تجيز تعريض
الانسان للتّعذيب أو المعاملات المذلّة
والقاسية والمنافية للكرامة، أو تعريضه
للتجارب وأمثال ذلك.

وهي فكرة جديرة بالاهتمام ولا تركيز
عليها في الاعلان العالمي.

23ـ ربّما ظنّ البعض أنّ الاعلان
العالمي يمتاز بمنحه الحريّة المطلقة
للتّعبير والبيان، إلاّ أنـّنا نعتبر ذلك
نقصاً، فإنّه لا يمكن السماح ببيان يترك أثره
الاخلاقي المخرّب ويشوّه الحقيقة ويهين
مقدّسات الاخرين، فالاهانة للمقدّسات هي بلا
ريب أشدّ كثيراً من الاهانة للاشخاص. لذلك
فإنّ تقييده في الاعلان الاسلامي بعبارة (بشكل
لا يتعارض مع المبادئ الشرعيّة) هو الاقرب
للروح الانسانيّة وهو ما صرّحت به الفقرة ـ ج ـ
من المادّة الثانية والعشرين.

24ـ ومما امتاز به الاعلان الاسلامي
كذلك مسألة منح الانسان حقّ الدّعوة إلى
الخير والنهي عن المنكر ممّا يؤكّد
المسؤوليّة الفرديّة تجاه ما يقع من مخالفات
للبيئة الاخلاقيّة من جهة، وتجاه كلّ ما
يرتفع بالمستوى الايجابي للمجتمع من جهة
اُخرى.

وقد كنّا (في مؤتمر وزراء خارجيّة
الدول الاسلاميّة بالقاهرة) نحبّذ عند مناقشة
هذه المادّة والعبارة الاسلاميّة ذكر عنصر
الامر بالمعروف، إلاّ أنّ البعض أصرّ على
حذفها لاسباب لم نقف عليها في نهاية الامر.

25ـ هناك إشارة رائعة في الاعلان
الاسلامي لحقيقة أنّ ولاية الامر أمانة يحرم
استغلالها، وهذا ما لا نجد له مقابلاً في
الاعلان العالمي، و إن كنّا نجد أنّ
الضرورة كانت تقتضي أن يشار إلى الشروط
العامّة الّتي تشترطها الشريعة الاسلاميّة
في ولي الامر.

26ـ ومن الفروق بين الاعلانين ـ وهو فرق
طبيعي ـ أن الاعلان الاسلامي يقيّد كلّ
المواد بأحكام الاسلام في حين يقيّد الاعلان
العالمي كلّ الحرّيات الفرديّة بحريّة
الاخرين فقط.

27ـ ثمّ إن الاعلان الاسلامي قرّر أن
الشريعة الاسلاميّة هي المرجع الوحيد لتفسير
أو توضيح أيّة مادّة في حين أنّ الاعلان
العالمي لم يذكر مرجعاً مشابهاً.

28ـ وأخيراً نقول: إنّ هناك فروقاً
كثيرة اُخرى لم نجد مجالاً للتعرّض لها
تفصيلاً في هذا المقال من قبيل أنّ (الحريّة)
عندما تُذكر تُقيّد أحياناً بالمسؤوليّة.
فيقال (الحريّة المسؤولة) أو في الحدود
الشرعيّة وذلك لضمان عدم تحوّلها إلى عنصر
هدّام.

موارد النقص في الاعلان العالمي

وعلى ضوء ما سبق يمكننا أن نلخّص موارد
النقص في الاعلان العالمي على النحو التالي:

أوّلاً: فصله للمسألة الحقوقيّة
الاجتماعيّة عن المسألة الفلسفيّة.

ثانياً: عدم وجود ترتّب منطقي بين
المقدّمة والمواد الحقوقيّة.

ثالثاً: عدم الفصل بين أصل الكرامة
الانسانيّة والكرامة المكتسبة بالتّقوى
والعمل الصالح.

رابعاً: عدم التعرّض لكلّ جوانب
الحقوق الحيويّة كحياة وحرمة الجنازة،
ومسألة إفناء الينبوع البشري.

خامساً: عدم التعرّض لمسألة أخلاق
النزاعات.

سادساً: ربما أطلق الامر أحياناً مع
أنـّه يلزم التقييد كموضوع حقوق الزوجين
المتساوية دائماً في كلّ مقتضيات الزواج،
ومسألة تغيير الدين.

سابعاً: عدم ذكر حقوق الابوين
والاقارب.

ثامناً: عدم التعرّض لمسألة نفي
الاستعمار.

تاسعاً: عدم ذكر حق الفرد في توفير
محيط أخلاقي.

عاشراً: السماح بحريّة البيان مطلقاً
وهو أمر مخرّب.

هذا بالاضافة للنقائص الاُخرى.

حقوق الانسان بين النظريّة والتطبيق
في الماضي والحاضر

ربما كان هذا الفصل بحثاً تبعيّاً
باعتباره يتجاوز القانون إلى التّطبيق، إلاّ
أنـّنا نراه بحثاً أساسيّاً معبّراً عن نقص
في القانون نفسه، سواء في ذلك الاعلان
العالمي أو الاعلان الاسلامي ـ مع الاسف ـ فلا
الاعلانان احتاطا لنفسيهما بوضع ما يضمن
التّطبيق، ولا الدول الموقّعة ألزمت نفسها
بالعمل به.

أمّا الاعلان العالمي فإنّما تمّت
الموافقة عليه باعتباره هدفاً سامياً
مشتركاً بين البشريّة لا قانوناً إلزاميّاً.

وهنا تقول السيّدة روزفلت رئيسة لجنة
حقوق الانسان:

«إنّ الاعلان ليس ميثاقاً أو اتفاقيّة
دوليّة، ولا يترك أي إلزام قانوني، و إنّما
هو بيان لمجموعة من الحقوق المرتبطة ارتباطاً
وثيقاً بالانسان والّتي يعتبر تحقّقها
مطلوباً على الصعيد العالمي»[1].

هكذا إذاً وبكلّ بساطة يتحوّل هذا
الاعلان بكلّ ما أحاطه إلى مجموعة خلقيّة قانونيّة
لا أكثر.

وعلى هذا النمط أيضاً جاء الاعلان
الاسلامي ـ مع الاسف ـ فقد بدأ في أوائل
اقتراحه بعبارة كانت تحوي قدراً من الضمان في
التطبيق، حيث جاء في المادّة الثامنة
والعشرين من الوثيقة التي اتّفق عليها في
طهران[2]
هذا النص:

«تعمل الدول الاعضاء في منظّمة
المؤتمر الاسلامي على اتخاذ جميع الاجراءات
اللاّزمة لتطبيق أحكام هذا الاعلان».

ولكن مؤتمر وزراء الخارجيّة التّاسع
عشر المنعقد في القاهرة الذي وافق نهائيّاً
على الاعلان صوّت بالاكثريّة على حذف هذه
المادّة، وذلك بعد مناقشة حادّة واعتراض من
بعض الدول الاسلاميّة (العلمانيّة) التي رفضت
قبول هذا الاعلان، إلاّ إذا توافق مع
قوانينها المعمول بها.. وهذا هو التناقض
الكبير، فالاسلام يُرفض قبوله إلاّ إذا
اُختصر وهُذّب لينسجم مع القوانين الوضعيّة
لهذه البلدان!!

ووعد المؤتمر بإصدار قرار ملزم خارج
الاعلان ولم يفعل ذلك لا في تلك الدورة ولا في
الدورات التالية وبقي الاعلان حبراً على ورق.

ولم أجد لهذا الاعلان أي أثر فعلي عاجل
على مجمل أوضاع عالمنا الاسلامي، الامر الذي
يؤسف له أشد الاسف.

ولكن هل ترك الاعلان العالمي أثره؟

لا ريب في أنه وجد له صدىً كبيراً في
التطبيق في كثير من المجالات.

إلاّ أن النقص الكبير كان يكمن في
دوافع الذين طرحوه او الذين تولّوا تطبيقه،
أو شاءت لهم قوّتهم من جهة وشعاراتهم
المرفوعة من جهة أخرى أن يطرحوا أنفسهم
مدافعين عنه وعن بنوده، وأعني بهم القوى
الغربية الكبرى.

إنهم يفتكون بالانسان بشتّى الصور
ويهتكون كرامته ويسلبون شعوباً كاملة أعزّ ما
تملك ثم يتبجّحون بحقوق الانسان والحرية
وأمثالها.

وعبر هذا المنطق تعود دولة الكيان
الصهيوني الغاصبة لكل حقوق الانسان في فلسطين
دولةً ديمقراطية متطوّرة، في حين توصف الدول
الاخرى التي لا تسير في ركاب الغرب بالعداء
لحقوق الانسان.

إن الحديث في هذا المجال ذو شجون
وخصوصاً إذا نظرنا الى ما يسمّى (بحق النقض)
الذي تتمتع به الدول الكبرى خارقة بذلك كل
حقوق الانسان، ولكنه على أيّ حال يحوّل البحث
الى مجال آخر لست الان بصدد الدخول فيه.

والله تعالى نسأل أن يوفقنا للعمل
بأحكامه والقيام بكل ما فرضه من حقوق.

الخلاصة:

طرحنا في بحثنا المقارن بين حقوق
الانسان في الاعلان الاسلامي ونظيرها في
الاعلان العالمي ـ مقدّمة أكّدنا فيها
العلاقة بين المسألة الفلسفية (الموقف من
الحياة والوجود) والمسألة الاجتماعية (الموقف
من النظام الاجتماعي) وشرحنا أهم المصطلحات
في البين ثم بيّنا فيها ملاكات تشخيص الحقوق
الانسانية ولخّصناها بـ (الوجدان الفطري)
إجمالاً وبالدين الواقعي (تفصيلاً)، ثم ذكرنا
لمحة سريعة عن تطوّرات النظرة الحقوقية عبر
التاريخ.

وفي المرحلة التالية من المقال ذكرنا
نصّي الاعلانين (الاسلامي والعالمي) وقدّمنا
قائمة مقارنة للحقوق، وتحدثنا بعد ذلك عن
المبادئ التي بُنيت عليها في كلا الاعلانين.

أما في المرحلة الثالثة من البحث فقد
ذكرنا مواطن الالتقاء ومواطن الاختلاف بشيء
من التفصيل.

ثمّ عقبنا بذكر موارد النقص في
الاعلان العالمي ثم بعض الملاحظات على
الاعلان الاسلامي.

وختمنا البحث بذكر أكبر نقص في
الاعلانين وهو عدم الالزام فيهما والذي يقلّل
من تأثيريهما خصوصاً مع ملاحظة وضع الحكومات
في عالمنا الحالي.



([1])
العلاّمة الجعفري، الحقوق العالميّة
للانسان: 50 . نقلاً عن الدكتور مقتدر، كتاب
تطوّرات الاُمم المتّحدة: 200.

([2])
حين عقد اجتماع للخبراء في طهران من 28 ـ 30 /
جمادى الاُولى / 1410 هـ الموافق 26 ـ 28 ديسمبر
1989م ألقيت النظرة الاخيرة على الوثيقة وقد
تشرّفت برئاسة هذا الاجتماع.

/ 1