شبهه الورد - عقیدة الشیعة فی أئمة أهل البیت (ع) نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

عقیدة الشیعة فی أئمة أهل البیت (ع) - نسخه متنی

جعفر السبحانی

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید

شبهه الورد

عقيدة الشيعة في ائمة اهل البيت (ع)

* الشيخ جعفر السبحاني

الندوة العلميّة الدوليّة حول ماضي
التشيع وحاضره

قامت هيئة الادارة لوقف دراسات العلوم
الاسلامية في تركيا بتشكيل ندوة علمية حول
ماضي التشيع وحاضره في تاريخ 13 ـ 15 فبراير / 1993
، الموافق 21 ـ 23 شعبان المعظم / 1413 في استانبول
، وقد شاركت فيها شخصيات من مختلف الاقطار
كمصر ، وسوريا والاردن والسعودية ، والعراق
وايران والباكستان ، وكان محور المحاضرات
التي القاها اساتذة جامعات تركيا مذهبَ
الشيعة في مجالي العقيدة والشريعة ، وكانت
اللغة الرائجة هي اللغة التركية ، وقد ترجمت
اكثر المقالات إلى اللغة العربية من قبلُ
ووزعت بين الوافدين من خارج البلد مضافاً إلى
أن جهاز الترجمة كان يترجم المحاضرات إلى
اللغة العربية مثل سائر الندوات العالمية.

كانت هذه الندوة أول ندوة علمية
موضوعية انعقدت طيلة أربعة عشر قرناً ، منذ أن
نجم بين المسلمين اتجاهان باسم السنة والشيعة
يتفقان في اكثر الاصول والفروع ، ويختلفان في
قليل منهما . نعم إنما سبق عليها ما لا يدعمه
العقل والشرع من مصارعات ومجادلات واحياناً
حروب دامية على وجه يحكيه لنا الشهرستاني
بقوله: «ما سُلّ سيف في الاسلام على قاعدة
دينية مثل ما سُلَّ على الامامة في كل زمان»(1).

واستغرقت جلسات الندوة أياما ثلاثة ،
اُلقي فيها ما يفوق على خمس عشرة محاضرة في
جوّ هادئ ، تُخيِّم عليه الموضوعية وفهم
الحقيقة.

والذي دعاني إلى هذه الملاحظة
والتعليق هو تبيين موقف الشيعة من أئمتهم ،
وأنهم صلوات اللّه عليهم أوصياء الرسول
الاعظم(صلى الله عليه وآله) وليسوا بأنبياء ،
على خلاف ما كان يتصوره بعض المحاضرين
كالاستاذ الدكتور علي «اوزك» استاذ كلية
الالهيات بجامعة مرمرة ورئيس وقف الدراسات
الاسلامية(2)
، والاستاذ المساعد الدكتور يوسف شوقي «ياوز»(3) وكانت الامور
التالية اساسَ ذلك التوهم :

1 ـ حجية أقوال الائمة ورواياتهم
واحاديثهم بنفسها ، وإن لم تكن منتهية إلى
الرسول الاكرم .

2 ـ الاعتقاد بكونهم معصومين من الزلل
والخطأ مثل الانبياء .

3 ـ اثبات المعجزات لهم كما في المصادر
الشيعية .

ولمّا كان هذا التوهم عالقاً بذهن
الاستاذين وغيرهما ـ احياناً ـ ناقشنا هذا
الرأي بإلقاء موجز ما جاء في هذا المقال ،
وكان له التأثير الخاص إلى حدّ جعل المحاضر
الثاني يعتذر عن رميه الشيعة بالقول بنبوة
ائمتهم وعدم ختم بابها ، قائلاً بأنه لم يصدر
في مقاله إلاّ عن بعض كتب المعتزلة والزيدية
وغيرها .

أئمة الشيعة اوصياء الرسول وليسوا
بأنبياء

اتفقت الشيعة على أن الائمة الاثني
عشر اوصياء الرسول ، وأنهم أئمة الامة وأحد
الثقلين اللذين اوصى بهما رسول اللّه في غير
موقف من المواقف ، وقال: « إني تارك فيكم
الثقلين كتاب اللّه وعترتي » والحديث من
التواتر بمكان أغنانا عن ذكر مصادره ، ويكفي
في ذلك ما نشرته دار التقريب بين المذاهب
الاسلامية في القاهرة في هذا المجال .

إن الشيعة الاماميّة كسائر المسلمين
مؤمنون بعالمية رسالة النبي الاكرم كما هم
مؤمنون بخاتمية رسالته مستدلّين بقوله
سبحانه : (ما كانَ محمدٌ أبا أحد من رجالِكم
ولكنْ رسولَ اللّهِ وخاتَمَ النبيينَ وكانَ
اللّهُ بكلِّ شيء عليماً)(4) .

وقوله سبحانه : (وإنَّه لكتابٌ عزيزٌ *
لا يأتيهِ الباطلُ مِن بينِ يَدَيهِ ولا مِن
خلفِه تنزيلٌ مِن حكيم حميد)(5)
إلى غير ذلك من الايات والاحاديث .

إن خاتمية رسالة النبي الاكرم من
الامور الدينية الضرورية تكفّل ببيانها
الذكر الحكيم والاحاديث المتضافرة التي بلغت
حدَّ التواتر ، منها قوله(صلى الله عليه وآله)
عند ما خرج إلى غزوة تبوك فقال له عليّ : «أأخرج؟»
فقال : « لا » فبكى عليّ ، فقال له رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) : « اما ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيَّ بعدي»(6)
.

وهذا عليّ أمير المؤمنين أول الائمة
الاثني عشر قال وهو يلي غسل رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) : « بأبي أنت وأمي لقد انقطع
بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة
والانباء وأخبار السماء »(7)
.

وفي كلام آخر له : « أمّا رسول اللّه
فخاتم النبيين ليس بعده نبي ولا رسول وختم
رسول اللّه الانبياء إلى يوم القيامة »(8).

إن فقهاء الشيعة حكموا بارتداد من
أنكر عالمية الرسالة ، أو عدم خاتميتها،
ولاجل ذلك فالبابية والبهائية وهكذا
القاديانية مرتدون عندهم ارتداداً فطرياً أو
مليّاً احياناً ، وهذه كتبهم الفقهية في باب
الحدود وأحكام المرتد وغير ذلك .

هذا قليل من كثير اكتفينا به لتبيين
عقيدة الشيعة في حقّ الرسول الاعظم(صلى الله
عليه وآله)، وأنهم بأجمعهم معتقدون بعالمية
رسالة الرسول وخاتميتها، ولم ينحرفوا عن هذا
الخط قيد شعرة ، ويظهر ذلك من المرور على
الكتب الاعتقادية المدونة من بداية القرن
الثالث الهجري إلى عصرنا هذا، فقد ألّفوا
مئات الكتب والرسائل ، بل الموسوعات الكبيرة
حول العقائدية الاسلامية وهي بين مخطوطة
ومطبوعة منتشرة في العالم، وهذه كتبهم
ومكتباتهم وجامعاتهم العلمية وخطباؤهم
ومنشوراتهم الرسمية فلا تجد فيها كلمة تشير
إلى نبوة غير النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله)أو
نزول الوحي على غيره ، فلا محيص عن القول بأن
هذه النظرية الخاطئة استنبطها الاستاذان من
خلال أمور لا دلالة لها على ما يرتئيانه ، ولا
بأس بالاشارة إلى بعض هذه الامور التي وقعت
سبباً لهذا الوهم، وقد ألمح اليها الدكتور
يوسف شوقي في الصفحة السابعة من مقاله ، وهي
لا تتجاوز أموراً ثلاثة :

1 ـ حجيّة احاديثهم وافعالهم.

2 ـ القول بعصمتهم من الاثم والخطأ.

3 ـ نسبة الكرامات اليهم .

واليك تحليل هذه الامور :

الاول : الشيعة وحجية اقوال العترة
الطاهرة

يقال: إن الشيعة يتعاملون مع احاديث
العترة كالتعامل مع احاديث النبي الاكرم(صلى
الله عليه وآله) ، فكيف تكون أحاديثهم حجّة
لولا كونهم انبياء أو طرفاً للوحي؟

الجواب : إن الشيعة الامامية تأخذ
باقوالهم للامور التالية :

أ ـ أن النبي الاكرم(صلى الله عليه
وآله) هو الذي أمر المسلمين قاطبة بالاخذ
باقوال العترة حيث قال : « إني تارك فيكم
الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ... »(9)
فالتمسّك بأحاديثهم واقوالهم امتثال لقول
الرسول الاكرم(صلى الله عليه وآله) ، وهو لا
يصدر إلاّ عن الحق ، فمن أخذ بالثقلين فقد
تمسك بما ينقذه من الضلالة ، ومن أخذ بواحد
منهما فقد خالف الرسول .

ب ـ أن الرسول الاكرم(صلى الله عليه
وآله) قد أمر الامة بالصلاة على آل محمد في
الفرائض والنوافل ، والمسلمون في مشارق الارض
ومغاربها يذكرون العترة بعد النبي الاكرم(صلى
الله عليه وآله) في تشهدهم ويصلّون عليهم بمثل
الصلاة عليه ، والفقهاء وإن اختلفوا في صيغة
التشهد لا يختلفون في لزوم الصلاة على النبي
وآله . وفيها يقول الامام الشافعي :

يا أهل بيت رسول اللّه حبكمُ
فرض من اللّه في القرآن أنزلهُ

كفاكمُ من عظيم الشأن أنكمُ
من لم يصلّ عليكم لا صلاة لهُ

فإذا لم يكن للعترة شأن ومقام في مجال
هداية الامة ولزوم الاقتفاء بهم ، فما معنى
جعل الصلوات عليهم فريضة في التشهد وتكرارها
في جميع الصلوات ليلاً ونهاراً ، فريضة
ونافلة .

وهذا يعرب عن سر نقف عليه من خلال أمر
النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) في هذا
المجال ; وهو أن لال محمد شأناً خاصاً في
الامور الدينية والقيادة الاسلامية ، أظهرها
أن اقوالهم وآراءهم حجّة على المسلمين ، وأن
لهم المرجعية الكبرى بعد رحلة الرسول(صلى
الله عليه وآله) ، سواء أكانت في مجال العقيدة
والشريعة أم في مجال آخر .

ج ـ أن النبي الاكرم(صلى الله عليه
وآله) شبّه العترة الطاهرة بسفينة نوح ، وأنه
من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق(10)
وهو يدلّ على حجيّة اقوالهم وافعالهم .

إلى غير ذلك من الوصايا الواردة في حق
العترة التي نقلها اصحاب الصحاح والمسانيد
ومن أراد فليرجع إلى مصادرها.

فالمسلم المؤمن بصحة هذه الوصايا لا
يشك في حجيّة اقوال العترة سواء أعلم مصدر
علومهم أم لم يعلم . قال سبحانه : (وما كانَ
لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّهُ ورسولُه
أمراً أنْ يكونَ لهمُ الخِيَرَةُ مِن أمرِهمْ
ومَنْ يعصِ اللّهَ ورسولَه فقَدْ ضلَّ ضلالاً
مبيناً)(11)
.

ومع ذلك كله نحن نشير إلى بعض مصادر
علومهم حتى يتضح أن حجية اقوالهم لا تدلّ على
أنهم أنبياء أو فوّض اليهم أمر التشريع .

1 ـ السماع عن رسول اللّه

إن الائمة يروون أحاديث رسول اللّه
سماعاً منه(صلى الله عليه وآله) ، إما بلا
واسطة أو بواسطة آبائهم ، ولاجل ذلك ترى في
كثير من الروايات أن الامام الصادق(عليه
السلام)يقول : « حدثني أبي ، عن أبيه ، عن زين
العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن علي أمير
المؤمنين عن الرسول الاكرم » وهذا النمط في
الروايات كثير في أحاديثهم ، وقد تضافر عن
الامام الصادق(عليه السلام) أنه كان يقول : «حديثي
حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي»(12)
، فعن هذا الطريق تحمّلوا أحاديث كثيرة عن
الرسول الاكرم وبلّغوها ، من دون أن يعتمدوا
على الاحبار والرهبان ، أو على أناس مجاهيل ،
أو شخصيات متستّرة بالاسلام . وهذا النوع من
الاحاديث ليس بقليل .

2 ـ كتاب عليّ(عليه السلام)

ويرجع قسم آخر من أحاديثهم إلى ما
أخذوه عن كتاب الامام أمير المؤمنين بإملاء
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وخط عليّ ، وقد
اشار اصحاب الصحاح والاسانيد إلى بعض هذه
الكتب(13)
.

قد كان لعليّ كتاب خاص بإملاء رسول
اللّه ، وقد حفظته العترة الطاهرة وصدرت عنه
في مواضع كثيرة ونقلت نصوصه في موضوعات
مختلفة ; وقد بثّ الحرّ العاملي في موسوعته
الحديثية أحاديث ذلك الكتاب حسب الكتب
الفقهية من الطهارة إلى الديات . ومن أراد
فليرجع إلى تلك الموسوعة .

قال الامام الصادق(عليه السلام) عندما
سُئل عن الجامعة : « فيها كل ما يحتاج الناس
اليه وليس من قضية إلاّ فيها حتى ارش الخدش » .

وكان كتاب عليّ مصدراً لاحاديث العترة
الطاهرة ، يرثونه واحداً بعد آخر وينقلون عنه
ويستدلون به على السائلين .

وهذا هو أبو جعفر الباقر(عليه السلام)
يقول لاحد اصحابه أعني حمران بن أعين وهو يشير
إلى بيت كبير : « يا حمران إن في هذا البيت
صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخط عليّ وإملاء
رسول اللّه ، لو ولينا الناس لحكمنا بما أنزل
اللّه لم نعدُ ما في هذه الصحيفة » .

وهذا هو الامام الصادق(عليه السلام)
يعرّف كتاب عليّ(عليه السلام) بقوله : « فهو
كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه من
فَلْقِ فيه وخط عليّ بن أبي طالب بيده . واللّه
فيه جميع ما تحتاج اليه الناس إلى يوم القيامة
، حتى إن فيه ارش الخدش والجلدة ونصف الجلدة »
.

ويقول سليمان بن خالد : « سمعت أبا
عبداللّه يقول : إن عندنا لصحيفة طولها سبعون
ذراعاً إملاء رسول اللّه وخط عليّ بيده . ما من
حلال وحرام إلاّ وهو فيها حتى ارش الخدش » .

ويقول أبو جعفر الباقر لبعض اصحابه : «
يا جابر إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا
من الهالكين ، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها
عن رسول اللّه »(14) .

3 ـ الاستنباط من الكتاب والسنة

المصدر الثالث لاقوالهم هو امعانهم في
الكتاب والسنة وتدبرهم فيهما ، فاستخرجوا من
المصدرين الرئيسيين ما يرجع إلى العقيدة
والشريعة بما يقصر عنه اكثر الافهام ، وهذا هو
الذي جعلهم متميزين بين المسلمين بالوعي
والدقة والفهم ، وخضعت لهم ائمة الفقه في
مواقف شتى ، حتى قال ابو حنيفة بعد تتلمذه على
الامام الصادق(عليه السلام) سنتين «لولا
السنتان لهلك النعمان » ولاجل ذلك كانوا
يستدلون على كثير من الاحكام عن طريق الكتاب
والسنة ويقولون : « ما من شيء إلاّ وله اصل في
كتاب اللّه وسنة نبيه » .

أخرج الكليني بإسناده عن عمر بن قيس عن
أبي جعفر(عليه السلام) قال : «سمعته يقول: إن
اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج اليه
الامة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ،
وجعل لكل شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدل عليه
، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً».

وأخرج أيضاً بإسناده عن حماد عن أبي
عبداللّه(عليه السلام) قال : « سمعته يقول: ما
من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنة » .

وأخرج أيضاً عن سماعة عن أبي الحسن
موسى(عليه السلام) قال : « قلت له : أكُلُّ شيء
في كتاب اللّه وسنة نبيه ، أو تقولون فيه ؟ قال
: بل كل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه »(15)
.

ومن وقف على الاحاديث المروية عنهم(عليهم
السلام) يقف على أنهم كيف يستدلون على الاحكام
الالهية من المصدرين بفهم خاص ووعي متميّز
يبهر العقول ويورث الحيرة ; ولولا الخوف من
الاطالة لنقلت في المقام نماذج من ذلك .
ونكتفي ببيان موردين :

أ ـ قدم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر
بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم،
فقال يحيى بن أكثم : «الايمان يمحو ما قبله» ،
وقال بعضهم : «يُضرب ثلاثة حدود» ، فكتب
المتوكّل إلى الامام الهادي(عليه السلام)
يسأله ، فلما قرأ الكتاب كتب «يُضرب حتى يموت»
فأنكر الفقهاء ذلك ، فكتب اليه يسأله عن
العلّة ، فكتب : « بسم اللّه الرحمن الرحيم (فلَمّا
رأَوا بأسَنا قالـوا آمنّا باللّهِ وحدَهُ
وكـفَرْنا بِما كُـنّا بهِ مشركينَ * فلمْ
يَكُ ينفَعُهمْ إيمانُهمْ لمّا رأَوا بأسَنا
سُنّةَ اللّهِ الّتي قَدْ خَلَتْ في عِبادِه
وخَسِرَ هُنالِكَ الكافرونَ) »(16)
، فأمر به المتوكّل فضرب حتى مات(17) .

إن الامام الهادي ببيانه هذا شقّ
طريقاً خاصاً لاستنباط الاحكام من الذكر
الحكيم ، طريقاً لم يكن فقهاء عصره ليخطر لهم
على بال ، وكانوا يزعمون أن مصادر الاحكام
الشرعية هي الايات الواضحة في مجال الفقه
التي لا تتجاوز ثلثمئة آية ، وبذلك أبان
للقرآن وجهاً خاصاً لدلالته لا يلتفت اليه
إلاّ من نزل القرآن في بيته ، وليس هذا الحديث
غريباً في مورده ، بل له نظائر في كلمات
الامام وغيره من آبائه وأبنائه(عليهم السلام)
.

ب ـ لما سُمَّ المتوكّل نذر للّه إن
رزقه اللّه العافية أن يتصدّق بمال كثير، أو
بدراهم كثيرة ، فلما عُوفِيَ اختلف الفقهاء
في مفهوم «المال الكثير» ، فلم يجد المتوكّل
عندهم فرجاً ، فبعث إلى الامام علي الهادي(عليه
السلام) فسأله ، قال : «يتصدق بثلاثة وثمانين
ديناراً»، فقال المتوكّل : «من أين لك هذا ؟
قال : من قوله تعالى (لَقدْ نَصَرَكم اللّهُ في
مَواطِنَ كثيرة)(18)
والمواطن الكثيرة هي هذه الجملة ، وذلك لان
النبي(صلى الله عليه وآله) غزا سبعاً وعشرين
غزوة ، وبعث خمساً وخمسين سرية ، وآخر غزواته
يوم حنين»، فعجب المتوكل والفقهاء من هذا
الجواب(19)
.

وقد ورد عن طريق آخر أنه قال : «بثمانين»
مكان «ثلاثة وثمانين» وذلك لان عدد المواطن
التي نصر اللّه المسلمين فيها إلى يوم نزول
هذه الاية كان أقل من ثلاثة وثمانين(20)
.

4 ـ الاشراقات الالهية

إن هناك مصدراً رابعاً لاحاديثهم
نعبّر عنه بالاشراقات الالهية، وأيّ وازع من
أن يخصّ سبحانه بعض عباده بعلوم خاصة يرجع
نفعها إلى العامة ، من دون أن يكونوا انبياء
أو معدودين من المرسلين ، واللّه سبحانه يصف
صاحب موسى بقوله (فَوجَدا عبداً مِن عِبادِنا
آتيناه رَحمةً مِن عِندِنا وعلّمناه مِن
لَدُنّا عِلماً)ولم يكن الصاحب نبياً بل كان
ولياً من اولياء اللّه سبحانه وتعالى بلغ في
العلم والمعرفة مكاناً حتى قال له موسى ـ وهو
نبيّ مبعوث بشريعة ـ (هَل أتّبِعُكَ على أنْ
تُعلّمَني مِمّا عُلِّمتَ رُشْداً)(21)
.

ويصف سبحانه وتعالى جليس سليمان آصف
بن برخيا بقوله : (قالَ الّذي عِندَهُ عِلمٌ
مِن الكِتابِ أنا آتيكَ بهِ قَبلَ أنْ
يَرتدَّ إليكَ طَرفُكَ فَلمّا رآهُ
مُستَقِراً عِندَه قالَ هذا مِنْ فَضلِ ربّي)(22)
.

وهذا الجليس لم يكن نبياً ، ولكن كان
عنده علم من الكتاب ، وهو لم يحصله من الطرق
العادية المتعارفة في المدارس والجامعات ، بل
كان علماً إلهياً اُفيض عليه لصفاء قلبه
وروحه ، ولاجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربه
ويقول : (هذا من فضل ربي) .

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة
قال: «قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) : لقد كان
في من كان قبلكم من بني اسرائيل يُكلَّمون من
غير أن يكونوا انبياء ، فإن يكن من امتي منهم
أحد فعمر »(23).

قال القسطلاني «ليس قوله : (فإن يكن)
للترديد بل للتأكيد ، كقولك : إن يكن لي صديق
ففلان ، إذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا
نفي الاصدقاء ، وإذا ثبت أن هذا وجد في غير هذه
الامة المفضولة فوجوده في هذه الامة الفاضلة
أحرى»(24).

وأخرج البخاري في صحيحه بعد حديث
الغار عن أبي هريرة مرفوعاً: «قد كان فيما مضى
قبلكم من الامم محدَّثون. إن كان في امتي هذه
منهم فإنه عمر ابن الخطاب»(25).

قال القسطلاني : «قال المؤلف : يجري على
السنتهم الصواب من غير نبوة . وقال الخطابي :
يُلقى الشيء في روعه ، فكأنه قد حُدِّثَ به
يظن فيصيب ، ويخطر الشيء بباله فيكون ، وهي
منزلة رفيعة من منازل الاولياء»(26)
.

وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر
عن عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله) : «قد
كان في الاُمم قبلكم محدثون فإن يكن في امتي
منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم».

ورواه ابن الجوزي في (صفة الصفوة) وقال
: حديث متفق عليه(27)
. وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في (مشكل الاثار)
بطرق شتى عن عائشة وأبي هريرة ، وأخرج قراءة
ابن عباس «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي
ولا محدّث». قال: «معنى قوله محدَّثون أي
ملهمون ، فكان عمر ينطق بما كان ينطق ملهماً»(28).

قال النووي في شرح صحيح مسلم : «اختلف
تفسير العلماء للمراد بمحدّثون فقال ابن وهب :
ملهمون ، وقيل : مصيبون إذا ظنوا ، فكأنهم
حُدِّثوا بشيء فظنوه . وقيل : تكلمهم الملائكة
، وجاء في رواية : مكلّمون . وقال البخاري :
يجري الصواب على السنتهم وفيه اثبات كرامات
الاولياء».

وقال الحافظ محبّ الدين الطبري في (الرياض)
: «ومعنى محدّثون ـ واللّه أعلم ـ أي يلهمون
الصواب ، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدثهم
الملائكة لا بوحي وإنما بما يطلق عليه اسم
الحديث ، وتلك فضيلة عظيمة»(29).

قال القرطبي : «محدَّثون بفتح الدال
اسم مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق
الظن ، وهو من اُلقي في نفسه شيء على وجه
الالهام والمكاشفة من الملا الاعلى ، أو من
يجري الصواب على لسانه بلا قصد ، أو تكلّمه
الملائكة بلا نبوة، أو من إذا رأى رأياً أو ظن
ظناً أصاب كأنه حُدث به ، واُلقي في روعه من
عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له ، وهذه
كرامة يكرم اللّه بها من يشاء من عباده ، وهذه
منزلة جليلة من منازل الاولياء .

(فإن يكن من امتي منهم احد فإنه عمر) ،
كأنه جعله في انقطاع قرينة في ذلك كأنه نبيّ ،
فلذلك اتى بلفظ «إن» بصورة الترديد . قال
القاضي : ونظير هذا التعليق في الدلالة على
التأكيد والاختصاص قولك : إن كان لي صديق فهو
زيد، فإن قائله لا يريد به الشك في صداقته بل
المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه
إلى غيره»(30)
.

فإذا كان في الامم السالفة رجال بهذا
القدر والشأن فلماذا لا يكون بين الامة
الاسلامية رجال شملتهم العناية الالهية
فأحاطوا بالكتاب والسنة احاطة كاملةً يرفعون
حاجات الامة في مجال العقيدة والتشريع .

فمن زعم أن مثل هذه الافاضة تساوق
النبوة والرسالة فقد خلط الاعمّ بالاخص ،
فالنبوة منصب إلهي يقع طرفاً للوحي يسمع فيه
النبي كلام اللّه تعالى ويرى رسول الوحي ،
ويكون إما صاحب شريعة مستقلة أو مروّجاً
لشريعة من قبله .

وأما الامام فهو الخازن لعلوم النبوة
في كل ما تحتاج اليه الامة من دون أن يكون
طرفاً للوحي أو سامعاً كلامه سبحانه أو
رائياً للملك الحامل له . ولاحاطته بعلوم
النبوة طرق اشرنا اليها .

ومن التصور الخاطئ الحكم بأن كل من
أُلهم من اللّه سبحانه أو كلّمه الملك فهو نبي
ورسول ، مع أن الذكر الحكيم يذكر أناساً
اُلهموا أو رأوا الملك ، ولم يكونوا بالنسبة
إلى النبوة في حلّ ولا مرتحل .

هذه أمُّ موسى يقول في حقها سبحانه : (وأوحَينا
إلى أُمِّ موسى أنْ أرضِعيهِ فإذا خِفتِ
علَيهِ فأَلقيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا
تحزَني إنّا رادّوهُ إليكِ وجاعِلوهُ من
المرسلينَ)(31)
.

أفصارت أم موسى بهذا الالهام نبية من
الانبياء ؟

وهذه مريم البتول تكلمها الملائكة من
دون أن تكون نبية . قال سبحانه : (وإذْ قالت
الملائكةُ يا مريمُ إنّ اللّهَ اصطفاكِ
وطهَّركِ واصطفاكِ على نساءِ العالَمينَ * يا
مريمُ اقنُتي لربِّكِ واسجُدي واركَعي معَ
الراكعينَ)(32)
.

وبلغت مريم العذراء مكاناً شاهدت فيه
رسول ربها المتمثّل لها بصورة البشر . قال
سبحانه : (فأرسلْنا إليها رُوحَنا فتَمثَّلَ
لَها بَشَراً سَويّاً * قالتْ إنّي أعوذُ
بالرّحمنِ مِنكَ إنْ كُنتَ تَقيّاً * قالَ
إنّما أنا رسولُ ربِّكِ لاهبَ لكِ غُلاماً
زكيّاً * قالتْ أنّى يكونُ لي غُلامٌ ولَمْ
يَمْسَسْني بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغيّاً * قالَ
كذلِكِ قالَ ربُّكِ هُوَ عليَّ هَيِّنٌ
ولِنَجعَلَه آيةً للناسِ ورَحمةً مِنّا
وكانَ أمراً مَقضيّاً)(33)
.

نرى أن مريم البتول رأت الملك وسمعت
كلامه ولم تصر بعد نبية ولا رسولة ، فمن تدبّر
في الكتاب والسنة يقف على أبدال شملتهم
العناية الالهية ، فوقفوا على اسرار الشريعة
ومكامن الدين بفضل من اللّه سبحانه من دون أن
يصيروا أنبياء.

الثاني : عصمة الائمة الاثني عشر

إن القول بعصمة الائمة الاثني عشر صار
ذريعة لمن تخيلوا أنهم انبياء ، زاعمين أن
العصمة تساوي النبوة ، غافلين عن أنها أعمّ من
النبوة . واليك البيان .

العصمة قوة تمنع صاحبها من الوقوع في
المعصية والخطأ ، حيث لا يترك واجباً ، ولا
يفعل محرّماً مع قدرته على الترك والفعل ،
وإلاّ لم يستحق مدحاً ولا ثواباً . وإن شئت قلت
: إن المعصوم قد بلغ في التقوى حداً لا تتغلب
عليه الشهوات والاهواء ، وبلغ من العلم في
الشريعة واحكامها مرتبةً لا يخطأ معها أبداً .

وليست العصمة شيئاً ابتدعته الشيعة ،
وإنّما دلّهم عليها في حقّ العترة الطاهرة
كتاب اللّه وسنة رسوله . أما الكتاب فقد قال
فيه سبحانه : (إنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ
عنكُم الرِّجْسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّرَكُم
تَطهيراً)(34)
وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي
وأظهره الفسق .

وأما السنة فنذكر منها :

1 ـ قال النبي(صلى الله عليه وآله) : «
عليٌّ مع الحق والحق مع عليّ يدور معه كيفما
دار »(35)
، ومن دار معه الحق كيفما دار لا يمكن أن يعصي
أو أن يخطأ .

2 ـ وقال(صلى الله عليه وآله) في حق
العترة : « إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب اللّه
وعترتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا ابداً »(36)
، فإذا كانت العترة عدل القرآن فإذن هي معصومة
كالكتاب ، لا يخالف أحدهما الاخر .

ولا أظن أحداً يرتاب فيما ذكرنا إلاّ
أنّ اللازم هو التعرف على أهل بيته عن طريق
نصوص الرسول الاكرم فنقول : من هم العترة وأهل
البيت ؟

لا أظن أحداً قرأ الحديث والتاريخ
يشكّ في أن المراد من العترة وأهل البيت لفيف
خاص من أهل بيته ; ويكفي في ذلك مراجعة
الاحاديث التي جمعها ابن الاثير في جامعه عن
الصحاح ، ونكتفي بالقليل من الكثير منها .

روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال : «
لما نزلت هذه الاية : (فَقُلْ تَعالَوا نَدعُ
أبناءَنا وأبناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم)
الاية ، دعا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
عليّاً ، وفاطمة ، وحسناً ، وحسيناً ، فقال :
اللهمّ هؤلاء أهلي » .

وروى أيضاً عن أم سلمة رضي اللّه عنها
، قالت : « إن هذه الاية نزلت في بيتي: (إنّما
يُريدُ اللّهُ ليُذهِبَ عنكُم الرِّجسَ أهلَ
البيتِ ويُطّهرَكُم تَطهيراً) وأنا جالسة عند
الباب ، فقلت : يا رسول اللّه ، ألستُ من أهل
البيت ؟ فقال : إنكِ إلى خير ، أنت من أزواج
رسول اللّه . قالت : وفي البيت رسول اللّه ،
وعليّ ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين ، فجلّلهم
بكسائه وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب
عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » .

وروى أيضاً عن انس بن مالك أن رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله) كان يمرُّ بباب
فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الاية
قريباً من ستة أشهر ، يقول : « الصلاة أهل
البيت (إنّما يُريدُ اللّهُ ليُذهِبَ عَنكُم
الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّرَكُم تَطهيراً)
» .

وروى مسلم: « قال يزيد بن حيّان :
انطلقت أنا وحصين بن سبرة ، وعمر بن مسلم إلى
زيد بن ارقم ، فلما جلسنا اليه قال له حصين :
لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله) ، وسمعت حديثه ،
وغزوت معه، وصليت خلفه. لقد لقيت يا زيد خيراً
كثيراً، رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
، وسمعت حديثه ،ما سمعت من رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) . قال : يابن أخي ، واللّه لقد
كبرت سني ، وقدم عهدي ، فما حدثتكم فاقبلوا ،
ومالا فلا تكلفونيه . ثم قال : قام رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله)يوماً فينا خطيباً بماء يدعى
خمّاً ، بين مكة والمدينة ، فحمد اللّه واثنى
عليه ، ووعظ وذكَّر ثم قال : أما بعد، ألا أيها
الناس ، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي
فأُجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أوّلهما كتاب
اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه ،
واستمسكوا به . فحثّ على كتاب اللّه ورغّب فيه
، ثم قال : وأهل بيتي ، اذكّركم اللّه في أهل
بيتي ، اذكّركم اللّه في أهل بيتي ، اذكّركم
اللّه في أهلي بيتي .

فقلنا : من أهل بيته ؟ نساؤه ؟ . قال :
وايم اللّه ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر
من الدهر ، ثم يطلقها ، فترجع إلى أبيها
وقومها . أهل بيته أصله وعصبته الذين حُرِموا
الصدقة بعده »(37)
.

3 ـ روى المحدثون عن النبي الاكرم(صلى
الله عليه وآله) أنه قال : « إنّما مثل أهل بيتي
في امتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن
تخلّف عنها غرق »(38) .

فشبّه صلوات اللّه عليه وآله أهل بيته
بسفينة نوح في أن من لجأ اليهم في الدين فأخذ
أصوله وفروعه منهم نجا من عذاب النار ، ومن
تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل
ليعصمه من أمر اللّه ، غير أن ذاك غرق في الماء
وهذا في الحميم .

فإذا كانت هذه منزلة أهل البيت فأنّى
تصرفون ؟

يقول ابن حجر في صواعقه : « ووجه تشبيهم
بالسفينة أن من أحبهم وعظّمهم شكراً لنعمة
مشرّفهم ، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة
المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر
النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان»(39).

عصمة الامام في الكتاب :

ومما يدلّ على عصمة الامام على وجه
الاطلاق قوله سبحانه : (أطيعُوا اللّهَ
وأطيعوا الرسولَ وأولي الامرِ منكُمْ)(40)
.

والاستدلال مبنيّ على دعامتين :

1 ـ أن اللّه سبحانه أمر بطاعة اولي
الامر على وجه الاطلاق ، أي في جميع الازمنة
والامكنة وفي جميع الحالات والخصوصيات ، ولم
يقيد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما
هو مقتضى الاية .

2 ـ أن من البديهي أنـّه سبحانه لا يرضى
لعباده الكفر والعصيان (ولا يرضى لعباده
الكفر)(41)
. من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من
دون تدخل أمر آمر أو نهي ناه ، أو يقومون به
بعد صدور أمر ونهي من اولي الامر.

فمقتضى الجمع بين هذين الامرين ، أعني
وجوب إطاعة اولي الامر على وجه الاطلاق ،
وحرمة طاعتهم إذا امروا بالعصيان ، أن يتصف
اولوا الامر الذين وجبت إطاعتهم على وجه
الاطلاق ، بخصوصية ذاتية وعناية الهية ربانية
، تصدّهم عن الامر بالمعصية والنهي عن الطاعة
; وليس هذا إلاّ عبارة اخرى عن كونهم معصومين ،
وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت العناية ، لما
صحّ الامر بإطاعتهم على وجه الاطلاق ولما صحّ
الامر بالطاعة بلا قيد وشرط ، فيستكشف من
اطلاق الامر بالطاعة اشتمال المتعلَّق على
خصوصية تصدّه عن الامر بغير الطاعة .

وممّن صرح بدلالة الاية على العصمة
الرازي في تفسيره ، ويطيب لي أن اذكر نصه حتى
يمعن فيه من يعشق الحقيقة . قال : « إنّ اللّه
تعالى أمر بطاعة اولي الامر على سبيل الجزم في
هذه الاية ، ومن امر اللّه بطاعته على سبيل
الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوماً عن الخطأ
، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير
إقدامه على الخطأ يكون قد امر اللّه بمتابعته
، فيكون ذلك امراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ
لكونه خطأ منهيٌّ عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع
الامر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار
الواحد ، وإنه محال ، فثبت أن اللّه تعالى أمر
بطاعة اولي الامر على سبيل الجزم ، وثبت أنّ
كلّ من امر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب
أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ
اولي الامر المذكورين في هذه الاية لابدّ وأن
يكونوا معصومين»(42)
.

الثالث : ظهور الكرامات بأيديهم

إن تاريخ الرجال الصالحين مليء
بالكرامات الصادرة عنهم بإذنه سبحانه في
مواقف خاصة لغايات دينية ; ولا أقول بصحة كل ما
ينسب اليهم وإنما يصدق بصورة قضية جزئية ، فلا
عجب أن يكون الائمة الاثنا عشر بل من دونهم
مصادر تلك الكرامات لتلك الغايات ، فيجيب
سبحانه دعاءهم إذا دعوا ، وهذا هو النبي
الاكرم(صلى الله عليه وآله) ، وقد دعا الوفد
النجراني للمباهلة أو دعي هو إليها ، خرج
بأناس علم أنه يستجاب دعاؤهم ، وهم عليّ
وفاطمة والحسن والحسين ، وترك جميع الصحابة
وامهات المؤمنين ، فواجه العدو بأفلاذ أكباده
وأولي أقرب وشائجه، وهذا يعرب عن أن لفاطمة
وبعلها وبنيها مكانة مرموقة لايرد فيها
دعاؤهم .

فلا يكون ظهور الكرامات بأيديهم
دليلاً على أنهم أنبياء، وتسميتها معجزة
ناشئة من الغفلة عن حد الاعجاز; لان العمل
الخارق للعادة لا يُعدّ معجزة إلاّ إذا
اجتمعت فيه شرائط أربعة منها دعوى النبوة ،
والتحدّي بها.

وهذه مريم البتول يصفها سبحانه بقوله :
(وكفَّلها زكريّا كلّما دخَلَ علَيها زكريّا
المِحرابَ وجَدَ عندَها رِزقاً قالَ يا مريمُ
أنّى لكِ هذا قالتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ
إنَّ اللّهَ يرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيرِ
حِساب)(43).

أَفهل ترى أن مريم صارت بهذه الكرامة
نبية أو رسولة؟

حصيلة الكلام أنـّه من الظلم الواضح
رمي الشيعة بأنهم يعتقدون بنبوة أئمتهم ،
لاجل العمل بأقوالهم وأحاديثهم ، أو للقول
بعصمتهم ، أو لظهور الكرامات على أيديهم .


(1)
الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 23 ، ط . بيروت ،
دار المعرفة .

(2)
الدكتور اوزك ، رأي الشيعة الامامية الاثني
عشرية في التفسير: 2 ، 3 ، 8 .

(3)
الدكتور يوسف شوقي ياوز ، مناقشة آراء
الامامية وتقييمها حول اصول الدين : 2 و 7 .

(4)
الاحزاب : 40 .

(5)
فصّلت : 41 ـ 42 .

(6)
امالي الصدوق : 29، ومعاني الاخبار: 94 ، وغيرها
من المصادر الشيعية، ولاحظ صحيح البخاري: 4:
208 ط . دار الفكر.

(7)
نهج البلاغة ، الخطبة 129 .

(8)
نهج البلاغة ، الخطبة 230 ، ومجالس المفيد: 527 ،
وبحار الانوار 22 : 527.

ونكتفي في هذه العجالة بهذا
المقدار من النصوص، ومن أراد أن يقف على نصوص
الائمة الاثني عشر(عليهم السلام)في مسألة
ختم النبوة وانقطاع الوحي وسد باب التشريع
بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله) فعليه
الرجوع الى الجزء الثالث من كتاب (مفاهيم
القرآن).

(9)
ربما يُروى عنه(صلى الله عليه وآله) :

« إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وسنتي ،
ولا تعارض بين الخبرين ، غير أن الاول متواتر
دون الثاني ، والاول مسند والثاني مرسل نقله
الامام مالك في موطئه ، واين هو من حديث
العترة الذي اطبق المحدثون على نقله .
والتفصيل موكول إلى محله .

(10)
الحاكم ، المستدرك 2 : 151 ، والسيوطي ، الخصائص
الكبرى 2 : 266 ، وابن حجر ، الصواعق : 191 ، الباب
12 .

(11)
الاحزاب : 36 .

(12)
البحار 2 : 178.

(13)
مسند الامام احمد 1: 81 ، وصحيح مسلم 4: 217،
والبيهقي، السنن الكبرى 8 : 26، نقلاً عن
الامام الشافعي.

(14)
وقد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الاثر
حول كتب الامام عليّ في موسوعته بحار
الانوار 26 : 18 ـ 66 ، تحت عنوان « باب جهات
علومهم وما عندهم من الكتب » فلاحظ الاحاديث
1

و 10 و 30 من ذلك الباب .

(15)
راجع الكافي «باب الرد إلى الكتاب والسنة » 1
: 59 ـ 62 ، تجد فيه احاديث تصرح بما ذكر ،
والمراد منها اصول الاحكام وجذورها لا
فروعها وجزئياتها .

(16)
غافر : 84 ـ 85 .

(17) ابن شهراشوب ، مناقب آل أبي طالب 4
: 405 .

(18)
التوبة : 25 .

(19)
سبط ابن الجوزي ، تذكرة الخواص : 202 .

(20)
مناقب آل أبي طالب 4 : 402 .

(21)
الكهف : 65 .

(22)
النمل : 41 .

(23)
صحيح البخاري 2 : 194.

(24)
ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري 6 : 99 .

(25)
صحيح البخاري 2:171.

(26)
ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5 : 431 .

(27)
صفة الصفوة 1 : 104 .

(28)
مشكل الاثار 2 : 257.

(29)
الرياض 1 : 199 .

(30)
لاحظ للوقوف على سائر الكلمات حول المحدَّث
كتاب الغدير 5: 42 ـ 49.

(31)
القصص : 7 .

(32)
آل عمران : 42 ـ 43.

(33)
مريم : 17 ـ 21.

(34)
الاحزاب : 33 .

(35)
حديث مستفيض ، رواه الخطيب في تاريخه 14 : 321،
والهيثمي في مجمعه 7 : 236 .

(36)
حديث متواتر ، أخرجه مسلم في صحيحه ،
والدارمي في فضائل القرآن وأحمد في مسنده 2 :
114 ، وغيرهم .

(37)
لاحظ فيما نقلناه من الاحاديث جامع الاصول 1 :
100 ـ 103 ، الفصل الثالث من الباب الرابع.

(38)
مستدرك الحاكم 2 : 151، والخصائص الكبرى
للسيوطي 2 : 266 . وللحديث طرق ومسانيد كثيرة ،
من اراد الوقوف عليها فليراجع تعاليق إحقاق
الحق 9 : 270 ـ 293.

(39)
الصواعق : 191 الباب 11.

(40)
النساء : 59 .

(41)
الزمر : 7 .

(42)
مفاتيح الغيب 10 : 144 .

(43)
آل عمران : 37 .



/ 1