دور العصبیات فی اضعاف الکیان الاسلامی (عصر صدر الاسلام نموذجاً) (2) نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

دور العصبیات فی اضعاف الکیان الاسلامی (عصر صدر الاسلام نموذجاً) (2) - نسخه متنی

عبدالکریم آل نجف

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

دراســات

دور العصبيات في اضعاف الكيان الاسلامي

«عصر صدر الاسلام نموذجاً» ( 2 )

* الشيخ
عبدالكريم آل نجف

الامام
علي(عليه السلام) أمام مسؤولياته الرسالية

عند مقتل عثمان بن عفان أصبح خط العصبية في
الخلافة فيمضيق صعب ، إذ كانت الثورة على عثمان ثورة على المنهج القبلي
الأسري المتعصب الذي يؤثر بعض الناس على بعض بغير حق ، وتنعدم فيه المساواة ، بما
يعني ان الأرضية الاجتماعية لم تعد مهيئة للقبول بحلقة جديدة من هذا الخط ، هذا من
جهة ، ومن جهة أخرى فإن هذا الخط لم يعد يملك مبادرة سياسية تمكّنه من الظهور في
حلقة جديدة. فالخليفة الأول جاء من خلال فذلكة السقيفة والخليفة الثاني وصل إلى
الحكم بتوصية من الأول ، والخليفة الثالث افرزته الشورى القرشية التي عيّنها
الخليفة الثاني ، فبأي وسيلة يستطيع هذا الخط أن يفرز خليفة جديداً ؟ فهل بإمكان
عثمان أن يوصي والمجتمع قد ثار عليه؟ وهل بامكانه أن يعيّن شورى قرشية جديدة وقد
استنفذت قريش الرموز الذين يمكنهم الوقوف بوجه شخصية شعبية جذرية لامعة ساحقة
كالإمام علي(عليه السلام) ؟

ويبدو من بعض المؤشرات أن العصبية القرشية كانت
تجد في العصبية اليهودية ظهيراً لها . لأنهما من واد واحد ، فالعصبية اليهودية هي
التي حرَّفت شريعة موسى(عليه السلام) واظهرتها بمظهر الشريعة التي تؤثر بني
اسرائيل على سائر البشر . والعصبية القرشية تحاول الآن احتذاءها من خلال محاولة
تحريف الاسلام من صورته كأكبر عالمية عرفها الانسان إلى صور الشريعة المتعصّبة
التي تؤثر قريش على سائر الناس ايثاراً أبدياً خالداً ، فمثلاً نجد الخليفة الثالث
قد اتخذ من كبار اليهود أمثال كعب الأحبار وعبداللّه بن سلام حاشية له يرجع إليهم
في الظروف الحساسة ، وهذا ما جمع العصبيتين في موقف واحد ضد الإمام علي(عليه
السلام)فنجد عبداللّه بن سلام يهتف في اليوم الذي قتل فيه عثمان:
«اليوم هلكت
العرب»([1])
بفقدهم آخر رائد من روّاد العصبية القرشية .

وهكذا يكون خط العصبية في الخلافة قد وصل إلى
طريق مسدود خاصة مع التألّق الساحق للامامة العلوية ذات المنهج العالمي . ولم تجد
قريش بدّاً من الانحناء أمام هذه الحقيقة المرّة . لكنها لم تستسلم للوثبة العلوية
العالمية التي كان مؤكداً أنها ستساوي بين قريش وسائر المسلمين ، واختارت قريش
طريق المؤامرة الهادفة إلى القضاء على هذه الوثبة لتقول للمسلمين في النتيجة : أن
خط العصبية في الخلافة هو الخط الوحيد في حياتهم السياسية .

ومن هنا كانت المهمة في منتهى الصعوبة ،
والطريق في منتهى الوعورة وهامش الاصلاح ضيّقاً جداً ، فقد كان امامه سبيلان لا
ثالث لما :

أحدهما ـ مسايرة العصبية القرشية الجامحة التي
لا تقبل بأقل من أن تكون فوق سائر المسلمين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً .

وثانيهما ـ اعلان الثورة الجذرية الاصلاحية ،
وتطبيق المنهج الاسلامي العالمي بحذافيره .

قد يقال : ان الحكمة كانت تقتضي اختيار الطريق
الأول ، فإذا وطّد الإمام حكمه ; أخذ بمواجهة الخطر القرشي مواجهة تدريجية هادئة
بالقدر الذي يحقّق الهدف ولا يضر باستقرار دولة الإمام وتواصل حلقات الإمامة في
سائر الأئمة من بعده ؟

وهذا مبني على أساس الثقة بسياسة المداراة
واتباع انصاف الحلول كطريق للخلاص من المأزق ، وعندما نريد تقويمه لابد لنا من
دراسة نقطتين فيه وهما :

1 ـ هل ان سياسة المداراة وانصاف الحلول ستجعل
دولة الإمام بمنأى عن الخطر القرشي ؟

2 ـ ماهي المضاعفات السلبية الناشئة عن هذه
السياسة ؟ وهل هي من ماهيّة يمكن تحمّلها وتلافيها فيما بعد أم لا ؟ وهل ان الجهات
التي يفترض في الإمام أن يتسامح فيها لإنقاذ دولته من الخطر هي مما يمكن التسامح
فيه أم مما تجب فيه الصرامة ؟

أما النقطة الاولى فيتضح جوابها من الشواهد
التأريخية التي أوردناها آنفاً عن قوة وعنفوان العصبية في قريش عامة وبني أمية على
نحو خاص ، فقد كانت هي السبب في مقاومة قريش للاسلام ، وكانت تأنف من أن تعطي
قيادها ليتيم فقير هو الرسول(صلى الله عليه وآله) ، ولذا لم تثمر الدعوة في مكة
إلاّ عن افراد قلائل ينتمون لفروع قرشية ضعيفة أو لقبائل من غير قريش ، أما عصبية
قريش المتمثلة بالفرع الأموي فقد كانت على موقف صارم حازم وهو محاربة الاسلام بلا
هوادة . ويمكننا أن نتذكر حادثة هند وتناولها لكبد الحمزة عمّ الرسول(صلى الله
عليه وآله) يوم اُحد للدلالة على الحد القياسي الذي بلغه الحقد القرشي الأموي على
الرسالة والرسول(صلى الله عليه وآله) ، ولذا ظهرت ثمرة الاسلام ودولته في المدينة
ولم يتم فتح مكة إلاّ بعد ما يئست قريش من مصيرها ومستقبلها ووجدت أن اظهار
الاسلام واضمار الفتنة والمؤامرة هو الطريق الوحيد للخلاص من المأزق والعودة إلى
الزعامة من جديد ، وكان النبي(صلى الله عليه وآله) يتألفهم بوسائل عديدة منها :
موقفه يوم نادى في فتح مكة من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ويوم حنين حينما أعطى
الغنائم لقريش ولم يعط الانصار شيئاً منها ، فتداخل الريب إلى نفوس الأنصار
واعتبروه انحيازاً قبلياً لصالح أفراد أكثرهم من الطلقاء الذين كانوا عما قليل من
زعماء الشرك كأبي سفيان وأبنائه ، فبلغ النبي الخبر فوقف بينهم معاتباً حتى بكوا
واعتذروا ووقعوا على قدميه فقال الرسول(صلى الله عليه وآله) :
يا معشر الأنصار أما
ترضون أن يرجع غيركم بالشاة والنعم وترجعون برسول اللّه ؟
قالوا : رضينا فقال
الرسول(صلى الله عليه وآله)عند ذاك : الأنصار كرشي وعيبتي لو سلك الناس شعبا وسلك
الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار([2]) .

وحتى قول الرسول(صلى الله عليه وآله) : الأئمة
من قريش ينطوي على نوع من التأليف ، فمن المقطوع به أن الاسلام يتنافى مع المبدأ
القبلي وأن الرسول(صلى الله عليه وآله) لا يقصد اقرار هذا المبدأ ، وانما ذكر
عنوان قريش ليتألفهم ، فهو من جهة يقرّر الإمامة لعلي(عليه السلام) ويعدّ الأمة
للإقرار بها ومن جهة ثانية يحاول عدم اثارة حفيظة قريش ضد امامة أهل البيت(عليهم
السلام) من خلال ذكر عنوان لا علاقة له بأسس الإمامة وملاكاتها الشرعية وإنما هو
عنوان عرضي أشار له الرسول(صلى الله عليه وآله) لتهدئة الخصوم والتقليل من حسدهم
ضد الإمام(عليه السلام).

وقد التفت أبو سفيان يوماً إلى العباس بن عبد
المطلب قائلاً : لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ، فقال له العباس : إنما هي النبوة
لا الملك ، فالقضية التي لا زالت تؤرق قريشاً ممثلة بأبي سفيان هي قضية الملك ،
فالعصبية هي السبب في محاربة الاسلام أولاً ، وهي العامل الذي كان وراء دخولهم في
الاسلام ثانياً ، وهي التي جعلت قريشاً ترفض ولاية الإمام علي(عليه السلام)القطعية
، وهي التي جاءت بأبي بكر ، وبعده عمر ثم عثمان، ولم تنحنِ لبيعة
الإمام(عليه السلام) إلاّ اضطراراً كاضطرارها يوم فتح مكة ، وكان انحناءاً ينطوي
على مؤامرة . كما هو انحناؤها للاسلام يوم فتح مكة ، ولعل من حكم اللّه سبحانه في
رسالاته ; أن يجعل الإمامة رديفاً للنبوة في كل شيء حتى في خطوات الخصوم ومؤامراتهم
.

ان المعركة بين علي وقريش معركة وجود لا معركة
حدود وبرامج وأساليب ، وقد رفضت قريش علياً وحاربته منذ اليوم الأول لوفاة
الرسول(صلى الله عليه وآله) يوم لم يكن للإمام برامج سياسية واقتصادية معلنة بشأن
الحكم والدولة ، فالمسألة ليست مسألة برامج وسياسات يمكنه التسامح في بعضها ،
وإنما هي مسألة خطط ومؤامرات تسعى لتصفية الامتداد الرسالي للنبي(صلى الله عليه
وآله) تنفيساً عن احقاد قديمة ، ووصولاً بالأمر إلى ملك قرشي يتسامحون مع علي(عليه
السلام) وهو أكبر من هدّ بنيان بني عبد شمس في يوم بدر حينما قتل حنظلة بن أبي
سفيان ، والعاص بن سعيد والوليد بن عتبة ، وعامر بن عبد اللّه حليفهم ، ثم اشترك
في قتل الخامس وهو شيبةبن عبد شمس ؟

والخلاصة فمجموع الشواهد التأريخية تدل على أن
العصبية القرشية بنحو عام والأموية بنحو خاص كانت طاغية بحيث لم يكن بإمكان
السياسة والمداراة وانصاف الحلول أن تثنيها عن عزمها الرامي إلى حرف المسيرة
الاسلامية وجعل قريش ممثلة ببني أمية فوق الآخرين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً .

هذا بالنسبة إلى النقطة الأولى .

وأما بالنسبة للنقطة الثانية ، فعلى فرض ان
استمالة قريش بأنصاف الحلول كان أمراً ممكناً بالنسبة للإمام(عليه السلام) فما هو
التنازل الذي كان بإمكان الإمام تقديمه لبني أمية حتى يتألفهم ويستميلهم؟

صحيح ان السياسة الاسلامية تشتمل على مبدأ
«تأليف القلوب» بمعنى إغراء الخصوم بامور من شأنها دفع خطرهم ومؤامراتهم على
الاسلام والمسلمين ، وقد طبقه الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وذكرنا بعض
تطبيقاته قبل قليل . ولكننا نجد في تطبيقات الرسول(صلى الله عليه وآله) حالتين
مفقودتين في زمن الإمام علي(عليه السلام) وهما :

1 ـ ان تطبيقات الرسول لا تشتمل على تنازل أو
مساومة بشأن مبدأ اسلامي ثابت ، وإنما اشتملت على مداراة نفسية كما في مثال
«من
دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ومثال «الأئمة من قريش» ، أو مداراة مادية محدودة يمكن
تلافي سلبياتها كما في مثال اعطاء غنائم عزوة حنين إلى أفراد أكثرهم من طلقاء مكة
وفي مقدمتهم أبو سفيان وأبناؤه وحرمان الأنصار من ذلك ، فإن غاية الحزازة في ذلك
هو حرمان الأنصار من حقهم ، وهم أفراد معلومون يمكنه استرضاؤهم والتأثير عليهم وقد
عوّضهم عن ذلك بمنزلة معنوية لا تقدر ، ولا نجد في هذه التطبيقات أثراً لامتياز سياسي
أو اجتماعي أو اقتصادي ثابت يكون لقريش على حساب باقي المسلمين .

وهذه الحالة مفقودة في زمن الإمام علي(عليه
السلام) ، فإن بني أمية كانوا يطالبون بالمناصب والولايات ، وكانت قريش تطالب
باستمرارالامتيازات السياسية والاقتصادية التي اكتسبوها في زمن
الخلفاء الثلاثة ، وهذا يتضمن الإخلال بمبدأ المساواة والعدالة وهما جوهر النظام
الاجتماعي والسياسي في الاسلام . فما تريده قريش من الإمام هو المساومة على
الاسلام ، وكم من فرق بين المساومة وتأليف القلوب؟

2 ـ ان التطبيقات النبوية كانت تنطلق من موقع
القوة السياسية الغالبة الموجّهة إلى خطر خفي لا يستطيع الاعلان عن نفسه ، بينما
كانت العصبة الأموية ومن ورائها قريش تمثل انشقاقاً سافراً وخطيراً يعلن بصراحة عن
مطالبه غير الاسلامية وغير العادلة ، ويسمى لفرضها على الإمام بقوة المؤامرة . فما
قام به النبي(صلى الله عليه وآله) هو مبادرة سياسية تسعى لامتصاص خطر يختفي وراء
الستار ، وهي محاولة تستبق الزمن فتعالج الخطر قبل أن يستشري ويعلن أصحابه عن
المطالبة بمساومات بشأن المبدأ ، بينما كان الخطر في زمن الإمام علنياً يطالب
بالمساومات منذ اليوم الأول .

ولو قدّر للإمام أن يساوم على اصالة وعالمية
التجرية الاسلامية ، ويمضي الامتيازات القبلية التي احرزتها قريش سياسياً
واقتصادياً واجتماعياً في عهد الخلفاء الثلاثة ولو لزمن محدود ; فهذا ما سيزيد في
خطر العصبية القرشية عليه ويضعف من تلاحم القواعد الشعبية الراغبة في عدالة الإمام
ومساواة الاسلام ، والناقمة على عصبية قريش وانحرافاتها ، خاصة وان الإمام قد تولى
الحكم في أجواء الثورة الشعبية على عثمان وحاشيته الأموية . وهي أجواء تعزّز في
القائد الجديد مطلب الروح الثورية الجذرية الصارمة .

ان المساومة بين الإمام وقريش كانت تعني
المساومة بين الاسلام والعصبية ، وهي أمر متعذر تماماً ، لأن العصبية كانت ولا
زالت منذ يوم ابليس وحتى يومنا هذا تشكل محوراً اجتماعياً وفكرياً وسياسياً
مناقضاً للمحور الايماني ، فهي تدفع المجتمع باتجاه ، والاسلام يريد أن يوجهه
بالاتجاه المعاكس والجمع بينهما جمع بين الضدين ، فكيف يستطيع الإمام أن يبني
المجتمع بناءاً اسلامياً وفق مفاهيم الاسلام الأخلاقية العالمية وهو يعتمد على
ولاة امويين لا يعرفون شيئاً من الاسلام ولم يتركوا شيئاً من العصبية الجاهلية ؟
ان حاكماً يفكر بهذه الطريقة هو حاكم يريد السلطة ويبحث عن امتيازاتها الدنيوية ،
والإمام علي يكره السلطة ويعشق الاسلام ويريد للمجتمع بناءاً اسلامياً من الطراز
الأول ، ولذا قال لابن عباس : ان امرتكم هذه أهون عندي من عفطة عنز إلاّ أن اقيم
حقاً أو أدفع باطلاً([3])
.

وهكذا يتضح أن اسلوب المساومة عقيم من الناحية
السياسية ولا يستند إلى أساس مقبول من الناحية الشرعية . فيتعين اسلوب الثورة
الاصلاحية الجذرية الشاملة وهو الذي خاضه الإمام بكفاءة قياسية لم يعرف التأريخ
لها مثيلاً ، فكان عهده السياسي عهد المواجهة العاصفة والجذرية مع العصبية التي لا
يمكن أن تقوم للاسلام قائمة وهي إلى جنبه ، ولا يمكن للتجربة السياسية والاجتماعية
أن تستقيم وتنضج وتؤتي اكلها ما لم يتم أولاً تصفيتها من الساحة .

لقد ركّز الإمام(عليه السلام) على جانبي
العدالة والعالمية في تجربته وطبقهما التطبيق الصحيح الذي يستحقانه حتى غدا أعلى
رمز للعدالة الانسانية في التأريخ ، مما حقق للاسلام انتصاراً وللقيم المعنوية
تألقاً وازدهاراً بكيفية تجاوزت حدود الزمان والمكان وشارفت حد الاطلاق ، فكل زمان
يهتف لعلي ، وكل مكان يتغنى بعدالته ، وهذه هي الامتيازات العلوية الخالدة
المستمدة أساساً من التمحور حول اللّه بدلاً عن «الأنا» وحول القيم المعنوية بدلاً
عن القيم المادية ، وحول الافق البعيد بدلاً عن الانحصار بمحدودية القريب ، وهي
تحكي امتيازات وخصائص الدولة العالمية التي اقامها الإمام كما أرادها الاسلام .

إن العالمية حركة نحو المطلق ، وسيرة الإمامة
انطلقت من المطلق لتتجه نحو القيم المطلقة والزمان المطلق والمكان المطلق حتى غدا
الإمام أعلى رمز للعدالة في التأريخ ، وبعده جاء الإمام الحسين لينطلق منالمطلق
متجها نحو القيم الثورية المطلقة والزمان المطلق والمكانالمطلق حتى
غدا أعلى رمز ثوري في التأريخ . وهذا يحكيجوهراً عالمياً لا ينفك عنه
خط الإمامة ، فإما دولة عالمية تكون أعلى رمز للعدالة في التأريخ ، وأما ثورة
عالمية تكون أعلى رمز ثوري في التأريخ .

معالم
الاصالة والعالمية الاسلامية في دولة الامام علي(عليه السلام)

بعد مقتل
عثمان اتجهت الوفود الشعبية نحو بيت الإمام معلنة البيعة والولاء له ، فاعتذر
الإمام في بدء الأمر عن تحمل المسؤولية ، محاولاً من خلال ذلك استمداد موقف شعبي
أقوى ، واكتشاف مدى استعداد الجماهير للتغيير الجذري ، والفات نظر الاُمة إلى
مشروع التغيير الجذري الذي يحمله والذي من شأنه أن يعود بالأمة إلى الاسلام الصحيح
الرائق الخالي من شوائب العصبية ، وهذا ما يؤدي بالنتيجة إلى المواجهة الحاسمة مع
الطبقات الانتهازية التي تكونت في ظل المنهج القرشي المتعصب للخلفاء الثلاثة فقال
لهم :

«دعوني
والتمسوا غيري ، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه والوان لا تقوم له القلوب ، ولا
تثبت عليه العقول ، وانّ الآفاق قد اغامت والمحجة قد تنكرت ، واعلموا أني ان أجبتكم
ركبت بكم ما أعلم ، ولم اصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ، وان تركتموني فأنا
كأحدكم ولعليّ اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه أمركم ، فأنا لكم وزيراً خير لكم مني
أميراً»([4])
.

فأصرّت
الجماهير على مبايعته حتى قال الإمام في وصف موقفهم آنذاك:
«فما راعني
إلاّ والناس كعرف الضبع اليّ ، ينثالون عليّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان وشق
عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم»([5]) .

وعلى أساس
هذه القاعدة الشعبية تحمّل الإمام(عليه السلام) المسؤولية واعدّنفسه
لعملية الاصلاح والتغيير ، وهيّأ برنامجه السياسي والاجتماعي الذي جسّد المنهج
العالمي للدولة الاسلامية انطلاقاً من الاُسس التالية :

1 ـ عزل ولاة عثمان
وتعيين ولاة جدد :

وأول مايتراءى من معالم هذا المنهج عزل ولاة
عثمان الأمويين وتطهير الدولة منهم ، وتعيين ولاة جدد ، والملاك في هذا الموقف هو
فهم الاسلام والاستعداد لتطبيقه ، فالدولة التي تريد الاسلام وتنشده لابد وأن
تعتمد على كوادر تفهمه بعمق وتستعد لتطبيقه باخلاص ، ودولة عثمان كانت دولة أموية
قبل أن تكون دولة اسلامية ، وحينئذ فمن الطبيعي أن يقدم الإمام علي(عليه السلام)
عزل ولاة كان الملاك في تعيينهم وسيرتهم العصبية قبل الاسلام . وقد كلّمه المغيرة
بن شعبة مشيراً عليه بإبقائهم ، ولكن الإمام رفض هذا الاقتراح ، وطلب منه طلحة
والزبير الولاية على البصرة والكوفة فردّهما وكان يقول :

«... ولكني آسى أن يلي أمر هذه الأمة
سفهاؤها وفجّارها فيتخذوا مال اللّه دولاً ، وعباده خولاً، والصالحين حرباً ، والفاسقين
حزباً ، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام وجلد حدّاً في الاسلام ، وان منهم من لم
يسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضائخ»([6]) .

وولّى رجالاً من أهل الدين والعفّة ، فولى على
البصرة عثمان بن حنيف ، وعلى الشام سهل بن حنيف ، وعلى مصر قيس بن سعد بن عبادة ،
وثبّت أبا موسى الأشعري على الكوفة ، وهذه هي الأمصار الكبرى في دولة الاسلام
آنذاك ، فأصاب هذا الاجراء قريشاً في الصميم وهدّ كبرياءها ، فإن أحداً من هؤلاء
الولاة لم يكن قرشياً .

2 ـ اعادة الأموال
المختلسة إلى بيت مال المسلمين :

فقد أعلن الإمام في احدى خطبه التي استهلّ بها
حكمه مصادرة جميع الهبات والعطايا التي منحها عثمان لولاته وقرابته فقال :
«لوجدته
قد تزوج به النساء وملك الاماء وفرّق في البلدان لرددته ، فان في العدل سعة ، ومن
ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق»([7]) ، وهذا ما
افزع بني امية ، فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية كتاباً بعد ما بلغه ما قام به
الإمام من مصادرة أموال عثمان يقول فيه : «ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشركَ ابن
أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها»([8]) .

3 ـ اعلان مبدأ
المساواة في العطاء :

وأعلن الإمام إلى جانب ذلك مبدأ المساواة في
العطاء والغاء مبدأ التفضيل القبلي والقومي الجاهلي الذي كان سائداً في العهد
السابق . فقال في خطاب آخر : «ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا ،
فاتخذوا العقار وفجّروا الأنهار ، وركبوا الخيول الفارهة ، واتخذوا الوصائف الروقة
، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً ، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، وأخرتهم
إلى حقوقهم التي يعلمون ، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون : حرمنا ابن أبي طالب
حقوقنا ، ألا وايّما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه
وآله) يرى أن الفضل له على سواه لصحبته فإن الفضل النيّر غداً عند اللّه وثوابه
وأجره على اللّه ، وأيما رجل استجاب للّه وللرسول ، فصدّق ملتنا ودخل في ديننا
واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده ، فأنتم عباد اللّه والمال مال
اللّه يقسم بينكم بالسوية ، لا فضل فيه لأحد ، على أحد وللمتقين عند اللّه غداً
أحسن الجزاء وأفضل الثواب ، لم يجعل اللّه الدنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً وما
عند اللّه خير للأبرار ، وإذا كان غداً نشاء اللّه فاغدوا علينا فإن عندنا مالاً
نقسّمه فيكم ، ولا يتخلّفن أحد منكم عربي ولا عجمي ، كان من أهل العطاء أو لم يكن
، إلاّ حضر»([9])
.

وفي الغد اوصى كاتبه أن يعطي كل حاضر ثلاثة
دنانير بلا تفاوت بين مسلم ومسلم ، فقام سهل بن حنيف فقال : يا أمير المؤمنين هذا
غلامي بالأمس وقد اعتقته اليوم ، فقال : نعطيه كما نعطيك ، وتخلف عن الحضور طلحة
والزبير وعبداللّه بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم وآخرون ممن نقموا على
هذه السياسة وصاروا يحيكون المؤامرات ضد الإمام بسببها . وربما كان بعض من صحابة
الإمام قد تأمّل في هذه السياسة ولم يهضمها فراح ينصح الإمام بالعودة عنها قائلاً
:

«يا أمير المؤمنين ! اعطِ هذه الأموال ،
وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ، واستمل من تخاف خلافه من
الناس» ناظراً
إلى ما يقوم به معاوية من استمالة رؤساء القبائل بالمنح والهدايا ، وما يحقّقه من
مكاسب سياسية عن هذا الطريق ، مقارناً بينه وبين حال الإمام وقد انفض الناس من حوله
بسبب مبدأ المساواة ، لأن رئيس القبيلة لا يمكنه القبول بعطاء يتساوى فيه مع سائر
أفراد قبيلته ، وإذا انصرف عن ولاء الإمام ; لم يكن بوسع اتباعه إلاّ احتذاء ذلك
الموقف وان كانوا في قلوبهم يريدون الإمام ويؤيّدون سياسته ، وأكثر جماهير الإمام
من هؤلاء الذين لا رأي لهم ولا وزن في حسابات السياسة . فيما كان اتباع معاوية من
رؤساء القبائل الذين إذا استمال أحدهم يكون بذلك قد استمال القبيلة بأكملها ، وهذا
هو العمق المريض في المجتمع القبلي الذي جاء الاسلام لتصفيته ، فردّ عليهم الإمام
بقوله : «أتأمرونّي أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه ؟! .. لو كان المال
لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال اللّه ..؟»([10]) .

وخلافاً لما كان يروّجه الخصوم من أن الإمام
إذا تولى الحكم سينحاز إلى أهل بيته من بني عبد المطلب اثبتت الأحداث بأن الإمام
لا يستثني أهل بيته من سياسة المساواة ، فلما طلب منه أخوه عقيل يوماً مساعدة يقضي
بها حاجته وكان مملقاً كثير العيال احمى له الإمام حديدة ووضعها في يده ولما أحسّ
بحرارتها قال له الإمام : «ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة احماها انسانها
للعبه وتجرني إلى نار سجّرها جبارها لغضبه»([11])؟
.

وأعطى ذات يوم امرأة عربية عطاءاً مساوياً
لأخرى موالية فاحتجّت العربية على ذلك مطالبة بالتفضيل فأجابها الإمام : بأنه لم
يجد في القرآن لبني اسماعيل فضلاً على بني اسحاق([12]) وفي رواية
أخرى أنه قبض قبضة من تراب ثم قبض أخرى ثم قال : لا أجد لهذا التراب على هذا من
فضل .

وامتدت سياسية المساواة عند الإمام إلى جوانب
اجتماعية أيضاً ، فكان مجلسه لا يمتاز فيه العربي على المولى ، ولا القرشي على غير
القرشي . ومن الطبيعي أن يلتحق المظلومون والمضطهدون بسياسة التمييز القومي
السابقة مع الإمام علي(عليه السلام) ، ويجدوا في سياسته متنفساً لهم . ويعثروا في
مجلسه على الكرامة الانسانية التي افتقدوها ، والعزّة التي وعدهم الاسلام بها ،
حتى ازدحم مجلسه بهم، فلم يرق ذلك للمتعصبين والعنصريين . فجاء مندوبهم الأشعث بن
القيس إلى الإمام يقول له : «يا أمير المؤمنين ! غلبتنا هذه الحمراء على قربك»
فردّ عليه الإمام قائلاً : «من عذيري من هؤلاء الضياطرة ... ما كنت لأطردهم
فأكون من الجاهلين ، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليضربنكم على الدين عوداً
كما ضربتموهم عليه بدءاً»([13]) .

وسُئل ذات يوم : يجوز تزويج الموالي بالعربيات
؟ فقال : تتكافأ دماؤكم ولا تتكافأ فروجكم ؟([14]) ، وجاء إليه
بعض الموالي يوماً فقالوا : نشكو إليك هؤلاء العرب ، ان رسول اللّه(صلى الله عليه
وآله) كان يعطينا معهم العطايا بالسويّة وزوج سلمان وبلالاً وأبوا علينا هؤلاء
وقالوا لا نفعل ، فذهب إليهم أميرالمؤمنين فكلّمهم فصاح الأعاريب أبينا ذلك يا أبا
الحسن أبينا ذلك ، فخرج وهو مغضب يجر رداءه وهو يقول :
يا معشر الموالي انّ
هؤلاء قد صيّروكم بمنزلة اليهود والنصارى يتزوجون منكم ولا يزوّجونكم ولا يعطونكم
مثل ما يأخذون ، فاتجروا بارك اللّه لكم([15]) .

4 ـ تربية الأمة
وتثقيفها باصالته وعالميته :

وهذا ما نلمسه واضحاً في خطبته المعروفة
بالخطبة القاصعة المذكورة في نهج البلاغة برقم 192 ، وهي خطبة جليلة بيّن فيها
عصبية ابليس وانها أول العصبية ، فمن اختارها أختار ابليس إماماً له ، وحذّر من
الكبر والغرور والعجب ، وفسّر كثيراً من الأحكام وتأريخ الأنبياء والعقائد والعبادات
في ضوء ذلك ، وهي من أروع ما قيل في هذا المجال ، بل تعد وثيقة فكرية فيه .

ولما بعث معاوية ابن الحضرمي إلى البصرة لإثارة
العصبية بين قبائلها وحقق نجاحاً في مهمته هذه سرت نار العصبية من البصرة إلى الكوفة
نظراً للقرابة النسبية بين قبائل المدينتين فوقف الإمام(عليه السلام) يخاطب قبائل
الكوفة قائلاً : «وإذا رأيتم الناس بينهم النائرة وقد تداعوا إلى العشائر
والقبائل فاقصدوا لها مهم ووجهوهم بالسيف حتى يفزعوا إلى اللّه وإلى كتابه وسنة
نبيه فأما تلك الحمية فانها من خطرات الشياطين فانتهوا عنها لا أباً لكم تفلحوا
وتنجحوا»([16])
.

هذه هي أبرز معالم الاصالة والعالمية في النهج الاسلامي
لسيرة الإمام علي(عليه السلام) ، وقد انتج هذا المنهج للاسلام مكاسب وانجازات من
جهة، وافرز محناً وآلاماً من جهة أخرى وسواء أكانت المكاسب أكبر ، أم المحن أخطر
فإن قائداً رسالياً ـ فضلاً عن أن يكون هذا القائد رجلاً كالامام علي ـ يرى نفسه
معنياً بإظهار الشريعة واقامة التجربة على أساس اسلامي متين والحيلولة دون
انحرافها ذات اليمن وذات الشمال ، لا يجد بوسعه المساومة على مبدأ اسلامي أصيل ،
فضلاً أن يكون هذا المبدأ هو عالمية الاسلام المتجلية عن جوهره التوحيدي والاخلاقي
، بحيث يفقد الاسلام جوهره هذا كلّما تعرضت عالميته إلى الخطر . ولولا موقفه هذا
لطمست الأموية اصالة وعالمية الاسلام ولَلحِق الاسلام شيء من العنصرية التي حلّت
باليهودية الحاضرة .

أن تبني الإمام علي(عليه السلام) لاصالة
وعالمية الاسلام تبنياً صارماً ، يدلّل على الموقع المركزي لهذا المبدأ في الاسلام
، كما أن وقوفه بوجه العصبية موقفاً حازماً يدلنا على مدى خطورتها على الاسلام
والمجتمع الاسلامي.

ومن الغريب بعد هذا كلّه أن تجد اناساً يؤاخذون
الإمام(عليه السلام) على منهجه العالمي . فيتهمونه بقلّة الكياسة والشح الذي ادّى
إلى انفضاض الناس من حوله ومن جملتهم عقيل أخوه([17]) .

دور
العصبية في اسقاط حكومة الامام علي(عليه السلام)

ان الذي يطالع تأريخ دولة الإمام علي(عليه
السلام) ; يتجلى له بوضوح وبدون عناء دور العصبية في اسقاطها ، فقد ذكر ابن أبي
الحديد أن منهج المساواة في العطاء هو أول ما أنكره المتعصبون على الإمام علي(عليه
السلام) ، ثم ذكر حادثة اجتماع جرى في المسجد النبوي كانت اركانه طلحة والزبير
وسعد بن العاص وعبداللّه بن الزبير وابن الحكم والوليد بن عقبة بن أبي معيط . وبعد
انتهاء الاجتماع قام الأخير مندوباً عنهم يحاور الإمام ويقول له : «يا أبا الحسن !
انك قد وترتنا جميعاً ، أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبراً وخذلت أخي يوم الدّار
بالأمس وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب وأما مروان فسخّفت أباه عند عثمان
إذ ضمّه إليه ، ونحن اخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف ، ونحن نبايعك اليوم على أن
تضع عنّا ما أصبناه من المال في أيام عثمان وأن تقتل قتلته ، وانّا ان خفناك
تركناك فالتحقنا بالشام ، فردّ عليه الإمام وأجابه على كل نقطة ذكرها ، فرجع
الوليد إلى أصحابه وحدّثهم فاتفقوا على اظهار العداوة وإشاعةالخلاف .
ولما ظهر أمرهم جاء جماعة من أصحاب الإمام منهمعمار وسهيل بن حنيف
ودخلو عليه وبيّنوا له ما كان من أمر طلحةوجماعته وانهم «قد نقضوا
عهدك واخلفوا وعدك وقد دعونا في السرّ إلى رفضك .. وذلك لأنهم كرهوا الاسوة وفقدوا
الأثرة ولما آسيت بينهم وبين الأعاجم ; انكروا واستشاروا عدوك وعظّموه واظهروا
الطلب بدم عثمان ..» فقام الإمام ودخل المسجد وخطب في الناس مبيّنالهم
تمسكه بمبدأ المساواة مستدلاً عليه بكتاب اللّه وسيرة رسوله(صلى الله عليه
وآله)مستشهداً بقوله تعالى : (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر
وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم) ثم نادى :
«يا معشر الأنصار والمهاجرين ! اتمّنون على اللّه ورسوله باسلامكم ، بل اللّه
يمنّ عليكم ان هداكم للايمان ...؟» .

وقال أيضاً : «فأما هذا الفيء فليس لأحد على
أحد فيه أثرة ، وقد فرغ اللّه من قسمته فهو مال اللّه وأنتم عباد اللّه المسلمون
...» ثم بعث وراء طلحة والزبير يطالبهما فجاءا إليه وأخذ يناشدهما ويعاتبهما
على موقفهما وبعد كلام طويل سألهما : «فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما
خلافي ؟ قالا : خلافك عمر ابن الخطاب في القسم : انك جعلت حقنا في القسم كحق
غيرنا»([18])

وكتب ابن عباس إلى الإمام الحسن يقول له :
«...
وقد علمت أن أباك علياً إنما رغب الناس عنه وصاروا إلى معاوية لأنه واسى بينهم في
الفيء وسّوى بينهم في العطاء»([19]) .

وكتب الإمام يوماً إلى أخيه كتاباً يقول فيه :
«ألا
وأن العرب قد اجمعت على حرب أخيك اجماعها على حرب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
قبل اليوم ...»([20])
.

ولذا نجده يقول في كتابه إلى عثمان بن حنيف :
«واللّه
لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها»([21]) .

لقد اغلقت العصبيةُ المدينةَ بوجه الإمام فلم
يجد له فيها انصاراً يفهمون مراميه ويهضمون اهدافه العالية ، فاتجه صوب الكوفةلقلة
قريش وكثرة القبائل الأخرى فيها اضافة إلى كثرة الموالي .

وهكذا دائماً المجتمعات العالمية لا تنبت في
بيئة احادية العرق ، ولذا هاجر النبي من مكة إلى المدينة نظراً للتعددية القبلية
التي كانت فيها ، بينما لم تدخل مكة في الاسلام إلاّ مرغمة ، وذلك لغلبة الأحادية
القبلية فيها المتمثلة بقريش . كما اغلقت الشام بوجه الإمام للسبب نفسه حيث كانت
خاضعة للسيطرة الأموية .

ان سقوط دولة الإمام بسبب العصبية جسّد ما
قرأناه سابقاً عن المخاوف التي ساورت النبي(صلى الله عليه وآله) لمّا أمر بتعيين
الإمام خليفة للمسلمين في يوم غدير خم من ثوران العصبية القرشية ضدالإمام
، وظل متردداً في هذا الاعلان حتى نزل عليه قوله تعالى :
(ياأيها
الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللّه يعصمك من
الناس) .

وهكذا عصم اللّه الرسالة الاسلامية من عصبية
«الناس» فظلّت رغم انوف المتعصبين العالمية الكبرى في التأريخ . وتركت الإمامة
تصارع الواقع المتعصب لتعزز اصالة الاسلام وعالميته وتحول دون تحول الأمة
الاسلامية إلى أمة متعصبة كبني اسرائيل . وتجعل اصالة الاسلام وعالميته شعاراً
يتغنى به ضحايا التعصب القومي في كل زمان ومكان .

لقد كان امتحان الإمامة أكبر الامتحانات ، لأنه
امتحان المواجهة مع العصبية . العصبية الفردية التي تصارع التطبيق الاخلاقي للمبدأ
الاسلامي الخالد (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) فتحاول التملص
منه كلما وجدت فيه الزاما يخالف مصلحتها ويوافق مصلحة غيرها ، والعصبية القبلية
التي ترى نفسها أولى بالاعتبار من القيم الاخلاقية التي تبتني العالمية عليها ،
والعصبية القومية التي ترى أن الأمة وليدة العرق والبيئة والتأريخ القومي ،
وبالتالي ترى أن على الاسلام أن يساير القومية ويتطابق معها .


([1])
طبقات بن سعد 3 : 81 .

([2])
سيرة المصطفى : 628 .

([3])
بحث الامام الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه «أهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف»
أسباب رفض الامام علي(عليه السلام) للمساومات وانصاف الحلول، وذكر وجوها عديدة غير
التي تم ايرادها هنا.

([4])
نهج البلاغة : 136 .

([5])
نهج البلاغة : 49 .

([6])
نهج البلاغة، كتاب 62 ص 462 .

([7])
نهج البلاغة خطبة 15 ص 57 .

([8])
الغدير 8 : 288 .

([9])
شرح نهج البلاغة 7 : 37 ـ 43 .

([10])
نهج البلاغة : 283 .

([11])
نهج البلاغة : 347 .

([12])
سلمان الفارسي في مواجهة التحدي : 162 نقلاً عن مصادر كثيرة كالغارات وسنن البيهقي
وتاريخ اليعقوبي وغيرها.

([13])
سلمان الفارسي : 144 نقلاً عن ثلاثة عشر مصدراً .

([14])
سلمان الفارسي : 143 .

([15])
م . ن : 143 .

([16])
تاريخ الطبري 4 : 84 ـ 86 .

([17])
الدولة العربية الاسلامية : 133 .

([18])
شرح النهج 7 : 37 ـ 42 .

([19])
شرح النهج 16 : 23 .

([20])
شرح النهج 2 : 119 .

([21])
نهج البلاغة : 418 .

/ 1