مرأة فی الجاهلیة و الإسلام (1) نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

مرأة فی الجاهلیة و الإسلام (1) - نسخه متنی

محمدهادی الیوسفی

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید

شـبهة ورد

المرأة في الجاهلية والاسلام

( 1 )


* الشيخ محمد هادي اليوسفي

نشرت مجلة النهج التي تصدر في دمشق في
عددها الحادي والاربعين من السنة الحادية
عشرة ، مقالاً تحت عنوان المرأة في الجاهلية
وفي الاسلام ، لكاتبه هادي العلوي، تعرض فيه
إلى عدة مسائل تدور حول وضع المرأة في
الجاهلية وفي الاسلام ، ومن خلال المقارنة
بين الوضعين أثار الكاتب بعض الابهامات
والشبهات حول نظرة الاسلام للمرأة ، وأنها لا
تتمتع بحقوقها كاملة في ظل النظام الاسلامي ،
مبرزاً الجانب الايجابي لوضع المرأة في
الجاهلية ، وبعد أن دس الخطأ بالصواب وخلط
الغث بالسمين ، جاء بآراء وافكار لا تمت إلى
الاسلام بصلة ، جاهلاً أو متجاهلاً نظرة
الاسلام الشمولية والواقعية للكون والحياة ،
خصوصاً نظرته الواقعية وموقفه الرائع من
المرأة في كل ادوار حياتها ، وتشريعاته التي
رفعت من شأنها ، وأخذت بيدها كي تحتل موقعها
المناسب في المجتمع الاسلامي ، تلك التشريعات
التي فاقت ورجحت على جميع الانظمة السائدة
حتى يومنا هذا ، مما دفع المرأة الغربية
المعاصرة للاقبال على الاسلام واعتناقه ; لما
فيه من حفظ لكرامتها وحقوقها التي أهدرت في ظل
الانظمة الوضعية للحضارة الغربية .

ثم عرّج الكاتب على مدرسة اهل البيت(عليهم
السلام) ، وأثار مسائل وآراء تتعلق بالمرأة
نسبها إلى عقائد وفقه هذه المدرسة الاسلامية
الكبرى ، مجانباً في ذلك الحق والحقيقة ،
ومجافياً الواقع فيما ادعاه .

وبين يديك عزيزنا القارئ ، رد سريع على
اهم الاراء والشبهات التي اوردها الكاتب في
مقاله المشار إليه ، على أمل أن ننشر دراسات
وبحوث وافية في هذا الموضوع المهم في الاعداد
القادمة إن شاء اللّه .

التحرير

في حالة الجاهلية قبل الاسلام ، لم يكن
العرب على موقف موحَّد بالنسبة إلى الاناث من
مواليدهم ، ولا ريب أن سرّ ذلك كان في وأد
بعضهم لبناتهم بأيديهم .

ولعل ذلك هو السبب لمبادرة القرآن
الكريم إلى التنديد به في سابع سوره القصار
التكوير( 1 )
في قوله تعالى : (وإذا الموءودة سئلت * بأيّ ذنب
قُتلت)( 2 )،
فالسورة من الاوائل نزولاً، والتنديد بوأد
البنات من أوائل ما انكره الاسلام والقرآن
على المشركين بعد شركهم ووثنيتهم.

وأما السيرة العملية لرسول الاسلام
نفسه مع امرأته وأولاده بنين وبنات ، حتى من
قبل أن يصدع بما أمر به من القرآن ، فقد اكرم
امرأته خديجة بنت خويلد واكرم أولاده منها
بنين وبنات : القاسم والطاهر ، وأم كلثوم
ورقية وزينب ، وكذلك ما رُزق منها بعد الاسلام
فاطمة الزهراء(عليها السلام)( 3 )،
فَلَم يُتّهم بأي تفريق في تكريمه لاولاده
بنين وبنات ، اللّهم إلاّ ما أولاه من عنايته
الخاصة بابنته الزهراء فاطمة(عليها السلام) ،
وذلك لاسباب خاصة تُطلب من مظانّها ، وليس هنا
محلها .

وبعد سورة التكوير السابعة نزولاً في
أوائل البعثة النبوية الشريفة ، عاد وحي
القرآن الكريم في سورة الاسراء الخمسين
نزولاً( 4 )
ـ ولعلها كانت في أوائل السنة الخامسة للبعثة
ـ إلى التنديد بوأدهم بناتهم ، بزيادة أنه
عرّج هذه المرة على علّتهم في ذلك في قوله
سبحانه : (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن
نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطئاً كبيراً)( 5 )
.

وعاد ايضاً في سورة الانعام الخامسة
والخمسين نزولاً( 6 )
ـ ولعلها كانت في أواخر السنة الخامسة للبعثة
أيضاً ـ فقال تعالى : (ولا تقتلوا
أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم)( 7 )
.

وفي سورة النحل السبعين نزولاً( 8 )
ـ ولعلها كانت في أواخر السنة السابعة للبعثة
ـ عاد القرآن الكريم إلى التنديد لا بوأدهم
بناتهم ، بل بسوء استقبالهم لميلادهنّ في
قوله تعالى : (وإذا بُشّر أحدهم بالانثى ظلّ
وجهه مسودّاً وهو كظيم * يتوارى من القوم من
سوء ما بُشّر به أيمسكه على هُون أم يدسّه في
التراب ألا ساء ما يزرون)( 9 )
.

ولم يخف على النبي(صلى الله عليه وآله)
صعوبة تغيير العادات ، فواصل في أحاديثه
وعلاقاته الشخصية ترويضهم على المساواة بين
الجنسين من أولادهم .

من ذلك ما أخرجه ابن عساكر عن أنس بن
مالك قال : « إن رجلاً كان جالساً مع النبي ،
فجاء ابن له فأخذه فقبّله وأجلسه في حجره ، ثم
جاءت ابنة له فأجلسها إلى جنبه، فقال له رسول
اللّه: هلاّ عدلت بينهما»( 10 ).

واستضاء صاحب الاحياء من هذا الضياء
الالهي ، إذ قال فيما قال من آداب توابع
النكاح : « إن من آداب الولادة ألاّ يفرح
بالذكر ويحزن بالانثى ; فإنه لا يدرى الخيرة
له في أيّ منهما ، فكم من صاحب ابن يتمنّى ألاّ
يكون له ولد ، أو يتمنّى أن لو كانت بنتاً ، بل
السلامة منهنّ اكثر والثواب فيهن أجزل»( 11 ).

وأي ثواب أجزل من أن «الجنة تحت اقدام
الامّهات» ، ووعدها ايضاً من كثرت بناته فصبر
عليهنّ وأدبهنّ وزوّجهن ، وجعل له حق الابوة
إذ قال : « الاباء ثلاثة : أبٌ ولَدك ،
وأبٌ علّمك ، وأبٌ زوَّجك » ، ومع ذلك وضعوا عن
لسانه حديثاً يزعم أن « دفن البنات من
المكرمات »( 12 )
مناقضاً للقرآن الكريم .

الزواج في الاسلام

ودفعاً لما قد يتوهّمه بعض من مجاراة
شريعته لما سُمّي فيما بعد بـ «الجنسانية
الذكورية»( 13 )
، أوضح حكمته من عنايته بالزواج بقوله(صلى
الله عليه وآله) : « تناكحوا تناسلوا ،
فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة ولو بالسقط
» ، وقوله أيضاً : « سوداء ولود خير من حسناء لا
تلد » في روايات الشيخ الصدوق والطبراني وابن
عساكر ، حتى إنه جعل الزواج سنة حسنة مؤكّدة
شبه الوجوب ، لغاية نشر كلمة الحق « لا إله
إلاّ اللّه محمد رسول اللّه » ، فهو لا يرى في
الزواج والنكاح إثماً كما في الرهبانية التي
ابتدعها المنحرفون من النصارى ، والتي قال
عنها اللّه سبحانه : (ما كتبناها عليهم)( 14 )
، وقال عنها(صلى الله عليه وآله) : « لا رهبانية
في الاسلام »( 15 ) ، وإنما يرجع
أمره باغتسال الطرفين بعد الجِماع إلى توخّيه
للنظافة ، وقد قال بشأنها : « النظافة من
الايمان »( 16 )
، بالاضافة إلى التعبد به وقصد امتثال الامر
قربة إلى اللّه تعالى ، وهو معنى التطهّر ،
وقد قال اللّه سبحانه : (ويحبّ المتطهّرين)( 17 )
، من دون أن يتضمّن معنى التطهّر من الاثم ،
وكيف يتضمّن ذلك وقد جعله سنّة حسنة مستحبةً
مندوباً إليها مثاباً عليها؟ وهذه الغاية
الحكيمة في الشريعة هي التي جعلتها تبيح ما
كان سائداً قبلها من التسرّي (اتخّاذ السراري
أي الجواري) ، من دون أن تحسبها قاذورة من
المفترض بها ، باعتبارها ديناً مُوحىً به من
اللّه سبحانه ، أن تتنزّه عنها ، كما تراها
النصرانية المنحرفة بالرهبنة ، ولم يلتزم
سلمان الفارسي المحمدي بالعزوبة ، ولم يمتنع
عن التسرّي إلاّ لكبره( 18 )
، فلا يمكن أن يُعدّ دليلاً على التزامه بما
يُدعى «العائلة الوحدانية الصِرفة»( 19 )
.

وكما كره الاسلام وكرَّه الرَّهبانية
والعزوبة في الذكور ، حرّم العصرة أو العضل (منع
الاناث من الزواج ظلماً) بل جعل تزويج البنت
البالغة من السنّة الحسنة المؤكدة ، معتبراً
حاجتها الانثوية من الحاجات التي يجب اعطاؤها
حقها ، كشفاء المريض واطعام الجائع وارواء
الظمآن ، حتى جعل اتباعه يتحدثون فيما بينهم
عن من يعضل اخواته أو بناته أن اللّه يحاسبه
على كل غسلة تغتسلها إحداهنّ وهنّ أيامى (بلا
أزواج) .

وأُعطيت المرأة ايضاً حق الشكوى إذا
قصّر الزوج عن ارضائها ، إن تركها أكثر من
أربعة أشهر مسافراً ، أو أكثر من اربعين ليلة
حاضراً ، وكذلك إذا قَصُر عنها بالعُنّة
والعجز ، فيجوز لها طلب التفريق عندئذ .

وفيما يخص حق حرية المرأة في الزواج
جاء في صحيح مسلم عنه(صلى الله عليه وآله)أنه
قال : « لا تُنكح البكر حتى تُستأذن ، ولا
تُنكح الثيب حتى تُستأمر»( 20 )
.

وهناك حديث أخرجه ابن عساكر الدمشقي
عن ابن عباس أن بكراً زوّجها ابوها وهي كارهة
، فأتت النبيّ فذكرت له ذلك ، فخيّرها رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله)( 21 )
، ويُفهم منه أن الاب وافق على زواجها قبل أن
يبلّغها به ، ثم بلّغها واستأذنها ـ كما في
الحديث السابق ـ أي طلب منها الموافقة ، وحسب
منطوق الحديث اللاحق يجوز لها النطق بالرفض ،
أما إذا سكتت حُسبت موافقة ، ذلك أن العذراء
الصغيرة تخجل غالباً من النطق بقبول الزواج ،
أما الثّيب وهي من تزوّجت سابقاً ، فقد امتلكت
تجربة وعقلاً يخوّلانها تقرير الزواج
بارادتها . والذين اشترطوا إذن الولي للعقد
إنما نظروا إلى أن المرأة البكر مع اقرار حقها
في الاختيار تمنع من انفرادها به مع عدم
تجربتها للامر سابقاً ، وبطبيعة الحال يحتمل
غلبة عواطفها على عقلها عندئذ ، فيضمّ عقل
وليّها إليها دعماً ونظراً لها ، لا عضلاً
وعصراً وضرراً ، أما إذا بلغ ذلك فهنالك
القاعدة الفقهية العامة : « لا ضرر ولا ضرار في
الاسلام على أحد»( 22 )
، ثم هم إنما يحصرون الولاية في الاب والجدّ
للاب ، ولا يسمحون بها لغيرهما من عمّ أو أخ أو
أم ، تضييقاً لدائرة الولاية ، وتوسيعاً
لنطاق حق الحرية للمرأة .

بينما كانت القيمومة في الجاهلية للاب
بتاتاً ، فهو الذي يقرر مصير الاولاد ويتولى
تزويجهم باختياره ، وتبعاً لحساباته الخاصة
به ، وكان له حق العضل أي المنع من الزواج ، بل
حتى لاخيها ، بل لقريبها إذا أرادها غريب ،
فينهى عنها ليتزوّجها هو ، فإذا لم ترض به
منعها من الزواج ، ولا تزال هذه النزعة في
الارياف والبوادي العربية ، ويسميها
العراقيون النَهْوَة ، وفي نواحي الفرات
الشمالية والشام تمسى (الحيار) من الحيرة ،
وهي محرمة في الشريعة .

على أن الفقهاء فرّقوا بين البكر
الصغيرة والبكر البالغة الرشيدة ، فقال
المحقق الحلي في شرائع الاسلام : «إن في
الولاية عليها روايات ، أظهرها سقوط الولاية
عنها وثبوت الولاية لنفسها ، فلو زوّجها
ابوها لم يُمض عقده إلاّ برضاها» ، بل جوز لها
أن تُمتّع نفسها ، ولم يجعل لوليّها حق
الاعتراض عليها( 23 )
.

نعم أجاز معظم الفقهاء للوليّ الاب أو
الجدّ للاب أن يزوّجا غير البالغين من
أولادهما ذكوراً واناثاً ، واكثرهم على عدم
جواز الفسخ لهم بعد بلوغهم ورشدهم ، إلاّ أن
يكون في غير صالحهم ، وجوزه بعضهم مطلقاً( 24 )
.

وقد كان من المعتاد في عقد المرأة عند
الجاهليين أن يطلّق الرجل زوجته إذا لم يجدها
عذراء ، إذ يفترض أنها كانت على علاقة غير
شرعية مع رجل آخر ، فالزنى والسفاح كانا خلاف
الاعراف محرّماً لديهم أيضاً . أما الاسلام
فقد قال ناطقه الامام علي(عليه السلام)
لرجل شكى إليه أنه تزوج امرأةً عذراء فوجدها
غير عذراء ، قال له الامام : « إن العُذرة تذهب
من الوثبة والقفزة ، والحيض، والوضوء (أي
الغسل) وطول التعيس»( 25 )
، أي طول عزوبة المرأة . وهذه التخريجات
للامام علي(عليه السلام)لدى فقهاء الخاصة
محمولة على الجدّ دون الهزل ، بل هي وفق
القاعدة العقلائية ، بل العقلية : إذا جاء
الاحتمال بطل التقوّل والاستدلال .

أما عن تعدد الزوجات فقد عرفته
المجتمعات القديمة ، وكان في الجاهلية بلا
قيود ولا حدّ أعلى للزوجات . وقد خطا الاسلام
خطوة مهمة بوضع حدّ أعلى لذلك هو أربع زوجات ،
وقد اتخذ هذا الحدّ وضعه القانوني في الاسلام
بنصّ القرآن الكريم في سورة النساء ، حيث قال
تعالى : (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى
وثلاث ورباع)( 26 )
، وكان هذا من الاحداث البارزة في السيرة
النبوية الشريفة في صدر الاسلام ، حيث ترتب
عليه تسريح ما زاد على الاربعة منهن ، وامتاز
ابن حبيب في كتابه المحبّر( 27 )
بذكر رجال من ثقيف وغيرهم كانت لديهم عشر
زوجات فسرحوا منهن ستة ، وهم مذكورون على سبيل
المثال لا الحصر طبعاً ، حيث أن التاريخ إنما
يؤرّخ غالباً للنخبَ ذوي المكانة الاجتماعية
، وليس للاستقصاء .

ويفهم من ذلك أن القرآن الكريم في هذه
الاية الشريفة لم يُشرّع الضرائرية ، وإنما
قيّدها بحدّ أعلى ، فإليه يعود الفضل في هذا
الفعل والقول الفصل ، ولا يتجه عليه اعتراض في
ذلك . وهذا التحديد كما مر كان من آيات سورة
النساء السادسة نزولاً بعد الهجرة( 28 )
في حدود السنة الخامسة للهجرة تقريباً ،
وليست من الاواخر نزولاً بعد فتح مكة كما
توهّموه ، ولا اقتراباً منه إلى اليهودية
وابتعاداً عن المسيحية ، بل لم تشرّع
المسيحية إلغاء التعدد نهائياً( 29 )
، وإنما ألغته الكنيسة البولسية ضمن
مبتدعاتها بعد السيد المسيح ، المشترع شرعة
التوراة قبله إلاّ أنه أحلّ لهم بعض ما حُرّم
عليهم من قبل( 30 ) . وإنما كان
ابقاء الاسلام على هذا الحدّ من الضرائرية
انسجاماً مع حكمته السابقة في اصل الزواج : «
إني مكاثر بكم الامم » ، و « سوداء ولود خير من
حسناء لا تلد » ، وليس لشدة اهتمام رسول
الاسلام بتكثير عدد العرب ، والمسلمين فيما
بعد ، لاعداد جنود يكفون لفتح الارض كلها ،
كما توهّموه( 31 )
. أما ما انفرد به الدروز ـ وهم فرع من
الفاطميين الاسماعيليين بل القرامطة ـ
من إلغاء الزواج الضرائري مطلقاً( 32 )
، فإنما هو على أفضل الحال اجتهاد في مقابل
النص القرآني السابق مناقضٌ له ، فهو زخرف
يُضرب به عرض الحائط ، فكيف يوصف بأنه تطوّر
لاحق للخطوة السابقة في مجرى ثورة الاسلام
لاصلاح المجتمع القديم( 33 )
؟ ! .

وبما أن حكمة شريعة الاسلام من الزواج
هي الانجاب ، وكان الاسلام ديناً متوازناً
متلائماً منسجماً في تشريعاته . امتد تشريعه
على اساس القيم المبدأية والعقائدية إلى
زواجها برجل على غير دينها، حتى لو كان من
عنصرها وذوي لغتها : (ولا تنكحوا المشركين حتى
يؤمنوا)( 34 )
، فالايمان قيد للزواج ، والشرك والكفر كلهما
مانعان من ذلك ، فهو محرّم شرعاً ، كما تمنع
المسيحية الزواج بمسلم ، وتكون عقوبته الطرد
من الاسرة المسيحية ، حتى ولو كان كلاهما
عربياً ، أما الغربيون منهم فهم متسامحون في
دينهم ، إلاّ أن عنصريتهم تفعل على اساس طبقي
، إذ يمانعون من زواج نسائهم من أسرة
ارستقراطية برجل عامي ، كما تمنع الاميرات من
الزواج إلاّ بمن يجري في عروقه دم ملكي ،
فعنصريتهم تفعل في دائرة أوسع افقاً .

وكان العرب في جاهليتهم يتشدّدون في
زواج الاكفاء ، ويعني زواج العربية بالعربي
وعدم السماح بزواجها من اعجمي ، فالرجل
العربي الجاهلي كان يرفض حتى الزواج الشرعي
لابنته أو اخته برجل غير عربي ، بل كان هذا (زواج
الاكفاء) يمتد إلى ما بين العرب أنفسهم ،
كزواجها في عشيرة أو قبيلة أدنى مكانة ، وواضح
ما فيه من تقييد لحق حرية ارادة المرأة
واختيارها لمصيرها ، فهذا أيضاً من القيود
والاغلال التي وضعها الاسلام عنها في نظامه
لحقوق المرأة ، بقوله سبحانه : (إن أكرمكم عند
اللّه أتقاكم)( 35 )
، وقوله(صلى الله عليه وآله) : « تتكافأ دماؤكم
»( 36 )
و « إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه ،
وإلاّ تكن فتنة في الارض وفساد كبير »( 37 )
، وتزويجه ابنة عمه ضُباعة بنت الزبير بن عبد
المطلب من المقداد بن الاسود الكندي حليف بني
مخزوم، وقوله : « إنما زوّجت ضُباعة من
المقداد لتتضع المناكح »( 38 )
.

وفي الجاهلية كان النعمان بن المنذر
ملكاً صغيراً يدير مملكة تابعة لكسرى برويز
الساساني ملك الفرس ، وله بنات ، فطلب كسرى
برويز منه أن يزوّجه احدى بناته ، فردّه
النعمان ملك الحيرة ، فنكّل به كسرى برويز كما
في الاغاني للاصفهاني الاموي . والامويون
امتداداً لجاهليتهم تمسكوا بذلك فيما يخص
زواج العربية بالاعجمي ، وسعوا لجعله حكماً
شرعياً ، حتى حملوا بعض الفقهاء الموالين لهم
على القول به ، خلافاً لقول اللّه ورسوله
وشريعته ، ورفضته المعارضة من اهل البيت(عليهم
السلام) وشيعتهم وغيرهم ، مما حمل عمر بن عبد
العزيز الخليفة الاموي على إبطاله في خلافته
، وإن استمر فتوى وعملاً حتى اليوم( 39 )
.

وكأنّ العربي الجاهلي حسب النجاح في
الزواج ألاّ يكون في الاباعد ، ولذلك كان
يسمّي الزواج الاباعدي بالتفشّل ، من الفشل ،
وان كان قد أدرك تجريبياً أن النسل الناتج من
الزواج الاقاربي ضعيف ضاو ، ولذلك سمّاه
بالاضواء ، فيقال لمن تزوّج امرأة من ذوي
قرابته وأولد منها : أضوى فلان ، أي ولد له ولد
ضاو ضعيف لزواجه من قريبته . قيل : ومنه الحديث
النبوي الشريف : « اغرّبوا لا تُضووا » .

أما الزواج بذات القربى القريبة من
المحارم ، فإنما يُحكى عن المجوس من الفرس ،
أما عند الجاهليين من العرب فإنما كان من
النكاح الممقوت عندهم ما أسموه بنكاح المَقت
، وهو استيلاء الابن بعد موت أبيه على زوجة
أبيه ، واستيلاؤه عليها يعني وضعها تحت
وصايته ، فإن شاء تزوّجها إرثاً بلا ارث ولا
مهر ، أو يزوّجها لاخر ويرث مهرها ، ومع ذلك
كان شائعاً عندهم . ولم يسمحوا بزواج سائر
المحارم كالام والاخت والبنت ، وحرّموه قطعاً
.

أما الاسلام فقد حرّمهما بتاتاً في
قوله سبحانه : (حُرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم
وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات
الاخت وامهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من
الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في
حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم
تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل
أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين
الاختين إلاّ ما قد سلف إن اللّه كان غفوراً
رحيماً * والمحصنات من النساء)( 40 )
.

وكان في الجاهلية نساء من فئات معينة
تقع ضمن قبيلة أو عشيرة أو بطن أو فخذ ،
يتزوّجن باكثر من رجل إلى تسعة رجال ، وقد
وردت أخبار عن نساء كان لهن في وقت واحد تسعة
أزواج وكان لديهم لهذا الزواج اسم هو نكاح
الرهط ، والرهط ما بين ثلاثة إلى تسعة رجال ،
نعم كان من النوادر، ويقتصر فيه على أوساط
معزولة اجتماعياً . ويؤخذ من المدوّنات
الرافدينية القديمة عن الملك السومري
اوركاجينا المتوفى في عام (2371 ق.م) أنه قرر
منع هذا الزواج ، مما يكشف عن وجوده في اراضي
الرافدين ايضاً ، فأنهاه الاسلام نهائياً ،
ولم يصلنا عن هذا العهد من يرجع نسبه القريب
إلى زواج الرهط إلاّ نادراً .

وطبيعي أمر قلة النقود في الجاهلية
إلاّ في المدن التجارية مثل مكة، وبتبع ذلك
أنه قلما كان يُستعمل النقد في مهر المرأة
إلاّ في مثل مكة ، فهو في الغالب من الابل خاصة
، وسمي المهر سياقاً أخذاً من قولهم : ساق
إليها مَهرَها ، أي ساق إليها الابل التي
اتفقوا على أن تكون مَهرَها ، ويسميه الاسلام
الصَّداق ، وكأنه علامة على صدق الزوج في
التزامه بلوازم الزواج الشرعي وتعهده به
ووفائه له ، ولا يسمّيه الاسلام بالاجر إلاّ
أجراً لها على التزاماتها بمثل ذلك ، وليس
أجراً على المباضعة( 41 ) ، وإلاّ
لاستحقته غير الشرعية أيضاً ، ولم يشرّع لها
شيئاً .

القيمومة الزوجية في نظر الاسلام :

ومرّ الكلام عن قيمومة الاب في
الجاهلية وأنه هو الذي كان يقرّر مصيرهم
ويتولّى تزويجهم باختياره ، تبعاً لحساباته
الخاصة به ، وأن أمر البنت كان بيد والدها ،
فإن مات فبيد إخوانها أو أعمامها ومنهم
يخطبها الخاطب ، وواضح ما في ذلك من حدود
وقيود على حقها في تقرير مصيرها بنفسها وحرية
ارادتها واختيارها .

وفي الاسلام اتخذت قيمومة الرجل على
المرأة وضعها القانوني بنص الاية الرابعة
والثلاثين من سورة النساء بقوله تعالى : (الرجال
قوّامون على النساء) أي الازواج على زوجاتهم ،
ولم يقل : الاباء قوّامون على البنات ، ولا
الاخوة على الاخوات ، ولا الاعمام على بنات
الاخوة ، ولا كل رجل على كل امرأة ، وإنما
الازواج على زوجاتهم .

وحسب مصطلحات علم الاجتماع الغربي
وتصنيفه المجتمعات إلى النظام الامومي ثم
النظام الابوي ، ترجع القيمومة الجاهلية إلى
تقدم النظام الابوي على الانظام الامومي
المفترض سابقاً ، وبالمقارنة والمقايسة
المنصفة فيما بين القيمومة الابوية والزوجية
في الجاهلية ، وبين القيمومة الابوية
والزوجية في الاسلام ، يعرف المنصف أن
الشريعة الاسلامية لم تؤكد ما كان قائماً
سابقاً في الجاهلية( 42 )
، بل هذا القول من جاهلية القرن العشرين .

والمفروض أن أحكام الطبائع ومظاهرها
هي أصل القيمومة ومسوّغها، وذلك ما وردت
الاشارة إليه في الاية الكريمة : (بما فضّل
اللّه بعضهم على بعض) ، ولا يتحمل القرآن
الكريم سوء تفسير بعض من نصب نفسه لتفسير
القرآن الكريم بآرائه البشرية ، في القرن
السابع الهجري ، ففسّر تخصيص الرجل بالقيمومة
بتفوّقه على المرأة بـ «العقل والحزم والرأي
والقوة والجهاد ، وكمال الصوم والصلاة ،
والنبوة والخلافة والامامة ، والاذان
والخطبة ، والجمعة والجماعة ، والشهادة في
الحدود والقصاص ، وتضعيف الميراث ، وملك
النكاح والطلاق ، وإليهم الانتساب ، وهم
أصحاب اللحى والعمائم .. »( 43 ) ، فهل من
المعقول اعتبار العمائم من الاسباب الموجبة
للقيمومة ؟ ألا يكفي هذا دليلاً على الغلط ؟ .

والمتفق عليه في سبب نزول الاية عند
أصحاب أسباب النزول كما أورده المفسرون ،
ومنهم الشيخ الطوسي (م 460 هـ) في تفسير التبيان
عن ابن جريح والحسن والسدّي وقتادة ، أن رجلاً
لطم امرأته فجاءت إلى النبيّ تلتمس القصاص( 44 )
. ونقل الطبرسي في مجمع البيان عن الكلبي قال :
«نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد
بن مسلمة . وعن أبي روق : نزلت في جميلة بنت عبد
اللّه بن أبي أوفى وفي زوجها ثابت بن قيس ابن
شماس . وعن مقاتل قال : نزلت في سعد بن الربيع
وامرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير
الانصاريين ، نشزت عليه فلطمها ، فانطلقت إلى
أبيها ، فانطلق معها إلى النبي فقال : أفرشته
كريمتي فلطمها ، فقال النبي : لتقتصّ من زوجها
، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه ، فأنزل اللّه
عليه هذه الاية في منع القصاص (بينهما) ، فقال
النبي(صلى الله عليه وآله) : أردنا أمراً وأراد
اللّه أمراً ، والذي أراد اللّه خير .
ارجعوهما فهذا جبرئيل أتاني وأنزل عليّ هذه
الاية ، وتلا الاية»( 45 )
.

فالاية شرّعت في مجال حق الرجل في ضرب
المرأة لا مطلقاً ، بل شرط ذلك بنشوزها وعدم
كفاية الوعظ والهجر ، والمفسرون والفقهاء
متفقون على أنه ضرب غير مبرّح ، فهو في
النتيجة ليس ضرب تعذيب ، بل ضرب تأديب لحصول
الطاعة (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن
اللّه كان علياً كبيراً) ، فالاية اذن أباحت
للرجل ضمن حقوقه ضرب امرأته ومنعت العكس ، فقد
منعت الرجل أيضاً من البغي عليها في غير مخافة
نشوزها عن حقوق الزوجية ، ومن التسرّع رأساً
إلى «آخر الدواء الكي» من دون استفراغ وسعه
بالوعظ والنصح والارشاد ، ثم الهجر في المضجع
اتماماً للحجة عليها. فمنع المرأة من
المعاملة بالمثل (ان تقابله بالضرب) ، يقابله
منع الرجل من الضرب المتسرّع غير المتدرّج
إليه بعد الوعظ والهجر . والاية في موردها
عتبت على المرأة في مطالبتها من زوجها القصاص
، وعتبت على زوجها تسرّعه إلى الضرب إن لم يكن
قد راعى تدرّج المراتب ، انصافاً بينهما ،
أليس كذلك ؟! .

ولعدم ورود نصوص قاطعة تقنينية
تفصيلية لمظاهر القيمومة والنشوز ، اختلف
الفقهاء في التفاصيل ، بعد اتفاقهم على
انتقاض طاعة الرجل فيما إذا تضمّن أمره معصية
، كأن يحملها على البغاء والزنى ، أو يأمرها
بترك الصلاة ، ونسج الغزالي صيغة مغلقة لها
ضمن آدابه في كتاب النكاح من الاحياء حيث قال :
« النكاح نوع رقّ ، فهي رقيقة له ، فعليها طاعة
الزوج مطلقاً في كل ما طلب منها في نفسها مما
لا معصية فيه »( 46 ) ، ولعل
الغزالي وضع هذه الصيغة المغلقة متأثراً
بدونية المرأة لدى بعض اللغويين القدماء ،
أما القرآن فقد قال : (ولا تز وازرة وزر اخرى)( 47 )
، فلا يزر القرآن والاسلام وزر لغة العرب
القدماء ، ولا ما تأثر بها من صيغ الغزالي
المغلقة ، ويكفينا جواباً عليه من القرآن
الكريم قوله سبحانه : (فلا جناح عليكم فيما
فعلن في أنفسهن بالمعروف)( 48 )
، وليس الغزالي كل الفقهاء ، ولا فتواه هو
القول الفصل، إن لم يكن هنا أقرب إلى الهزل .

وإذا استمعنا إلى هذا القول من
الغزالي ، فلنستمع قولاً آخر للعلامة
الطباطبائي في تفسيره الميزان ، فنتّبع
أحسنهما : قال : «وليست قيمومة الرجل على زوجته
بأن لا تنفذ لها فيما تملكه ارادة ولا تصرف ،
ولا ألاّ تستقل المرأة في حفظ حقوقها الفردية
والاجتماعية ، والدفاع عنها والتوصل إليها
بمقدماتها الموصلة ، بل معناها أن عليها أن
تطاوعه فيما يرتبط بالمباشرة والاستمتاع
حضوراً ، وتحفظ غيبته فلا تخونه بأن تمتّع
غيره من نفسها ما ليس له منها ، ولا تخونه فيما
وضعه تحت يدها من ماله وسلّطها عليه في الحياة المنزلية
والزوجية المشتركة : (فالصالحات قانتات
حافظات للغيب بما حفظ اللّه)( 49 ).

وحق الزوج في طلاق زوجته ليس من جملة
مظاهر قيمومة الرجل على امرأته( 50 )
، ولا من تفريعاته( 51 )
، وإنما هو حق مستقل لقولهم(عليهم السلام) : «
الطلاق بيد الرجل »( 52 )
.

الطلاق في الاسلام

وكما قيد الاسلام قيمومة الرجل على
المرأة ، كذلك لم يترك حقّه في طلاقها بلا
حدود وقيود ، بل قيده بقيود عديدة تذكّر
بالمثل السائر: «الشيءُ كلّما كثر قيوده عزّ
وجوده» وللغاية نفسها ، فلم يترك الطلاق لعبة
تقع بمجرد التحدث به ، أو بمجرد أن يقول لها :
أنت طالق، أو أن يقول لها في سورة غضب : «أنت
عليّ ، أو ظهرك علي كظهر أمي» فتحرم عليه ، كما
كان عليه اهل الجاهلية (ولم تكن المرأة في
الجاهلية تتبادل هذا الحق مع الرجل ، كما
أوهمه الواهم»( 53 )
، فالاسلام لم يكرّس في شرعه للرجل هذا
الانطلاق الجاهلي ، بل حرّمه وأوجب عليه
كفارة الظهار طريقاً من طرق تحرير رقاب
الارقّاء العبيد والاماء حسبةً للّه تعالى .

هذه نقطة ، ونقطة اخرى هي أن المرأة هي
الاخرى تملك حق الطلاق ايضاً في صيغة
المخالعة ، ويستند هذا الحق فيما يستند إلى
قضية زوجة ثابت بن قيس التي جاءت إلى رسول
اللّه وقالت له : «يا رسول اللّه ، ثابت بن قيس
ما أعتب عليه في دين ولا خلق ، ولكني اكره
الكفر في الاسلام» ، وكان ثابت دميماً وهي
حسناء ، فسألها النبي : « أتردّين عليه حديقته
؟ فقالت : نعم » ، فدعاه رسول اللّه وقال له : «اقبل
الحديقة وطلِّقها تطليقة» ، ونصّ القرآن
الكريم على ذلك فقال تعالى : (ولا يحلّ لكم أن
تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلاّ أن يخافا
ألاّ يقيما حدود اللّه فإن خفتم ألاّ يقيما
حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به)( 54 )
، وأفادت أن المرأة يمكنها التنازل عن مهرها
إذا هي رغبة في طلاقها ، والمستنبط منها
فقهياً جواز التفريق بالخلع لوجود ما ينفّرها
منه ، فيمكنها أن تطلب المخالعة بتنازلها عن
مهرها ، ويمكنها أن تتحمل وتواصل عيشها معه.

وهناك حالة أخرى ، وهي أن يكون مضيّقاً
عليها ظالماً لها ، فيرى الحاكم أن يرغمه على
طلاقها .

وتوجد حالة ثالثة ، وهي شرط الرجل في
عقد زواجه بالمرأة لها كل ما ترغب فيه ،
وتشترطه لنفسها عليه إلاّ شرطاً يخالف الكتاب
والسنة ، ومنه أنه اذا تزوّج عليها فهي وكيلة
عنه منذ الان ووكيلة عنه لتوكيل ثالث عنه
ليطلّقها عنه ، فتتخيّر بذلك بين الانفصال
واستمرار اتصال حبال الزوجية والنكاح
والبقاء على عهدته وذمّته . هذا هو التخيير
الشرعي الوحيد لها من دون مشروعية أيّ تخيير
آخر .

والان بعد هذه الاطلالة لنا أن نردّ
على الفكرة السائدة حول الطلاق وأنه من حق
الرجل وحده ، وقد مرّ بنا سابقاً أن الاسلام
أعطى المرأة حق الشكوى إذا قصر الزوج عن واجبه
الجنسي ووضع حدّاً أقصى يجوز بعده رفع دعوى
قضائية لذلك ، وهو أن يتركها أكثر من أربعة
أشهر سفراً أو أكثر من أربعين ليلة حضراً ،
ويشمل حق الشكوى حالات العجز والعنّة ،
ويجوّز لها طلب التفريق فيها .

أما إذا اراد العزل زوج لا يريد
الانجاب من علاقة جنسية مع امرأة ما لا يراها
صالحة لان تكون أم أولاده ، والمقصود بالعزل
أن يقذف خارج الرحم لمنع الحمل ، وقد أقرّ ذلك
جلّ علماء المذاهب الاسلامية ، فالمحقق
الحليّ من كبار فقهاء الشيعة في القرن السابع
الهجري في بابل العراق ، أقرّه للرجل ، واشترط
أن يكون باتفاق الزوجين ورضاهما( 55 ) وأباحه قبله
من اهل السنة الغزالي ، وردّ على القائلين
بتحريمه في آداب النكاح من إحيائه ، وقد رويت
أحاديث نبوية فيه ، فليس الفقهاء في هذه
المسألة يخالفون نبيّهم ، ولا يعدّلون احكامه
بمراعاة الظروف ، كما أوهمه الواهم( 56 ) ، نعم ، يمنع
الاجهاض باتفاق الفقهاء بلا خلاف فيما بينهم
، فهو من الاحكام الوفاقية المجمع عليها
لديهم ، بل حتى في سابق الاديان الالهية
السماوية .

واشتراط جمع من فقهاء الاسلام أن يكون
العزل باتفاق الزوجين ورضاهما( 57 ) كما مرّ ، يرفع
من مكانة المرأة إلى مساواة الرجل ومصافّه ،
بينما لو تركنا هذا الفقه وصعدنا إلى اليونان
ـ آباء الفكر الاوربي الحالي ـ وجدنا ارسطو
يقول في كتاب السياسة : «إن الطبع (الطبيعة) هو
الذي عيّن المركز الخاص للمرأة والعبد»( 58 )
، فالذي نراه في تخريجات ارسطو أن المرأة
تُعامل لديه كالعبد ، في مجتمع عبودي متداخل
مع مجتمع بدائي في مجتمعات غابرة تدفن فيها
المرأة حيّة مع زوجها المتوفى . أما الجاهليون
من العرب فقد كانوا يمدّدون عدّة الارملة إلى
سنة ، تلزم فيها المرأة باجتناب الزينة ولبس
الثياب الخشنة الخلقة ولزوم بيتها ، وكأنها
عقوبة معوّضة عن دفنها معه في تلك المجتمعات
الغابرة ، وكأن عليها قدراً من المسؤولية عن
الزوج المتوفى يتعيّن على المرأة أداؤه ،
بالامتناع عن الزواج ولزم البيت سنة مع لبس
أخشن الثياب وإهمال الزينة ، فليست العدّة
هنا لمجرّد التأكد من عدم وجود حمل منه لديها .
أجل ، هكذا أُخضعت المرأة الجاهلية للعدة .

وكذلك أُخضعت المرأة المسلمة للعدّة ،
ولكن عدة المطلقة ثلاثة أشهر تقريباً وعدة
الارملة أربعة اشهر ، وليس على المطلقة قيد
يزيد على عدم الزواج في هذه المدة ، وهو نفس
القيد بخصوص الارملة . والقصد من هذا القيد
التأكد من كون المرأة حاملاً من زوجها
المطلّق أو المتوفى عنها ، حتى تتعيّن نسبة
المولود إلى أبيه ولا يختلط مع الزوج الجديد .
وقد عالج الاسلام عدة الارملة على غرار
المطلقة ، سوى زيادة الشهر على مدة العدة ،
وقننها بالتأكد من ظهور علامات الحمل ، فإنها
إذا كانت حاملاً وولدت تكون في حل من الزواج
بآخر فور انتهاء مدة النفاس إن كان لها نفاس ،
ولا يكون اكثر من اقصى فترة الحيض ، عشرة أيام
، وما زاد فلا حرج منه عليها ، فهو استحاضة حتى
ولو كانت كثيرة ، في مذهب اهل البيت(عليهم
السلام) ، فالارملة تُعفى من استكمال العدة إن
ولدت ، وقد ثبت هذا بنص قرآني في الاية
الرابعة من سورة الطلاق في قوله سبحانه : (واولات
الاحمال أجلهنّ أن يضعن حملهن) ، أي إن أجل
العدة ينتهي بالولادة ، وليس في القرآن
والحديث والسنة نص آخر فيه قيود زائدة على عدة
الارملة ، فهذا التشريع قد قلّص مدة العدة
الجاهلية من سنة إلى أربعة اشهر ، بلا قيود
زائدة الزامية ، اللهم إلاّ الندب إلى آداب
وسنن مستحبة يكره تركها ولا يحرم ; ففي جواهر
الكلام للشيخ محمد حسن النجفي ، وهو اكبر
موسوعات الفقه الشيعية ، يورد المؤلف أحاديث
عن الامام الصادق(عليه السلام) تجيز للمعتدة
أن تتزيّن لغير ريبة (أي ألاّ يكون من نيّتها
وقصدها اضهار زينتها لاغراء الرجال) ، وأن
تخرج بها من بيتها بل دارها ، غير مشروط
بضرورة ، ولكنه مكروه بغير ضرورة( 59 )
، فلا يجب عليها أن تلزم منزلها حسب العادة
الجاهلية ، وإنما يستحب لها ذلك وتندب إليه
بغير الزام ووجوب كما أوهم الواهم( 60 )
.

وقد أورد المسألة والحكم المحقق الحلي
كذلك في كتاب النكاح من شرائع الاسلام ، وهو
وإن كان متأخراً عن الشيخ الطوسي بقرنين
تقريباً ، فهو عربي هُذلي من بني هُذيل ، وقد
نصّ على جوازها ، فلم يتجه قول من اتهم بهذا
الحكم الفقهاء من اصل فارسي ومنهم الطوسي ،
باعتبار أن الفرس اقرب إلى هذه الامور
لاباحتهم قديماً نكاح المحارم ، كما أوهمه
الواهم( 61 )
. فالفقهاء الشيعة من اصل عربي كذلك لا ينقضون
هذا الحكم كما اقرّ به الواهم ، وهل يعتبر
ائمة اهل البيت من الباقر والصادق والكاظم(عليهم
السلام)من الاعاجم ؟! كلاّ ، ولكن الشريعة
الاسلامية تضمنت احكاماً للجنس تجعل ممارسته
ميسورة وقليلة الكلفة ، وتناولها الفقهاء
احكاماً إلهية حسب الادلة الفقهية الشرعية ،
ذلك أن الشريعة كبحت الغريزة الجنسية بمقدار
الكفاية ، وأخضعتها للارادة الشرعية بما
يماثل المثل الاجتماعية الصالحة ، والشريعة
بعد شريعة توازن وحكمة وليست شريعة الرهبانية
والكبت ، نعم ، الى مثل هذا تستند هذه الاحكام
الشرعية ، لا إلى افتراض أولية الغريزة
الجنسية وعدم اخضاعها وكبحها ، كما اوهمه
الواهم( 62 )
.

أجل ، إن الحضارة الاوربية انطلقت من
اولية الغريزة الجنسية ، وعدم الحاجة إلى
كبحها بالمثل الاجتماعية أو اخضاعها للارادة
، وتوغل الطور الاميركي الراهن من الغربيين
إلى مدى أن أدرجوا في قوانينهم احكاماً تتعلق
بالشذوذ الجنسي للرجال والنساء ، أضفيت عليه
نفس الشرعية القائمة في الزواج الشرعي ،
بينما الشريعة الاسلامية تعاقب على هذا اللون
من الممارسة الجنسية ، فإن كنّ نساءً فعليهن
حدّ المساحقة ، ثمانون جلدة ، وإن كانوا
رجالاً أوقبوا فالاعدام، وإلاّ فحدّ التفخيذ
مئة جلدة . أما ممارسة الشذوذ مع الزوجة ولو
برضاها ، فقد اتفقت الكتب الاربعة للصدوق
والكليني والطوسي على حديث نبوي ظاهر في
تحريمه ، ولو أن بعض الشيعة ومعهم بعض
المالكية من السنة حملوه على الكراهة
الشديدة ، ولم يحترموه إذا كان برضاها هي ،
ومع ذلك وهم الواهم أن جنسانية الغربيين أعدل
من جنسانية الاسلام ; لانها تعم الجنسين . هذا
وهو يقول : «ولو أنها بهذا المعدل فتحت باباً
أوسع للعاهات الجنسية ، وآخرها وباء الايدز
الذي هو مرض غربي في المقام الاول»( 63 )
.

وأوهم هذا الواهم أن الشيعة خاصة
توسعوا في احكام النكاح ، ويدخل فيه اباحة
المتعة المحرمة عند غيرهم لمخالفة عمر بن
الخطاب لها ، وأحلّوا جِماع الفَهر للجواري ،
وهو محرم في بقية المذاهب( 64 )
، والحقيقة والواقع أنه محرم في كل المذاهب ،
بحرمة نظر الجارية الاخرى إلى عورة مثلها ، بل
حرمة الوطء مع وجود ناظر آخر محرّم . أما اباحة
المتعة فتتبع أدلتها الشرعية المشروحة من
الكتاب والسنة ، كما شرحت في الكتب المعدة
لذلك( 65 )
.


(1)
التمهيد 1 : 104 .


(2)
التكوير : 8 و 9 .


(3)
قرب الاسناد: 6، كما عنه في بحار الانوار 22:151،
وراجع موسوعة التاريخ الاسلامي 1 : 339.


(4)
التمهيد 1 : 105 .


(5)
الاسراء : 31 .


(6)
التمهيد 1 : 105.


(7)
الانعام : 151 .


(8)
التمهيد : 106 .


(9)
النحل : 58 ـ 59.


(10)
من تهذيب عبد القادر بدران 4 : 54.


(11)
إحياء علوم الدين 2:46.


(12)
اللائي المصنوعة في الاحاديث الموضوعة
للسيوطي، تناوله وأثبت بطلانه بمناقضته
للقرآن.


(13)
مقال السيد هادي العلوي في مجلة النهج
العلمانية السورية: 22، ع41، 1995م.


(14)
الحديد : 27 .


(15) النهاية لابن الاثير الجزري،
وعنه في بحار الانوار 68:319، باب الايمان
والكفر. وعقد باباً في 70:113 في النهي عن
الرهبانية، فلم يروه فيه وروى عن الخصال 1: 238،
والامالي للصدوق : 63، والوسائل عن معاني
الاخبار 1:173، له ايضاً : «ليس في أمتي رهبانية»
و «لم يكتب علينا الرهبانية».


(16)
بحار الانوار 62:291، عن طب النبي للمستغفري.


(17)
البقرة : 222 .


(18)
نفحات الرحمان في أحوال سلمان، للميرزا محمد
حسين النوري الطبرسي.


(19)
المقال السابق في مجلة النهج السورية: 22 .


(20)
صحيح مسلم، كتاب النكاح، ب أولياء العقد.


(21)
من تهذيب عبد القادر بدران 1:454.


(22)
رسالة لا ضرر ولا ضرار للشيخ حبيب اللّه
الشيرازي، ط. آل البيت، قم المقدسة.


(23)
شرائع الاسلام، كتاب النكاح، ب أولياء العقد.


(24)
جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام 39:216.


(25)
دعائم الاسلام للقاضي النعمان الاسماعيلي
2:231.


(26)
النساء : 3 .


(27)
المحبّر : 357.


(28)
التمهيد : 106 .


(29)
المقال السابق في مجلة النهج السورية: 21.


(30)
آل عمران : 50 .


(31)
المقال السابق في مجلة النهج السورية: 22.


(32)
م . ن .


(33)
م . ن .


(34)
البقرة : 221 .


(35)
الحجرات : 13 .


(36)
اصول الكافي 1:403، ط. الاسلامية.


(37)
وسائل الشيعة 20:76، ب 28 عن الكافي والفقيه
والتهذيب، ط. آل البيت . بحار الانوار 103:371
باب الكفاءة، عن أمالي الطوسي: 372، وفتح
الابواب: 373، ونوادر الراوندي: 374.


(38)
وسائل الشيعة 20:69، ب 26، عن الكافي والفقيه
والتهذيب، ط. آل البيت.


(39)
راجع مجلة الهادي، ع 5، السنة الرابعة، مقال
الكفاءة الزوجية في الاسلام لمحمد هادي
اليوسفي الغروي.


(40)
النساء:23 ـ 24.


(41)
المقال السابق في مجلة النهج السورية : 28.


(42)
م . ن : 18 .


(43)
م . ن .


(44)
التبيان 3 : 189.


(45)
مجمع البيان 3:68.


(46)
إحياء علوم الدين، كتاب آداب النكاح.


(47)
فاطر : 18 .


(48)
البقرة : 234 .


(49)
الميزان 4:344 ط. بيروت، والاية 34 من النساء.


(50)
المقال السابق في مجلة النهج السورية: 26.


(51)
م . ن : 18 .


(52)
وسائل الشيعة 22: 98، ب 41، ط. آل البيت.


(53)
المقال السابق في مجلة النهج السورية: 26.


(54)
البقرة : 229.


(55)
المختصر النافع من فقه الشرائع: 197.


(56)
المقال السابق في مجلة النهج السورية: 29،
وناقض نفسه في: 43.


(57)
يلاحظ هنا أن بعض العلماء المتأخرين كالسيد
الخوئي والسيد الصدر اباحا للمرأة أن تتناول
اقراص منع الحمل حتى ولو لم يرض الزوج بذلك (راجع
منهاج الصالحين).


(58)
كتاب السياسة لارسطو ب1 ف5 بترجمة أحمد لطفي
السيد.


(59)
جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام 32: 278، 279.


(60)
المقال السابق في مجلة النهج السورية: 20.


(61)
م . ن : 30.


(62)
م . ن : 30 .


(63)
م . ن : 31 .


(64)
م . ن : 30 .


(65)
راجع كتاب المتعة للسيد جعفر مرتضى العاملي،
والمتعة والاصلاح الاجتماعي للمحامي توفيق
الفكيكي البغدادي، وكتاب من فقه الجنس في
قنواته المذهبية للدكتور الشيخ احمد
الوائلي النجفي، واصل الشيعة واصولها لكاشف
الغطاء.



/ 1