دراســات - فاطمة الزهراء (ع) و مصلحة الاسلام العليا نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

فاطمة الزهراء (ع) و مصلحة الاسلام العليا - نسخه متنی

فؤاد كاظم المقدادي

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

دراســات

فاطمة الزهراء(عليها السلام) ومصلحة
الاسلام العليا

* الشيخ فؤاد كاظم المقدادي

إن ثاني نماذج السيرة الطاهرة لاهل
البيت(عليهم السلام) ، التي تكشف لنااللحاظ
الامثل لمصلحة الاسلام العليا ، هو سيرة
فاطمة الزهراء(عليها السلام)بنت رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) ، وزوجة وصيه أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، التي حكت هذا
الاصل بكل وضوح وجلاء في كل مفردات حياتها ،
ومراحل واطوار سيرتها المباركة ، وقد مهّد
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) لها الارضية
المناسبة لذلك ، من خلال التعريف بمقامها ،
وبيان موقعها الفريد منه(صلى الله عليه وآله)
، وتوجيه الامة نحوها ، والوصية بحفظ مكانتها
والتصديق بها ; لانها الصادقة المحدّثة ، وخفض
الجناح لها ، ورعاية شأنها ، ووردت روايات
كثيرة من الفريقين تكشف لنا عن كل ذلك باعلى
مستويات الخطاب ودرجات البيان ، منها :

عن ابن عباس قال : « قال رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) : وإنما سماها فاطمة لان اللّه
فطمها ومحبيها عن النار »(1)
.

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) : «
فاطمة بضعة مني ; من سرَّها فقد سرَّني ، ومن
ساءها فقد ساءني . فاطمة أعز الناس عليَّ »(2)
.

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) : «
أول شخص يدخل الجنّة فاطمة »(3)
.

كما أن امتثال رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله) لامر اللّه تعالى في تزويجها من
امير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ،
جاء ليؤكد المقام الرفيع لها(عليها السلام) ،
والدور الرسالي العظيم الذي ينتظرها إلى جوار
علي(عليه السلام) . ذلك الدور الذي مثّل بحق
تفانياً كاملاً في مصلحة الاسلام العليا ،
وتضحية وعطاءً لا حد له في سبيل الحفاظ على
تلك المصلحة ، ودرء الخطر والانحراف عن رسالة
أبيها محمد(صلى الله عليه وآله) .

ومما جاء في شأن اختيارها زوجة لامير
المؤمنين علي(عليه السلام) ما عن علي(عليه
السلام)قال : « قال رسول اللّه(صلى الله عليه
وآله) : أتاني ملك فقال : يا محمد ، إن اللّه
يقرأ عليك السلام ويقول لك : إني قد زوّجت
فاطمة ابنتك من علي بن أبي طالب في الملا
الاعلى ، فزوّجها منه في الارض »(4)
.

وقول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) :
« إن اللّه أمرني أن ازوّج فاطمة من علي»(5)
.

وعن امير المؤمنين(عليه السلام) قال : «
إن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قال : يا علي
، إن اللّه أمرني أن اتخذك صهراً »(6)
.

وقال الرسول الكريم(صلى الله عليه
وآله) : « إنما فاطمة بضعة مني ، يؤذيني من
آذاها ، وينصبني ما أنصبها »(7)
.

وقوله(صلى الله عليه وآله) : « فاطمة
بضعة مني ، فمن أغضبها أغضبني»(8)
.

وقوله(صلى الله عليه وآله) : « يا علي ،
إن فاطمة بضعة مني ، وهي نور عيني وثمرة فؤادي
، يسوؤني ما ساءها ، ويسرني ما سرّها ، وإنها
أوّل من يلحقني من اهل بيتي فأحسن إليها بعدي
»(9)
.

وروي عن عائشة أن النبي(صلى الله عليه
وآله) قال ـ وهو في مرضه الذي توفي فيه ـ :
« يا فاطمة ، ألا ترضين أن تكوني سيدة
نساء العالمين ، وسيدة نساء هذه الامة ، وسيدة
نساء المؤمنين ؟ »(10)
.

وعن يونس بن ظبيان قال : « قال أبو عبد
اللّه(عليه السلام) : لفاطمة(عليها السلام)
تسعة اسماء عند اللّه عزوجل : فاطمة ،
والصديقة ، والمباركة ، والطاهرة ، والزكية ،
والراضية ، والمرضية ، والمحدَّثة ، والزهراء
. ثم قال(عليه السلام) : أتدري أي شيء تفسير
فاطمة ؟ قلت : أخبرني يا سيدي . قال : فطمت من
الشر . قال : ثم قال : لولا أن أمير المؤمنين(عليه
السلام)تزوّجها لما كان لها كفو إلى يوم
القيامة على وجه الارض آدم فمن دونه »(11)
.

وهي التي لعظمتها ومقامها الفريد
لقّبها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) بسيدة
نساء العالمين ، فقد روي أن النبي(صلى الله
عليه وآله) عاد فاطمة(عليها السلام) وهي مريضة
، فقال لها : « كيف تجدينك يا بنية ؟»
قالت : « إني لوجعة ، وإنه ليزيدني أني مالي
طعام آكله » ، قال : « يا بنية ، أما
ترضين أنك سيدة نساء العالمين ؟ »(12)
.

ومن النماذج التي ينقلها لنا التاريخ
وأصحاب السيرة عن تفانيها سلام اللّه عليها
في حفظ مصلحة الاسلام العليا ، وتحمل كل
المصائب والمحن والظلم في سبيل ذلك ما يلي :

أـ أنها كانت في المقدمة فيمن يواسي
أباها ويشاركه في الشدّة والمحن، وتضميد
جراحاته في الحروب وجراحات المؤمنين
المقاتلين تحت لوائه ; ففي معركة أحد ـ وقد
كانت تسند المسلمين وتضمد جراحات المقاتلين ـ
شاهدت أباها وقد جرح وكسرت رباعيته ، وخذله
المنافقون ، وشاهدت أيضاً عمّ ابيها حمزة
شهيداً مع نخبة من المؤمنين على أرض المعركة ،
فأتت أباها وهي تبكي على عمها ، وتحاول تضميد
جرح رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)وقطع الدم
الذي كان ينزف من جسده الشريف الطاهر ، فكان
زوجها علي(عليه السلام) يصب الماء على جرح
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) وهي تغسله ،
ولما يئست من انقطاع الدم أخذت قطعة صوف
فأحرقتها ، حتى صارت رماداً ، فذرّته على
الجرح حتى انقطع دمه .

ويقول الواقدي وهو يتحدّث عن رجوع
النبي(صلى الله عليه وآله) من معركة اُحد : «
وكنّ جئن اربع عشرة امرأة ، منهن فاطمة بنت
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ، يحملن
الطعام والشراب على ظهورهن ، ويسقين الجرحى
ويداوينهم»(13)
.

ب ـ كان كل همّ الزهراء(عليها السلام)
بعد وفاة ابيها هو اسناد امير المؤمنين
والذبّ عنه ، وإعانته على تجاوز المحن ورد
المؤامرات والفتن التي يثيرها تجاههم القوم
من اعدائهم ، وهو دور لابدّ لها منه ; لمعرفتها
أن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قد اوصى
امير المؤمنين بأن مصلحة الاسلام العليا بعد
وفاته تكمن في حقن دماء المسلمين ، ووقايتهم
من عوامل الردة عن الاسلام ، حتى وإن غصب حقه
الالهي في الخلافة ; لان اكثريتهم حديثو عهد
به ، فقد جاء عن امير المؤمنين(عليه السلام)
أنه قال : « إن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
أوعز إليَّ قبل وفاته وقال لي : يا أبا الحسن ،
إنّ الامة ستغدر بك من بعدي ، وتنقض فيك عهدي ،
وإنك مني بمنزلة هارون من موسى ، وإن الامة من
بعدي كهارون ومن اتبعه والسامري ومن اتبعه ،
فقلت : يا رسول اللّه ، فما تعهد إليّ إذا كان
كذلك ؟ فقال : إذا وجدت اعواناً فبادر إليهم
وجاهدهم ، وإن لم تجد اعواناً فكف يدك واحقن
دمك حتى تلحق بي مظلوماً .

فلما توفي رسول اللّه(صلى الله عليه
وآله) اشتغلتُ بغسله وتكفينه والفراغ من شأنه
، ثم آليت على نفسي يميناً ألاّ أرتدي برداء
إلاّ للصلاة حتى أجمع القرآن ، ففعلت ثم اخذت
بيد فاطمة وابنيَّ الحسن والحسين فدرت على
أهل بدر وأهل السابقة ، فناشدتهم حقي ودعوتهم
إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلاّ أربعة رهط :
سلمان ، وعمار ، وأبو ذر ، والمقداد ، ولقد
راودت في ذلك بقية أهل بيتي ، فأبوا عليَّ
إلاّ السكوت ، لما علموا من وغارة صدور القوم
وبغضهم للّه ورسله ولاهل بيت نبيه »(14)
.

وروي أن عليّاً(عليه السلام) « لما رأى
خذلان الناس له وتركهم نصرته لزم بيته وأقبل
على القرآن يؤلّفه ويجمعه ، فلم يخرج حتى جمعه
كلّه ، فكتبه على تنزيله والناسخ والمنسوخ ،
فبعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع ، فبعث إليه
إني مشغول ، فقد آليت بيمين ألاّ ارتدي برداء
إلاّ للصلاة حتى أؤلّف القرآن وأجمعه ، فجمعه
في ثوب وختمه ثم خرج إلى الناس ، وهم مجتمعون
مع ابي بكر في مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله)
فنادى(عليه السلام) بأعلى صوته : أيها الناس ،
إني لم ازل منذ قبض رسول اللّه(صلى الله عليه
وآله) مشغولاً بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله
في هذا الثوب ، فلم ينزل اللّه على نبيه آية من
القرآن إلاّ وقد جمعتها كلّها في هذا الثوب ،
ليست منه آية إلاّ وقد اقرأنيها رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) وعلمني تأويلها ، فقالوا : لا
حاجة لنا به . عندنا مثله .

ثم دخل بيته فقال عمر لابي بكر : أرسل
إلى علي فليبايع ، فإنّا لسنا في شيء حتى
يبايع ، ولو قد بايع أمنّاه وعائلته ، فأرسل
أبو بكر رسولاً أن أجب خليفة رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) ، فأتاه الرسول فأخبره بذلك ،
فقال علي(عليه السلام) : ما اسرع ما كذبتم على
رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ! إنه ليعلم
ويعلم الذين حوله أنّ اللّه ورسوله لم
يستخلفا غيري ، فذهب الرسول فأخبره بما قاله
فقال : اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبا بكر ،
فأتاه فأخبره بذلك ، فقال علي(عليه السلام) :
سبحان اللّه ! واللّه ما طال العهد بالنبي
منّي ، وإنه ليعلم أنّ هذا الاسم لا يصلح إلاّ
لي ، وقد أمره رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)سابع
سبعة فسلّموا علي بإمرة المؤمنين ، فاستفهمه
هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا : أمر من
اللّه ورسوله ؟ فقال لهما رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله) : نعم حقّاً من اللّه ورسوله إنه
امير المؤمنين وسيد المسلمين وصاحب لواء
الغرّ المحجلين ، يعقده اللّه يوم القيامة
على الصراط فيُدخِل اولياءه الجنة واعداءه
النار .

قال : فانطلق الرسول إلى أبي بكر
فأخبره بما قال ، فكفّوا عنه يومئذ .

ثم ارسلا إليه بعد ذلك قنفذاً ـ وكان
رجلاً فظّاً غليظاً جافياً من الطلقاء احد
بني تيم ـ وارسلا معه اعواناً ، فانطلق
فاستأذن فأبى علي(عليه السلام) أن يأذن له ،
فرجع اصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما في
المسجد والناس حولهما فقالوا : لم يأذن لنا ،
فقال عمر : هو إن أذن لكم ، وإلاّ فادخلوا عليه
بغير إذنه .

فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة(عليها
السلام) : احرّج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير
اذن، فرجعوا وثبت قنفذ فقالوا : إنّ فاطمة
قالت كذا وكذا فحرّجتنا أن ندخل عليها البيت
بغير إذن منها ، فغضب عمر وقال : مالنا وللنساء
؟ ثم أمر أُناساً حوله فحملوا حطباً وحمل معهم
فجعلوه حول منزله ، وفيه علي وفاطمة وابناهما(عليهم
السلام) ، ثم نادى عمر حتى أسمع عليّاً(عليه
السلام) : واللّه لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول
اللّه ، أو لاضرمنّ عليك بيتك ناراً ، ثم رجع
فقعد إلى أبي بكر وهو يخاف أن يخرج عليّ بسيفه
لما قد عرف من بأسه وشدّته ، ثم قال لقنفذ : إن
خرج وإلاّ فاقتحم عليه ، فإن امتنع فأضرم
عليهم بيتهم ناراً .

فانطلق قنفذ فاقتحم هو واصحابه بغير
إذن ... وحالت فاطمة(عليها السلام) بين زوجها
وبينهم عند باب البيت ، فضربها قنفذ بالسوط
على عضدها ، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل
الدملوج من ضرب قنفذ إياها ... ثم الجأها إلى
عضادة بيتها ، فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها
وألقت جنيناً من بطنها...»(15).

وروي عن الصادق(عليه السلام) أنه قال :
« لمّا استخرج امير المؤمنين(عليه السلام) من
منزله خرجت فاطمة صلوات اللّه عليها خلفه ،
فما بقيت امرأة هاشمية إلاّ خرجت معها حتى
انتهت قريباً من العتبة فقالت لهم : خلّوا عن
ابن عمّي ، فو الذي بعث محمداً أبي(صلى الله
عليه وآله)بالحق إن لم تخلّوا عنه ... لاضعنّ
قميص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) على رأسي
ولاصرخنَّ إلى اللّه تبارك وتعالى ، فما صالح
بأكرم على اللّه من أبي ، ولا الناقة بأكرم
منّي ، ولا الفصيل بأكرم على اللّه من ولديّ »(16)
.

ج ـ عندما وجدت الزهراء(عليها السلام)
أن وصية رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
بالولاية والخلافة لعلي(عليه السلام) من بعده
قد نقضت ، وانقلب القوم على اعقابهم وارتدوا
عنها ، انطلقت من مبدأ المصلحة الاسلامية
العليا وانبرت لاداء دورها الرسالي في هذا
السبيل ، موطّنة نفسها على كل المحن والمصائب
والظلم التي ستحلّ بها ; فاستثمرت مسألة غصب
فدك ، وهي نحلة أبيها إليها ، لتكون مدخلاً
وطريقاً لاظهار الحقائق وتمييز الحق عن
الباطل للامة والاجيال اللاحقة ، وإلقاءً
للحجة التامة على القوم . وكان لهذا الاسلوب
الايجابي في المواجهة أثره البليغ في توجيه
وعي الامة ، لتدرك الحق وتعلم من أهدره . وقد
ظلّ هذا الدور حيّاً في ضمير الامة ووجدانها ،
بالرغم من عدم تسنّم امير المؤمنين(عليه
السلام) الخلافة ، وعدم استرداد الزهراء
حقّها في فدك آنذاك ، وبقي ذلك علامة صارخة
معبّرة عن مدى الظلم الذي لحق بأهل بيت رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله) ، والانحراف الذي
وقع بعده . ولم يستطع اعداء اهل البيت(عليهم
السلام) ، وعلى رأسهم بني أمية ، محو هذا الدور
الرسالي الرائد للزهراء(عليها السلام) من
صفحات التاريخ ومرويات رجاله ، حتى لقد طفحت
بها كتب أهل السنة كما طفحت بها كتب الشيعة .

ولنتصفح بعض مفردات ما ورد في بيان هذا
الدور الفريد للزهراء(عليها السلام) ، فقد ذكر
المؤرخون أن فدك قرية من قرى الحجاز ، بينها
وبين المدينة مسيرة يومين أو ثلاثة أيام على
ابعد التقادير ، وتقع إلى جوار خيبر التي كانت
من اكبر القرى اليهودية وأمنعها حصوناً ،
وبعد أن تغلب المسلمون على خيبر ، بعد تلك
المعارك الضارية بينهم وبين يهودها ، واستولى
عليها المسلمون ، تركهم النبي(صلى الله عليه
وآله) يعملون في الارض بنصف ناتجها والنصف
الاخر للفاتحين ، ولما انتهى النبي منها ضاق
الامر بسكان فدك ، وأيقنوا أن النبي سوف يتجه
إليهم ، فاستولى عليهم الخوف وارسلوا إليه
أنهم على استعداد لان يسلموه الارض وجميع ما
يملكون ، على أن يتركهم يعملون فيها بنصف
الناتج كما صنع مع يهود خيبر ، فوافق على ذلك
فصالحهم على نصف ناتجها ، وبذلك كانت خيبر
ملكاً للمسلمين ; لانهم استولوا عليها بالحرب
، وفدك ملكاً للنبي(صلى الله عليه وآله) ; لانه
لم يوجف عليها بخيل أو ركاب ، وقد وهبها النبي(صلى
الله عليه وآله) لفاطمة الزهراء ، وتركتها في
يد النبي يتصرف بناتجها كما تريد ، وتأخذ منه
ما يكفيها وولدها ، كما تجمع على ذلك المصادر
الشيعية وبعض المصادر السنية .

عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه(عليه
السلام) قال : « لما بويع أبو بكر واستقام له
الامر على جميع المهاجرين والانصار ، بعث إلى
فدك من أخرج وكيل فاطمة(عليها السلام) بنت
رسول اللّه منها ، فجاءت فاطمة الزهراء(عليها
السلام) إلى أبي بكر ثم قالت : لِمَ تمنعني
ميراثي من أبي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
، واخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله) بأمر اللّه تعالى ؟

فقال : هاتي على ذلك بشهود ، فجاءت بأم
أيمن ، فقالت له أم أيمن : لا أشهد يا أبا بكر
حتى احتج عليك بما قال رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله) ، انشدك باللّه ألست تعلم أن رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله)قال : أم أيمن امرأة
من أهل الجنة ؟ فقال : بلى ، قالت : فأشهد أن
اللّه عزوجل أوحى إلى رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله) : (وآت ذا القربى حقه) فجعل فدكاً
لها طعمة بأمر اللّه ، فجاء علي(عليه السلام)
فشهد بمثل ذلك ، فكتب لها كتاباً ودفعه إليها
، فدخل عمر فقال : ما هذا الكتاب ؟ فقال : إن
فاطمة(عليها السلام) ادّعت في فدك ، وشهدت لها
أم أيمن وعلي(عليه السلام) ، فكتبته لها ، فأخذ
عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزَّقه فخرجت
فاطمة(عليها السلام) تبكي ... »(17)
.

وجاء في الدر المنثور للسيوطي عن
البزاز وأبي يعلي وابن حاتم وابن مردويه عن
سعيد الخدري أنه قال : « لما نزلت الاية : (وآت
ذا القربى حقه)دعا رسول اللّه فاطمة الزهراء
واعطاها فدكاً » كما روى ذلك جماعة عن ابن
عباس وغيره .

كما جاء في شرح النهج عن أبي سعيد
الخدري أن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) بعد
أن استولى على فدك ، وهبها لفاطمة وظلت في
يدها إلى أن توفي ، وبعد وفاته انتزعها أبو
بكر وضمها إلى اموال المسلمين(18)
.

وجاء أيضاً أن فاطمة(عليها السلام) لما
انصرفت من عند أبي بكر ، أقبلت على امير
المؤمنين(عليه السلام) فقالت له : « يابن أبي
طالب ، اشتملت شملة الجنين ، وقعدت حجرة
الظنين ، نقضت قادمة الاجدل ، فخانك ريش
الاعزل (أضرعت خدّك يوم اضعت حدّك ، افترست
الذئاب وافترشت التراب ، ماكففت قائلاً ، ولا
أغنيت باطلاً) هذا ابن أبي قحافة يبتزّني
نحيلة أبي ، وبليغة ابنىّ ! واللّه لقد أجهر في
خصامي وألفيته ألدّ في كلامي ، حتى منعتني
القيلة نصرها والمهاجرة وصلها ، وغضّت
الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع و لا مانع .
خرجت كاظمة ، وعدت راغمة ، ولا خيار لي . ليتني
متّ قبل هنيئتي ، ودون ذلّتي ، عذيري اللّه
منه عادياً ، ومنك حامياً ، ويلاي في كل شارق !
ويلاي في كل غارب ! مات العمد ، ووهن العضد ،
شكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربي . اللّهم انك
أشد منهم قوة وحولاً .

فأجابها أمير المؤمنين : لا ويل لك ، بل
الويل لشانئك ، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة
، وبقيّة النبوة ، فما دنيت عن ديني ، ولا
اخطأت مقدوري ، فإن كنت تريدين البلغة ، فرزقك
مضمون ، وكفيلك مأمون . ما اعدّ لك خير ممّا
قطع عنك ، فاحتسبي اللّه . فقالت : حسبي اللّه
ونعم الوكيل »(19)
.

وعندما وجدت الزهراء(عليها السلام) أن
الاجواء قد تهيأت ، والمقدمات قد حصلت ،
قامت بدورها الاساسي الذي خططت له ببراعة في
بيان الحقائق بالحجة الدامغة ، وإظهار الحق
الالهي لعلي(عليه السلام) بالخلافة وغصب
القوم له ظلماً وجوراً ; فقد جاء في الروايات
وكتب التاريخ الموثوقة أن الزهراء(عليها
السلام)لمّا رأت اصرارهم على موقفهم ، ارادت
أن تعلن رأيها وظلامتها على اكبر جمهور من
المسلمين ، حتى لا تترك عذراً لمعتذر ،
واستغلت اجتماع المسلمين في مسجد ابيها في
يوم من ايام الجمعة ، فلاثت خمارها وأقبلت في
لمّة من حفدتها ونساء قومها ، حتى دخلت على
أبي بكر وعنده حشد كبير من المهاجرين
والانصار في المسجد ، وقيل في بيته كما جاء في
رواية أخرى ، وقد وصف حفيدها عبد اللّه بن
الحسين بن الحسن السبط موقفها هذا فقال : « لما
دخلت عليهم ضرب أبو بكر بينهم وبينها ربطة
بيضاء أو قبطية ، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم
بالبكاء ، فأمهلتهم طويلاً حتى سكتوا ، ثم
قالت : ابتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول
والمجد . الحمد للّه على ما أنعم به ، وله
الشكر بما الهم » ومضت تعدد نعم اللّه على
عباده ومواقف ابيها وتضحياته في سبيل الدعوة
، حتى انقذهم من الضلال وعبادة الاوثان
والاصنام ، ثم توجهت إلى ذلك الحشد وقالت : «
أنتم عباد اللّه نصب أمره ونهيه، وحملة دينه
ووحيه ، وامناء اللّه على انفسكم ، وبلغاؤه
إلى الامم ، وزعيم حق له فيكم ، وعهد قدمه
إليكم ، وبقية استخلفها عليكم ، كتاب اللّه
الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ،
والضياء اللامع ، بيّنة بصائره منكشفة سرائره
، متجلية ظواهره ، قائد إلى الرضوان اتباعه ،
مؤدٍّ إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج اللّه
المنورة ، وعزائمه المفسرة ، ومحارمه المحذرة
، وبيّناته الجالية » ومضت في خطبتها تقول : «
لقد جعل اللّه الايمان تطهيراً لكم من الشرك ،
والصلاة تنزيهاً لكم من الكبر ، والزكاة
تزكية للنفس ونماءً في الرزق ، والصيام
تثبيتاً للاخلاص ، والحج تشييداً للدين »
وظلّت تتحدث عن الفوائد التي يجنيها المسلم
من فروع الاسلام واصوله ، حتى خلصت إلى القول :
« (لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما
عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فإن
تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا
ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزى(20)
إليه ، فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة ،
مائلاً عن مدرجة المشركين ، ضارباً ثبجهم ،
آخذاً بأكظامهم ، داعياً إلى سبيل ربه
بالحكمة والموعظة الحسنة ، يكسر الاصنام ،
وينكث الهام ، حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر ،
وتفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ،
ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ،
وطاح وشيظ النفاق ، وانحلت عقدة الكفر
والشقاق ، وفُهتُم بكلمة الاخلاص ، وكنتم على
شفا حفرة من النار مذقة الشارب ، ونهزة الطامع
، وقبسة العجلان ، وموطئ الاقدام ، تشربون
الطرق ، وتقتاتون القد ، أذلّة خاسئين ،
تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم
اللّه بأبي محمد بعد اللتيا والتي ، وبعد أن
مني ببهم الرجال ، وذُؤبان العرب ، ومردة أهل
الكتاب كلما اوقدوا ناراً للحرب اطفأها اللّه
، أو نجم قرن للشيطان ، وفغرت فاغرة من
المشركين قذف أخاه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى
يطأ جناحها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ،
مكدوداً في ذات اللّه ، مجتهداً في أمر اللّه
، قريباً من رسول اللّه سيد أولياء اللّه ،
مشمراً ناصحاً مجدّاً كادحاً لا تأخذه في
اللّه لومة لائم ، وأنتم في رفاهية من العيش
وادعون فاكهون ، تتربصون بنا الدوائر،
وتتوكّفون الاخبار ، وتنكصون عند النزال ،
وتفرّون عند القتال . فلما اختار اللّه لنبيه
دار انبيائه ومأوى اصفيائه ، ظهرت فيكم حسكة
النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم
الغاوين ، ونبغ خامل الاقلّين وهدر فنيق
المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، واطلع الشيطان
رأسه من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم بدعوته
مستجيبين ، وللعزة فيه ملاحظين ، ثم استنهضكم
فوجدكم حفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً ،
فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير مشربكم ، هذا
والعهد قريب ، والكَلْم رحيب ، والجرح لمّا
يندمل ، والرسول لمّا يُقبر ، ابتداراً زعمتم
خوف الفتنة (ألاَ في الفتنة سقطوا وإن جهنم
لمحيطة بالكافرين) فهيهات منكم ، وكيف بكم ،
وأنّى تؤفكون ؟ وكتاب اللّه بين أظهركم ،
اُموره ظاهرة ، واحكامه زاهرة ، وأعلامه
باهرة ، وزواجره لايحة ، واوامره واضحة ، وقد
خلفتموه وراء ظهوركم . أرغبة عنه تريدون ؟ أم
بغيره تحكمون ، ؟ بئس للظالمين بدلاً (ومن
يتبع غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في
الاخرة من الخاسرين) ثم لم تلبثوا إلاّ ريث أن
تسكن نفرتها ، ويسلس قيادها ، ثم اخذتم تورون
وقدتها ، وتهيجون جمرتها ، وتستجيبون لهتاف
الشيطان الغوي ، واطفاء أنوار الدين الجلي ،
واهمال سنن النبي الصفي ، تشربون حسواً في
ارتغاء ، وتمشون لاهله وولده في الخمرة
والضراء ، ويصير منكم على مثل حز المدى ، ووخز
السنان في الحشا ، وأنتم الان تزعمون أن لا
إرث لنا (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من
اللّه حكماً لقوم يوقنون) أفلا تعلمون ؟ بل قد
تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته» .

ثم التفتت إلى أبي بكر وقالت : « أأغلب
على إرثي يابن أبي قحافة ؟ أفي كتاب اللّه ترث
أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً !
أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء
ظهوركم ؟ إذ يقول : (وورث سليمان داود)(21)
وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال : (فهب
لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب)(22)
وقال : (وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب
اللّه)(23)
وقال : (يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظ
الانثيين)(24)
وقال (إن ترك خيراً الوصية للوالدين
والاقربين بالمعروف حقاً على المتقين)(25)
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم
بيننا ، أفخصكم اللّه بآية اخرج أبي منها ؟ أم
هل تقولون : إنَّ أهل ملّتين لا يتوارثان ؟
أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة ؟ أم أنتم
أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟
فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم
الحكم اللّه ، والزعيم محمّد ، والموعد
القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولا
ينفعكم إذ تندمون ، ولكل نبأ مستقر وسوف
تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب
مقيم » .

ولم ير الناس اكثر باك ولا باكية منهم
يومئذ . ثم رمت بطرفها نحو الانصار فقالت : « يا
معشر النقيبة وأعضاد الملّة وحضنة الاسلام ،
ماهذه الغميزة في حقي والسِنة عن ظلامتي ؟ أما
كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أبي يقول :
المرء يحفظ في ولده ؟ سرعان ما أحدثتم ،
وعجلان ذا إهالة ولكم طاقة بما احاول ، وقوّة
على ما اطلب وازاول . أتقولون مات محمّد(صلى
الله عليه وآله) ؟ فخطب جليل استوسع وهنه ،
واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، واظلمت الارض
لغيبته ،و كسفت الشمس والقمر وانتثرت النجوم
لمصيبته ، وأكدت الامال ، وخشعت الجبال ،
واضيع الحريم ، وازيلت الحرمة عند مماته ،
فتلك واللّه النازلة الكبرى ، والمصيبة
العظمى ، لا مثلها نازلة ، ولا بائقة عاجلة ،
أعلن بها كتاب اللّه جل ثناؤه ، في افنيتكم ،
وفي ممساكم ، ومصبحكم ، يهتف في افنيتكم
هتافاً ، وصراخاً ، وتلاوة ، وألحاناً ،
ولقبله ما حل بأنبياء اللّه ورسله ، حكم فصل
وقضاء حتم: (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من
قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على
أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر اللّه
شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين)(26)
إيهاً بني قيلة ! أأُهضم تراث أبي ؟ وأنتم
بمرأىً مني ومسمع ، ومنتدىً ومجمع ، تلبسكم
الدعوة وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذوو العدد
والعدة ، والاداة والقوة ، وعندكم السلاح
والجنة . توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم
الصرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح،
معروفون بالخير والصلاح ، والنخبة التي
انتخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت .

قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكد والتعب
، وناطحتم الامم ، وكافحتم البهم ، لا نبرح أو
تبرحون نأمركم فتأتمرون ، حتى إذا دارت بنا
رحى الاسلام ، ودرّ حلب الايام ، وخضعت ثغرة
الشرك ، وسكنت فورة الافك ، وخمدت نيران الكفر
، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين
فأنّى حزتم بعد البيان ؟ واسررتم بعد الاعلان
؟ ونكصتم بعد الاقدام ؟ وأشركتم بعد الايمان ؟
بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ،
وهموا باخراج الرسول ، وهم بدءوكم أول مرة ،
أتخشونهم فاللّه أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين
.

ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض
وابعدتم من هو أحق بالبسط والقبض ، وخلوتم
بالدعة ، ونجوتم بالضيق من السعة ، فمججتم ما
وعيتم ، ووسعتم الذي تسوغتم . فإن تكفروا أنتم
ومن في الارض جميعاً فإنّ اللّه لغني حميد.

ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة مني
بالجذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي
استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ،
ونفثة الغيظ ، وخور القناة ، وبثة الصدر ،
وتقدمة الحجة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة
الظهر ، نقبة الخف ، باقية العار ، موسومة
بغضب الجبار ، وشنار الابد ، موصولة بنار
اللّه الموقدة التي تطلع على الافئدة ، فبعين
اللّه ما تفعلون ، (وسيعلم الذين ظلموا أيَّ
منقلب ينقلبون) وأنا ابنة نذير لكم بين يدي
عذاب شديد ، فاعملوا إنا عاملون ، وانتظروا
إنا منتظرون »(27)
.

ويبدو أن خطابها هذا في المسجد ،
وحديثها مع الانصار قد احدثا جوّاً مشحوناً
بالقلق ، وظهرت على الكثير من المسلمين بوادر
الندم ، وأخذوا يتحدثون بظلامتها ، وموقفهم
المتخاذل منها ومن حق علي في الخلافة(28)
.

د ـ لم تكتف الزهراء(عليها السلام)
بهذا الاسلوب في المواجهة ، وأداء دورها
الرسالي المطلوب في احقاق مصلحة الاسلام
العليا ، بإظهار الحق وبيانه ، وردع الباطل
وإزهاقه ، بل نهجت سبيلاً آخر يتكامل به دورها
المعبر عن عقيدتها الراسخة ، وحسّها المرهف ،
وإرادتها المتفانية في اللّه سبحانه ،
إدراكاً منها لضرورة إبقاء جذوة الحق ساخنة
في ضمير الامة ووجدانها ، ولتنتقل صرختها
وأنّاتها إلى الاجيال المتعاقبة بأن حق رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله)وأهل بيته(عليهم
السلام) قد غُصب ، وأنهم ظُلموا واضطهدوا ;
لوقوفهم في وجه الانحراف الذي بدأ يدبّ في
طريق الاسلام وسيرة رسوله الكريم(صلى الله
عليه وآله) ، متخذاً نهجاً خطيراً لو استمر
فإنه سيهدد اصول الاسلام وأركانه . وكان
اسلوبها هذه المرة ذا طابع سلبي ، تمثل
بالمقاطعة المقرونة بالدموع والانّات
المفعمة ببيانات التظلم مما لحق بها وبأمير
المؤمنين(عليه السلام) ، وتنكّر القوم لهما
ولوصية رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) بهما ،
وبوجوب حبّهما واتّباعهما ، وأنهما
وابناءهما المعصومين الثقل الاخر بعد كتاب
اللّه العزيز ، وهما حبلان ممدودان إلى
السماء لن ينقطعا حتى يردا عليه الحوض ، وعلى
ذلك اخذ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
البيعة والعهود منهم ومن عموم المسلمين .

وممّا ورد في ذلك بطرق مختلفة ، ما عن
سويد بن غفلة قال : « لما مرضت فاطمة(عليها
السلام) المرضة التي توفيت فيها ، اجتمع إليها
نساء المهاجرين والانصار يعدنها ، فقلن لها :
كيف اصبحت من علّتك يا ابنة رسول اللّه ؟
فحمدت اللّه وصلّت على أبيها(صلى الله عليه
وآله) ثم قالت : اصبحت واللّه عائفة لدنياكنّ ،
قالية لرجالكنّ ، لفظتهم بعد أن عجمتهم ،
وسئمتهم بعد أن سبرتهم ، فقبحاً لفلول الحد ،
واللعب بعد الجد ، وقرع الصفاة ، وصدع القناة
، وخطل الاراء ، وزلل الاهواء ، وبئس ما قدّمت
لهم أنفسهم أن سخط اللّه عليهم وفي العذاب هم
خالدون ، لا جرم لقد قلدتهم ربقتها ، وحملتهم
أوقتها ، وشننت عليهم غاراتها ، فجدعاً ،
وعقراً ، وبعداً للقوم الظالمين.

ويحهم أنّى زعزعوها عن رواسي الرسالة
، وقواعد النبوة والدلالة ، ومهبط الروح
الامين ، والطبين بأُمور الدنيا والدين . ألا
ذلك هو الخسران المبين .

وما الذي نقموا من أبي الحسن ؟ نقموا
منه واللّه نكير سيفه ، وقلّة مبالاته بحتفه ،
وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمّره فى ذات
اللّه .

وتاللّه لو مالوا عن المحجّة اللائحة
، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة ، لردهم
إليها، وحملهم عليها ، ولسار بهم سيراً سجحاً
لا يكلم حشاشه ، ولا يكلّ سائره ، ولا يملّ
راكبه ، ولاوردهم منهلاً نميراً صافياً
رويّاً تطفح ضفتاه ، ولا يترنّق جانباه ،
ولاصدرهم بطاناً ، ونصح لهم سرّاً وإعلاناً ،
ولم يكن يتحلى من الدنيا بطائل ، ولا يحظى
منها بنائل ، غير ريّ الناهل ، وشبعة الكافل ،
ولَبان لهم الزاهد من الراغب ، والصادق من
الكاذب (ولو أن أهل القرى آمنوا واتّقوا
لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن
كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) ، (والّذين
ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيّئات ما كسبوا وما
هم بمعجزين) أَلا هلمّ فاسمع وما عشت اراك
الدهر عجباً ، وإن تعجب فعجب قولهم ليت شعري
إلى أيّ سناد استندوا ؟! وإلى أي عماد اعتمدوا
؟! وبأية عروة تمسكوا ؟! وعلى أيّة ذرية أقدموا
واحتنكوا ، لبئس المولى ولبئس العشير ، وبئس
للظالمين بدلاً ، استبدلوا واللّه الذنابى
بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فرغماً لمعاطس
قوم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعاً (ألا إنّهم هم
المفسدون ولكن لا يشعرون) ويحهم (أفمن يهدي
إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهِدّي إلاّ
أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون) ! .

أما لعمري لقد لقحت ، فنظرة ريثما تنتج
، ثم احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً ، وذعافاً
مبيداً . هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف
الباطلون ، غبّ ما أسس الاولون ، ثم طيبوا عن
دنياكم أنفاً ، واطمئنوا للفتنة جأشاً ،
وأبشروا بسيف صارم ، وسطوة معتد غاشم ، وبهرج
شامل ، واستبداد من الظالمين ، يدع فيئكم
زهيداً ، وجمعكم حصيداً ، فيا حسرة لكم ! وأنّى
بكم وقد عميت عليكم ؟ (أنلزمكموها وأنتم لها
كارهون) » .

قال سويد بن غفلة « فأعادت النساء
قولها(عليها السلام) على رجالهنّ ، فجاء إليها
قوم من وجوه المهاجرين والانصار معتذرين ،
وقالوا : يا سيدة النساء ، لو كان أبو الحسن
ذكر لنا هذا الامر من قبل أن يبرم العهد ،
ويحكم العقد ، لما عدلنا عنه إلى غيره ، فقالت(عليها
السلام) : إليكم عنّي ، فلا عذر بعد تعذيركم ،
ولا أمر بعد تقصيركم »(29)
.

هـ ـ ولعل من أبلغ ما عبّرت به فاطمة
الزهراء(عليها السلام) في لحاظها لمصلحة
الاسلام العليا ، وحفظ بيضته وسلامته ،
واشهار مسألة غصب الولاية ، والتنكر لعهد
ووصية رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) بها ، هو
وصيتها لعلي(عليه السلام) قبل موتها بأن
يدفنها ليلاً ويخفي قبرها ، ولا يُعلم بذلك
احداً إلاّ خلّص اصحابه ; ليبقى ذلك علامة
صارخة ، وشاهداً بيّناً ، ودليلاً دامغاً
لاجيال المسلمين اللاحقة ، على سخطها وغضبها
من اولئك الذين نكثوا عهدهم مع رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) في غدير خم ، وغصبوا الخلافة
من وصيه علي(عليه السلام) الذي نص عليه في آخر
حجة الوداع ، ومنعوها حقها في إرثها لفدك من
أبيها ، واهدروا كرامتها ولم يحفظوها أمانةً
اوصاهم بها وبحفظ ذمارها ومقامها العظيم ،
الذي طالما أكد عليه الرسول(صلى الله عليه
وآله) في كل موضع ومناسبة .

ومما ورد في ذلك أن فاطمة(عليها السلام)
مرضت مرضاً شديداً ، ومكثت اربعين ليلة في
مرضها إلى أن توفّيت صلوات اللّه عليها ، فلما
نعيت إليها نفسها دعت أُم ايمن واسماء بنت
عميس ، ووجهت خلف علي واحضرته ، فقالت :
« يابن عمّ ، إنه قد نعيت إليّ نفسي ،
وإنني لا أرى مابي إلاّ أنني لاحقة بأبي
الساعة أو بعد ساعة ، وأنا أُوصيك بأشياء في
قلبي » .

قال لها علي(عليه السلام) : « أوصيني
بما أحببت يا بنت رسول اللّه » فجلس عند رأسها
، وأخرج من كان في البيت ، ثم قالت : « يابن عمّ
، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ
عاشرتني » فقال(عليه السلام) : « معاذ اللّه !
أنت أعلم باللّه وأبرّ وأتقى وأكرم ، وأشد
خوفاً من اللّه من أن أُوبخك بمخالفتي . قد عزّ
عليّ مفارقتك ... إلاّ أنّه أمر لابد منه .
واللّه جدّدت عليّ مصيبة رسول اللّه(صلى الله
عليه وآله) ، وقد عظمت وفاتك وفقدك ، فإنا للّه
وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها
وأمضها وأحزنها ! هذه واللّه مصيبة لا عزاء
لها ، ورزية لا خلف لها » .

ثم بكيا جميعاً ساعة ، وأخذ عليّ رأسها
وضمها إلى صدره ، ثم قال : « أوصيني بما
شئت ، فإنك تجديني فيها أمضي كما أمرتني به ،
وأختار أمرك على أمري ...» ثم قالت : «
أوصيك يابن عمّ أن تتخذ لي نعشاً ، فقد رأيت
الملائكة صوّروا صورته » فقال لها : « صفيه لي
» فوصفته فاتخذه لها ، فأول نعش عمل على وجه
الارض ذاك .

ثم قالت : « أوصيك ألاّ يشهد أحد جنازتي
من هؤلاء الذين ظلموني واخذوا حقي ، فإنهم
عدوّي وعدوّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ،
ولا تترك أن يصلّي عليَّ أحد منهم ، ولا من
اتباعهم ، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ،
ونامت الابصار » ثم توفّيت صلوات اللّه عليها
وعلى أبيها وبعلها وبنيها . فصاح أهل المدينة
صيحة واحدة ، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها
، فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من
صراخهن وهن يقلن : « يا سيدتاه ! يا بنت رسول
اللّه ! » وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي(عليه
السلام) ، وهو جالس والحسن والحسين(عليهما
السلام)بين يديه يبكيان ، فبكى الناس
لبكائهما .

وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة ، تجر
ذيلها متجللة برداء عليها وهي تقول : « يا
ابتاه ! يا رسول اللّه ! الان حقاً فقدناك
فقداً لا لقاء بعده ابداً » .

واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون ،
وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلّون عليها ،
وخرج أبو ذر وقال : « انصرفوا ; فإن ابنة رسول
اللّه(صلى الله عليه وآله) قد أُخّر إخراجها
في هذه العشية » فقام الناس وانصرفوا .

فلما أن هدأت العيون ، ومضى شطر من
الليل ، أخرجها علي ، والحسن ، والحسين(عليهم
السلام) ، وعمار ، والمقداد ، وعقيل ، والزبير
، وأبو ذر ، وسلمان ، وبريدة ، ونفر من بني
هاشم وخواصه ، فصلوا عليها ، ودفنوها في جوف
الليل ، وسوّى علي(عليه السلام) حواليها
قبوراً مزوّرة مقدار سبعة ; حتى لا يعرف قبرها(30)
.

فعندما تقلب اجيال المسلمين المتوالية بعدها
صفحات تاريخها ، ستجده مليئاً بالشواهد
القطعية ، والادلة الواضحة على أن الخلافة
التي قامت بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)
هي خلافة الرأي في مقابل نص رسول اللّه(صلى
الله عليه وآله) ، وعهده لعلي(عليه السلام)
بالامامة من بعده . وعليه فقد كان هناك خطان ،
هما خط الخلافة الحاكم الذي بدأ بشورى
السقيفة ، وتحول إلى الوراثة الملكية على عهد
بني أمية ، وخط الامامة لاهل البيت(عليهم
السلام) بنص رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ،
الذي أُبعد عن مقامه الالهي ، وواصل مسيرته في
الامة يحفظ الاسلام فيها من الانحراف ، ويقي
بيضته الخطر ، ويسير بها على اساس من مصلحة
الاسلام العليا .



(1)
فضائل الخمسة 3: 155.

(2)
البحار 43:23، ح17.

(3)
فضائل الخمسة 3: 204.

(4)
فضائل الخمسة 2:131، دخائر العقبى: 31.

(5)
كنز العمال 6 : 152. فضائل الخمسة 2:131.

(6)
فضائل الخمسة 2:131. ذخائر العقبى: 86.

(7)
مستدرك الصحيحين3 : 159.

(8)
كنز العمال 6 : 220.

(9)
البحار 43 : 24 .

(10)
فضائل الخمسة 3:171.

(11)
البحار43:10، ب2 ،ح1.

(12)
ابن عبدالبر، الاستيعاب 4:375.

(13)
الواقدي، المغازي 1:290، 294. تاريخ ابن كثير4:29.
ابن الاثير، الكامل في التاريخ2:159.

(14)
الطبرسي ، الاحتجاج ، 1 : 75 .

(15)
الطبرسي، الاحتجاج 1 : 82 ـ83.

(16)
الطبرسي ، الاحتجاج 1: 86 .

(17)
الاحتجاج 1:90 ـ 92.

(18)
هاشم معروف الحسني، سيرة الائمة الاثني عشر
1:117 ـ 118.

(19)
الطبرسي، الاحتجاج 1: 107 ـ 108.

(20)
هكذا وردت في المصدر، وصوابها «المعزيّ إليه»
أي : المنتسب إليه.

(21)
النمل : 16 .

(22)
مريم : 6 .

(23)
الانفال : 75 .

(24)
النساء: 11.

(25)
البقرة : 180.

(26)
آل عمران : 144 .

(27)
الطبرسي، الاحتجاج1 : 97 ـ 104.

(28)
هاشم معروف الحسني، سيرة الائمة الاثني عشر
1: 123 ـ 127، الطبرسي، الاحتجاج 1: 97 ـ 104.

(29)
الطبرسي، الاحتجاج1 : 108 ـ 109.

(30)
راجع البحار43:191، ب7، ح20 .

/ 1