سؤال وجواب
* الشيخ محمد مهدي الاصفياختلاف رؤى الفقهاء وتأثيره في
الاجتهاد
سؤال: اختلف فقهاء المسلمين في (أدلةالاجتهاد) قديماً. هل يمكنهم أن يعيدوا
اليوم النظر في هذه الادلة ومدى شرعيتها
وقابليتها للوفاء بمتطلبات العصر؟
اعادة النظر في أصول الاستدلال
الفقهي
الجواب: من أفضل ما يمكن أن يقدم عليهفقهاء المسلمين اليوم البحث الاصولي في أدلة
الاجتهاد، دون الانتقاص من قيمة الابحاث
الفرعية في الفقه المقارن، وهذا الذي يطرحه
السؤال من توحيد (أدلة الاجتهاد); وإذا وصل
الفقهاء إلى رأي واحد في أدلة الاجتهاد،
ووحدوا مصادره، وحددوها تحديداً علمياً
دقيقاً، فسوف يحقق ذلك بالتأكيد مكاسب
وإنجازات كبيرة في الفقه، ويؤدي بالضروري إلى
التوحيد في الرأي الفقهي في مساحات واسعة من
الفقه، وبنسبة عالية جداً; فإن الخلاف في
الفروع الفقهية نتيجة طبيعية للخلاف في أصول
الاستدلال والاحتجاج، وأفضل السبل لملء
فجوات الخلاف في الفروع الوصول إلى فهم مشترك
في اصول الاستدلال، أي (توحيد مصادر الاجتهاد
وأدلته).
وهذا بحث علمي دقيق لابد أن يعتمد
اساساً علمياً، ومن دون ذلك لا يمكن الوصول
إلى فهم مشترك لادلة الاجتهاد.
نظرية اعتماد الحجة
والمنهج العلمي الذي يسلكه فقهاءالامامية في هذا الامر هو (اعتماد الحجة)، وهو
القول الفصل في مثل هذه المسألة، فإن الدليل
الذي يعتمده الفقيه إن لم يكن حجة لا يصلح
الاحتجاج به، ولا يصح الاستدلال به.
والحجة هي القطع أو الظن الذي يقطع
بحجيته، وما لم يكن كذلك فليس بحجة، والشك في
حجية الدليل يساوق دائماً القطع بعدم حجيته،
وذلك لان قوام حجية الحجة هو القطع، وإذا
تسرّب الشك إليه سقط الدليل عن الحجية. وليس
من شرط الحجة أن تكون حجيتها ذاتية، وليس مما
يخلّ بحجية الدليل أن تكون بالعرض والواسطة;
فإن (خبر الواحد) حجة، وإن قلنا بأن حجيته غير
ذاتية، فإن من الواضح أن الخبر الذي يرويه
الواحد الثقة لا يوجب القطع بذاته، ولا يحسم
الشك، وهذا لا نقاش فيه، ولكن إذا ثبتت حجيته
بأدلة قطعية من القرآن والسنة المتواترة ـ
فرضاً ـ ، لا يبقى عندئذ في هذا الفرض مجال
للشك في حجيته، ويكون الخبر موجب للظن إلاّ أن
هذا الظن حجة بدليل قطعي.
فلابد للفقيه إذن في مقام استنباط
الحكم الشرعي من الاستناد إلى الحجة، وهي
باصطلاح الاصولي عبارة عن «الادلة الشرعية من
الطرق والامارات التي تقع وسطا لاثبات
متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي، من دون أن يكون
بينها وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من
الوجوه»([1]).
ومن لوازمها العقليةِ المنجّزيةُ
والمعذّريةُ، فيحكم العقل بحسن عقاب العبد
على تقدير مخالفة الحجة، كما يحكم بقبح عقابه
على تقدير موافقة الحجة، أصاب الواقع أم
أخطأه. وهي على قسمين: حجة بالذات، وحجة
بالجعل، والاول هو العلم وحجيته ذاتية من دون
توسط شيء فلا تناله يد التشريع; فإن الحجية
والطريقية حاصلة له بالذات، ولا معنى لجعل ما
هو حاصل له بالذات، بل العلم هو انكشاف
المعلوم ورؤية الواقع المقطوع به، وما كان
كذلك فلا يمكن جعل الطريقية له أو سلبها عنه.
والثاني هو الطرق والامارات المعتبرة
شرعاً، والاصول التنزيلية منها وغير
التنزيلية; وهذه الامور إما أن تكون طريقيتها
وكاشفيتها ناقصتين يتممهما الشارع، وإما
ألاّ تكون له طريقية وكاشفية ولو ناقصة، وذلك
كالاصول غير المحرزة، فنحتاج في مقام
الاحتجاج بها والاعتماد عليها إلى دليل من
الشرع أو العقل باعتبارها وإسنادها; وذلك
بجعل الطريقية لها وتتميم كشفها، فيما إذا
كانت لها حجة كشف وطريقة ناقصة، كما في
الامارات، أو اعتبارها وإسنادها بسند قطعي من
الشرع والعقل، كما في الاصول العقلية
والشرعية.
ومجمل القول أن طريقية الحجة الذاتية
نابعة من ذاتها، دون الحجة المجعولة التي
تحتاج في حجيتها إلى سند قطعي من شرع أو عقل;
لان طريقية كل شيء لابد أن تنتهي إلى العلم،
وطريقية العلم لابد أن تكون ذاتية; فإن كل ما
بالغير ينتهي إلى ما بالذات وإلا لزم التسلسل.
فما يتصف من هذه الادلة بالحجية
الذاتية أو المجعولة يؤخذ به، وما لا يتصف
بهما فلا يؤخذ به، بل إن الشك في حجيته كاف
للقطع بعدمها، كما ذكرنا.
فالكتاب حجة شرعية، وكذلك السنة بعد
الوثوق من صدورها، وأما الدليل العقلي فهو
حجة بذاته إذا كان قطعياً فيما إذا توفرت فيه
الشروط التي يذكرها الاصوليون في المقام. وقد
استفاضت آيات من القرآن الكريم في مقام
الاعتماد على مقتضى العقول وحجيته. قال
سبحانه: (إنّ في ذلك لاَيات لقوم يَعقِلونَ)([2])،
وقال: (لاَيات لاولي الالباب)([3])،
وقال: (لاَيات لقوم يتفكّرونَ)([4])،
وذم قوماً لم يعملوا بمقتضى عقولهم فقال عزّ
ذكره: (أفَلا يَعقلونَ)([5]).
وما عدا ذلك فما ثبتت حجيته بدليل قطعي
من شرع أو عقل أُخذ به، وما لم تثبت حجيته ولم
يقم على اعتباره دليل لم يؤخذ بالاعتبار في
الاستنباط. قال تعالى: (ولا تَقفُ ما ليسَ لكَ
بهِ علمٌ)([6])،
وقال: (إنّ الظّنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً)([7])،
وقال: (أاللّهُ أذِنَ لكمْ أمْ على اللّهِ
تَفتَرونَ)([8]).
ولما كان اتباع الرأي اتباعاً لغير
العلم لم يأذن به الله، ولم يكن ليغني عن
الحق، فلا يمكن الاعتماد عليه والاخذ به في
مجال الحكم والاجتهاد كما تأخذ به مدرسة
الرأي.
وفي ظننا أن هذا المنهج (اعتماد الحجة)
منهج علمي يمكن أن تتوصل به المذاهب الفقهية
الاسلامية إلى رأي واحد أو آراء متقاربة في
فهم أدلة الاجتهاد وتحديدها; فلابد أولاً من
تحديد علمي للحجة، وثانياً من تحديد للحجة
الذاتية، وثالثاً من تشخيص الحجج التي ثبتت
حجيتها بالعرض، بأدلة قطعية استناداً إلى
الحجة الذاتية ولو بوسائط متعددة.
نظرية الملازمة بين الحكمين العقلي
والشرعي
إن أكثر المفردات التي يمكن أن يقعالحوار حول حجيتها من الادلة هو (العقل) الذي
يعتمده الفقه الامامي الاصولي مصدراً
للاجتهاد، و (سنة أهل البيت(عليهم السلام)).
واُلخص الكلام في كل منهما محيلاً الطالبين
للمزيد إلى الدراسات الموسعة في هذا الشأن.
أما حجية العقل فلا أتصور أن يخالف أحد
فيها إذا حددنا المقصود بالعقل تحديداً
دقيقاً، فنحن نقصد بالعقل الاحكام القطعية
التي يحكم بها (العقل) حكماً باتاً، مثل حسن
الامانة وقبح الخيانة; وليس للعقل أكثر من
ذلك، وليس من شأنه التشريع، ولا الحكم
بالحلال والحرام; فإن ذلك من شأن الله تعالى
فقط.
وإذا تم للعقل هذا الحكم العملي في
الامانة والخيانة، فإن العقل النظري يحكم
بالملازمة القطعية بين حكم العقل وحكم الشرع،
فليس من الممكن أن يحكم العقل حكماً قاطعاً
بحسن شيء ولا يحكم الشارع به، أو أن يحكم
العقل بقبح شيء ولا يحظره الشارع، وهو سيد
العقلاء وواهب العقل. اللهم إلا أن نشك في
المقدمة الاولى وهي (الحكم بقبح شيء أو حسنه
عند العقل); كما إذا احتملنا أن عروض بعض
العوامل الخافية علينا يمكن أن يحول الامانة
إلى القبح، والخيانة إلى الحسن، وهو أمر ممكن
ولا نناقش فيه. أما إذا فرضنا قطعية المقدمة
الاولى كما في (حسن العدل) و (قبح الظلم) فلا
يمكن أن نحتمل أن الشارع لا يحكم طبق حكم
العقل بالوجوب أو الحظر. والتعبير قد يفيد ما
لا نقصد، فلسنا نقصد من هذه الملازمة أن حكم
الشرع تبع لحكم العقل، وإنما القصد هو أن
العقل النظري يكتشف بطريقة الملازمة حكم
الشرع.
وقد جعل الله تعالى لنا سبلاً لاكتشاف
أحكامه، ومنها العقل، وليس دور العقل إلا
الكشف عن الحكم الشرعي، وليس هو مشرعاً، ولا
الحكم الشرعي تابع للحكم العقلي.
هذا إجمال شديد الاختصار لحجية العقل،
ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة الدراسات
المفصلة لهذه المسألة.
ومهما شككنا في شيء لا نشك في صدق حديث
أهل البيت(عليهم السلام)، بدليل آية التطهير،
وليس في المسلمين اليوم من يختلف عنا في هذا
الرأي; ولسنا نشك أن سنة أهل البيت(عليهم
السلام) هي سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله)
بكل تفاصيلها ودقائقها، وليس لهم من حديث غير
حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا
يحكمون بغير حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله)،
ودليلنا على ذلك الروايات المتضافرة عنهم(عليهم
السلام) في أن حديثهم حديث رسول الله(صلى الله
عليه وآله)، وليس عن رأي واجتهاد.
إن مسألة الطريق إلى أحاديث أهل البيت(عليهم
السلام) مسألة علمية تابعة لقواعد التوثيق في
علمي الدراية والرجال، ولا يختلف المسلمون في
هذه القواعد اختلافاً كبيراً. وهذه خلاصة
مختصرة عن حجية سنة أهل بيت رسول الله صلى
الله عليهم أجمعين.
وإذا اتفقنا على حجية العقل، وحجية
سنة أهل البيت(عليهم السلام) فإن أدلة
الاجتهاد الاربعة (الكتاب، والسنة بمعناها
الواسع، والعقل، والاجماع) تكون منطلقاً
جيداً لتوحيد الرأي الفقهي، والوصول إلى آراء
فقهية موحدة; ونحن نرجو أن يسعى فقهاء
المسلمين اليوم إلى دراسات علمية موضوعية في
أدلة الاجتهاد; للوصول إلى رأي مشترك في هذه
المسألة الهامة.
سؤال: هل يمكن أن يتخصص كل فقيه من
الفقهاء في قسم فقهي خاص، وأن يقلد الناس
هؤلاء كلاً حسب اختصاصه؟ كما نقل الشيخ
المطهري عن الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي
مثل هذا الرأي؟
بكور في الرأي وتأخر في التنفيذ
الجواب: رحم الله الشيخ عبد الكريمالحائري، فقد انتهى في وقت مبكّر إلى رأي محدد
وواضح في توزيع أبواب الفقه على أشخاص
متعددين، ليتخصص كل منهم بواحد من تلك
الابواب لهذا العلم الشريف، وهو رأي متطور
ومبكر قطعاً بالنسبة إلى عصر الشيخ الحائري،
والعقلية الفقهية في ذلك الوقت.
ولا أشك أننا سوف نضطر إلى هذا التخصص
في حقول الفقه إن اليوم أو غداً، وليس من ذلك
بد; فقد بلغ الفقه في القرنين الاخيرين حداً
من النمو والتكامل لا يمكن فيه الاحتفاظ
بالصيغة التقليدية للاجتهاد والتقليد للشخص
الواحد في جميع أبواب الفقه; ولابد من التخصص
في كل باب من أبواب هذا العلم، كما يعرف الناس
التخصص في سائر فروع المعرفة الانسانية; وليس
هو بدعاً من فروع الثقافة والعلم المختلفة.
تطور الدراسات الفقهية في البعدين
العمودي والافقي
لقد دخل على الفقه تطور كبير منذ عصرالوحيد البهبهاني وصاحب الجواهر والشيخ
الانصاري، وتابع تلامذة مدرسة هؤلاء الاعلام
الثلاثة تطوير الابحاث الفقهية والاصولية
تطويراً قوياً ومتيناً، وأحكموا أصول
الاستنباط والاجتهاد إلى حد كبير; غير أن هذا
التطور كان يجري غالباً في البعد العمودي من
هذا العلم الشريف، مما أدى إلى إحكام قواعد
وأصول الاستنباط وتمتينها بما لم يسبق له
مثيل في مدرسة أهل البيت الفقهية، وفي سائر
المدارس الاخرى.
وتعتبر الخبرة الفقهية التي اكتسبها
فقهاء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) خلال
هذين القرنين رصيداً ضخماً لاجيال الفقهاء
القادمين; إلا أن هذا العلم كان يعاني من نقص
ملحوظ في بعده الافقي، فلا زال المنهج الفقهي
عندنا هو منهج المحقق الحلي(رحمه الله) في
الشرائع، والفروع والابواب هي نفسها التي
طرحها في شرائعه، وتناولها شرّاحه بالبحث
والاستدلال.
وخلال هذه الفترة حدثت مستجدات كثيرة
في حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
والتجارية والقضائية والادارية وغيرها، وهذه
المستجدات تتطلب الحضور الفقهي، وقد توسعت
دائرتها بعد قيام الدولة الاسلامية بقيادة
الامام(رحمه الله) في إيران، فبدأ الفقهاء
فعلاً عملهم في البعد الافقي للفقه; إلاّ أن
هذا التطور الجديد لا يزال في بداياته، ولم
يرق إلى مستوى التطور الاول في البعد العمودي
للعمق في تعميق مبادئ الاستنباط.
ضرورة التخصص في أبواب الفقه
إن كلا هذين التطورين يحوجان الفقهإلى توزيع أبوابه وحقوله على متخصصين كل في
جانب، وليس من الممكن أن يتولى الاجتهاد
والاستنباط فقيه واحد في كل جوانب الفقه من
البداية إلى النهاية.
إن الفقه يرافق الانسان من حين ولادته
إلى الوفاة، بل من قبل الولادة إلى ما بعد
الوفاة ويستوعب كل حركة الانسان وعلاقاته;
واعتبار الفقه ـ بهذه السعة ـ اختصاصاً
واحداً يتولاه فقيه واحد بخس لحق الفقه،
وتحجيم له; ذلك دون أن ننتقص من الجهود
العظيمة التي يبذلها الفقهاء في استنباط
الحكم الفقهي في كل ابواب الفقه من الطهارة
إلى الديات، فهو بلا شك جهد علمي كبير يستحق
كل تعظيم وإكبار، ولكن هذا الجهد مهما بلغت
قيمته العلمية لا يغني عن التخصص. ونحن نشير
هنا إلى مجموعة من المسائل في هذا المجال.
الاجتهاد العام والاجتهاد التخصصي
إن الدراسات الفقهية يجب أن تنظم ضمنمرحلتين:
المرحلة الاولى يكتسب الفقيه فيها
القدرة على الاستنباط الشامل في كل جوانب
الفقه، وهو ما يصطلح عليه عادة بالاجتهاد
العام غير المتجزئ، وهذه الكفاءة العلمية
تمكن الفقيه من أن يعطي رأياً فقهياً في كل
مسائل الفقه بدون استثناء حسب المنهجة
الفقهية الموروثة من زمن المحقق الحلي(رحمه
الله)، والمعمول بها حالياً.
والمرحلة الثانية يتخصص فيها الفقيه
في باب من أبواب الفقه، كالحج، أو الصلاة، أو
الشركة، أو القضاء، أو غيرها من أبواب
العبادات والمعاملات.
إعادة النظر في تبويب الفقه ومنهجته
ومن المسائل المتعلقة بالتخصص أنتوزيع أبواب الفقه بهيئة تخصصات متعددة يتوقف
على إعادة النظر في تبويب الفقه ومنهجته; وليس
من شك في أن منهجة المحقق الحلي(رحمه الله)
قوية ومنظمة، ولكن لعصره، ولو كان الان يعيش
بيننا لما ارتضى هذا الاسلوب في تبويب الفقه.
والمنهجة تتأثر كثيراً بالمسائل الفقهية
التي يحتاجها الناس في كل عصر، كما أن الابواب
والكتب الفقهية ليست تعبدية، وإنما تتبع حاجة
الانسان في عصره، فإن مسائل من مثل العملة
والاجراءات المصرفية والتأمين والعمليات
التجارية المعقدة اليوم لم تكن موجودة في
العصور السابقة، وبالضرورة لم يكن مكان في
تبويب الفقه آنذاك.
ولا يختص الامر بالزمان واختلاف
ابتلاءات الناس في العصور المختلفة، بل إننا
نجد في العصر الواحد مناهج متعددة في التبويب
الفقهي، كما نجد عناوين لابواب وكتب في الفقه
في بعض المناهج ونفتقدها في مناهج أخرى،
فمثلاً نرى أن (كتاب الاموال) وكتاب (الاحكام
السلطانية) وكتب (الحسبة) كتب فقهية كانت
معروفة، أما الان فليس لها في المنهج الفقهي
المألوف عندنا ذكر إلاّ بالعرض، إلا ما كتبه
بعض الفقهاء المتأخرين من قبيل الشيخ النراقي
والامام الخميني ومن تأخر عنهما.
وقد كتب في هذه الجوانب فقهاء
معروفون، من قبيل أبي عبيدة في الاموال، وابن
تيمية في الحسبة، والماوردي، وابو يعلى
الحنبلي في الاحكام السلطانية، وغيرهم.
كما يوجد في بعض المصادر الروائية
كتاب خاص بـ (الامارة).
إذن لم تكن مسألة التبويب وتسمية
الكتب والابواب الفقهية مسألة تعبدية، وإنما
تخضع لظروف الفقه; ولكي ندخل في حقول التخصصات
المختلفة نحتاج إلى إعادة النظر في المنهجة
الفقهية المألوفة، كما نحتاج حقيقة إلى
استحداث أبواب وعناوين جديدة في الفقه.
ولا شك أن وجود منهجية واقعية للفقه في
عصرنا يساعد كثيراً على تنظيم التخصصات
تنظيماً مناسباً; فمثلاً تتوزع (الاحوال
الشخصية) حسب المنهجة الفقهية المألوفة على
ثلاثة أبواب: المعاملات (النكاح)، والايقاعات
(الطلاق)، والاحكام (الارث)، وليس لمسألة
النفقة موضع محدد إلا بالعرض; في حين تقتضي
المنهجة الصحيحة جمع الاحوال الشخصية كلها في
باب واحد، وإدخالها تحت تخصص واحد، أو تخصصات
متقاربة.
ولابد من استحداث كتب وأبواب فقهية
جديدة حسب الحاجة، وضمها إلى المنهج الفقهي
الجديد، وإدخالها في حقل الاختصاصات الفقهية.
رسائل فقهية لمرحلة التخصص
ونقترح في هذا المجال أن يطلب من كلفقيه يدخل مرحلة التخصص الفقهي أن يكتب
كتاباً في مجال تخصصه; مثل العناوين التالية:
العملة، العمليات المصرفية، التأمين، مسائل
القضاء، النفقة، الشورى، الحسبة، الاراضي،
الولاية والامارة، العلاقات الدولية،
السجون، فقه المواطنة وأقسام الوطن، وامثال
ذلك.
الاسباب الداعية إلى التخصص
وقد يثار سؤال عن فائدة التخصص بعدافتراض ضرورة الاجتهاد العام قبل مرحلة
التخصص.
وفي جواب هذا السؤال أقول: إن مرحلة
التخصص تمكّن الفقيه من التفرغ أكثر لاستيعاب
المسألة الفقهية الداخلة في حد اختصاصه،
وتمكنه أيضاً من ممارسة أكثر للادلة المتعلقة
باختصاصه، ومن ثم تزداد كفاءة الفقيه العلمية
في استخدام الادلة في الحقل المختص به; فليس
من شك في أن طبيعة المنهج الاستدلالي في فروع
العلم الاجمالي المعروفة في أبواب الخلل في
الصلاة، تختلف عن المنهج الاستدلالي في
المعاملات، وطبيعة المنهج الاستدلالي في
المعاملات تختلف عنها في كتاب الامر بالمعروف
والجهاد مثلاً.
ولكي تزداد كفاءة الفقيه العلمية،
وخبرته الفقهية لابد له أن يسلك طريق
الاختصاص في البحث الفقهي، ويختص بباب أو
كتاب أو حقل خاص في الفقه، بعد أن تتوفر لديه
القابلية العامة للاجتهاد; بالاضافة إلى أن
طائفة واسعة من المسائل الفقهية تحتاج إلى
خبرات غير فقهية زائدة على الخبرة في هذا
المجال، ولا تتيسر الخبرة من النوع الاول
للفقيه العام، وذلك مثل مسائل العملة
والمصارف والشركات ومسائل القضاء المعقدة في
المحاكم الحديثة، وكذلك مسائل العلاقات
والمعاهدات الدولية الحديثة.
ومهما يكن من أمر فإن مسألة التخصص في
الاجتهاد والتقليد ضرورية ولابد منها; ولئن
كان الشيخ عبد الكريم الحائري(رحمه الله) قد
طرح هذه القضية على صعيد الاقتراح طرحاً
مبكراً، فإن الفقهاء المعاصرين تأخروا في
تنفيذ هذه النظرية وتحقيقها كثيراً; ولابد من
دراسة واسعة لهذه المسألة والاهتمام بها
بالمقدار اللازم والكافي.
سؤال: ولاية الفقيه المعروفة في الفقه
الشيعي هل هناك ما يناظرها في الفقه السني؟
وما هي حدود صلاحيات الفقيه السني؟
لولاية الفقيه عندنا ما يماثلها في
الفقه السني
الجواب: وفيه نشير إلى نقطتين:الاولى: رأي فقهاء المذاهب الاسلامية
السنية في اشتراط الفقاهة في ولي الامر.
الثانية: رأي هؤلاء في انعقاد البيعة
انعقاداً فعلياً ناجزاً لمن يتصدى للولاية،
إذا تمت له البيعة من ناحية شريحة مناسبة من
الامة يُعتد بها عادة في أمثال هذه المسائل.
أما فيما يتعلق بالنقطة الاولى فإن
فقهاء الشيعة يذهبون إلى ولاية الفقيه
المتصدي على مسلكين، فمن قائل بتخصيص الولاية
بخصوص الفقيه، وقائل بأن الفقاهة هو المقدار
المتيقن من شرعية الولاية.
وقد وردت طائفة من النصوص في اشتراط
الاجتهاد والفقاهة في ولي الامر; وفيما يلي
نذكر جملة من هذه النصوص:
روى حسن بن شعبة عن السبط الشهيد
الحسين(عليه السلام) قوله: «مجاري الامور
والاحكام على أيدي العلماء بالله الامناء على
حلاله وحرامه»([9]).
وعن الفضيل بن يسار قال: «سمعت أبا عبد
الله(عليه السلام) يقول: من خرج يدعو الناس
وفيهم من هو أعلم منه فهو ضال مبتدع»([10]).
وروى البرقي عن رسول الله(صلى الله
عليه وآله) أنه قال: «من أَمّ قوماً وفيهم أعلم
منه أو أفقه منه لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم
القيامة»([11]).
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «أيها
الناس، إن أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه،
وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب استعتب،
فإن أبى قوتل»([12]).
ومن طرق السنة روى البيهقي عن ابن عباس
عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «من
استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم
أولى بذلك منه، وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه
فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين»([13]).
ويذهب إلى اشتراط الفقاهة والاجتهاد
في ولي الامر جمهور فقهاء أهل السنة; فمن
المتكلمين يقول السيد شريف الجرجاني في شرحه
على المواقف للقاضي عضد الدين الايجي: «الجمهور
على أن أهل الامامة ومستحقها من هو مجتهد في
الاصول والفروع، ليقوم بأمر الدين متمكناً من
إقامة الحجج، وحل الشبه في العقائد الدينية،
مستقلاً بالفتوى في النوازل وأحكام الوقائع
نصاً واستنباطاً; لان أهم مقاصد الامة حفظ
العقائد وفصل الحكومات ورفع المخاصمات، ولن
يتم ذلك بدون هذا الشرط»([14]).
ومن الفقهاء يقول الامام الشافعي في
شروط الامامة: «والعلم بحيث يصلح أن يكون
مفتياً من أهل الاجتهاد»([15]).
وذهب الكمال بن الهمام من علماء
الاحناف إلى اشتراط العلم في الامامة، ولم
يقيد العلم بخصوص الفقاهة. ويظهر أنه يقصد
بالعلم ما يمكّن الامام من ممارسة دوره في
الامامة; ولكنه أضاف هذا التخصيص فيما بعد
فقال: «وزاد كثير الاجتهاد في الاصول والفروع»([16]).
ويقول القلقشندي في شروط الامامة: «العلم
المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والاحكام،
فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك»([17]).
ويقول النووي في شروطها أيضاً: «وهي
كونه مكلفاً مسلماً عدلاً حراً ذكراً عالماً
مجتهداً»([18]).
ويذهب جمع من الفقهاء إلى أن اشتراط
الفقاهة في الامامة مما أجمع عليه الفقهاء،
ومن هؤلاء شمس الدين الرميلي فيقول: «إن هذا
الشرط لابد منه في الامامة كالقاضي ... بل حكي
فيه الاجماع»([19]).
ويدّعي الاجماع كذلك صاحب البحر
الزخّار فيقول: «يجب كونه مجتهداً إجماعاً،
ليتمكن من إجراء الشريعة على قوانينها».
وأما النقطة الثانية من البحث فيذهب
عامة فقهاء السنة وجمهور متكلميهم إلى أن
الامامة والولاية تنعقد للفقيه المتصدي
انعقاداً فعلياً وناجزاً ببيعة جمع من أهل
الحل والعقد يمثلون عادةً إرادة مساحة واسعة
من الامة، أو ببيعة مباشرة من شريحة كبيرة من
الامة بكيفية وكمية يُعقد بهما عادةً في
أمثال هذه المسائل التي يربطها الشارع بإرادة
الجمهور، إذا كان الفقيه يستجمع الشروط التي
يطلبها الشارع في الامام.
وفيما يلي نذكر كلمات بعض هؤلاء
الاعلام:
يقول أبو الحسن علي بن محمد الماوردي (ت
450): «فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار
تصفحوا أحوال أهل الامامة الموجودة فيهم
شروطها، فقدموا للبيعة منهم اكثرهم فضلاً،
وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته،
ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعين لهم من بين
الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره
عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها
وانعقدت ببيعتهم له الامامة، فلزم كافة الامة
الدخول في بيعته والانقياد لطاعته»([20]).
ويقول القاضي عبد الجبار (ت 415): «وإن
أقام بعض أهل الحل والعقد إماماً سقط وجوب
تنصيب الامام على الباقين، وصار من أقاموه
إماماً، ويلزمهم إظهار ذلك بالمكاتبة
والمراسلة لئلا يتشاغل غيرهم بإمام غيره، وقد
وقعت الكفاية، ولئلا يؤدي ذلك إلى الفتنة;
فعدم مبايعة سائر أفراد الامة لا يؤثر في
انعقاد الامامة; لان العقد تم بمجرد مبايعة
أهل الحل والعقد، ولا يكون العقد صحيحاً إذا
لم يبايع الامام أهل الحل والعقد»([21]).
وقال أبو عبد الله القرطبي ( 671): «الطريق
الثالث لاثبات الامامة إجماع أهل الحل
والعقد، وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار
المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا
استخلف، فأقام أهل ذلك المصر الذي هو
حَضْرَةُ الامام وموضعه إماماً لانفسهم
اجتمعوا عليه ورضوه، فإن كل من خلفهم من
المسلمين في الافاق يلزمهم الدخول في طاعة
ذلك الامام إذا لم يكن الامام معلناً بالفسق
والفساد; لانها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها،
ولا يسع أحداً التخلف عنها; لما في إقامة
إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين. قال
رسول الله(صلى الله عليه وآله): ثلاث لا يغل
عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، ولزوم
الجماعة، ومناصحة ولاة الامر; فإن دعوة
المسلمين من ورائهم محيطة»([22]).
ويقول ابن تيمية (ت 728): «الامامة عندهم
(أهل السنة) تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها،
ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة
الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الامامة، فإن
المقصود من الامامة إنما يحصل بالقدرة
والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة
والسلطان صار إماماً; ولهذا قال أئمة السنة:
من صار له قدرة وسلطان فهو من أولي الامر
الذين أمر الله بطاعتهم ما لم يأمروا بمعصية
الله، فالامامة ملك وسلطان، والملك لا يصير
ملكاً بموافقة واحد واثنين ولا أربعة، إلا أن
تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث
يصير ملكاً بذلك»([23]).
سؤال: كيف تقوّمون حركة الفقه
الاسلامي اليوم ومدى قدرته على استيعاب مثل
المشكلة الاقتصادية والمشكلة الاجتماعية
بتحدياتها المعاصرة أو مشكلات البيئة؟
الفقه والمعاصرة
الجواب: أعتقد إن الفقه يتقدم تقدماًمستمراً باتجاه المسائل الاساسية والمحورية
في الحياة العصرية، مثل مسائل التأمين
والمصارف والعملة والفضاء والجو والجراحة
الحديثة، وما يتعلق بالصيدلة وشؤون الدولة
والثورات والحركات والسياسة والادارة
والقضايا الدولية، ومسائل البحار والبيئة
حتى القضايا الفقهية المتعلقة بالرياضة، وما
يشبه ذلك ويتصل به من شؤون الانسان الحديثة
المختلفة.
عدم تكافؤ البعدين العمودي والافقي
للفقه المعاصر
إن الدراسات الفقهية الحديثة وإن لمتزل تقطع شوطها الاول من هذا الطريق، وما زال
البعد العمودي فيها هو أبرز من البعد الافقي،
فإن حركة تلك الدراسات تسير في الاتجاه
الصحيح. ونرجو أن يكون قريباً الوقت الذي
تقترن فيه الاصالة والدقة والعمق التي تميزت
بها مدرسة الشيخ محمد حسن في جواهر الكلام،
والشيخ الانصاري في المكاسب والرسائل،
بالسعة والشمولية اللتين اتسمت بهما حياة
الانسان المعاصر وحاجاته وقضاياه.
وأعتقد أن الثورة الاسلامية في إيران
التي قادها فقيه معاصر من كبار فقهاء مدرسة
أهل البيت(عليهم السلام)، هي من أهم أسباب هذا
التحول في الفقه، وتعتبر هذه الثورة حداً
فاصلاً بين مرحلتين من عمر الفقه، وهما مرحلة
(فقه الابتلاء)، ومرحلة (الفقه الحاكم)، وكل
منهما فقه يعتمد الكتاب والسنة والاجماع
والعقل، غير أن الفقه الاول هو فقه لظروف
الانسان المسلم المعاصر (المنفعل) تجاه
الاوضاع الحاكمة في عصره; أما الفقه الحاكم
فهو (فقه فاعل) غير منفعل بالظروف الحضارية
والمدنية التي يعيشها المسلم المعاصر، وبين
الفقهين فرق; فالنظام المصرفي العالمي الحديث
يفرض نفسه مثلاً على أسواقنا وأعمالنا
المالية، وأسواقنا المالية محكومة شئنا أم
أبينا لشبكة النظام المصرفي الحديث، وما
يستتبع هذا النظام من قوانين وأحكام ليست
نابعة من فقهنا، والمسلم المعاصر الذي يعمل
في السوق سوف يواجه، على كل حال، هذا النظام،
ويجد نفسه مضطراً للتحرك ضمن دائرته; ومن دون
ذلك لا يستطيع أن يتحرك، فهو (مبتلىً) بالحركة
ضمن دائرة نظام لا يتفق مع الفقه الذي يؤمن
به، ويعمل بأحكامه، وهو ابتلاء غريب; فلا هو
يتمكن أن يتجاوز واقع السوق الذي يتحرك فيه،
ولا هو يتمكن أن يتجاوز حدود الله تعالى
وأحكامه التي لا تنسجم مع هذا الواقع.
التخريج الفقهي
وبحكم كونه مسلماً ملتزماً بأحكامالله تعالى وحدوده، يطلب من الفقه علاج هذا
الوضع الشاذ والغريب الذي يتعامل معه، ولابد
للفقه أن يجد له حلاً، وأن يأخذ مشكلته، بكل
أبعادها، بنظر الاعتبار، فيبحث له عن مخرج من
هذه المشكلة.
هذا هو (فقه الابتلاء)، وما تقتضيه
مرحلته من (التخريج الفقهي) الذي يلجأ إليه
الفقيه لحل مشكلة المسلم المعاصرة في ظل
الظروف الحضارية والمدنية الضاغطة عيه.
أما (الفقه الحاكم) فيعمل لتغيير
النظام المصرفي وتسييره في اتجاه الفقه،
وإقامته على الخط الفقهي من منطلق فقهي
بالاصالة الفقهية. وبتعبير آخر: إن الفقه
الحاكم يواجه وضعاً شاذاً من الناحية الفقهية
فيعمل لتغييره وتعديله ووضعه في اتجاه الفقه،
في حين أن مهمة فقه الابتلاء هي إيجاد مخرج
شرعي للمكلف يحفظه من الخروج عن حدود هذه
الشريعة، ويأخذ بنظر الاعتبار من ناحية
مشكلته القائمة ضمن وضع غير شرعي وخارج عن
دائرة الفقه.
ولكي أقرب هذا المفهوم أكثر أذكر
مثلاً آخر على ذلك، وهو أن التحاكم إلى القضاء
في الانظمة غير الشرعية محرم بالتأكيد، فلا
يجوز التحاكم إلى الطاغوت. يقول تعالى: (ألمْ
تَرَ إلى الّذينَ يزعُمونَ أنّهم آمَنوا بما
أُنزِلَ إليكَ وما أُنزِلَ مِن قبلكَ يُريدون
أن يتحاكموا إلى الطّاغوتِ وقَد أُمِروا أنْ
يَكفُروا بهِ ويُريد الشّيطان أنْ يُضلَّهم
ضَلالاً بَعيداً)([24])،
ولكن المسلم المعاصر الذي يعيش في ظلال
الانظمة المعاصرة اللافقهية في المجتمعات
الحديثة، يتفق له، بطبيعة الحال، أن يتعرض
للظلم في الخلافات الشخصية التي تحدث في
السوق وغيره; والقضاء الشرعي لا يتمكن في تلك
الانظمة أن ينتزع حق المظلوم من الظالم، فإذا
التزم المسلم المعاصر في مثل هذه المجتمعات
بالامتناع عن مراجعة المحاكم غير الشرعية
فسوف يتحمل اضراراً كبيرة فيما يحدث بينه
وبين الاخرين من خلاف; فلا هو يستطيع أن يخرج
عن دائرة نفوذ القضاء غير الشرعي، ولا هو يريد
أن يتجاوز حدود الله تعالى، ولابد للفقيه أن
يجد لمشكلته علاجاً و(تخريجاً) فقهيين.
إن فقهاءنا المعاصرين يتمسكون بقاعدة
(لا ضرر) في رفع حرمة التحاكم إلى القضاء غير
الشرعي، أما عمل الفقه الحاكم بعد الثورة
الاسلامية، وإقامة الدولة الاسلامية فإنه
على طريقة أخرى، ومنهج يختلف عن المنهج
السابق; فقد سعى الفقه الحاكم بعد الثورة
الاسلامية إلى إقامة (قضاء شرعي) على أنقاض (القضاء
اللاشرعي)، ولم يسعَ إلى تصحيح ذلك القضاء
ومراجعته بمقدار الضرورة والضرر، وبين
الامرين فرق.
إن الثورة الاسلامية المباركة التي قادها
الامام الخميني(رحمه الله)، وهو من كبار فقهاء
المسلمين المعاصرين، قد فتحت الباب بمصراعيه
على الفقه الحاكم، الذي هو المسؤول عن طرح
كثير من المسائل العصرية التي هي موضع حاجة
النظام الاسلامي المعاصر، وليس فقط موضع حاجة
الفرد المسلم المعاصر. ونحن نأمل أن يهتم
الفقهاء اليوم بعد قيام الدولة الاسلامية،
ودخول الاسلام ساحة الصراع الدولية، ومواجهة
الفرد المسلم، والمجتمع الاسلامي للتحديات
الحضارية الحديثة، نأمل أن يهتموا وينهضوا
بدراسات فقهية واسعة في أفق مفتوح، وبنفس
العمق والدقة المعهودة في فقهنا المعاصر;
وثقل هذه المسؤولية يقع بطبيعة الحال على
عاتق المفكرين والباحثين الشباب في حقول
الفقه والاصول والقواعد الفقهية.
([1])
الكاظمي، فؤائد الاصول 3: 4.
([2])
الرعد: 4، والنحل: 12، والروم: 24.
([3])
آل عمران: 190.
([4])
الرعد: 3.
([5])
آل عمران: 65، والانعام: 32، والاعراف: 169،
وآيات أخر.
([6])
الاسراء: 36.
([7]) يونس: 36، والحجرات: 28.
([8])
يونس: 59.
([9])
تحف العقول: 237.
([10])
وسائل الشيعة 18: 564.
([11])
المحاسن 1: 93.
([12])
نهج البلاغة، الخطبة 173.
([13])
سنن البيهقي 10: 118.
([14])
شرح المواقف 8: 349، مطبعة السعادة 1907.
([15])
الفقه الاكبر: 39، المطبعة الادبية.
([16])
المسامرة في شرح المسايرة 162 ـ 168، مطبعة
السعادة 1347.
([17])
مآثر الانافة في معالم الخلافة 1: 37.
([18])
روض الطالبين، بنقل د. رأفت عثمان في رئاسة
الدولة: 125.
([19])
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 7: 389.
([20])
الاحكام السلطانية: 7 ط . مصطفى البابي 1386.
([21])
المغني في ابواب التوحيد والعدل املاء
القاضي عبد الجبار بن احمد / الجزء المتمم
العشرين / القسم الاول في الامامة: 303 ط . 1966م.
([22])
الجامع لاحكام القرآن 1: 168 ـ 169، الطبعة
الثالثة.
([23])
منهاج السنة النبوية 1: 141، ط . 1321.
([24])
النساء: 60.