كتاب العمر و الشيب نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

كتاب العمر و الشيب - نسخه متنی

عبدالله بن محمد ابن ابی دنیا؛ محقق: نجم عبد الرحمن خلف

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

 كتاب العمر والشيب


ابن أبي الدنيا
الوفاة: ٢٨١
المجموعة: مصادر الحديث السنية ـ القسم العام
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونصلي ونسلم على نبينا وقدوتنا
محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الصالحين
المصلحين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
1 - فالمسلم يتقلب في نعم الله ورحماته وبركاته طورا بعد طور وحالة بعد
حالة، فإن تنشأ في طاعة الله وأمضى شبابه في طريقه المستقيم فهو موعود بظل
العرش يوم القيامة، يوم تكون الشمس على رؤوس الخلائق وهم يخوضون في
العرق والكرب والهول. قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - " سبعة يظلهم
الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل
قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل
دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة
فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر خاليا ففاضت عيناه " (1).
وإن عاش، ومد الله في عمره حتى علاه المشيب فإن شيبه نور، وله بكل شيبة
حسنة، ويرفع بها درجة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " الشيب نور
المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة ورفع بها
درجة " (2).
2 - والمؤمن منهي عن تمني الموت، والزيادة في عمره نعمة بالغة لو أحسن
توظيفها في الصالحات من الأعمال.
وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى
(1) أخرجه البخاري في " صحيحه: 1 / 168 " كتاب الصلاة، باب من جلس في المسجد ينتظر
الصلاة.
ومسلم في " صحيحه: 2 / 715 " كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، رقم 91.
(2) أخرجه البيهقي بإسناد حسن. أنظر " الصحيحة " للشيخ ناصر حفظه الله رقم (1243).
9

الله عليه وسلم: " لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا " (1).
وفي حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال قال رسول الله -
صلى الله عليه وآله وسلم -: " إن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله -
عز وجل - الإنابة " (2).
3 - شرف العمر، وقيمة الوقت:
قال الله عز وجل: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون " (3).
وقال تعالى: " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " (4).
ينبغي للمسلم أن يرف شرف الوقت وقيمة الزمن فلا يضيع منه لحظة في غير
طاعة ومعروف، ويحرص على تقديم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن
النية عنده في الصالحات قائمة من غير انقطاع، أخرج البخاري عن ابن عباس أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:
الصحة، والفراغ " (5).
وقال: صلى الله عليه وسلم: " اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك،
وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل
فقرك " (6).
و العجب كل العجب من عموم المسلمين فإنهم يمزقون أنفس الأوقات،
ويضيعون أغلى الساعات، ويبددون لبنات الحياة، ورأس مال العمر في الضياع
(1) أخرجه مسلم في " صحيحه: 4 / 2065 " كتاب الذكر والدعاء، حديث رقم 13.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف: 13 / 245 " والحاكم في " المستدرك: 4 / 240 " وقال: صحيح
وأقره الذهبي.
(3) سورة المؤمنون / 115.
(4) سورة الانشقاق / 6.
(5) " صحيح البخاري " 8 / 109 باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة.
(6) أخرجه أحمد في " الزهد " مرسلا، والنسائي والبيهقي في " شعب الإيمان ". ورواه الحاكم موصولا
وصححه وأقره الذهبي. وذكره الشيخ ناصر في " صحيح الجامع الصغير ".
10

والعبث والفراغ.
إن طال ليلهم فإنهم ينشغلون بحديث لا ينفع يخوضون فيما يضر
بدينهم وأخلاقهم، وإن طال نهارهم يقضونه بالنوم، وهم في ثنايا ذلك بين
العمل والسوق والغفلة السادرة.
والعجب من عاقل يرى الموت ينتزع أهله وأقرانه وجيرانه ثم يظل في غفلته
وانهماكه في لهوه. قال عبد العزيز بن أبي رواد: " من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ
بشئ: الإسلام، والقرآن، والشيب " (1).
4 - أما المسلمون الذين غزا الشيب رأسهم، وكبر سنهم فهم أولى بالاتعاظ
والاعتبار.
قال الحافظ ابن الجوزي: " العجب ممن يقول: أخرج إلى المقابر فأعتبر بأهل
البلى. ولو فطن أنه مقبرة، يغنيه الاعتبار بما فيها عن غيرها، خصوصا من قد أوغل
في السن، فإن شهوته ضعفت، وقواه قلت، والحواس كلت، والنشاط فتر، والشعر
ابيض، فليعتبر بما فقد، وليستغن عن ذكر من فقد، فقد استغنى بما عنده عن
التطلع إلى غيره " (2).
5 - كتاب العمر والشيب:
ولهذا الكتاب - الذي من الله علينا بإخراجه لأول مرة - من آثار العلامة
الحافظ الثقة ابن أبي الدنيا البغدادي (ت 281 ه)، يتجلى فحواه من عنوانه، فإنه
عمل تربوي هادف، أراد من ورائه أن ينبه جيل المسلمين إلى قيمة الوقت، وأهمية
العمر، ليغتنموا الساعات قبل أن تخترمهم المنية ويخسروا صفقة العمر، أو يغزوهم
الشيب ويضعفهم الكبر، فيذهب الشباب بحماسه ونشاطه وفتوته وحيويته،
فيستيقظون وقد خارت القوى، ودبت الأمراض والأوجاع، وقرب الرحيل
فيندمون على التفريط في زمن البذر والغراس.
(1) العمر والشيب (40)
(2) صيد الخاطر (315).
11

وما أحسن قول القائل:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا * ندمت على التفريط في زمن البذر
كما وجه الحافظ شطرا من كتابه إلى الشيوخ الذين لاح الشيب في رؤوسهم،
له بريق يتحدث عن آيات الكبر، واقتراب الاجل، ليستدركوا ما فات، ويتأهبوا
لما هو آت.
وقد حرص المؤلف - رحمه الله - أن يغطي الموضوع من جميع جوانبه
ووفق في ذلك توفيقا طبيا. فجاء الكتاب متكامل الأطراف، يتسم بالتنظيم
والتناسق على عادة المصنف في عموم كتبه يحرص على الجانب التنظيمي
ويقسم موضوعات كتابه إلى أبواب تضم نصوصا تتوافق وتتطابق مع العنوان
المبوب به.
وجاءت مادة كتابه كالتالي:
1 - أحكام الخضاب وسنية تغيير الشيب، والنهي عن تغييره بالسواد 1 - 13.
2 - إكرام ذي الشيبة (14 - 15)، وحسن الأدب معهم وإعانتهم.
3 - سرعة فناء العمر وذهابه 16 - 25.
(4) عبرة الكبر والاتعاظ به 26، 40، 41، 42.
5 - حياة المسلم خير له من موته 27 - 35. ولا يجوز للمسلم أن يتمنى
الموت فإن كان لا محالة فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي
وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي.
6 - البكاء والتألم على فناء العمر في غير جلائل الأعمال 36 - 39.
7 - مسائل الكبر في (باب الكبر) 43 - 81، استعرض معاناة الكبر ومظاهره
وآلامه، ثم ذكر تصرف النبلاء حياله من الإعراض عن الأمل والحرص،
وصدق التوجه إلى الله.
8 - وصف طبيعة أطوار بني آدم وأحواله قوة وضعفا من خلال عقود سنيه،
ومراحل نموه، وجاء الوصف رائعا دقيقا شيقا، فيه الفائدة والعبرة والطرافة
12

والترويح، وهو في كل ذلك لم يخرج عن الحقيقة والواقع.
ثم ختم الكتاب بعبارة الحسن البصري - الإمام الرباني - المعبرة عن نظرية
السلف وثقات الأئمة في تقييم الزمن، ونظرتهم إلى الأوقات، والتي يقول فيها:
" أدركت أقواما كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه وديناره " (1).
وهذه الخاتمة كشفت - كما هو الحال في ثنايا الكتاب - مقاصد المصنف
في تحريه لوضع هذا الكتاب. فهو إنما أراد الاعتبار بالشيب، واغتنام العمر في
كل أطواره من لحظة الوعي والإدراك حتى ساعة الارتحال إلى الآخرة.
6 - والتعمير في سني العمر، والفسحة في الأجل نعمة كبيرة من نعم الله -
عز وجل - يمن الله بها على عباده، وقد قرع الله الكافرين ووبخهم على طوال
جحودهم وصدودهم عن الحق مع أنهم عاشوا طويلا إلا أنهم لم ينتفعوا بهذه
الفسحة من العمر، وهي فترة كافية للتذكر والإنابة والإياب لمن أراد أن يتذكر أو
أراد شكورا.
قال الله - عز وجل -: " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " (2).
7 - وهؤلاء الضالون المكذبون لم ينتفعوا بنعمة العمر الممدود، ولم يجد الحق
منهم إلا العناد والصلف والصدود، وهو الذين سيقولون يوم الدين " بل لبثنا يوما أو
بعض يوم " (3) " ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة " (4).
و هكذا تنزع البركة من هذه الأعمال الخالية الخاوية،
قد عاش قوم وهم في الناس أموات
والتعمير يكون بطول الأجل وعد الأعوام، كما يكون بالبركة في العمر،
(1) العمر والشيب: رقم 91. وأخرجه أيضا البغوي في " شرح السنة " 14 / 225
(2) سورة فاطر / 37.
(3) سورة المؤمنون / 113.
(4) سورة الروم / 55.
13

والتوفيق إلى إنفاقه إنفاقا مثمرا، واحتشاده بالمشاعر والحركات والأعمال والآثار
وكذلك يكون نقص العمر بقصره في عد السنين، أو نزع البكرة منه وإنفاقه في
اللهو والعبث والكسل والفراغ.
ورب ساعة تعدل عمرا بما يحتشد فيها من أفكار ومشاعر، وبما يتم فيها من
أعمال وآثار. ورب عام يمر خاويا فارغا لا حساب له في ميزان الحياة ولا وزن له
عند الله " (1).
قال مالك بن دينار: " ويل لمن ذهب عمره باطلا " (2) والكثير من الناس يفنون
أعمارهم وهم يحتمون بكل وسيلة، ويتقون بكل سبب عوارض الدنيا آفاتها
ومحنها، ولكنهم لا يبذلون أي جهد أو اجتهاد في اتقاء عذاب النار، والاستعداد
ليوم تشيب له الولدان.
أنشد عيسى بن عبد الرحمن:
عمرك قد أفنيته تحتمي * فيه من البارد والحار
وكان أولى بك أن تحتمي * من المعاصي خشية النار (3)
والشيب تجسيم وتشخيص لهيئة الشيخوخة ومظهرها، وكان بكر السهمي
يقول: " الشيب تمهيد الموت " (4).
ألا فامهد لنفسك قبل موت * فإن الشيب تمهيد الحمام
فقد جد الرحيل فكن مجدا * بحط الرحل في دار المقام
والشيخوخة انحدار إلى الطفولة بكل ظواهرها وقد يصاحبها انحدار نفسي
ناشئ من ضعف الإرادة حتى إن الشيخ ليهفوا أحيانا كما يهفو الطفل، ولا يجد
(1) في ظلال القرآن 5 / 2933.
(2) العمر والشيب / 24.
(3) العمر والشيب: رقم (61).
(4) المصدر السابق: رقم (62).
14

من إرادته عاصما، وفي الصلاح عصمة من هذه الآفة.
قال الشعبي: " من قرأ القرآن لم يخرف " (1).
وقال عبد الملك بن عمير: " أبقى الناس عقولا قراءة القرآن " (2).
وفي الصلاح ضمان لاستمرار العمل الصالح واضطراده وإن خارت القوى،
وكلت الحواس والأعضاء.
قال عكرمة " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " (3) قال: الشباب
" ثم رددناه أسفل سافلين " (3) قال: الهرم.
" إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " (3) قال: المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر
كتب له أحسن ما كان يعمل في صحته وشبابه (4).
قلت: وهذا كلام نفيس ففي مسند أحمد - وهو في " صحيح البخاري " أيضا
عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا
مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا " (5).
وما أجل الصورة التي سجلها الإمام الحسن البصري - بشهادته الصادقة -
لحال السلف مع الزمن، وحرصهم عليه، واهتمامهم به. فإنه قال: " أدركت أقواما
كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه وديناره " (6).
أقوال: وهذا حال الثقات الأثبات، الذين يتطلعون إلى أشرف الغايات وأنبل
التوجهات. فالأوقات هي لبنات الحياة، ووقت المؤمن جد كله لعلمه بشرف
(1) المصدر السابق: رقم (79).
(2) المصدر السابق: رقم (80).
(3) سورة التين / 4 - 6.
(4) انظر رقم (81) من هذا الكتاب.
(5) أخرجه أحمد في " المسندة ": 4 / 410.
(6) انظر رقم (91).
15

الزمن، علت همته فتضاغرت جثته، وامتلأ عمره بجلائل الأعمال:
ولست ترى الأجسام وهي ضئيلة * نواحل إلا والنفوس كبار
وكيف ينال المجد والجسم وادع * وكيف ينال الحمد والوفر وافر؟!
قال الله - عز وجل -: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا
ترجعون " (1).
وقال - تبارك وتعالى - " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " (2).
فيا خسارة من ضيع أوقات عمره النفيسة في الأعراض الخسيسة.
9 - ويأتي بعض كتاب الحافظ ابن أبي الدنيا " العمر والشيب " في عصر تفشت
فيه البطالة، وعم فيه الخلاف والتنازع، وخوت أعمار المسلمين وخلت أعمالهم
من كل جليل وهادف - إلا من رحم الله وهم نزر يسير.
ويوم صنف ابن أبي الدنيا كتابه هذا، إنما هدف من ورائه معالجة الواقع
الإسلام وقتذاك - القرن الثالث الهجري - فقد كان المجتمع الإسلامي بما
أوتي من رخاء واستقرار يزخر بالملهيات والمشغلات من الأقوال والأعمال غير
الجادة، لا سيما وهناك عدد كبير من المقبلين الجدد على هذا الدين لم يعيثوا أيام
الجهاد والتضحيات، ولم يدركوا أيام الجد والكفاح، فعاشوا في أجواء الخلافات
الفقهية، والسياسية، والعقدية، وكانت أجواء مشحونة مترعة هي أقرب إلى النزاع
والتفرق، فأضاعت الكثرة أوقاتها بين الملاهي الوافرة، أو في الخصومات الحالقة
الماحقة، ولذلك وجدنا كبار المربين من المحدثين قد تحركوا لمعالجة هذه
الظاهرة السيئة، وأرادوا أن ينبهوا الجيل المسلم إلى عقدية ورسالته وغاية وجوده،
وأنه سوف يحاسب ويسأل في نهاية المطاف. وكان من هؤلاء الأئمة الأعلام ابن
المبارك وأحمد وهناك وا بن أبي الدنيا، فقد صنف كل واحد منهم كتابا في الزهد
سطر فيه روائع ما تحمله من سير النبلاء في اغتنام العمر، وحسن القيام بحق الله
(1) سورة المؤمنون / 115.
(2) سورة الانشقاق / 6.
16

سبحانه وتعالى وصدق التوجه إلى الآخرة، وإحكام المغاليق في وجه الشيطان
ومساربه ودروبه.
ويأتي كتاب " العمر والشيب " للحافظ ابن أبي الدنيا لبنة في هذه الحركة
المباركة التي نهض بها المربون والمصلحون والدعاة الصالحون في إيقاظ الشباب
المسلم في زمنهم، وفي الأزمان التالية من سباتهم، فكانت هذه الآثار والوثائق
التربوية المسندة المختارة التي صنفها هؤلاء المربون، ودونوا فيها صفوة ما علموه
من كنوز النبوة، وذخائر الأصحاب البررة، وثمار التابعين لهم بإحسان من
السالفين الأخيار، زادا وعلاجا لكثير من الانحرافات والتجاوزات التي يشكو منها
جلينا اليوم، كما شكت الأجيال السابقة على تفاوت في المقدار.
وهذه الوثيقة التربوية " العمر والشيب " هي بالفعل وثيقة. فإن هذا الكتاب
وضعه مصنفه في القرآن الثالث الهجري، وأتى به من فاتحته إلى خاتمته مسندا
موصولا، فهو كتاب تراثي مسند، وضع في عصر التصنيف للسنة النبوية، وهو من
أزهى العصور الإسلامية قاطبة بالنسبة لتنظيم السنة تصنيفها.
وإن مؤلفه الحافظ الصدوق ابن أبي الدنيا من أقران رجال الكتب الستة.
(البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة)، وقد
شاركهم في الرواية عن أغلب شيوخهم، وبهذا يكون هذا الكتاب وثيقة علمية
تراثية مسندة.
وهو كذلك أثر تربوي هام باعتبار أن مصنفه من كبار المربين، فقد وقف
حياته على صنعة التأديب والتثقيف والتربية، فهو مؤدب أولاد الخلفاء، وعلى يديه
تخرج العديد من النبغاء والنبلاء من طلبة العلم. وكيف لا يكون كذلك وقد تأثر
تأثرا مباشرا بشيخه الإمام الرباني أحمد بن حنبل، والإمام العالم المؤدب أبي عبيد
القاسم بن سلام، وغيرهم من المربين.
وقد صنفه في عصر من أكثر العصور نشاطا وحيوية في جمع الأحاديث
واستقصائها وتنقيتها، فعملت فيه الخبرة الحديثية والخبرة التربوية عملها، فأثمرت
17

هذا العمل العلمي النافع إن شاء الله تعالى.
نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن ينفعنا بالعلم النافع، ويجعلنا ممن يتخلق
بأخلاق السلف، وينهض عاملا بالنصوص ومبلغا لها.
موقع كتاب " العمر والشيب " بين من سبق ولحق في بابه من المصنفات
لقد وجدت من خلال استعراضي كتب الفهارس والمعاجم أن من أفرد مسائل
العمر والشيب والخضاب في مصنف مستقل هم عدد قليل من الأئمة، ووجدنا
البعض قد تناول هذا الأمر تضمينا في ثنايا مصنفه والذين وقفت على مصنفاتهم
في هذا الموضوع كلهم ممن عاصر المؤلف أو جاء بعده، ولم أقف على من
كتب فيه من السابقين له.
ومن هؤلاء الأئمة الذين عقدوا فصلا لهذا الموضوع في ثنايا مصنفاتهم: الإمام
ابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري (ت 276 ه)، فإنه أفرد فصلا في كتابه
" عيون الأخبار " بعنوان " الكبر والشيب " (1).
ومنهم الإمام ابن أبي عاصم النبيل أحمد بن عمرو (ت 287 ه) فإنه صنف
كتاب الخضاب " (2).
وممن كتب في هذا الموضوع ممن جاء بعد ابن أبي الدنيا الشيخ أحمد علوية
الأصبهاني (ت 310 ه) له رسالة في الشيب والخضاب (3)، والإمام ابن الأعرابي
أحمد بن محمد (ت 340 ه) فإنه صنف كتابا أسماه بنفس تسمية ابن أبي الدنيا
" العمر والشيب " (4).
(1) انظر " عيون الأخبار ": 2 / 343.
(2) ذكره ابن حجر في جملة مسموعاته في " المعجم المفهرس ": ص 50.
وكذا الروداني فإنه حصل على إجازة في روايته انظر: مجلة معهد المخطوطات مجلد 8 / ص
98 الكويت.
(3) انظر: كحالة - معجم المؤلفين: 1 / 314.
(4) انظر: فهرسة ابن خير: ص 284، الوزر كلي - الأعلام: 1 / 8.
18

كما صنف الإمام ابن عساكر علي بن الحسن (ت 571 ه) كتابا في هذا
الموضوع أطلق عليه اسم " الخضاب " (1).
وكذا صنف الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي (ت 597 ه) كتاب " الشيب والخضاب "
وقد قام الدكتور هلال ناجي بإفراد فصل من أهم فصوله، ونشره بتحقيقه بعنوان " بكاء
الناس على الشباب وجزعهم من الشيب "، وهو منثور (4).
وهذه الكتب كلها مسندة - فيما نعلم من مناهج مصنفيها - باستثناء الإمام
ابن قتيبة فإنه عن غالب الأحيان يورد النصوص إيرادا من غير إسناد وأحيانا يسند.
ومن خلال هذه القائمة يتبين لنا أن ابن أبي الدنيا من السابقين في التصنيف في
هذا الموضوع، وخصوصا الشمول الذي اتسم به كتابه في تغطية جوانب هذا
الموضوع، فإنه تحدث عن الخضاب والشيب، وحالات الكبر، وسير الثقات في
كل ذلك، كما تحدث عن مراتب الأعمار، وعما يمر به الإنسان من أطوار ذكرا
كان أو أنثى، وقد كان حديثه مسندا، يخرجه إخراجا عن شيوخه الذين تحمل
عنهم مادة هذا الكتاب الحافل.
(1) انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء: 20 / 56.
(2) نشر في مجلة " المورد " (بغداد) المجلد 2، العدد 3 / 1973 م.
19

ترجمة الإمام ابن أبي الدنيا
اسمه ونسبه:
عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس، أبو بكر القرشي، الأموي
مولاهم، البغدادي الحنبلي (1)، المشهور بابن أبي الدنيا (2).
ولد ببغداد سنة 208 ه - 823 م، في عهد الخليفة المأمون (ت 218 ه)
آخر العصر العباسي الأول، في عهد الحضارة الإسلامية الذهبي.
في هذه المدينة العامرة الزاخرة (بغداد) نشأ ابن أبي الدنيا حيث المحدث
والفقيه والمؤدب والزاهد هم أبناء هذا المجتمع ومادته، وكان الظاهرة العلم
والزهد أبلغ الأثر في بناء شخصية ابن أبي الدنيا وتكوينه العلمي.
(1) في هدية العارفين للبغدادي: 5 / 44، " الشافعي " وهو خطأ.
(2) مصادر ترجمته: ابن أبي حاتم - الجرح والتعديل: 5 / 163، ابن النديم - الفهرست:
1 / 185، الخطيب - تاريخ بغداد: 10 / 89 - 91، ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة:
1 / 192 - 195، المسعودي - مروج الذهب: 1 / 12 - 13، 5 / 50 و 174، ابن
الأثير - الكامل: 7 / 155: السمعاني - الأنساب: 10 / 96 - 97، ابن الجوزي - المنتظم:
5 / 148 - 149، المزي - تهذيب الكمال: 7 / 395 ب، الذهبي - سير أعلام النبلاء:
13 / 397 - 404، وتهذيب الكمال: 7 / 395 ب، الذهبي - سير أعلام النبلاء:
13 / 397 - 404، وتهذيب الكمال: 2 / 184 ب، وتذكرة الحفاظ: 2 / 677 - 679،
والعبر: 2 / 56، ومختصر دول الإسلام: 1 / 133، ابن كثير - البداية والنهاية: 11 / 71، ابن
تغري بردي - النجوم الزاهرة: 3 / 96، ابن شاكر الكتبي - فوات الوفيات: 1 / 494 -
495، ابن حجر - تهذيب التهذيب: 6 / 12 - 13، وغيرهم. وانظر ترجمته المفضلة في
مقدمة " كتاب الصمت وآداب اللسان " للمحقق.
21

بيئته التي نشأ فيها:
كانت أسرة ابن أبي الدنيا أسرة خير وفضل، وبيته بيت علم وصلاح.
فأبوه من العلماء المهتمين بالحديث وروايته، مما ساهم في نشأته العلمية،
وتكوينه في وقت مبكر.
فحببته أسرته في العلم والعلماء، ودفعت به إلى حلق العلم، فأقرأته القرآن،
والفقه، وحببته في سماع الحديث وكتابته، وبحكم أن والده كان أحد العلماء
فقد مكنه ذلك من السماع من أعلام العصر وحفاظه وسنه دون البلوغ، ومن
هؤلاء الحفاظ سعيد بن سليمان الواسطي - سعدويه - (ت 229 ه)، وأبو عبيد
القاسم بن سلام وطبقتهم إسنادا عاليا، وشارك أصحاب الكتب الستة في كثير من
شيوخهم. وقد دلت بعض الروايات على أنه استقل وأخذ يطوف على المشايخ
بنفسه، وسنه دون العاشرة (1).
وبهذه العناية المركزة والمبكرة من أسرة ابن أبي الدنيا، وبما كان له من الهمة
والإقبال الكبير استطاع أن يجمع علما غزيرا ويتتلمذ على مئات المشايخ من أئمة
العصر وحفاظه. قال الذهبي: " وقد جمع شيخنا أبو الحجاج الحافظ أسماء
شيوخه على المعجم، وهم خلق كثير " (2)، ثم ذكر الذهبي جزءا منهم فبلغ
عددهم أربعة وتسعين شيخا، وبلغ عدد شيوخه في " كتاب الصمت " وحده أكثر
من مائتي شيخ.
وبهذا تكونت شخصية ابن أبي الدنيا العلمية، فهو حنبلي المذهب، سلفي
العقيدة، زهدي المشرب، وعمل على بث هذه الروح الأخلاقية الإيمانية، ورصد
(1) الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد: 10 / 90، ابن حجر - تهذيب التهذيب: 6 / 13، وانظر
ابن الجوزي - المنتظم: 5 / 148. وهي رواية إبراهيم الحربي في السماع من عفان بن مسلم
الصفار والمعروف عن عفان أنه اختلط في 219 ه - أي قبل وفاته بعام أو أقل - وقد
تركوا السماع منه بعد اختلاطه، وسيأتي الكلام عليها في منزلته العلمية.
(2) الذهبي - سير النبلاء: 13 / 397.
22

نفسه لها، وأنشأ في تقعيدها وإذاعتها ما يزيد على مائة مصنف.
أثره في مجتمعه:
وكان لابن أبي الدنيا الأثر الكبير في مجتمعه،
تجلى في تربيته لأولاد
الخلفاء (1) الذين هم من أهم طبقات المجتمع، وممن سيتولى مقاليد أمور
المسلمين وبصلاحهم تصلح البلاد، ويسعد العباد. كما تجلى في تدريسه وتعليمه
لعدد هائل من طلبة العلم، وقد تخرج على يديه منهم جمع غفير، أصبحوا من
أفراد الأمة علما وصلاحا.
كما ساهم في الحركة الإصلاحية التي استهدفت تربية الجماهير العظيمة.
المقبلة على هذا الدين عن طريق التأليف والتصنيف مقتفيا أثر شيخه الإمام أحمد
ومن قبله من أمثال عبد الله بن المبارك وسفيان الثوري، فألف في التربية والزهد
والرقائق مؤلفات جمة، وصفها الحافظ ابن كثير (2): المشهور بالتصانيف الكثير
النافعة الشائعة الذائعة في الرقاق وغيرها، وهي تزيد على مائة مصنف، وقيل: إنها
نحو الثلثمائة مصنف ".
ويكفي للدلالة على حرصه في تسديد المسلمين، وتحذيرهم من مزالق
الشيطان قيامه بوضع هذه التآليف الوافرة في ميدان الأخلاق والتربية والإصلاح،
وعلى رأسها " كتاب الصمت وآداب اللسان " (3) فإنه قد صنفه في فترة كانت
مشحونة باللغط واللغو والانقسامات وما يترتب عليها من مشاحنات، وهو أمر
يفرزه الترف الفكري، وتعين على البطالة وفي مثل هذا الجو يزخرف الشيطان
للناس حب الكلام حتى تصبح شهوة مستحكمة، ويزين لكل قائل مقالته. وهذا
ينبهنا أيضا - إلى أن الحافظ ابن أبي الدنيا كان مربيا مع كونه عالما، وداعية
(1) انظر تفصيل ذلك في فصل " مكانته العلمية ".
(2) البداية والنهاية: 11 / 71.
(3) انظر الفصل الذي عقدناه عن الكتاب وأهميته.
23

قصد بالتصنيف نصيحة الأمة والأخذ بيدها، لا مجرد التصنيف فحسب، فكانت
مصنفاته هادفة، لذا عم نفعها، وذاع صيتها، وعظم أثرها.
واستمر أبو بكر ابن أبي الدنيا، مؤديا لرسالته إلى آخر حياته وظل يبث العلم،
ويتصدر لتدريسه، وقد جاوز السبعين من عمره، إذ سمع منه كثير من الطلبة في
آخر حياته وحتى السنة التي توفي فيها، أمثال: الختلي عبد الرحمن بن أحمد
البغدادي (1) (ت بضع وثلاثين وثلاثمائة)، وابن حرب الجراب إسماعيل بن يعقوب
البغدادي البزاز (2) (ت 345 ه).
حزمه ورجولته:
لقد حفظت لنا بعض المصادر صورة مشرقة من صور الحزم والرجولة في
شخصية ابن أبي الدنيا فإنه قال مرة: (كنت أودب المكتفي فأقرأته يوما " كتاب
الفصيح " فأخطأ، فقرصت خده قرصة شديدة، وانصرفت، فلحقني رشيق الخادم
فقال: " يقال لك: ليس من التأديب سماع المكروه. قال: فقلت: سبحان الله أنا لا
أسمع المكروه غلامي ولا أمتي، قال: فخرج إلي ومع كاغد، وقال: يقال لك:
صدقت يا أبا بكر، وإذا كان يوم السب تجئ على عادتك. فلما كان يوم السبت
جئته، فقلت: يا أيها الأمير، تقول عني ما لم أقل؟ قال: نعم يا مؤدبي من فعل ما لم
يجب قيل عنه ما لم يكن " (3).
وفي القصة دلالة صريحة على حزم ابن أبي الدنيا وعدم محاباته لأحد حتى
ولو كان ابن أمير المؤمنين. وفيها حرصه الشديد على إفادة طلابه ومتابعتهم،
وعدم التهاون في الأمور العلمية، كما فيها ثقة الخليفة المعتضد به وبصدقه، مما
دعاه إلى أن يكذب ابنه الأمير المكتفي، فرد لابن أبي الدنيا اعتباره ودعاه إلى
مواصلة تأديب ابنه. كما أن فيها منقبة للمعتضد، من رجاحة عقل، وعدل
(1) انظر ترجمته في الفصل الثاني " شيوخه وتلاميذه ".
(2) الخطيب - تاريخ بغداد: 6 / 304، الذهبي - سير أعلاه النبلاء: 15 / 497 - 498.
(3) ابن شاكر الكتبي - فوات الوفيات: 1 / 494 - 495.
24

وإنصاف، فلم تأخذه العزة " وهو المسمى بالسفاح الثاني " حينما أهين ابنه. وإنما
أقر ابن أبي الدنيا على صنيعه، ودعاه لمواصلة تأديبه لابنه.
ظرافته وأدبه:
ومما وصلنا كذلك من جوانب شخصية ابن أبي الدنيا هذه الصورة التي تدل
على ظرافته وخفة روحه، وأدبه مع طلابه، وحبه لهم، مع أنه كان من كبار
الشخصيات وقت ذاك علما ومكانة.
قال عمر بن سعد القراطيسي: " كنا عند باب ابن أبي الدنيا ننتظر فجاءت
السماء بالمطر، فأتتنا جارية برقعة فقرأتها فإذا فيها مكتوب.
أنا مشتاق إلى رؤيتكم * يا أخلائي وسمعي والبصر
كيف أنساكم وقلبي عندكم * حال فيما بيننا هذا المطر (1)
وفاته: توفي الحافظ أبو بكر ابن أبي الدنيا يوم الثلاثاء لأربع عشر ليلة خلت من
جمادى الآخرة، سنة (281 ه - 894 م) (2) وصلى عليه يوسف بن يعقوب،
ودفن بالشونيزيزة.
(1) ابن الجوزي - المنتظم: 5 / 148، ابن كثير - البداية والنهاية: 11 / 71.
(2) ابن النديم - الفهرست: 262، ابن الجوزي - المنتظم: 5 / 149، دائرة المعارف الإسلامية:
1 / 198.
25

وصف النسخة الخطية للكتاب
لم أعثر إلا على نسخة واحدة من كتاب " العمر والشيب " رغم أني قد أطلت
النفس في البحث والتنقيب، وتوسعت في تفتيش الفهارس والمراجع المهتمة
بالكتب الخطية.
وهذه النسخة الخطية محفوظة في الولايات المتحدة الأمريكية، مكتبة
برنستون، مجموعة يهوذا، تحت رقم 3522، وعدد أوراقها 25 ورقة، وخطها
مشرقي جميل متقن، فهي بخط الإمام محمد بن شاكر الكتبي، المؤرخ
المعروف، وقد انتهى من نسخها سنة 724 ه. والنسخة عليها بعض
التصحيحات.
وتعتبر هذه النسخة علمية من حيث صحتها، وأصالتها، وضبطها، وهي
كافية في نشر الكتاب من خلالها، فإنها نسخة الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو
الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفي (ت 584 ه) بروايته عن الإمام أبي بكر
المقرئ، عن أبي بكر الباطرقاني، عن الحسن بن محمد بن أحمد بن يوه الثقة،
كان شيخ القراء في زمانه (ت 460 ه) عن أحمد بن محمد اللنباني تلميذ ابن أبي
الدنيا وراوية بعض كتبه (2). (ت 332 ه) عن المصنف به.
وقد تملك هذه النسخة، وسمعها من شيوخه العلامة اللغوي المحدث محمد
ابن محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (ت 1205 ه) فإنه كتب في الورقة الأولى
من المخطوط بخطه: " أروي هذا الجزء لابن أبي الدنيا عن شيخي عمر بن أحمد
(1) من هنا تلتقي رواية السماع مع رواية الحافظ ابن حجر للكتاب.
(2) انظر ترجمته وترجمة تمن سبقه في تعليقنا على سند الكتاب في القسم التحقيقي.
26

ابن عقيل عن خاله عبد الله بن سالم البصري الخ... " (1).
ومما يزيد في قيمتها العلمية أنها بخط الإمام المؤرخ المتقن محمد بن شاكر
الكتبي (2).
صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
قد تأكد - بعد البحث - صحة نسبة كتاب " العمر والشيب " للإمام ابن أبي
الدنيا، وذلك من ثلاثة أوجه، وهي:
1 - أن عنوان الكتاب، ونسبته لمؤلفه جاء واضحا صريحا على الصفحة الأولى
من النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق، وهي نسخة متقنة مسندة.
2 - أن أسلوب الكتاب هو نفسه أسلوب ابن أبي الدنيا، وأن شيوخه المباشرين
هم نفس شيوخ المؤلف، حيث إنه يكثر الرواية عنهم في بقية مؤلفاته.
3 - أن هذا الكتاب " العمر والشيب " ذكره العديد من الحفاظ وغيرهم في
مصنفاتهم، وعزوه إلى الحافظ ابن أبي الدنيا، ومن هؤلاء: الإمام الذهبي في
" سير أعلام النبلاء " (3)، وصاحب " معجم مصنفات ابن أبي الدنيا " (4)،
والحافظ ابن حجر العسقلاني في " معجم مروياته "، وأسماه " العمر والشيب
(1) انظر صورة هذا السماع في صور المخطوطات التي وضعناها نماذج للأصل في آخر القسم
الدراسي.
(2) انظر الورقة الأخيرة من المخطوط.
(3) انظر " سير أعلام النبلاء ": 13 / 402 وسماه " الشيب " وفي 13 / 403 وسماه " العمر والشباب ".
(4) ص 128، وفي ص 101 سماه " سواد الشيب). وهذا الكتاب مجهول المؤلف، منه نسخة
خطية في المكتبة الظاهرية بدمشق رقم (42) مجاميع وقد قام بإخراجه الدكتور صلاح الدين
المنجد في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد 49 سنة 1974، ص 579 - 594،
وضم إليه زيادات مشكورة من مصادر عدة. راجع مقدمة " الصمت وآداب اللسان "
للمحقق، ص 85، طبعة دار الغرب الإسلامي.
27

والكبر " (1)، والإمام السيوطي في " جمع الجوامع " (2).
وبهذه الأدلة والوثائق لا يبقى في النفس أدنى مجال للشك في نسبة
الكتاب للإمام ابن أبي الدنيا. والحمد لله رب العالمين.
(1) انظر " المعجم المفهرس بالمجمع المؤسس ": ص 77 وسند سماعه كالتالي: " أنبأنا أبو على العاملي،
عن يونس بن أبي إسحاق، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمود الصابوني في كتابه، عن أبي
طاهر الحسن بن الفضل، أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق أخبرنا الحسن بن محمد
بن يوه، أخبرنا محمد بن محمد اللبناني، أخبرنا ابن أبي الدنيا.
(2) انظر " جمع الجوامع ": 1 / 1009 الصورة الخطية للكتاب، وسماه: " العمر والشيب ".
28

منهجي في التحقيق
1 - ذكرت فيما تقدم بأني قد اتخذت من نسخة مكتبة برنستون بالولايات
المتحدة الأمريكية أصلا في تحقيق كتاب " العمر والشيب ". فقمت بقراءتها قراءة
فاحصة، ثم نسختها.
وقد أثبت جميع ما في النسخة " الأصل " إلا ما رأيته حربا بالتصحيح، وذلك
بعد دراسة وتبحر. فإن كانت الكلمة في " الأصل " المخطوط ثابتة إلا أنها
مصحفة، أو أخطأ الناسخ في كتابتها قمت بتصحيحها، ووضعها بين قوسين
هكذا () تنبيها عليها. أما في حالة إكمال نقص وقع في الأصل فإني أضعه
بين معكوفين هكذا [] تنبيها إلى أنه من إضافتي وأنا في كل ذلك أنبه في
الهامش إلى هذه الأمور.
2 - وضعت أرقاما مسلسلة لنصوص الكتاب بغية إبراز نصوص الكتاب، كل
نص مستقل على حدة. ومن أجل تيسير الرجوع إليها، والإحالة عليها بيسر عند
الاقتضاء. ولتيسير صنع الفهارس فيما بعد.
3 - ومما ينبغي لي أن أذكره، هو أنني قد غيرت ما اصطلح عليه كاتب النسخة
في رسم بعض الألفاظ. فلم أتابعه في ذلك بل أعدت كتابة النص بما هو متعارف
عليه في عصرنا من " الإملاء " مثل: " يراءا = يرائي " " إيذانوا = إئذنوا "، " خطيتك =
خطيئتك "، " زايدة = زائدة " ونحوها فإنه يسهل الهمزة.
ومن ذلك حذف الألف الوسطية في كثير من الأسماء مثل: " هارون = هارون "
" سفين = سفيان "، " إسحاق = إسحاق "، " إسماعيل = إسماعيل "، " ثلث = ثلاث "
وغير ذلك.
ومن ذلك إسقاط الهمزة المتطرفة من بعض الأسماء مثل: " نسا = نساء "
" الأحيا = الأحياء "، " العلا = العلاء " وما شابه ذلك.
29

ومنها رسم ألف المقصورة في بعض الكلمات ممدودة نحو، " المعافا =
المعافى "، " النداء = الندى " وغير ذلك.
كما أني لم أتابع الناسخ في إيراد اسم مصنف الكتاب أول كل إسناد فقد
جرت عادة النساخ في إثبات سماع راوي النسخة من صاحب الكتاب المسموع،
فيقول في مطلع كل إسناد: " حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، قال:
حدثا.... " أو يختصر، فيقول: " حدثنا عبد الله " أو " أخبرنا أبو بكر عبد الله، قال:
حدثنا... " فرأينا إثبات أصل الكتاب ابتداء من شيخ ابن أبي الدنيا، وتنحية هذه
الزوائد التي لا ضرورة لها.
كما ترجمت مصطلحات الأداءك: " ثناء " و " أنا " إلى: " حدثنا " و " أخبرنا "
وذلك تيسيرا للقارئ المثقف غير المختص بالحديث وعلومه فإن هذه
المختصرات عمد إليها المحدثون والنساخ في الأسانيد طلبا للاختصار في
الكتابة، أما في القراءة يتلفظون بها من غير اختصار. وهناك الكثير ممن ليسوا من
أهل الصنعة ينطقون بها كما هي مكتوبة في صورها المختصرة، وهو خطأ
واضح.
4 - ضبطت الأسانيد وحررتها، وأزلت ما فيها من التباس أو تصحيف، وذلك
لأن أي تحريف في الاسم أو تصحيف من شأنه أن يدخل اسما في اسم، لا سيما
في اسم ويوقع في أوهام خطيرة، وهي مهمة ليست سهلة، لا سيما ونصف
الكتاب أسانيد وأسماء.
5 - وقد اشترطت على نفسي أن أحكم على كل حديث أخرجه المصنف في
هذا الكتاب. وحرصت على استماع منهج المحدثين في عملية النقد، وكنت
قبلا قد اشترطت على نفسي أن أحكم على كل نص في الكتاب المسند سواء
كانت خبرا، أو أثرا، أو رواية إسرائيلية، أو مقطوعة شعرية وطبقت هذا المنهج
على " كتاب الصمت وآداب اللسان " الذي اشتمل على (795) نصا مسندا، بيد
30

أنني عدلت عن هذا المنهج النقدي الواسع لو عروته وعدم ضرورته في غير
الأحاديث المرفوعة. كما أن هذه الآثار والأشعار إنما يرفع من قيمتها العلمية،
ويطمئن نفوس الباحثين إليها كونها جاءت مسندة موصولة.
ولا شك أن منهج المحدثين معيارهم في القبول والرد اقتضى وضع شروط
وموازين حازمة وصارمة، وهي ضرورية لنقد الأحاديث وفرزها وتمييزها لمعرفة
صحيحها من سقيمها، وموصولها من مرسلها، ومرفوعها من موقوفها، وكشف
عللها وآفاقها. وهذا المنهج لا تصمد أمامه الآثار، والمرويات التاريخية،
والنصوص الزهدية، والتربوية، والمقاطيع الشعرية. فإنه قد وقع التساهل عند
السلف في رواية وتناقل مثل هذه الأنواع من المرويات، ولم يتشددوا في قبولها
وروايتها.
وقد وقفت على كلام نفيس جدا لشيخ الإسلام ابن تيمية نسوقه بنصه لجلالته
وأهميته.
يقول الإمام ابن تيمية: " قول أحمد بن حنبل: إذا جاء الحلال والحرام شددنا
في الأسانيد، وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد، وكذلك ما عليه
العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ليس معناه إثبات
الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به، فإن الاستحباب حكم شرعي فلا يثبت
إلا بدليل شرعي. ومن أخبر عن الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل
شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما أو أثبت الإيجاب أو التحريم،
ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يتخلفون في غيره، بل هو أصل الدين
المشروع.
وإنما مرادهم بذلك: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله، أو مما
يكرهه الله بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والصدقة، والعتق،
31

والإحسان إلى الناس، وكراهية الكذب والخيانة، ونحو ذلك (1) فإذا روي حديث
في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها، وكراهة بعض الأعمال وعقابها فمقادير
الثواب والعقاب وأنواعه إذا روي فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته،
والعمل به (2) بمعنى: أن النفس ترجو ذلك الثواب، أو تخاف ذلك العقاب، كرجل
يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنها تربح ربحا كثيرا، فهذا إن صدق نفعه، وإن
كذب لم يضره. ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات، والمنامات،
وكلمات السلف، والعلماء ووقائع العلماء، ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده
إثبات حكم شرعي، لا استحباب ولا غيره. ولكن يجوز أن يذكر في الترغيب
والترهيب، والترجية والتخويف.
فما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإن ذلك ينفع ولا يضر، وسواء كان في
نفس الأمر حقا أو باطلا، فما علم أنه باطل موضوع لم يجز الالتفات به، فإن
الكذب لا يفيد شيئا. وإذا ثبت أنه صحيح أثبتت به الأحكام، وإذا احتمل الأمرين
روي لإمكان صدقه، ولعدم المضرة في كذبه. وأحمد (3) إنما قال: إذا جاء
الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد. ومعناه: أنا نروي في ذلك الأسانيد وإن
لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتج بهم. وكذلك قول من قال: يعمل بها
في فضائل الأعمال. إنما العمل بها العمل بما فيها من الأعمال الصالحة، مثل:
التلاوة، والذكر، والاجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة.
(1) القسم الأعظم من مصنفات الحافظ ابن أبي الدنيا من هذا اللون، فهي - بمجموعها -
إنما تعالج القضايا الزهدية، والتربوية، والتاريخية.
(2) وعبارة الإمام ابن تيمية هنا تخص " الحديث المرفوع " وهو لا يبلغ في جميع مصنفات ابن
أبي الدنيا قرابة الثلث كحد أعلى، وبقية النصوص تتوزع بين الموقوفات والمقطوعات،
والمقاطيع الشعرية المنتقاة، وأقوال العلماء السالفين الأثبات، التي تحتوي على فقههم وتصوراتهم
الإيمانية، وشذ أن نجد في أسانيده كذابا أو وضاعا.
(3) ابن تيمية - مجموع الفتاوي: 18 / 65 - 68.
32

ونظير هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه
البخاري عن عبد الله بن عمرو: " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا
حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده في النار " مع قوله - صلى الله عليه
وسلم - في الحديث: " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ".
فإنه رخص في الحديث عنهم، ومع هذا نهى عن تصديقهم وتكذيبهم، فلو لم
يكن في التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخص فيه، وأمر به. ولو جاز تصديقهم
بمجرد الإخبار لما نهى عن تصديقهم فالنفوس تنتفع بما تظن صدقه في مواضع.
فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا وتحديدا، مثل صلاة في وقت
معين بقراءة معينة، أو على صفة معينة لم يجز ذلك، لأن استحباب هذا الوصف
المعين لم يثبت بدليل شرعي، بخلاف ما لو روي فيه (من دخل السوق، فقال: لا
إله إلا الله كان له كذا وكذا) فإن ذكر الله في السوق مستحب لما فيه من ذكر الله
بين الغافلين، كما جاء في الحديث المعروف: " ذاكر الله في الغافلين كالشجرة
الخضراء بين الشجر اليابس ".
فأما تقدير الثواب المروي فيه فلا يضر ثبوته ولا عدم ثبوته. وفي مثله جاء
الحديث الذي رواه الترمذي: (من بلغه عن الله شئ فيه فضل، فعمل به رجاء
ذلك الفضل، أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك).
فالحاصل: أن هذا الباب يروى ويعمل فيه في الترغيب والترهيب، لا في
الاستحباب، ثم اعتقاد موجبه، وهو مقادير الثواب والعقاب يتوقف عن الدليل
الشرعي " (1).
والحق أني أميل إلى سحب منهج المحدثين في النقد إلى المرويات الموقوفة
والمقطوعة والأخبار التاريخية، والزهدية والمقاطيع الشعرية ما دامت وصلتنا
مسندة. فإن حضور إسنادها يساعد في فحصها وتقييمها.
(1) ابن تيمية - مجموع الفتاوي: 18 / 65 - 68.
33

وقد وضعت ضوابط لهذا التوجه، فحرصت على الفرق بين المرفوع - من
هذه النصوص - وغير المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كما عملت
على التمييز بين مرويات الحلال والحرام من غيرها - كمرويات الأخلاق،
والآداب، والرقائق - في النقد والتمحيص.
و قد كان للحافظ الذهبي فضل السبق في استعمال هذا المنهج النقدي. فإنه
توسع فيه إلى حد إخضاع جميع النصوص التاريخية لهذا المنهج. وهذا ظاهر
بجلاء في كتابه الحافل " سير أعلام النبلاء " (1).
بيد أنني آثرت سلوك المنهج الأول للاعتبارات التي ذكرتها أولا. وفي النفس
رغبة أكيدة للعودة إلى هذه الآثار والأشعار مستقبلا فأقوم بنقدها نقدا علميا دقيقا
يكشف عن درجاتها من حيث القبول والرد وعلى الله قصد السبيل، وعليه يتوكل
المتوكلون، ولا حول ولا قوة إلا به.
وأرى من الجدير هنا أن أنقل كلام أستاذنا الدكتور أكرم العمري بخصوص
هذه القضية، فإنه في غاية الجودة والموضوعية.
" ونظرا لأن المصادر المتعلقة بالحديث والعلوم الشرعية والتاريخ الإسلامي
معظمها يسرد الروايات بالأسانيد، فلابد من تحكيم قواعد علماء المصطلح في
نقد هذه الروايات مع عدم التخلي عن الروايات التي لا تصل إلى مستوى الصحة
الحديثية، ففي الأبحاث التاريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون
مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة، لأن فيها ما يدل على
أصلها، ويمكن من التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من
المسند.
أما في الدراسات المتصلة بالعقيدة والشريعة فلا بد من الاعتماد فيها على
الروايات والأحاديث الصحيحة ونقد وبيان الضعيفة منها، وستسلم في هذا
(1) انظر تفصيل هذه المسألة في مقدمتنا على " كتاب الصمت وآداب اللسان ": 151 - 152،
طبعه دار الغرب الإسلامي - بيروت.
34

الجانب أحاديث صحيحة على شرط المحدثين تكفي لبيان العقيدة وأحكام
الشريعة، لأن المحدثين أولوا الأحاديث عناية كبيرة، وأحاطوا رواتها بدراسة دقيقة
واسعة، واهتموا بطرق تحملها وأدائها، فإذا طبقت قواعدهم على الأحاديث فهي
أهل لذلك لما بلغته من الدقة والاتقان.
أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخيار التاريخية التي لا تمس العقيدة
والشرعية ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التاريخية التي
دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها، وإذا
رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستشكل هوة سحيقة بيننا وبين
ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع.
إن تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة ومصادر مفردة في كثير من
حلقاته، وهم ينقدون متون الروايات فقط ويحللونها وفق معايير نقدية تمكنهم من
الوصول إلى صورة ماضيهم لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية لأن
الأسانيد اختصت بها الأمة الإسلامية.
لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات
التاريخية فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين
في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لسير تاريخ
أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث
غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام
قواعد النقد الصارمة " (1).
6 - كما ضبطت المتون ضبطا صحيحا، ولم أتوسع في إيراد الشروح
والتعليقات والفوائد، واكتفيت ببيان الكلمة الغربية التي قد تصعب على القارئ
المثقف، ذلك حتى لا نثقل النص ونغرقه بالهوامش غير الضرورية ولأن الكتاب
جمع فأوعى في بابه.
(1) أ. د. أكرم العمري - دراسات تاريخية: 26 - 27.
35

7 - خرجت ما أمكنني تخريجه من آيات وأحاديث وآثار.
8 - وفي ختام عملي صنعت فهارس شاملة لمادة الكتاب، وأعلامه.
وفي ختام عملي هذا أتوجه إلى الله - سبحانه وتعالى - الذي من علي
بإنجازه على هذا الوجه. سائله - جل ثناؤه - أن يوزعنا لشكر نعمته، وأن يتم
علينا فضله ورحمته وهدايته. وأن يزيدنا من مننه وكرمه، فلا غنى لنا عن بركاته
ونعمه. وأن يغفر لنا خطايانا، ويتقبل منا ما قدمناه، وأن يبارك لنا فيه، ويعم النفع به
إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله عليه نبينا
محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
وكتبه
نجم عبد الرحمن خلف
في 11 / 11 / 9041 ه
المدينة المنورة
36

صور من المخطوط
الذي اتخذناه أصلا
في تحقيق هذا الكتاب
37

القسم التحقيقي
من كتاب
العمر والشيب
43

بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ مجد الدين، شيخ الإسلام أبو الفرج يحيى بن
محمود بن سعد الثقفي الأصفهاني (1) - رضي الله عنه -، أخبرنا الشيخ أبو بكر
أحمد بن علي بن محمد بن موسى المقرئ أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن
الفضل الباطرقاني حدثنا الحسن بن محمد بن أحمد بن يوه (2) أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر (3) حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي يوم
الثلاثاء في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين ومائتين من كتابه:
حدثنا علي بن الجعد الجوهري وسعيد بن سليمان الواسطي، عن
45

إسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس الكندي عن عبد الله بن بسر (1) قال جاء أعرابيان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما:
[يا رسول الله أي الناس خير؟
قال " من طال عمره وحسن عمله ".
وقال الآخر يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر
أتثبت
به (2).
فقال " لا يزال لسانك رطبا بذكر الله عز وجل "] (3).
46

حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا نوح بن
47

ذكوان عن أخيه أيوب، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم يقول الله إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام
أعذبهما بعد ذلك
3 - [حدثنا الفضل بن] (2) يعقوب (2) حدثنا سعيد بن مسلمة (3)، قال رأيت
الحجاج بن أرطاة يخضب بالسواد ورأيت ابن أبي
ليلى يخضب بالسواد ورأيت
أبا يعقوب العامري يخضب بالسواد. ورأيت ابن جريح يخضب بالسواد ثم ترك
بعد فجعل يخضب بالحناء والكتم (4). (5)
48

حدثنا أبو كريب (1)، حدثنا زكريا بن عدي (2)، عن زاجر بن الصلت (3)، عن الحارث بن عمرو، عن البحتري بن عبد الحميد، أن عمر بن الخطاب قال: نعم
الخضاب السواد، هيبة للعدو، ومسكنة للزوجة.
5 - حدثنا المثنى بن معاذ (4)، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري،
عن أبي رباح (5)، عن مجاهد، قال: أول من خضب بالسواد فرعون، فقالت له
امرأته: ذاك إن لم ينصل
6 - حدثنا أبو كريب محمد (6)، [حدثنا] (7) ابن فضيل (8) عن الوليد بن جميع (9)،
49

قال: كان نافع بن جبير (1) يخضب بالوسمة (2).
7 - أخبرني العباس بن هشام بن محمد (3)، عن أبيه (4)، عن جده، (5)، أن عبد
المطلب (6)، أول من خضب بالوسمة من أهل مكة، وذاك أنه قدم (7) اليمن فنظر
إليه بعض ملوكها فقال: يا عبد المطلب هل لك أن أغير لك هذا البياض فتعود
شابا؟
قال ذاك إليك. فخضبه بالحناء، ثم علاه بالوسمة فلما أراد الانصراف زوده منه
شيئا كثيرا، وأقبل عبد المطلب فلما دنا من مكة اختضب، ثم دخل مكة كأن
رأسه ولحيته حنك الغراب، فقالت له نتيلة بنت خباب بن كليب أم العباس بن عبد
50

المطلب (1): يا شيبة الحمد (2)، ما أحسن هذا الخضاب (3) لو دام،
فقال عبد المطلب:
لو دام لي هذا السواد حمدته * وكان بديلا من شباب قد انصرم
تمتعت منه والحياة قصيرة * ولا بد من موت تنوله أو هرم
ومن ذا الذي يجري على المرء خفضه * ونعمته يوما إذا عرشه انهدم
فموت جهير عاجل لا سوى له * أحب إلينا من مقالهم حكم
قال فخضب بعد ذلك أهل مكة.
8 - قال: وأنشدني الحسين بن عبد الرحمن (4).
إذا احتجت إلى تسود ما * أبيض من الشعر
وتبيض الذي غيره * الدهر من الثغر
فوطن للبلى نفسا * وأذعن لشبا الدهر
وصبرا ودمن تجزع * أوابد بالصبر
9 - حدثنا خلاد بن أسلم (5) أخبرنا النضر بن شميل، حدثنا شعبة عن أبي
إسحاق (6)، عن العيزار - يعني: ابن حريث قال: رأيت الحسين بن علي يخضب
بالوسمة.
51

10 - حدثنا أبو الفضل القرشي عبيد الله بن سعد (1)، أخبرنا عمر، عن شريك،
عن رشدين بن كريب، قال: رأيت عبد الله بن جعفر يخضب بالوسمة.
11 - حدثني أبو عمر التميمي (2)، قال: حدثني أبي، عن أبي بكر النهشلي، قال:
رأيت عبد الرحمن بن الأسود يخضب بالوسمة.
12 - حدثني إبراهيم بن (سعيد) (3) حدثنا أزهر (4)، عن ابن عون، قال رأيت
موسى بن طلحة يخضب بالسواد.
13 - حدثني علي بن محمد بن الحسن الرقي (5)، عن ابن أبي مريم (6)، عن
عطاف بن خالد، قال: رأيت علي بن عبد الله بن عباس أسود الرأس واللحية.
52

باب
14 - حدثني محمد بن صالح القرشي (1)، حدثنا يزيد بن بيان الجرشي (2)، قال:
حدثني شيخ من الأنصار يقال له أبو الرحال (3)، عن أنس بن مالك، قال، قال،
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من
يكرمه عند سنه " (4).
15 - حدثني العباس بن جعفر (5)، حدثني إبراهيم بن (صرمة) (6) الأنصاري (7)،
عن يحيى بن سعيد (8)، قال: بلغنا انه من أهان ذا شيبة لم يمت حتى يبعث الله عليه
من يهين شيبه إذا شاب (9).
53

16 - حدثني محمد بن الحسين (1)، حدثني أبو الفضل مولى بني هاشم، قال:
قيل لرجل كيف أصبحت؟
فقال:
العمر ينقص والذنوب تزيد * وتقال عثرته الفتى فيعود
17 - وزادني غيره:
والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي * تقليلها، وعن الممات يحيد
18 - قال (2): أنشدني عيسى بن عبد الرحمن قوله:
عمرك قد أفنيته تحتمي * فيه من البارد والحار
وكان أولى بك أن تحتمي * من المعاصي خشية النار
19 - حدثنا محمد بن عاصم (3)، حدثنا أبو هرمز (4)، عن أنس، قال: قيل
لنوح (5) صلى الله عليه وسلم: يا أطول النبيين عمرا، ويا أفضلهم شكرا، كيف
وجدت الدنيا والعيش فيها؟
قال: كرجل دخل بيتا له بابان فأقام في البيت هنيهة ثم خرج (6).
54

20 - حدثني أبو عبد الله محمد بن أيوب (1)، عن رجل من باهلة قال: دخل قوم
على أعرابي يعودونه، فقال له بعضهم: كم أتى عليك؟ قال: خمسون ومائة سنة.
فقالوا: عمر والله!
فقال: لا تقولوا ذاك فوالله لو استكملتموها لاستقللتموها.
21 - حدثني إسماعيل بن الحارث (2)، حدثنا داود بن المحبر، عن صالح
المري، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد، أن عيسى بن مريم مر بمشيخة
فقال: معاشر الشيوخ أما علمتم أن الزرع إذا ابيض ويبس واشتد فقد دنا
حصاده؟ (3).
قالوا: بلى.
قال: فاستعدوا فقد دنا حصادكم.
ثم مر بشباب فقال: معاشر الشباب أما تعلمون أن رب الزرع ربما حصده
قصيلا؟ (4).
55

قالوا: بلى
قال: فاستعدوا فإنكم لا تدرون متى تحصدون (1).
22 - حدثنا محمد بن إدريس (2)، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم
المصري، قال: سمعت أبا أسامة المصري العابد قال: بينا أبو شريح يمشي إذ
جلس فتقنع بكسائه فجعل يبكي.
فقلنا: ما يبكيك؟
قال: تفكرت في ذهاب عمري، وقلة عملي، واقتراب أجلي.
23 - حدثني محمد بن إدريس حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا
سليمان (3) يقول: يعرض الله على ابن آدم يوم القيامة عمره من أوله إلى آخره ساعة
ساعة يقول: ابن آدم أتت عليك ساعة كنت تطيعني، وساعة كنت تعصيني،
وساعة كنت تذكرني، وساعة كنت غافلا.
24 - حدثني بن إدريس، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أحمد بن
الهرماس أبو علي الحنفي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق العكاشي الأسدي قال:
سمعت إبراهيم بن أدهم يقول للأوزاعي: يا أبا عمرو وكان مالك بن دينار كثيرا
ما يقول: من عرف الله فهو في شغل شاغل، ويل لمن ذهب عمره باطلا.
25 - حدثني محمد بن إدريس، قال سمعت علي بن محمد الطنافسي، قال: قال ابن المبارك: ما أسرع هذه الأيام في هدم عمرنا، وأسرع هذا العام في هدم شهره،
وأسرع هذا الشهر في هدم يومه.
26 - حدثني أبو حاتم (4)، حدثنا محمد بن موسى الجرشي، عن حماد بن زيد،
56

عن عبيد الله بن عمر، قال: قال عمر بن الخطاب لابنه: أما ينهاك شمطاتك (1) عن
معاصي الله؟.
27 - حدثني أبو حاتم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني محمد بن كامل
العبسي قال: أتيت عراك بن خالد (2) وهو جالس في مجلس ابن مرة في فتنة ابن
محرز: فقلت له: يا أبا الضحاك، طاب الموت قال: يا ابن أخي لا تفعل، لساعة
تعيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدهر.
28 - حدثني جعفر بن محمد الخراساني (3)، قال: قيل لشيخ: ما بقي منك مما
تحب له الحياة؟ قال: البكاء على الذنوب.
29 - حدثني محمد بن نصر بن الوليد (4)، حدثنا الأصمعي (5)، قال: دخل
سليمان بن عبد الملك (6) المسجد فرأى شيخا كبيرا فدعا به، فقال: يا شيخ أتحب
الموت؟
قال: لا.
قال: بم؟
57

قال ذهب الشباب وشره، وجاء الكبر وخيره (1)، فإذا قمت قلت: بسم الله، وإذا
قعدت قلت: الحمد لله، فأنا أحب أن يبقى لي هذا.
30 - حدثني محمد بن إدريس (2)، حدثنا حياة بن شريح، حدثنا بقية، عن
المسعودي قال: كان عون بن عبد الله (3) يضع يده تحت لحيته ثم يميلها إلى
وجهه، ثم ينظر إليها فيبكي ويقول: إلهي ارحم شيبتي.
31 - حدثني محمد بن إدريس، حدثنا أحمد بن الحواري (4)، حدثنا عثمان بن
جابر (5)، قال قال موسى: يا رب خر لي قال يا موسى: لو لم أخلقك كان خيرا
لك.
قال يا رب فإذا خلقتني فخر لي.
قال: لو أمتك طفلا كان خيرا لك.
قال: يا رب فإذا لم تمتني طفلا فخر لي.
قال: تكبر يا موسى فأرحمك (6).
32 - قال الشاعر:
أعاذل ما عذري وهل لي وقد أتت * لداتي على بضع وستين من عذري
رأيت أخا الدنيا وإن بات آمنا * على سفر يسري به وهو لا يدري
58

33 - حدثنا علي بن الحسين (1)، عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا
سليمان (2)، قال: حدثني من سمع الحسن (3) يقول: أفضل الناس ثوابا يوم القيامة
المؤمن المعمر.
34 - قال: أحمد (4): وسمعت أبا الفرج القاص يقول: قال علي بن أبي طالب:
ما يسرني أن مت طفلا وأني لم أكبر فأعرف ربي.
35 - حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل القيسي (5)، حدثنا روح بن عبادة،
حدثنا زياد أبو عمر قال: سمعت رجلا من بني قيس كان يشهد علي بن أبي
طالب، قال: كان علي إذا علا المنبر قال قبل أن يتشهد: والله ما من معمر وإن
طال عمره إلا إلى فناء ثم يتشهد.
36 - حدثني محمد بن الحسين (6)، حدثني محمد بن المغيرة، قال: لما قدم ابن
المبارك طرسوس (7) فرأى هيئة أهلها، بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟
قال: بكيت على فناء عمري وضيعته.
قال: ونظر إلى الباب ذات يوم والناس يزدحمون عليه فقال: حق لهم سرور الأبد
من ورائه.
59

37 - حدثني محمد بن الحسين، أخبرنا محمد بن سنان الباهلي، قال: سمعت
الربيع بن عبد الرحمن يقول: إنما يحب البقاء من كان عمره له غنما وزيادة في
عمله، فأما من غبن عمره واستن (1) له هواه، فلا خير له في طول الحياة (2).
38 - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا سليمان أبو أيوب البصري، قال: حدثني
مرجا بن وداع، قال:
قال: عطاء السليمي طوبى لمن نفعه عيشه، وكان طول عمره زيادة في عمله، والله ما أرى عطاء كذلك، ثم بكى (3).
39 - حدثنا أبو محمد البزار القاسم بن هاشم (4)، عن إبراهيم بن الأشعث أنه
قال: سمعت الفضيل بن عياض وقال له رجل: يا أبا علي كيف حالك؟
قال: كيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف عمله، وفني عمره، ولم يتزود
لمعاده، ولم يتأهب للموت ولم يتيسر له.
60

40 - قال (1): وحدثني من سمع هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن سالم القداح،
حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، سمعته قال لرجل: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ
بشئ الإسلام، والقرآن، والشيب (2).
41 - وحدثني إبراهيم بن العلاء الحمصي (3) حدثنا بقية، عن عبد الرحمن بن
سهل (4)، عن أبي حازم أنه قال: يا بني لا تقتدي بمن لا يخاف الله بظهر الغيب،
ولا يقف عن العيب، ولا يصلح عند الشيب.
42 - قال (5): وزعم داود بن رشيد (6) حدثنا بقية، عن عقبة بن أبي حكيم، قال:
كنا نجلس إلى عون بن عبد الله فيقول لنا:
معشر الشباب، قد رأينا الشباب
يموتون فما ينتظر بالحصاد إذا بلغ المنجل ويمس لحيته.
61

باب في الكبر
43 - حدثني محمد بن الحسين (1)، حدثنا عبيد الله بن محمد القرشي (2) حدثنا
حماد بن سلمة (3)، عن حميد (4)، عن الحسن (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لو لم يصب ابن آدم إلا الصحة والسلامة لكان كفى بهما داء قاضيا (6).
44 - قال: وقال أبو عبد الرحمن (7): فحدثت به أبي فقال: يا بني والله ما كنت
أحسب هذا مرفوعا، وذلك أن حميد بن ثور (8) قال:
أرى بصري قد خانني بعد صحة * وحسبك داء أن تصح وتسلما
ولن يلبث العصران يوم وليلة * إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
قال: محمد (10) وزاد في هذا البيت الأخير غير (عبيد الله) (11).
62

45 - حدثني محمد، حدثنا بشر بن عمر الزهراني، حدثنا عثمان بن حماد،
قال: سمعت معاوية من قرة يقول: قال أبو الدرداء: لو أن ابن آدم عمر في الصحة
والسلامة لكان له داء قاضيا.
46 - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن جعفر المديني، حدثنا بكر
ابن خنيس عن ليث (1)، عن أبي سلمان، قال: قال كعب: لو لم يكن ابن آدم
يصب فيطول عمره إلا ما يحب لأوشك يوما أن يأتيه فيه ما يكره، وذاك أن ابن
آدم يكره الموت ولا بد له منه.
47 - حدثنا محمد، حدثنا داود بن المحبر قال: سمعت الخليل بن أحمد يقول:
قال بعض الحكماء: من أخطأته سهام المنايا فيدته وسلم الليالي والسنون.
48 - حدثني محمد بن الحسين، حدثني العباس بن الفضل الأزرق، قال:
حدثني رجل من الأزد قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس بني حنيفة فمر بنا
شيخ يتعقل في مشيته، فقال بعض القوم: أرى الشيخ سكران، فسمعها الشيخ
فرجع حتى وقف علينا فقال:
معاذ إلهي لست سكران يا فتى * ولا اختلفت رجلاي إلا من الكبر
ومن يك رهنا لليالي ورهنها * تدعه كليل القلب والسمع والبصر
49 - حدثني محمد (2)، حدثني شهاب بن عباد (3)، عن سويد الكلبي (4)، أن زر
ابن حبيش (5) كتب إلى عبد الملك بن مروان (6) كتابا يعظه فيه، فكان في آخر
63

كتابه: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك.
فأنت أعلم بنفسك: واذكر ما يتكلم به الأولون:
إذا الرجال ولدت أولادها * وبليت من كبر أجسادها
وجعلت أسقامها تعتادها * تلك زروع قد دنا حصادها
فلما قرأ عبد الملك الكتاب بكى، حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر لو
كتب إلينا بغير هذا كان أرفق (1).
50 - أخبرني العباس بن هشام بن محمد (2)، عن أبيه (3)، عن محرز بن جعفر،
قال: دخل أرطاة بن سهية (4) المري على عبد الملك بن مروان، وقد أتت عليه
64

ثلاثون ومائة سنة (1)، فقال له عبد الملك: ما بقي من شعرك؟
قال: والله ما أشرب ولا أطرب، ولا أغضب، ولا يجئ الشعر إلا على مثل هذا
الحال، إني أقول:
رأيت المرء تأكله الليالي * كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقي المنية حين تأتي * على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكر حتى * توفي نذرها بأبي الوليد (2)
فارتاع عبد الملك وكان يكنى أبا الوليد، وكان أرطأة أيضا يكنى أبا الوليد (3).
فقال: يا أمير المؤمنين، إني لم أعنك، إنما عنيت نفسي.
فقال: وأنا أيضا ستكر علي المنية.
51 - حدثنا زكريا بن عبد الله التميمي (4) أن شيخا من قريش من بني أمية حدثه
قال: رأيت أعرابيا من القيسيين قد وطئ المائة أو ناهاها (5) عنه فقلت له: صف لي
الكبر.
فقال: كثر مني ما كنت أحب أن يقل، وتركت النساء وكن الشفاء، وقل
المطعم وهو المنعم، ثم أنشدني (6):
الدهر أبلاني وما أبليته * والدهر غيرني وما يتغير
والدهر قيدني بحبل مبرم * فمشيت فيه وكل يوم يقصر
65

52 - حدثنا محمد بن سليمان الأسدي حدثنا حيان بن علي عن عبد الملك
ابن عمير، عن عمرو بن حريث، قال: دخل على الهيثم بن الأسود (2) فقيل له:
كيف تجدك يا أبا العزبان؟
قال: أجدني والله قد اسود مني ما أحب أن يبيض، وابيض مني ما أحب أن يسود،
واشتد مني ما أحب أن يلين، ولان مني ما أحب أن يشتد، وسأنبئك عن آيات
الكبر (3):
تقارب الخطو ونقص في البصر * وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر * وكثرة النسيان فيما يدكر
وتركي الحسناء في قبل الطهر (5) * والناس يبلون كما يبلى الشجر
53 - حدثني سعيد بن يحيى الأموي (6) حدثنا محمد بن سعيد، حدثنا عبد
الملك بن عمير، قال: سأل عبيد الله بن زياد أبا هريرة الكندي، فقال: كيف
أنت؟
قال: أنعس في المجلس، وآرق إن على الفراش، وأنسى الحديث، وأذكر القديم.
قال: أين أنت من الفتاة؟
قال: إن طاوعتني ضعفت، وإن عصتني غضبت
66

قال: هلكت والله
54 - حدثني أبو زكريا الخثعمي (1)، حدثني أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد
بن منجوف (2)، قال: سمعت أبا عبيدة، قال سليمان بن علي لرؤبة (3):
يا أبا الجحاف ما بقي من باءتك؟
قال: تمتد ولا تشتد، وإن طعنت به ارتد (4).
قال: هل قلت فيه شعرا؟
قال: قلت:
لو أن عودا سمهريا فيه من قنا * أو من جياد الأرزنيات أرزنا
لاقى الذي لاقيت قد تأننا * ومن تطاوعه الليالي عثنا
يصبح عن غب الليالي قد ونى
فضحك سليمان وقال: نحن وأنت في نمط واحد.
67

55 - حدثني محمد بن عباد بن موسى (1)، حدثني محمد بن عبد الله الخزاعي،
حدثني رجل من بني سليم قال:
قال: معاوية لرجل من بني سليم يقال له: عمرو بن مسعدة ودخل عليه، وكان أخا
لأبي سفيان وصديقا فعرفه معاوية، فقال: كيف أنت؟ وكيف حالك؟
قال: ما تسأل يا أمير المؤمنين عمن ذبلت بشرته، وقطعت ثمرته، فابيض
الشعر، وانحنى الظهر، فكثر مني ما كنت أحب أن يقل، وضعف مني ما كنت
أحب أن يزل، فأجحد النساء وكن الشفاء، وكرهت المطعم وكان المنعم، فقصر
خطوي، وكثر سهوي، وسحلت مريرتي بالنقص، وثقلت على وجه الأرض،
وقرب بعضي من بعض، فنحف وضعف وكل وذبل، فقل انحياشه، وكثر
ارتعاشه، وقلى معاشه، فنومه سبات، وفهمه تارات، وليله هفات كقول عمك:
أصبحت شيخا كبيرا هامة لغد * ترقو إذا لدى خدني فقال أو لا فبعد غد
فبكى معاوية وأمر له بمال وكساء وعروض، وحمله إلى الطائف (2).
56 -... وقارا فاشتعل الرأس منها شيبا، فكان أول من شاب (3)...
57 - حدثني إبراهيم (3) حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن سالم، حدثنا
موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، قال: لما رأى إبراهيم الشيب، قال:
مرحبا بالحلم والعلم، الحمد لله الذي أخرجني من الشباب سالما.
58 - حدثنا أبو زيد النميري (4)، حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرني أبي، قال:
68

اجتمعت بنو تميم إلى إياس بن قتادة (1) في بعض أمورهم، فبينا هو يعتم والناس
حوله، إذ نظر إلى شعرة بيضاء في لحيته، فحل عمامته ثم خرج إليهم فقال: ألستم
تعلمون أني كنت أشهد معكم في كل أموركم.
قالوا: بلى
قال: فوالله لا أشهد معكم مشهدا ولا أحضر معكم محضرا أبدا.
قال: فكان يأتي على أتان له يجمع عليها في المسجد.
59 - حدثنا أبو زكريا الخثعمي (2)، عن الأصمعي حدثنا العلاء بن أسلم، قال:
نظر إياس بن قتادة (2) في المرآة فرأى شيبة فقال: ألا أراني خميرا (4) لحاجات بني
تميم والموت يطلبني فخرج فنزل الشبكة فاتخذها مسجدا فلم يزل يعبد الله حتى
مات.
وقال: لأن ألقى الله مؤمنا مهزولا أحب إلي من أن ألقاه منافقا سمينا.
فقال الحسن رحمه الله علم أن النار تأكل اللحم ولا تأكل الإيمان.
60 - حدثني محمد بن الحسن (5) رحمه الله، حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا
ابن لهيعة، عن زافة أي الغافقي، أن رجلا من أهل أيلة كان يقوم بأمرهم، فأخذ المرآة
ذات يوم فنظر إلى شعرة بيضاء في لحيته، فقال: ألا أرى بريد الموت قد أسرع
إلي، شأنكم أمرتكم، شأنكم ضيعتكم، وابتنى لنفسه خصا (6)، فلم يزل يتعبد فيه
حتى مات.
69

61 - حدثني الحسين بن عبد الرحمن (1)، عن عبد الله بن بكر السهمي قال: نظر
أبي في المرآة يوما فجعل يتأمل شيبا في لحيته ويبكي، فقال له: ما يبكيك؟
قال: إن الشيب تمهيد الموت.
62 - وأنشدني (2) بعض أهل العلم قوله:
ألا فامهد لنفسك قبل موت * فإن الشيب تمهيد الحمام
وقد جد الرحيل فكن مجدا * بحط الرحل في دار المقام
63 - أنشدني يحيى بن عبد الله الخثعمي (3) عن ابن عائشة لإسماعيل بن
يسار (4):
ولقد كنت في الشبيبة ألهو * بحسان نواعم أتراب
فزجرت الشباب بالحلم حتى * ركد الشيب في محل الشباب
فانقضت شرتي وأقصر جهلي * واستراحت عواذلي من عتابي
64 - حدثني ابن أخي الأصمعي (5) عن عمه (6)، قال: قال عبد الله بن سليمان
من أزد شنوءة:
وإن أكبر فإني في لداتي (7) * وعاقبة الأصاغر أن يشيبوا
70

65 - قال: وحدثني رجل من قريش، قال: قال الأصمعي: هذا البيت أحسن ما
قيل في الشيب.
66 - حدثني سلمة بن شبيب (1)، عن أبي اليمان الحكم بن نافع قال: سمعت
بقية بن الوليد، قال: كان رجل يقوم بشأن قوم، قال فبينما هو ذات يوم والمرآة
في يده إذ نظر فإذا هو بشعرة بيضاء قد قدحت في لحيته، فقال: إنا لله وإنا إليه
راجعون، بريد الموت وهادم اللذات، طالما أطلقت نفسي فيما يسرها، يا قوم
ارتادوا لأنفسكم غيري، وأنا تائب إلى الله، فابتنى خصا (2) فاعتزل فيه وتعبد حتى
لقي الله.
67 - حدثنا سلمة قال: قال سهيل بن عاصم، حدثنا منصور، قال: حدثني عمر
ابن عبد الحميد، قال: اعتم شهر بن حوشب (3)، وهو يريد سلطانا يأتيه، ثم أخذ
المرآة ينظر في وجهه وعمامته، فنظر إلى لحيته فرأى شيبة فأخذها بيده ثم نقض
عمامته وهو يقول: السلطان بعد الشيب، السلطان بعد الشيب.
68 - حدثني داود بن محمد بن يزيد (4)، قال: كان ابن السماك يقول في
كلامه: إخواني ألا متأهب فيما يوصف له أمامه، ألا مستعد ليوم فقره وفاقته، ألا
شاب عازم مبادر لمنيته، ليس يغره شباب سنه، ولا شدة قوته، ولا انبساط أمل
مثله، ألا شيخ مبادر انقضاء مدته، وفناء أكله، جادا مشمرا فيما بقي من رمقه ما
ينتظر من قد ابيضت شعرته بعد سوادها، وتكرش جلده بعد انبساطه، وتقوس
ظهره بعد انتصابه واعتداله، وضعف ركنه، وقصر خطوه، وكل بصره، وقل
طعمه، وذهب نومه، وأنكر الأشياء كلها منه، وبلي سنه شيئا بعد شئ في حياته،
فرحم الله امرءا عقل أمره، وأحسن النظر لنفسه، واغتنم كل ليلة تأتي عليه، ويوم
يمر به.
71

69 - حدثني أبو الحسن التميمي (1)، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أي بيت قالت
العرب أشعر؟
قال عبد الله: قول القائل (2):
70 - حدثني أحمد بن عبيد التميمي (3)، قال: كان أبو عبيدة النحوي إذا أراد أن
يقوم، تمثل أبيان أبي الطيخان (4) القيني (5):
حنتني حانيات الدهر حتى * كأني خاتل بدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني * - ولست مقيدا - أني بقيد
71 - حدثني أبو عمر الأزدي (6)، قال عبد الله بن إدريس:
سمعت عبد الله بن سعيد يتمثل:
رماني الزمان بنشابه * فحل به الظهر والركبتين
فقربت أمشي بعد انبساط * كمشي المقيد في الحلقتين
72

72 - حدثني علي بن محمد البصري (1)، عن عبيد الله بن محمد القرشي، قال:
كان يونس النحوي إذا أراد أن يقوم من مجلسه قال: ولست لداء الركبتين طبيب
73 - حدثني أبو جعفر مولى بني هاشم (2)، قال: كان أبو بكر بن عياش يتمثل:
أصبحت من دهري كالثوب الخلق * بأيه أمسكت بالكف انخرق
أرفعه طورا وطورا ينفتق * من يتق الدهر تعلل (!) بالعلق
وإنما الدهر كيوم انطلق
74 - حدثني أبو عمرو هارون بن عمر القرشي (4)، حدثنا عبد الله بن يوسف،
عن خالد بن يزيد، عن يونس بن ميسرة ابن حلبس (5) قال: قال فتية من الحكماء:
تعالوا حتى ندع كل شهوة ولذة تبيد من قبل أن يدرك الكبر الشباب فتسترخي
المفاصل التي كانت فيها كفة الشهوات.
73

75 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه (1)، حدثنا محمد بن المبارك
الصوري، حدثنا صدقة - يعني ابن خالد - عن عمرو بن شراحيل، قال: سمعت
عمير بن هانئ (2) يقول: التوبة للشباب مرحبا وأهلا ويقول الشيخ نقبلك على ما
كان فيك.
76 - قال (3) وبلغني عن محمد بن ميمون الخياط (4)، قال: كان سفيان بن عيينة
يتمثل:
أليس ورائي إن تراخت منيتي * لزوم العصا تحنو عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت * أدب كأني كلما قمت راكع
77 - حدثني أبو عبد الله العطار، (5) قال: كان يزيد بن هارون (6) يتمثل:
أصبحت لا يحمل بعضي بعضا * كأنما كان شبابي قرضا
فاستودي به القرض وكان فرضا * وصرت عودا ذاويا مرفضا
78 - وحدثني أبو إسحاق إسماعيل بن أبي الحارث (7)، قال:
سمعت يزيد بن هارون قال:
كأني وقد قارنت تسعين حجة * خلعت بها ثوبا قد أخلقت باليا
أؤمل ما قد فاتني أن يعود لي * وهيهات ما قدرت بذاك اللياليا
74

79 - حدثنا إبراهيم بن سعيد (1)، حدثنا شاذان (2)، أخبرنا هزيم بن سفيان
البجلي، عن مجالد، عن الشعبي (3)، قال: من قرأ القرآن لم يخرف (4).
80 - حدثني أبو جعفر (5) حدثنا أبو مسهر، عن الحكم بن هشام الثقفي، عن
عبد الملك بن عمير (6)، قال: أبقى الناس عقولا قراءة (7) القرآن.
81 - حدثني يعقوب بن عبيد (8) أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن
حوشب، عن عكرمة (9) (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) (10) قال: الشباب.
(ثم رددناه أسفل سافلين) (10) قال: الهرم.
(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (10) قال: المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر،
75

كتب له أحسن ما كان يعمل في صحته وشبابه (1).
82 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب (2)، عن عمه قال: (3) كانت
العرب تقول: ابن عشر سنين ضارب قلين (4)، وابن عشرين أسعى ساعين، وابن
ثلاثين أبصر ناظرين، وابن أربعين أبطش باطشين، وابن خمسين ليث عفرين، وابن
ستين أحكم ناطقين، وابن سبعين أحلم جالسين، وابن ثمانين أدلف دالفين (5)،
وابن تسعين لا أنس ولا حنين، وابن مائة أضرط ضارطين.
83 - ولا حدثنا أبو الحسن البصري (6)، قال: سمعت أبا صالح محبوب بن موسى
76

الفراء (1) قال: سمعت عون بن مسلم (2) قال: كان يقال: ابن آدم إذا ولد وقع في
نجم الملك.
84 - حدثني أبو الحسن البصري (3) قال: سمعت أبا صالح محبوب بن موسى
الفراء، قال سمعت عون بن مسلم قال: قال عمر بن الخطاب ابنة عشر شهوة
الناظرين، وابنة عشرين شمس وتلين، وابنة الثلاثين قرة عين المعانقين، وابنة (4)
الأربعين ذات خلق ودين، وابنة الخمسين ذات بنات وبنين، وابنة الستين تشوف
للخاطبين وابنة السبعين عجوز في الغابرين.
85 - حدثنا هارون بن أبي يحيى السلمي (5) قال أنبأني هشام بن محمد، حدثني
77

محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: تزوج عمر بن الخطاب امرأة من أهل
مكة شريفة، فجاءه رجل يهنئه بها، فقال: ما أشرفها من امرأة لا تلد، وقد طعنت
في السن.
فقال عمر: لولا الولد لم أتزوج، حصير في بيت خير من امرأة لا تلد، ثم التفت
إلى تميم بن الجهاد الجهني فقال: كيف شببت بالنساء؟
قال: قلت فيهن:
إن تأت يوما بنت عشر فإنها * بخير إلى خير تحب بريدها
وإن تأت يوما بنت عشرين حجة * فتلك المنى تلهو بها وتريدها
وبنت الثلاثين التي هي حاجة * لنفسك لم تكبر ولم يعس عودها
وقيم بنت الأربعين بغبطة * ولم يتغير ودها وجديدها
وإن تأت يوما بنت خمسين حجة * هديا فقلها جنة تستفيدها
وإن تأت يوما بنت ستين حجة * تجدها محبا دينها وركودها
وإن تأت يوما بنت سبعين حجة * تجدها إذا زيرت شديدا صدودها
وبنت الثمانين التي قد تشعشعت * من الكبر العاتي وماس وريدها
وإن تأتي يوما بنت تسعين حجة * تجد بيتها ضنكا قصيرا عمودها
فضحك عمر وقال: إنه لشبيه يا جهني أن يكون ما بعد الأربعين متغيرا.
86 - قال أخبرني أبي (3)، قال: أنشدني أبو الوليد الكلابي:
إني لمهد للنساء هدية * سيرضى بها أعيانها وشهودها
إذا ما لقيتم ذات عشر فإنها * قليل إذا يلقى الخرود جودها
78

تمد إليها بالنوال فتبتلي * وتلطم خديها إذا تستز يدها
ولكن بنفسي ذات عشرين حجة * فتلك التي ألهو بها وأريدها
وذات الثلاثين التي ليس فوقها * هي النعت لم تكبر ولم يعس عودها
وصاحب ذات الأربعين بغبطة * وخير النساء سروها وحديدها
وصاحبة الخمسين فيها منافع * ونعم المتاع للفتى يستفيدها
وصاحبة الستين تغدو قوية * على المال والإسلام صلبا عمودها
إذا ما لقيتم بنت سبعين حجة * فقلها وهبها خيبة تستفيدها
وذات الثمانين التي قد تشعشعت * من الكبر العاسي وماس وريدها
وصاحبة التسعين فيها أذلهم * وتحسب أن الناس طرا عبيدها
وإن مائة وفت لأخرى فجئتها * تجد بيتها رثا قصيرا عمودها
87 - أخبرني أبو حاتم السجستاني (1)، عن الأصمعي، حدثنا أبو عمران
الصلحي، عن أبيه، قال: شباب النساء ما بين الخمس عشرة إلى الثلاثين.
88 - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري (2) حدثنا سهل بن بكار، حدثنا أبو
عوانة، حدثنا عبد الملك بن عمير، قال: جاءت امرأة إلى زياد تستعدي على
زوجها، فقال الزوج: أصلحك الله إن خير شطري الرجل آخره، وإن شر شطري
المرأة آخره.
قال: ويحك كيف؟
قال: إن الرجل إذا كبرت سنه، استحكم رأيه، وذهب جهله، وبقي حلمه، وإن
المرأة إذا كبرت سنها حد لسانها، وساء خلقها، وعقم رحمها.
قال: خذ بيدها.
89 - حدثنا أبو سعيد الكندي (3)، حدثنا سعيد بن خثيم الهلالي، حدثنا أبو
79

المعتمر البصري قال: جاءني ابن الأعمش، قال: كان بالبصرة شيخ قد عمر فكان
إذا قيل له: كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟
يقول:
لو كنت تعلم حق علمي * أيقنت أني قد فنيت
فأجابه:
إن تك قد فنيت فبعد قوم * طوال العمر بادوا قد بقيت
فزادك في حياتك لا تضعه * كأنك في أهيلك ابن قد أتيت
فصرت وقد حملت إلى ضريح * وفي الأموات قبلك قد نسيت
قريب الدار منفردا وحيدا * بكأس الناس قبلك قد سقيت
وكل فتى تعاوده الليالي * سيبليه قوله الزمان كما بليت
فكم من باكي يبكيك شجوا * وآخر قد يسر بما لقيت
90 - حدثني محمد بن الحسين (1)، قال حدثني حسان بن عبد الله بن رويشد
ابن المصبح الطائي عن أبيه، قال كان في الحي رجل قد طال عمره فكان هو ناعي
الحي لا يزال قد نعى الرجل من السفر إلى أهله، فمرض أخ له، فلما حضره
الموت، دخل عليه، وقال له:
يا أخ قد أرى منك فأوصني.
قال: بم أوصيك؟
ثم أنشد يقول:
كأن الموت يا ابن أبي وأمي * وإن طالت حياتك قد أتاكا
أتنعي الميتين وأنت حي * إذا حي بموتك قد نعاكا
إذا اختلف الضحى والعصر دأبا * تسوقهما المنية أدركاكا
80

91 - قال (1): وحدثني حمزة بن العباس (2)، حدثنا عبدان بن عثمان (3)، حدثنا
عبد الله قال: أخبرني غير واحد عن الحسن، قال: أدركت أقواما كان أحدهم أشح
على عمره منه على درهمه وديناره (5)، (6).
آخر كتاب العمر والشيب والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد النبي
وآله وصحبه وسلم كثيرا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكتبه محمد بن شاكر الشافعي (7)، في سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
81

/ 1