بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
الكتاب: المحلى المؤلف: ابن حزم الجزء: 3 الوفاة: 456 المجموعة: فقه المذهب الظاهري تحقيق: الطبعة: سنة الطبع: المطبعة: الناشر: دار الفكر ردمك: ملاحظات: طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الأصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والأصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الأندلس أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه. طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر الجزء الثالث دار الفكر
1 بسم الله الرحمن الرحيم قال على: هلا قالوا: إن ابن عمر لم يكن ليخالف أباه لولا فضل علم كان عنده أثبت (1) من فعل أبيه؟ وروينا عن عبد الرزاق عن ابن جريح عن عطاء بن أبي رباح: أن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين كانتا تركعان (2) ركعتين بعد العصر. وروينا عن حماد بن سلمة وهشام بن عروة، قال حماد: عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير قال: كانت عائشة أم المؤمنين تصلى ركعتين بعد العصر وهي قائمة، وكانت ميمونة (3) أم المؤمنين تصلى أربعا وهي قاعدة، فسئلت عن ذلك، فقالت عن عائشة: انها شابة وأنا عجوز فأصلي أربعا بدل ركعتيها (4). قال على هذا يبطل رواية من روى عن أم سلمة: (أنقضيها نحن؟ قال: لا) وقال هشام عن أبيه: كان الزبير وعبد الله بن الزبير يصليان بعد العصر ركعتين. روينا عن عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة: كنا نصلى مع ابن الزبير (العصر في المسجد الحرام) (5) فكان يصلى بعد العصر
(1) في المصرية (بأثبت) وما هنا أصح (2) في اليمنية (كانت الركعات) وهو سخف (3) في اليمنية بحذف اسم (ميمونة) وهو خطأ (4) في اليمنية (فأصلي أربعا تمام ركعتيها) (5) هذه زيادة من المصرية * 2 ركعتين، وكنا نصليهما معه، نقوم صفا خلفه. وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد قال سبح المنكدر بعد العصر فضربه عمر. قال على: المنكدر والسائب صاحبان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه: أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلى قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفى عمر ركعهما، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما. قال على: في هذا الحديث بيان واضح أن أبا بكر الصديق وعثمان رضي الله عنهما كانا يجيزان الركوع بعد العصر. وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي. ثنا شعبة وسفيان جميعا قالا: ثنا أبو إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة: أن علي بن أبي طالب كان في سفر فصلى العصر، ثم دخل فسطاطه فصلى ركعتين. وعن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال: سألت أبا جحيفة عن الركعتين بعد العصر فقال: إن لم ينفعاك (1) لم يضراك. وعن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة: ثنا يزيد بن خمير (2) عن عبد الله ابن يزيد عن جبير بن نفير قال: كتب عمر إلى عمير بن سعد (3) ينهاه عن
(1) في اليمنية (يشفعاك) وهو خطأ (2) خمير بالخاء المعجمة مصغر ويزيد هذا ثقة (3) عمير مصغر وسعد باسكان العين، وفى المصرية (عمير بن سعيد) ولكنا رجحنا انه (عمير بن سعد) لان عمير بن سعيد متأخر عن ادراك عمر. وأما عمير ابن سعد الأنصاري الأوسي فإنه صحابي وشهد فتوح الشأم واستعمله عمر على حمص. وكان معجبا به وكان من عجبه به يسميه نسيج وحده كما روى ابن سيرين ويقال: إن عمر قال لأصحابه: تمنوا، فتمنى كل رجل أمنية، فقال عمر: لكني أتمنى أن يكون لي رجال مثل عمير أستعين بهم على أمور المسلمين اه 3 الركعتين بعد العصر، فقال أبو الدرداء: أما أنا فلا أتركهما، فمن شاء أن ينحضج فلينحضج (1). وعن حماد بن زيد: ثنا أنس بن سيرين قال: خرجت مع انس بن مالك إلى أرضه ببذق (2) سيرين، وهي خمسة فراسخ، (3) فحضرت صلاة العصر، فأمنا قاعدا على بساط في السفينة، فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بنا ركعتين. وعن يزيد بن هارون عن عمار بن أبي معاوية الذهني عن أبي شعبة التميمي قال: رأيت الحسن بن علي بن أبي طالب يطوف بعد العصر ويصلى. وعن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس. وعن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود في حديث: سيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه، يطيلون (4) الخطبة ويؤخرون الصلاة، حتى يقال: هذا شرق الموتى،
(1) بالحاء المهملة والضاد المعجمة وآخره جيم. وحضج النار - من باب قتل أوقدها، والحضج - بكسر الحاء واسكان الضاد - كل ما لزق بالأرض، وانحضج الرجل التهب غضبا واتقد من الغيظ فلزق بالأرض، وأيضا انحضج ضرب بنفسه الأرض غيظا، فإذا فعلت به أنت ذلك قلت: حضجته، وفى حديث أبي الدرداء: فمن شاء أن ينحضج فلينحضج. أي ينقد من الغيظ وينشق. اه من اللسان وغيره. وكل هذه المعاني متقاربة مأخوذة من المعنيين الأولين. ونسخ المحلى هنا مصحفة ففي المصرية بالخاء بدل الحاء وفى اليمنية (ينخضع) (2) كذا رسمها ناسخ هذه النسخة، ورسمها آخر (ببذ) وفى اليمنية (سدف) بدون اعجام وقد أعجزني أن أعرف هذا الموضع أو صحة اسمه فيراجع إن شاء الله (3) في اليمنية (وهي رأس خمسة فراسخ) (4) في اليمنية (يخطبون) وهو خطأ * 4 قلت: وما شرق (1) الموتى؟ قال إذا اصفرت الشمس جدا، فمن أدراك ذلك منكم فليصل الصلاة لوقتها، فان احتبس فليصل معهم، وليجعل صلاته وحده الفريضة، وصلاته معهم تطوعا (2). قال على: فهؤلاء أكابر الصحابة رضي الله عنهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، والزبير، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، أمهات المؤمنين، وابن الزبير، ومن بحضرته من الصحابة، وتميم الداري، والمنكدر، وزيد ابن خالد الجهني، وابن عباس، وابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو جحيفة، وأبو الدرداء، وأنس (3)، والحسن بن علي، وبلال، وطارق بن شهاب: وابن مسعود، وروى أيضا عن النعمان بن بشير وغيرهم، فمن بقي؟ وما نعلم لهم متعلقا بأحد من الصحابة رضي الله عنهم الا رواية عن أبي سعيد الخدري، جعلها خاصة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وإذا قال صاحب: هي خاصة، وقال آخرون منهم: هي عامة، فالسير (4) على العموم حتى يأتي نص صحيح بأنها خصوص، ولا سبيل إلى وجوده، وأخرى عن معاوية ليس، فيها نهى عنهما، بل فيها: ان الناس كانوا يصلونها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرى مرسلة لا تصح عن ابن
(1) بالشين المعجمة والقاف وفى اليمنية (سرف) بالمهملة في الأولى و (شرف) بالمعجمة في الثانية مع الفاء فيهما وهو تصحيف. وشرق الموتى هو أن يشرق الانسان بريقه عند الموت، يقال: شرقت الشمس شرقا - من باب فرح - إذا ضعف ضوؤها. وسئل محمد بن الحنفية عنه فقال: (ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان فصارت بين القبور كأنها لحة: فذلك شرق الموتى) اه من اللسان (2) روى بعضه مسلم باسناد آخر (ج 1: ص 150) (3) حذف اسم (انس) من اليمنية وهو خطأ فقد سبق حديثه قبل أسطر (4) في اليمنية (فالسين) وهو خطأ * 5 مسعود، ليس فيها أيضا إلا: وأنا أكره ما كره عمر، وقد صح عن عمر وعن ابن مسعود إباحة ذلك، وعن أبي بكرة المنع من الصلاة جملة من حين صفرة الشمس. والحنيفون والمالكيون مخالفون له في ذلك، كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما التابعون فكثير، منهم: هشام بن عروة، وأنس بن سيرين، كما ذكرنا آنفا. وعن عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس قال: كان أبى لا يدعهما يعنى الركعتين بعد العصر. وعن حماد بن سلمة عن يعلي بن عطاء عن يزيد بن طلق: أن عبد الرحمن ابن البيلماني (1) كان يصلى بعد العصر ركعتين. وعن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني إبراهيم بن ميسرة أن طاوسا صلى بحضرته ركعتين بعد العصر، ثم قال له: أتصلي بعد العصر؟ قلت نعم، قال: أكرمت والله. وعن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن أشعث بن أبي الشعثاء (2) هو أشعث بن سليم قال: سافرت مع أبي وعمرو بن ميمون والأسود ومسروق وأبى وائل فكانوا يصلون بعد الظهر ركعتين، وبعد العصر ركعتين. وعن محمد بن جعفر غندر: ثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي قال: رأيت شريحا القاضي يصلى بعد العصر ركعتين. وعن محمد بن المثنى عن معاذ بن معاذ العنبري ثنا أبي عن قتادة قال: كان سعيد بن المسيب يصلى بعد العصر ركعتين.
(1) بفتح الباء الموحدة واللام وبينهما ياء مثناة ساكنة، وفى المصرية (السلماني) وهو خطأ وتصحيف (2) في المصرية (عن أشعث عن أبي الشعثاء) وهو خطأ * 6 وعن محمد بن المثنى: ثنا أبو عاصم النبيل (1) عن عمر بن سعيد (2) قال: رأيت القاسم بن محمد بن أبي بكر يطوف بعد العصر ويصلى ركعتين. وكذلك أيضا عن الحسن. فهؤلاء هشام بن عروة، وأنس بن سيرين، وطاوس وعبد الرحمن ابن البيلماني (3) وإبراهيم بن ميسرة، وأبو الشعثاء، وأشعث ابنه، وعمرو ابن ميمون، ومسروق، والأسود، وأبو وائل، وشريح القاضي، وسعيد ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وغيرهم، كعبد الله بن أبي الهذيل، وأبى بردة بن أبي موسى، وعبد الرحمن (4) بن الأسود والأحنف بن قيس وبهما يقول أبو خيثمة، وأبو أيوب الهاشمي (5)، وبه نأخذ إن شاء الله تعالى. 286 - مسألة ولا يجوز تعمد تأخير ما نسي (6) أو نيم عنه من الفرض ولا تعمد التطوع عند اصفرار الشمس حتى يتم غروبها، وعند استواء الشمس حتى تأخذ في الزوال، ولا بعد السلام من صلاة الصبح حتى تصفو الشمس وتبيض، ويقضى في هذه الأوقات كل ما لم يذكر الا فيها، من صلاة منسية أو نيم عنها، من فرض (7) أو تطوع، وصلاة الجنازة والاستسقاء والكسوف والركعتان عند دخول المسجد، ومن توضأ للصلاة في أحد هذه الأوقات فله أن يتطوع حينئذ ما لم (8) يتعمد المرء ترك
(1) أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد (2) هو عمر بن سعيد بن أبي حسين النوفلي المكي، وفى اليمنية (عمرو بن شعيب) وهو خطأ (3) في المصرية (السلماني) وهو خطأ (4) في اليمنية بتكرار اسم (عبد الرحمن) مرتين وهو خطأ (5) أبو أيوب الهاشمي هو سليمان بن داود بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس روى عن محمد بن إدريس الشافعي وسفيان بن عيينة، وروى عنه البخاري والإمام أحمد وغيرهم، وقد سبق أن حكى المؤلف قوله في بعض الخلافيات (6) في اليمنية (تأخير قضاء ما نسي) وزيادة كلمة (قضاء) لا لزوم لها (7) كلمة (من فرض) سقطت من أصل المصرية وزادها ناسخها ونبه عليها، وهو الصواب الذي في اليمنية (8) في المصرية (حينئذ عندما لم) الخ وزيادة (عند) لا موضع لها 7 كل ذلك وهو ذاكر له حتى تدخل (1) الأوقات المذكورة. فمن فعل هذا فلا تجزئه صلاته تلك أصلا. وهذا نص نهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن تحرى الصلاة في هذه الأوقات. وأما بعد الفجر ما لم يصل الصبح فالتطوع حينئذ جائز حسن ما أحب المرء. وكذلك اثر غروب الشمس قبل صلاة المغرب. وبنحو هذا يقول داود في كل ما ذكرنا، حاشا التطوع بعد العصر، فإنه عنده جائز إلى بعد غروب الشمس، ورأي النهى عن ذلك منسوخا. وقال أبو حنيفة: ثلاثة أوقات لا يصلى فيها فرض فائت أو غير فائت، ولا نفل (2) بوجه من الوجوه، وهي: عند أول طلوع قرص الشمس (3) الا أن تبيض وتصفو، أو عند استواء الشمس حتى تأخذ في الزوال، حاشا يوم الجمعة خاصة، فإنها (4) يصلى فيها من جاء إلى الجامع (5) وقت استواء الشمس، وعند أخذ أول الشمس في الغروب حتى يتم غروبها، حاشا عصر يومه خاصة فإنه يصلى عند الغروب وقبله وبعده، وتكره الصلاة على الجنائز (6) في هذه الأوقات، فان صلى عليها فيهن أجزأ ذلك. وثلاثة أوقات يصلى فيهن الفروض كلها، وعلى الجنازة، ويسجد سجود التلاوة ولا يصلى فيها التطوع، ولا الركعتان إثر الطواف، ولا الصلاة المنذورة، وهي: إثر طلوع الفجر الثاني حتى يصلى الصبح، الا ركعتي الفجر فقط، وبعد صلاة العصر حتى تأخذ الشمس في الغروب، الا أنه كره الصلاة على الجنازة إذا اصفرت الشمس، (7) وكذلك سجود
(1) في المصرية (يدخل) وهو خطأ (2) في اليمنية (ولا يقبل) وهو خطأ (3) في اليمنية (طلوع الشمس) (4) في اليمنية (فإنه) (5) في اليمنية (من جاء الجامع) (6) في اليمنية (الجنازة) (7) في اليمنية (حتى تأخذ الشمس في الغروب وبعد صلاة الجنازة إذا اصفرت الشمس) وهو خطأ * 8 التلاوة، وبعد تمام غروبها حتى يصلى المغرب، ومن جاء عنده يوم الجمعة والامام يخطب وقت رابع لهذه الثلاثة التي ذكرنا آخرا (1). قال أبو حنيفة: فمن دخل في صلاة الصبح فطلعت له الشمس وقد صلى أقلها أو أكثرها بطلت صلاته تلك، ولو أنه قعد مقدار التشهد وتشهد ثم طلع أول قرص الشمس إثر ذلك كله (2) وقبل أن يسلم فقد بطلت صلاته، ولو قهقه حينئذ لا ينقض وضوؤه، ولو أنه أحدث عمدا أو نسيانا أو تكلم عمدا أو نسيانا بعد أن قعد مقدار التشهد وقبل أن يسلم: فصلاته تامة كاملة، ولو قهقه حينئذ لم ينقض وضوؤه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قعد مقدار التشهد قبل طلوع أول الشمس فصلاته تامة، فلو دخل في صلاة العصر فصلى أولها ولو تكبيرة أو أكثرها فغربت له الشمس كلها أو بعضها فليتماد في صلاته، ولا يضرها ذلك شيئا عند أبي حنيفة وأصحابه. قالوا: فان صلى في منزله ركعتي الفجر ثم جاء إلى المسجد فليجلس ولا يركع. قال أبو حنيفة: فان جاء إلى المسجد بعد تمام غروب الشمس فليقف حتى تقام الصلاة، ولا يجلس ولا يركع، قال أبو يوسف: يجلس (3) ولا يركع. وقال مالك: يصلى الفروض كلها المنسية وغيرها في جميع هذه الأوقات، ولا يتطوع بعد صلاة الصبح (4) حتى تبيض الشمس وتصفو، ولا (5) بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد غروبها حتى تصلى المغرب،
(1) في اليمنية (اجزا) وهو خطأ (2) في اليمنية (اثر كله) وهو خطأ (3) في اليمنية (ولا يجلس) وهو خطأ (4) في اليمنية بحذف (بعد صلاة الصبح) وهو خطأ (5) في اليمنية (أولا) وهو خطأ * 9 ومن دخل المسجد حينئذ (1) قعد ولا يركع، ولا يتطوع بعد طلوع الفجر الا بركعتي الفجر، حاشا من غلبته عينه فنام عن حزبه، فإنه لا بأس بأن يصليه بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح ومن ركع ركعتي الفجر في منزله ثم أتى المسجد فان شاء ركع ركعتين، وان شاء جلس ولم يركع، وقد روى عنه: إن كان (2) مصبحا فليجلس ولا يركع. والتطوع عنده جائز على كل حال عند استواء الشمس، ولم يكره ذلك، وأجاز الصلاة على الجنازة بعد صلاة الصبح ما لم يسفر جدا، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، وعنه في سجود التلاوة قولان: أحدهما: لا يسجد لها بعد صلاة الصبح حتى تصفو (3) الشمس، ولا بعد صلاة العصر ما لم تغرب الشمس، والآخر: أنه لا بأس بالسجود لها ما لم يسفر وما لم تصفر الشمس، وقال: من قراها في الوقت المنهى فيه عن السجود فليسقط الآية التي فيها السجدة، ويصل (4) التي قبلها بالتي بعدها. وقال الشافعي: يقضي الفائتات من الفروض ويصلى كل تطوع مأمور به في هذه الأوقات، وإنما الممنوع هو ابتداء التطوع فيها فقط إلا يوم الجمعة وبمكة، فإنه يتطوع في جميع هذه الأوقات وغيرها * قال علي: أما تقاسيم أبي حنيفة فدعا وفاسدة متناقضة، لا دليل على شئ منها، لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من إجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس ولا رأى سديد. وأقوال مالك لا دليل على تقسيمها، لا سيما قوله باسقاط الآية في التلاوة بين الآيتين، فهو إفساد (5) نظم القرآن، وقول ما سبقه إليه أحد، وكذلك إسقاطه وقت استواء الشمس من جملة الأوقات المنهى عن الصلاة فيها،
(1) في اليمنية بحذف (حينئذ) (2) في اليمنية (انه كان) وهو خطأ (3) في اليمنية (تصفر) وهو تصحيف (4) في اليمنية (ويصلى) وهو خطأ غريب (5) في اليمنية (فساد) وهو خطأ * 10 فهو خلاف الثابت (1) في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا (2) معارض له * وأما تفريق الشافعي بين مكة وغيرها وبين يوم الجمعة وغيره: فلاثرين ساقطين رويناهما، في أحدهما النهى عن الصلاة في هذه الأوقات إلا بمكة (3) وفى الآخر: (يوم الجمعة صلاة كله) (4) وليسا مما يشتغل به، ولا أورده أحد من أئمة أهل الحديث، فوجب الاضراب عن هذه الأقوال جملة، والاقبال على السنن الواردة في هذا الباب، والنظر في استعمالها كلها، وفي تغليب (5) أحد الحكمين على الآخر، على ما جاء في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم، وعن التابعين رحمهم الله. قال علي: حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا عفان بن مسلم ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة حدثنا (6) أبو العالية عن ابن عباس قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد صلاتين: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس
(1) في اليمنية (خلاف الثابت) (2) في اليمنية (فلا) وهو خطأ (3) الحديث رواه البيهقي (ج 2 ص 461) من طريق الشافعي عن عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد عن أبي ذر، ثم رواه أيضا من طريق إبراهيم بن طهمان عن حميد، وعبد الله بن المؤمل ضعيف من قبل حفظه ومتابعة ابن طهمان تقويه وضعف البيهقي الحديث بحميد الأعرج لأنه ليس بالقوى، واستدرك عليه ابن التركماني بأن حميدا قيل فيه انه منكر الحديث ورمى بوضع الحديث، وهذا خطأ فاحش، فان الذي رمى بهذا هو حميد الأعرج الكوفي القاص وأما الذي في الاسناد فهو حميد بن قيس الأعرج المكي أبو صفوان مولى عفراء وهو ثقة روى له الشيخان، وإنما علة الحديث انه مرسل، لان مجاهدا لا يثبت له سماع من أبي ذر كما قال البيهقي، ثم رواه من وجه آخر عن مجاهد: (بلغنا أن أبا ذر) الخ وهو يدل على ارساله (4) هذا اللفظ لم أجده مرفوعا وإنما هو كلمة للحسن رواها البيهقي (ج 2 ص 465) وروى أيضا أحاديث أخر في استثناء يوم الجمعة (ج 2 ص 464 و 465) وكلها ضعيفة، حاشا الأول منها وليس فيه دلالة على ما أراد (5) في اليمنية (أو في تغليب) (6) في اليمنية (حدثني) * 11 ورويناه هكذا من طرق، اكتفينا بهذا لصحته (1)، وكلها صحاح. حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى ثنا عبد الله ابن وهب عن موسى بن علي بن رباح (2) عن أبيه قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا (3) أن نصلى فيهن (4) أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس (5) للغروب حتى تغرب (6) وروينا أيضا في هذه الأوقات عن الصنابحي (7) وغيره. حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود السجستاني ثنا الربيع بن نافع هو أبو توبة ثنا محمد بن المهاجر عن العباس بن سالم عن أبي سلام (8) عن أبي أمامة الباهلي عن عمرو بن عبسة (9) السلمي أنه قال: (قلت يا رسول الله، أي الليل أسمع (10)؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت، فان الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلى الصبح، ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح (11) أو رمحين، فإنها تطلع بين قرني شيطان ويصلى لها الكفار، ثم صل ما شئت، فان الصلاة مشهودة
(1) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة (2) (على) بضم العين بالتصغير، و (رباح) بفتح الراء (3) في الأصلين (ينهى) وصححناه من مسلم (ج 1: ص 228) (4) في الأصل (فيها) والتصحيح من مسلم (5) كلمة (الشمس) زدناها من صحيح مسلم، وتضيف أصلها تتضيف فحذفت التاء الأولى، ومعناها تميل للغروب ومنه سمى الضيف ضيفا من ضاف عنه يضيف (6) رواه الجماعة الا البخاري، ورواه أيضا البيهقي (ج 2: ص 454) (7) سيأتي بعد الحديث التالي إن شاء الله (8) قوله (عن أبي سلام) حذف من اليمنية وهو خطأ (9) عبسة بالعين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة وكلها مفتوح، وفى المصرية (عمبسة) وفى اليمنية (عمر بن عبسة) وكلاهما خطأ (10) يعنى: أي أوقات الليل أرجى للدعوة وأولى للاستجابة، قاله الخطابي (11) قيس رمح: بكسر القاف أي قدر رمح في رأى العين. وفى اليمنية (فق) بدون نقط وهو خطأ لا معنى له * 12 مكتوبة، حتى يعدل الرمح ظله، وأقصر (1) فان جهنم تسجر وتفتح أبوابها فإذا زاغت فصل ما شئت فان الصلاة مشهودة مكتوبة، حتى تصلى العصر ثم أقصر حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان ويصلى لها الكفار) (2) وذكر الحديث. وروينا من طرق عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الأوقات) قال علي: والعجب من مخالفة المالكيين لهذا الخبر، وهو من رواية شيخهم. قال على: فذهب إلى هذه الآثار قوم، فلم يروا الصلاة أصلا في هذه الأوقات. كما روينا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن عاصم بن سليمان الأحوال عن بكر بن عبد الله المزني قال: كان أبو بكرة في بستان له فنام عن العصر، فلم يستيقظ حتى اصفرت الشمس، فلم يصل حتى غربت الشمس، ثم قام فصلى. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر وسفيان الثوري كلاهما عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين: أن أبا بكرة أتاهم في بستان لهم فنام عن العصر فقام (3) فتوضأ، ثم لم يصل حتى غابت الشمس.
(1) في أبى داود (ج 1: ص 493) (ثم أقصر) (2) إلى هنا، ما رواه أبو داود، ثم قال (وقص حديثا طويلا) وهو بطوله في صحيح مسلم (ج 1: ص 228 و 229) وسنن البيهقي (ج 2: ص 454 و 455) من طريق شداد بن عبد الله ويحيى بن أبي كثير عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة (3) كلمة (فقام) حذفت من اليمنية * 13 وبه، إلى سفيان الثوري عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن رجل من ولد كعب بن عجرة: أنه نام عن الفجر حتى طلعت الشمس، قال: فقمت أصلي فدعاني كعب بن عجرة فأجلسني حتى ارتفعت الشمس وابيضت، ثم قال: قم فصل. وروينا عن محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدي وأبو عامر العقدي كلاهما عن سفيان الثوري عن زيد بن جبير عن أبي البختري قال: كان عمر بن الخطاب، يضرب على الصلاة بنصف النهار. أبو البختري (1) هذا هو صاحب ابن مسعود وعلى. وذهب آخرون إلى قضاء الصلوات الفائتات في هذه الأوقات، وإلى التمادي في صلاة الصبح إذا طلعت الشمس وهو فيها، أو إذا غربت له وهو فيها، وإلى تأدية كل صلاة تطوع جاء بها أمر. واحتجوا بما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع حدثني حجاج الأحول (2) عن قتادة عن أنس بن مالك قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يرقد عن الصلاة أو يغفل عنها؟ فقال: كفارتها أن يصليها إذا ذكرها.
(1) أبو البختري - بفتح الباء واسكان الخاء المعجمة وفتح التاء - اسمه سعيد بن فيروز وهو تابعي روى عن بعض الصحابة، ولم يسمع من كثير منهم بل روى عنهم مرسلا كذلك قال ابن سعد في الطبقات (ج 6: ص 204) وقال ابن حجر في التهذيب (أرسل عن عمر وعلى وحذيفة وسلمان وابن مسعود) وقال ابن معين (لم يسمع من على شيئا) وكذلك قال ابن المديني وأبو زرعة وشعبة وانظر مراسيل ابن أبي حاتم (ص 27 و 28) ولعل المؤلف رأى بعض الروايات له عن علي وابن مسعود فظنه من أصحابهما، وهو ظن خطأ (2) في اليمنية (يزيد بن زريع بن حجاج الأحول) وهو خلط، وفى المصرية (حدثني حجاج حدثنا الأحول) وهو خطأ بل حجاج هو ابن حجاج الباهلي البصري الأحول، وصححناه من سنن النسائي (ج 1: ص 100) * 14 وبه إلى أحمد بن شعيب: أنا قتيبة بن سعيد ثنا حماد بن زيد عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها (1) وهذا عموم (2) لكل صلاة فرض أو نافلة، وقد ذكرنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة الكسوف وبالركعتين عند دخول المسجد وبالصلاة على الجنائز وسائر ما أمر به من التطوع عليه السلام. وأخذ بهذا جماعة من السلف كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ان المسور بن مخرمة دخل على ابن عباس فحدثه، فنام ابن عباس وانسل المسور، فلم يستيقظ حتى أصبح، فقال لغلامه: أتراني أستطيع أن أصلى قبل أن تخرج الشمس أربعا يعنى العشاء وثلاثا يعنى الوتر وركعتين يعنى ركعتي الفجر وواحدة يعنى ركعة من الصبح؟ قال: نعم، فصلاهن. وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء بن أبي رباح عن عطاء ابن يحنس (3) انه سمع أبا هريرة يقول: إن خشيت من الصبح فواتا فبادر (4) بالركعة الأولى الشمس، فان سبقت بها الشمس فلا تعجل بالآخرة أن تكملها. وبه إلى عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك قال: صليت
(1) رواه النسائي (ج 1 ص 100 و 101) وقد رواه هكذا مختصرا وهو جزء من حديث أبي قتادة الطويل في سيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونومهم عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس. وسيأتي بأسانيد مختلفة (2) في اليمنية (وعموم) وهو خطأ (3) كذا في الأصلين، ولم أجد ذكرا لعطاء بن يحنس هذا، ويوجد في الصحابة اثنان اسم كل منهما (يحنس) فهل هو ابن أحدهما. لا أدرى. ثم عطاء بن أبي رباح من أصحاب أبي هريرة فهل يبعد أن يكون الصواب حذف (عن عطاء بن يحنس) أظنه الأقرب للصواب، ولم أجد هذا الأثر في غير هذا الكتاب (4) في المصرية (فبادرت) وما هنا أحسن وأصح * 15 خلف أبى بكر الفجر فاستفتح البقرة فقرأها في ركعتين، فقال عمر حين فرغ (1) يغفر الله لك! لقد كادت الشمس أن تطلع قبل أن تسلم قال: لو طلعت لألفتنا غير غافلين (2). وبه إلى معمر عن عاصم بن سليمان (3) عن أبي عثمان النهدي (4) قال: صلى بنا عمر صلاة الغداة فما انصرف حتى عرف كل ذي بال أن الشمس قد طلعت فقيل له: ما فرغت حتى كادت الشمس أن تطلع؟ فقال: لو طلعت لألفتنا غير غافلين. (5) قال على: فهذا نص جلى بأصح إسناد يكون أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكل من معهما (6) من الصحابة رضي الله عنهم لا يرون طلوع الشمس يقطع صلاة من طلعت عليه وهو يصلى الصبح. والعجب من الحنفيين الذين يرون انكار عمر على عثمان بحضرة الصحابة ترك غسل الجمعة حجة في سقوط وجوب الغسل لها وهذا ضد ما يدل عليه انكار عمر: ثم لا يرون تجويز أبي بكر وعمر صلاة الصبح وان طلعت الشمس حجة في ذلك! بل خالفوا جميع ما جاء عن الصحابة في ذلك (7) من مبيح ومانع! وخالفوا أبا بكرة في تأخير صلاة العصر حتى غابت الشمس، وقد ذكرنا من قال من الصحابة بالتطوع بعد العصر، ومن أمر بالإعادة مع الجماعة، والى صفرة الشمس في المسألة التي قبل هذه، فأغني عن اعادته.
(1) هنا في المصرية زيادة (قال) وحذفها أحسن (2) رواه البيهقي (ج 1: ص 379) من طريق هشام عن قتادة عن أنس. وفيه ان أبا بكر قرأ آل عمران (3) في اليمنية (عن عاصم) بحذف اسم أبيه (4) في اليمنية (الهذلي) وهو خطأ (5) رواه أيضا البيهقي (ج 1: ص 379) من طريق أبى معاوية عن عاصم الأحول - هو ابن سليمان - باسناده ومعناه وفيه (فما سلم حتى ظن الرجال ذوو العقول ان الشمس قد طلعت) (6) في المصرية (معهم) وما هنا أصح (7) قوله (في ذلك) حذف من اليمنية * 16 وروينا عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم (1) عن إبراهيم النخعي في الصلاة التي تنسى، قال: يصليها حين يذكرها وإن كان في وقت تكره فيه الصلاة. ومثله أيضا عن عطاء وطاوس وغيرهم. وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان: ثنا شعبة عن موسى بن عقبة قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: إن أباه كان يطوف بعد العصر وبعد الغداة ثم يصلى الركعتين قبل طلوع الشمس، قال موسى: وكان نافع يكره ذلك، فحدثته عن سالم فقال لي نافع (2): سالم أقدم منى وأعلم. قال علي: هذا يدل على رجوع نافع إلى القول بهذا، وعلى أنه قول موسى ابن عقبة. قال علي: فغلب هؤلاء أحاديث الأوامر على أحاديث النهى، وقالوا: إن معنى النهى عن الصلاة في هذه الأوقات أي إلا أن تكون صلاة أمرتم بها، فصلوها فيها وفى غيرها، وقال الآخرون (3): معنى الامر بهذه الصلوات أي إلا أن تكون وقتا نهى فيه عن الصلاة فلا تصلوها فيه. قال على: فلما كان كلى العملين (4) ممكنا، لم يكن واحد منهما أولى من الآخر إلا ببرهان، فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن يحيى: قرأت على مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وبسر (5) بن سعيد وعبد الرحمن الأعرج حدثوه عن أبي هريرة أن رسول الله
(1) مقسم - بكسر الميم واسكان القاف وفتح السين المهملة (2) في اليمنية (فقال يا نافع) وهو خطأ ظاهر (3) في اليمنية (وقال آخرون) (4) كذا في اليمنية (كلى العملين) واعراب كلا وكلتا اعراب المثنى لغة بعض العرب، وقد اعتاد المؤلف الجرى عليها هنا وفى الأحكام كما في (ج 7 ص 32) منه وفى مواضع أخر (5) بسر - بضم الباء واسكان السين المهملة. وفى المصرية بالمعجمة، وهو تصحيف. وفى الموطأ (ص 2 و 3) ومسلم (ج 1 ص 169) (وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج) * 17 صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر فكان هذا مبينا غاية البيان أن قضاء الصلوات في هذه الأوقات فرض، وان الامر مستثنى من النهى بلا شك. فان قيل: فلم قلتم: إن من أدرك أقل من ركعة من العصر ومن الصبح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فإنه يصليهما؟ قلنا: لما نذكره إن شاء الله عز وجل في أوقات الصلوات من قوله عليه السلام: (وقت صلاة الصبح ما لم يطلع قرن الشمس، ووقت صلاة العصر ما لم تغرب الشمس) فكان هذا اللفظ منه عليه السلام ممكنا أن يريد به وقت الخروج من هاتين الصلاتين، وممكنا أن يريد به وقت الدخول فيها، فنظرنا في ذلك فكان هذا الخبر مبينا أن بعد طلوع الشمس وبعد غروبها وقت لبعض صلاة الصبح ولبعض صلاة العصر بيقين، فصح أنه عليه السلام إنما أراد وقت الدخول فيهما، وكان هذا الخبر هو الزائد على الحديث الذي فيه (من أدرك ركعة)، والزيادة واجب قبولها، فوضح أن الامر مغلب (1) على النهى. فوجدنا (2) الآخرين قد احتجوا بما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي (3) ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا عبد الله بن يزيد (4) المقرئ حدثنا الأسود بن شيبان ثنا خالد بن سمير (5) قال قدم علينا عبد الله بن رباح من المدينة وكانت الأنصار تفقهه، فحدثنا قال: حدثنا أبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) في اليمنية (تغلب) (2) كذا في الأصلين، والأحسن (ووجدنا) (3) في اليمنية (محمد بن الاعرابي) وهو خطأ لأنه (أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد) (4) في اليمنية (عبد الله بن زيد) وهو خطأ (5) في اليمنية (نمير) بالنون وهو خطأ وصوابه (سمير) بضم السين المهملة كما ضبطه الذهبي في المشتبه والزبيدي في شرح القاموس ونقله شارح أبى داود عن الزيلعي وانه الصحيح المعتمد. وضبطه في الخلاصة بالمعجمة وهو خطأ 18 جيش الامراء (1)، فلم يوقظنا إلا الشمس طالعة فقمنا وهلين (2) لصلاتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم رويدا رويدا، حتى تعالت الشمس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان منكم يركع ركعتي الفجر فليركعهما، فقام من كان يركعهما ومن لم يكن يركعهما، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادى بالصلاة فيؤذن بها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، فلما انصرف قال: إنا بحمد الله لم نكن في شئ من أمر الدنيا شغلنا عن صلاتنا) وذكر الحديث.
(1) قال ابن حجر في ترجمة خالد بن سمير (ذكر له ابن جرير الطبري وابن عبد البر والبيهقي حديثا أخطأ في لفظة منه وهو قوله في الحديث: كنا في جيش الامراء، يعنى مؤتة، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يحضرها) وهذه لفظة أيضا رواها أبو داود في هذا الحديث (ج 1 ص 168 و 169) وأما الطبري فإنما فيه قصة غزوة مؤتة من طريق خالد هذا وليس فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم حضرها (انظر الطبري ج 3 ص 109) وكذلك رواها أحمد بن حنبل في مسنده (ج 5: ص 299 و 300 و 301) وليس فيه حضوره. فما أظن خالد أوهم في هذا الحديث، وإنما يرجح أنه روى القصتين قصة مؤتة وقصة النوم عن الصلاة في حكاية واحدة فلما اختصرهما الرواة اختلطتا فظهر كأن قصة النوم وقعت في غزوة مؤتة وليس كذلك بل إنما وقعت في غزوة خيبر على الصحيح في الرجوع منها. ويؤيد هذا لفظ أبى داود (قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء بهذه القصة قال فلم توقظنا الا الشمس الطالعة) (2) أي فزعين (3) باقي الحديث كما في أبى داود: (ولكن أرواحنا كانت بيد الله فأرسلها أنى شاء، فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها) وكذلك في سنن البيهقي (ج 2: ص 216 و 217) وفى نسخة من البيهقي بدل قوله (من غد صالحا) لفظ: (من غد صلاها). وهذه الجملة الأخيرة في الحديث فيها علة. فقد صح من حديث عمران بن الحصين انهم قالوا بعد الصلاة: (يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال: لا ينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم) كما سنذكره في الحديث الذي بعد هذا. وقد روى القصة أربعة عشر صاحبا، ورواها كثيرون عن أبي قتادة فلم يذكروا فيها الامر بصلاتها من الغد، وهذا دليل على خطأ المتفرد بهذه الجملة. ثم وجدت في سنن النسائي (ج 1: ص 101) من طريق ثابت البناني عن عبد الله بت رباح عن أبي قتادة (أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما ناموا عن الصلاة حتى طلعت الشمس قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فليصلها أحدكم من الغد لوقتها) وكذلك في صحيح مسلم (فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها) (ج 1: ص 189 و 190) وكذلك في سنن أبي داود (ومن الغد للوقت) وهو ظاهر في الامر بالحرص على أدائها في اليوم الثاني لوقتها، فلعل خالد بن سمير لما سمع هذا فهم أن معناه يعيد الصلاة ثاني يوم مع صلاة الوقت فروى الحديث بالمعنى الذي فهم فأخطأ فيه، وهو قريب جدا 19 حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن مسرة ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أسامة عن هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن الحصين قال: (أسرينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم عرس بنا من آخر الليل، فاستيقظنا وقد طلعت الشمس، فجعل الرجل منا يثور إلى طهوره دهشا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارتحلوا، قال: فارتحلنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزلنا، فقضينا من جوائجنا، ثم توضأنا، ثم أمر بلالا فأذن فصلى ركعتين، ثم أقام بلال فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث (1). حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا هشيم أخبرنا حصين ثنا عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة أبيه قال: (سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ونحن في سفر ذات
(1) الحديث سيرويه المؤلف قريبا من طريق أبى داود مختصرا. وقد رواه البيهقي (ج 2: ص 217) من طريق مكي بن إبراهيم عن هشام، والدار قطني (ص 148) من طريقين عن روح بن عبادة عن هشام، ومن طريق ثالثة عن الأعمش عن إسماعيل عن الحسن. ورواه ابن حزم في الأحكام (ج 7: ص 108) من طريق ابن المديني عن عبد الأعلى عن هشام وعندهم كلهم في آخره (فقلنا يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال: لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم) هذا لفظ الأحكام. وقد ضعف المؤلف هذا الحديث هناك بالاختلاف في سماع الحسن من عمران وقد رجح البزار أنه سمع منه، وكذلك رجح الحاكم في المستدرك (ج 1: ص 274) حيث روى الحديث مختصرا وقال (صحيح على ما قدمنا ذكره من صحة سماع الحسن عن عمران) ووافقه الذهبي في مختصره. ويؤيده ان ابن حزم نفسه سيحتج بعد صحف قليلة برواية يونس عن الحسن عن عمران ويرجحها على غيرها. فهل لنا أن نقول له كما يقول لخصومه انه لا ينظر الا إلى نصر المسألة الحاضرة فقط، وان ناقض كلامه في ذات البحث في مسألة أخرى! اللهم غفرا (2) في اليمنية (سرينا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) * 20 ليلة، فقلنا: يا رسول الله، لو عرست بنا؟ قال: إني أخاف أن تناموا عن الصلاة، فمن يوقظنا بالصلاة؟ قال بلال: أنا يا رسول الله، فعرس القوم، واستند (1) بلال إلى راحلته، فغلبته؟ عيناه، واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بدأ حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما ألقيت على نومة مثلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله قبض أرواحكم حين شاء، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشروا لحاجاتهم (2)، وتوضأوا، وارتفعت الشمس، فصلى بهم الفجر (3) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا علي بن حجر أنا إسماعيل هو ابن جعفر ثنا العلاء بن عبد الرحمن: أنه دخل على انس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، قال: وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: صليتم (4) العصر؟ قلنا: لا، إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا فصلينا فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تلك صلاة المنافقين (5)، جلس يرقب العصر حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها ألا قليلا. ورويناه من طريق مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تلك صلاة المنافقين (6) يجلس أحدهم (7)
(1) في اليمنية (فاستند) (2) في اليمنية (لحاجتهم) (3) رواه البخاري في المواقيت (ج 1: ص 87) وفى التوحيد (ج 3: ص 339) باسنادين عن حصين مختصرا. ورواه البيهقي أيضا مختصرا (ج 1: ص 403 و ج 2 ص: 216) ورواه غيرهما (4) في النسائي (ج 1: ص 89) (أصليتم) باثبات همزة الاستفهام (5) في النسائي (تلك صلاة المنافق) وهو أجود (6) في الموطأ (ص 76) بتكرار (تلك صلاة المنافقين) ثلاث مرات (7) في الأصلين (أحدكم) وصححناه من الموطأ 21 حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني الشيطان (1) أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا (2) وبما ذكرناه (3) قبل في مسألة الركعتين بعد العصر من قول ابن مسعود: يطيلون الخطبة ويؤخرون الصلاة حتى يقال هذا شرق الموتى، فقيل لابن مسعود: وما شرق الموتى؟ قال: إذا اصفرت الشمس جدا، فمن أدرك ذلك منكم فليصل الصلاة لوقتها، فان احتبس فليصل معهم، وليجعل صلاته وحده الفريضة، وصلاته معهم تطوعا. والحديث الذي ذكرناه من طريق أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟! قلت فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فان أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة) وقالوا: صح نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة جملة في الأوقات المذكورة، ونهيه عليه السلام عن الصيام جملة (4) في يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق، وصح أمره بقضاء الصلوات من نام عنها أو نسيها، وبالنذر، وبما ذكرتم من النوافل، وبقضاء الصوم للحائض والمريض والمسافر،
(1) في المصرية (شيطان) وهو خطأ (2) هكذا ورد في هذا الحديث وفى أحاديث أخرى أن الشمس تطلع وتغرب بين قرني الشيطان، فظن بعض الشارحين انها على ظاهرها، واعترض كثير من الناس على هذه الأحاديث ممن أشربت أنفسهم الجرأة على تكذيب كل حديث لا يوافق آراءهم بل أهواءهم بل أذواقهم، وهم خليون إلا من الأهواء. وبديه أن الشمس في كل لحظة تشرق على قوم وتغرب عن آخرين. فالمراد من الحديث ومن الأحاديث الأخرى التمثيل أي ان الشيطان يقارن عبدة الشمس فيسول لهم أن يسجدوا لها عند الشروق وعند الاستواء وعند الغروب فكأنهم إذ يسجدون لها يسجدون لوجه الشيطان الذي يزين لهم ذلك في قلوبهم. والحديث رواه أيضا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (3) في اليمنية؟ (ولما ذكرناه) وما هنا أصح) 4) في اليمنية (جملة واحدة) وهذه الزيادة لا معنى لها * 22 والنذر والكفارات: فلم تختلفوا معنا في أن لا يصام شئ (1) من ذلك في الأيام المنهى (2) عن صيامها، وغلبتم النهى على الامر، فوجب أن يكون كذلك في نهيه عن الصلاة في الأوقات المذكورة، مع أمره عليه السلام بما أمر به من الصلوات وقضائها، وإلا فلم فرقتم بين النهيين والامرين؟ فغلبتم في الصوم النهى على الامر، وغلبتم في الصلاة الامر على النهى؟! وهذا تحكم لا يجوز. وقالوا: يمكن أن يكون قوله عليه السلام فيمن أدرك ركعة من صلاة الصبح ومن العصر قبل طلوع الشمس (3) وقبل غروبها فقد أدرك الصبح: قبل النهى عن الصلاة في الأوقات المذكورة. قال على: هذا كل ما اعترضوا به، مالهم اعتراض غيره أصلا، ولسنا نعنى أصحاب أبي حنيفة، فإنهم لا متعلق لهم بشئ مما ذكرنا، إذ ليس منها خبر إلا وقد خالفوه، وتحكموا فيه بالآراء الفاسدة، وإنما نعنى من ذهب مذهب المتقدمين في تغليب النهى جملة فقط. قال على: وكذلك أيضا لا متعلق للمالكيين بشئ مما ذكرنا من الآثار، لأنه ليس منها شئ إلا وقد خالفوه، وتحكموا فيه، وحملوا بعضه على الفرض وبعضه على التطوع بلا برهان، وإنما نعنى من ذهب مذهب المتقدمين في تغليب الامر جملة: والكلام إنما هو بين هاتين الطائفتين فقط. قال على: كل هذا لا حجة لهم فيه. أما حديثا (4) أبى قتادة وعمران بن الحصين فإنهما قد جاءا ببيان زائد، كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن ثابت البناني عن عبد الله بن
(1) في اليمنية (بشئ) وهو خطأ (2) في اليمنية (النهى) وهو خطأ (3) كلمة (الشمس) محذوفة هنا في اليمنية وهو خطأ (4) في الأصلين (حديث) بالافراد، وهو خطأ * 23 رباح عن أبي قتادة فذكر الحديث وفيه:) مال (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم وملت معه، فقال: انظر، فقلت: هذا راكب (2)، هذان راكبان (3)، هؤلاء ثلاثة حتى صرنا سبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إحفظوا علينا صلاتنا يعنى صلاة الفجر، فضرب على آذانهم، فما أيقظهم إلا حر الشمس، فقاموا فساروا هنيهة ثم نزلوا فتوضأوا (4)، وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر وركبوا، فقال بعضهم لبعض: لقد فرطنا في صلاتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فمن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها (5) إذا ذكرها) وذكر باقي الخبر (6) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا وهب بن بقية عن خالد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عمران بن الحصين: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مسير له، فناموا عن صلاة الفجر، فاستيقظوا بحر الشمس، فارتفعوا قليلا حتى استقلت الشمس، ثم أمر مؤذنا فأذن فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم أقام ثم صلى الفجر (7). فهذا يونس عن الحسن وثابت البناني عن عبد الله بن رباح (8) وهما أحفظ
(1) في الأصلين (قال) وهو خطأ ظاهر (2) في اليمنية (هذا ركب) وهو خطأ (3) في المصرية (هذا راكبان) وهو خطأ (4) في اليمنية (فتبادروا) وهو خطأ (5) في اليمنية (فليصليها) وهو خطأ (6) رواه أبو داود (ج 1: ص 167 و 168) عن موسى بن إسماعيل عن حماد به مختصرا كما هنا، وفي آخره (فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت) ورواه أحمد (ج 5: ص 298) عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت مطولا. ورواه مسلم مطولا أيضا (ج 1: ص 189 و 190) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت، وكذلك البيهقي (ج 2: ص 216) (7) في اليمنية بحذف كلمة (الفجر) وهو خطأ، والحديث في أبى داود (ج 1: ص 169 و 170) ورواه أيضا الدارقطني (ص 147) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد عن يونس، وكذلك رواه البيهقي (ج 1: ص 404) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن يونس. وقد سبق قريبا باسناد آخر وتكلمنا عليه (8) رباح بفتح الراء والباء الموحدة، وفي اليمنية (رياح) بالياء المثناة وهو تصحيف * 24 من خالد بن سمير ومن هشام بن حسان يذكران أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستيقظ إلا بحر الشمس، وبضرورة الحس والمشاهدة يدرى كل أحد أن حر الشمس لا يوقظ النائم إلا بعد صفوها وابيضاضها وارتفاعها، وأما قبل ذلك فلا: وليس في حديث عبد الله بن أبي قتادة أنه عليه السلام أمرهم بالانتظار أصلا، وإنما أمرهم بالانتشار للحاجة ثم الوضوء ثم الصلاة فقط * وإذ ذلك فقد وجب أن ننظر ما الذي من أجله أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في ذلك اليوم؟ وحتى لو لم يذكر حر الشمس في شئ من هذا الخبر لما كان فيه حجة لمن زعم أنه عليه السلام إنما أخر الصلاة من أجل أن الشمس لم تكن صفت ولا ابيضت: لأنه ليس في شئ من الاخبار أصلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما أخرت الصلاة من أجل أن الشمس لم تبيض ولا ارتفعت بعد، ولا أنه عليه السلام قال، أمهلوا حتى ترتفع الشمس وتبيض، وإنما ذلك ظن من بعض الرواة وقد قال الله تعالى: (ان الظن لا يغنى من الحق شيئا) * على أنه لم يقل قط أبو قتادة ولا عمران رضي الله عنهما: أن تأخيره عليه السلام الصلاة إنما كان لان الشمس لم تكن ابيضت ولا ارتفعت، وإنما ذكروا صفة فعله عليه السلام فقط، فحصل من قطع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أخر الصلاة يومئذ من أجل أن الشمس لم تكن ابيضت ولا ارتفعت: على قفو ما ليس له به علم، وعلى الحكم بالظن، وكلاهما محرم بنص القرآن: وعلى الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذا عظيم جدا * فوجب أن نطلب السبب الذي من أجله أخر عليه السلام الصلاة في
25 ذلك اليوم: ففعلنا، فوجدنا ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج: حدثني محمد بن حاتم ثنا يحيى بن سعيد هو القطان ثنا يزيد بن كيسان ثنا أبو حازم هو سلمان (1) الأشجعي عن أبي هريرة قال: عرسنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته، فان هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة (2) * وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود السجستاني ثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبان هو ابن يزيد العطار (3) ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في هذا الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة، فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى (4) * قال على: فارتفع الاشكال جملة والحمد لله، وصح يقينا أنه عليه السلام إنما أخر الصلاة ليزولوا عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة، وحضرهم فيه الشيطان فقط، لا لان الشمس لم تكن ارتفعت. *
(1) في المصرية (سليمان) وهو خطأ (2) صحيح مسلم (ج 1: ص 189) (3) بالعين وآخره راء، وفى اليمنية (القطان) وهو خطأ (4) رواه أبو داود (ج 1: ص 166 و 167) وقال عقبه) رواه (مالك وسفيان بن عيينة والأوزاعي وعبد الرزاق عن معمر وابن إسحاق لم يذكر أحد منهم الاذان في حديث الزهري هذا ولم يسنده منهم أحد إلا الأوزاعي وأبان العطار عن معمر). ولا بأس عليهما من ذلك، فإنها زيادة ثقة وهي مقبولة. وقد تأيدت برواية هشام ويونس عن الحسن عن عمران وبروايات حديث أبي قتادة وفيها كلها أنه أمر بالاذان * 26 وقد قال (1) بعضهم انها حينئذ بين قرني الشيطان فالعلة موجودة * قال على: وهذا تخديش في الرخام (2)، ولم يقل عليه السلام: إن تأخيره الصلاة من أجل كون الشمس بين قرني الشيطان، وإنما قال: (منزل حضرنا فيه الشيطان) وحضور الشيطان في منزل قوم هو بلا شك من كل ذي فهم غير كون الشمس بين قرني الشيطان: فظهر كذب هذا القائل يقينا. وبالله تعالى التوفيق * ووجه رابع هو: أنه حتى لو صح لهم أن تردده عليه السلام كان من أجل أن الشمس لم تكن ابيضت بعد وهذا لا يصح أبدا لكان قوله في ذلك الحديث نفسه بعد صلاته بهم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) وفي بعض ألفاظ الرواة (فليصلها حين يذكرها): ناسخا لفعله في تأخير الصلاة لأنه بعده * فان قيل (3): فهلا جعلتموه ناسخا لتحولهم عن المكان؟ قلنا: لا يجوز ذلك، لان قوله عليه السلام: (إذا ذكرها) و (حين يذكرها)، قصد منه إلى زمان تأديتها، وليس فيه حكم لمكان (4) تأديتها، فلا يكون لما ليس فيه خلاف بحكمه أصلا، وهذا غاية الحقيقة والبيان. ولله الحمد * واما حديث انس (تلك صلاة المنافقين): فلا حجة لهم فيه أصلا، لوجوه * أحدها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذم في ذلك الحديث تأخير الصلاة فقط وحده، وإنما ذم التأخير مع كونه ينقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا، وهذا بلا شك مذموم، أخر الصلاة أو لم يؤخرها. وهذا مثل
(1) في المصرية (وقال) (2) هكذا في المصرية بالخاء المعجمة، فإن كان صوابا فمعناه أن المعترض بهذا كمن يحاول خدش الرخام الصلب بأظفاره، فلن يؤثر عمله في الرخام الصلب بأظفاره، فلن يؤثر عمله في الرخام ولكنه يؤذى نفسه. وفى اليمنية بالحاء المهملة. والله أعلم بالصواب (3) في اليمنية (فان قالوا) (4) في اليمنية (لزمان) وهو خطأ * 27 قوله تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) * وأيضا فإنه قد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بأن من أدرك من الصبح ركعة ومن العصر ركعة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فقد أدرك الصلاتين، فمن الباطل المحال أن يكون المدرك للصلاة عاصيا بها ومصليا صلاة المنافقين، ولا يختلف اثنان في أن من أدرك الصلاة في وقتها فقد أدى ما أمر، وليس عاصيا، وإن كان قد ترك الأفضل * وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا مروان بن معاوية الفزاري أنا إسماعيل بن أبي خالد ثنا قيس بن أبي حازم سمعت جرير بن عبد الله يقول (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فان استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعنى العصر والفجر (1) * وبه إلى مسلم: حدثنا أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم وأبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد ومسعر بن كدام أنهما سمعا أبا بكر بن عمارة بن رؤيبة (2) عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعنى الفجر والعصر). هكذا في الحديث نصا * قال على: فإذ هذا كذلك فظاهر الخبر (3) أنه عليه السلام عنى من أخر صلاة لا يحل تأخيرها إلى ذلك الوقت، وهذا في غير العصر بلا شك، لكن
(1) هو في صحيح مسلم (ج 1: ص 175) (2) بضم الراء مصغر وفى اليمنية (دويبة) بالدال وهو خطأ والحديث في مسلم (ج 1: ص 175) (3) في اليمنية (فظاهر الحديث) * 28 في الظهر المتعين تحريم تأخيرها إلى ذلك الوقت (1)، كما أخبر عليه السلام أن التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى * فان قالوا (2) في خبر أنس: (جلس يرقب (3) وقت العصر) قلنا: نعم، وإذا أخر الظهر إلى وقت العصر راقبا للعصر فقد عصى الله تعالى، فبطل تعلقهم بهذا أيضا. والحمد لله رب العالمين * وأما حديث ابن مسعود فحجة لنا عليهم ظاهرة، لأنه لم يعن بيقين إلا صلاة الجمعة تؤخر إلى ذلك الوقت، بقوله (يطيلون الخطبة ويؤخرون الصلاة) وأيضا فإنه رضي الله عنه أجاز التطوع معهم إذا اصفرت الشمس، في ذلك الخبر نفسه، فصح أن ابن مسعود موافق لنا في هذا * وأما حديث أبي ذر فكذلك أيضا، وهو خبر موافق لنا، ولله الحمد، لان نصه (4) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يؤخرون الصلاة عن وقتها) وقد صح أن ما لم تغرب الشمس فهو وقت للدخول في صلاة العصر، وما لم تطلع الشمس فهو وقت للدخول في صلاة الصبح. فبطل تعلقهم بجميع الآثار. ولله الحمد * وأما قولهم: لعل قوله صلى الله عليه وسلم: من أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح كان قبل النهى عن الصلاة في الأوقات المذكورة: فخطأ، لان لعل لا حكم لها، وإنما هي ظن. وأيضا فالبرهان قد صح أن (5) قوله عليه السلام: (من أدرك ركعة) متأخر عن أخبار النهى أن أبا هريرة هو روى (من أدرك ركعة) وهو متأخر الصحبة
(1) قوله (لكن في الظهر) إلى هنا سقط من اليمنية وهو خطأ (2) في المصرية (وان قالوا) (3) في اليمنية بحذف كلمة (يرقب) وهو خطأ (4) في اليمنية (لان نفسه) وهو خطأ لا معنى له. (5) في اليمنية (وأيضا فان البرهان قد صح بأن) الخ * 29 وروى أخبار النهى عمر بن الخطاب وعمرو بن عبسة، (1) واسلامهما قديم. وبالجملة فلا يقدح (2) في أحد الخبرين تأخره (3) ولا تقدمه، إذا أمكن استعمالهما وضم أحدهما إلى الآخر، فالواجب الاخذ بجميعها كما قدمنا. وبالله تعالى التوفيق * وأما قولهم: إننا قد أجمعنا (4) على تغليب خبر النهى عن صوم يومى (5) الفطر والنحر وأيام التشريق على أحاديث الامر بقضاء رمضان والنذر والكفارات، فكذلك يجب أن نغلب (6) أخبار النهى عن الصلاة في الأوقات المذكورة على أحاديث الامر بقضاء الصلاة المنسية والمنوم عنها (7) والنذر وسائر ما أمر به من التطوع: فهذا قياس، والقياس كله باطل * ولعل هذا يلزم من قال بالقياس من المالكيين والشافعيين، إلا أنهم أيضا يعارضون الحنفيين في هذا القياس، بأن يقولوا لهم: أنتم أول من نقض هذا القياس، ولم يطرده، فأجزتم (8) صلاة عصر اليوم في الوقت المنهى عن الصلاة فيه، ولم تقيسوا عليه الصبح، ولا قستموها على الصبح، ثم زدتم ابطالا لهذا القياس، فجعلتم بعض الوقت المنهى عن الصلاة فيه جملة يقضى فيه الفرض (9) ويسجد فيه للتلاوة ويصلى فيه على الجنازة ولا يصلى فيه صلاة منذورة، وجعلتم بعضه لا يصلى فيه شئ من ذلك كله، فلم تقيسوا صلاة في بعض الوقت على صلاة في سائره، وكان هذا أصح في القياس،
(1) عبسة - بفتح العين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة وفى الأصلين (عنبسة) بزيادة نون وهو خطأ وتحريف (2) في المصرية (ولا يقدح) وفى اليمنية (فلا فلاح) بدون نقط ولا معنى لليمنية، والمصرية أصح إلا أن الواو لا موضع لها في سياق الكلام، فجمعنا بينهما ورأينا الصواب أن يكون (فلا يقدح) (3) في المصرية (تأخيره) وما هنا أصح. (4) في اليمنية (وأما قولهم إذا قد أجمعنا) وما هنا أصح (5) في المصرية (يوم) وهو خطأ (6) في المصرية (تغلب) (7) في اليمنية (والنوم عنها) وهو خطأ (8) في المصرية (فأخرتم) وهو تصحيف (9) في اليمنية (تقضى فيه الفروض) * 30 وأولى من قياس حكم صلاة على صوم * وأما قولهم؟ لنا: لم فرقتم بين الامرين والنهيين؟ فجوابنا وبالله تعالى التوفيق: اننا فعلنا ذلك لان النصوص جاءت مثبتة (1) لتغليب أحاديث الامر بالصلوات جملة على أحاديث النهى عن الصلاة في تلك الأوقات، وبعضها متأخر ناسخ للمتقدم، ولم يأت نص أصلا بتغليب الامر بالصوم على أحاديث النهى، بل صح الاجماع المتيقن على وجوب تغليب النهى عن صيام يوم الفطر (2) والنحر (3) على أحاديث إيجاب القضاء والنذور والكفارات، وكان قوله عليه السلام في أيام التشريق إنها (4) أيام أكل وشرب موجبا للاكل والشرب فيها، فلم يجز أن تصام بغير نص جلي فيها بخلاف ما جاء في الصلاة. وبالله تعالى التوفيق. فسقط كل ما شغبوا به ولله الحمد * وأما جواز ابتداء التطوع بعد العصر ما لم تصفر الشمس وجواز التطوع بعد الفجر ما لم تصل صلاة الفجر على كل حال: فلما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا عمرو بن علي ثنا عبد الرحمن ابن مهدي ثنا شعبة وسفيان الثوري كلاهما عن منصور بن المعتمر عن هلال ابن يساف (5) عن وهب بن الأجدع عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة) * وهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور. وسائر الرواة أشهر من أن يسال عنهم. وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها *
(1) من أول قوله (فجوابنا) إلى هنا سقط من اليمنية وهو خطأ (2) في اليمنية (تغليب النهى على صيام الفطر) وهو خطأ (3) في المصرية (وعلى) وزيادة الواو خطأ. (4) في اليمنية بحذف (انها) (5) يساف - بكسر الياء المثناة وتخفيف السين المهملة. ويقال (اساف) بالهمزة بدل الياء وهكذا هو في المصرية، وفى اليمنية (يسار) بالراء في آخره وهو خطأ * 31 وأما من طلوع الفجر إلى صلاة الصبح فلحديث عمرو بن عبسة (1) الذي ذكرنا في صدر هذه المسألة، الذي فيه: (فصل (2) ما شئت فان الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلى الصبح، ثم أقصر حتى تطلع الشمس) * وبما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح أنا ابن وهب عن يونس هو ابن يزيد عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أخبراه (3) عن عبد الرحمن بن عبد القاري (4) قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه ما بين (5) صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل) * قال علي: والرواية في أن (لا صلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتي الفجر) ساقطة مطرحة (6) مكذوبة كلها، لم يروها أحد إلا من طريق عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم (7)، وهو هالك، أو من طريق أبي بكر بن محمد، وهو مجهول
(1) في المصرية (عنبسة) وهو خطأ (2) في اليمنية (فصلى) باثبات الياء وهو لحن (3) في اليمنية (وأخبراه) وهو خطأ (4) (عبد) بالتنوين، و (القارى) بتشديد الباء نسبة إلى أحد أجداده وهو القارة ابن الدبش (5) في مسلم (ج 1: ص 207) (فيما بين) (6) في لسان الميزان نقلا عن المحلى (مطروحة) وما هنا أحسن. (7) أنعم - بفتح الهمزة واسكان النون وضم العين المهملة. وعبد الرحمن هذا هو الإفريقي القاضي بإفريقية مات سنة 156 وقد جاوز المائة، وليس بها لك كما زعم ابن حزم وهو ثقة عدل أنكروا عليه أحاديث، وهذا ما لا يخلو منه أكثر الرواة. قال أبو داود: (قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم، قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم) وقال الترمذي: (رأيت محمد بن إسماعيل يقوى أمره ويقول: هو مقارب الحديث). وقال أحمد بن صالح أيضا: (من تكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات). وقال أبو العرب القيرواني: (كان ابن أنعم من أجلة التابعين، عدلا في قضائه صلبا، أنكروا عليه أحاديث). ووثقه سحنون أيضا. وقال أبو بكر بن أبي داود: (إنما تكلم الناس في الإفريقي وضعفوه لأنه روى عن مسلم بن يسار فقيل له: أين رأيته؟ فقال: بإفريقية، فقالوا، ما دخل مسلم بن يسار إفريقية قط، يعنون البصري، ولم يعلموا أن مسلم بن يسار آخر يقال له أبو عثمان الطنبذى وكان الإفريقي رجلا صالحا) وهذه الأقوال نقلناها من التهذيب، الا أن كلمة أبى بكر بن أبي داود الأخيرة ففيها سقط من الطبع في التهذيب صححناه من نيل الأوطار (ج 2 ص 41) 32 لا يدري من هو، وليس هو ابن حزم، أو من طريق أبي هارون العبدي، وهو ساقط، أو من طريق يسار مولى ابن عمر، وهو مجهول ومدلس، عن كعب بن مرة ممن لا يدري من هو (1).
(1) قوله (عن كعب بن مرة) هكذا هو في الأصلين (عن) وكذلك نقله ابن حجر في لسان الميزان عن المؤلف. وهو خطأ في أصل الكتاب صوابه (وعن كعب بن مرة) بزيادة الواو أي انهما اسنادان في أحدهما يسار مولى ابن عمر، وفى الآخر كعب، والدليل على هذا أن يسارا إنما روى الحديث عن مولاه عبد الله بن عمر. كما سترى. أما الحديث المذكور فان ابن حزم شط جدا في الحكم بكذبه. قال ابن حجر في لسان الميزان في ترجمة المؤلف (ج 4: ص 201): (ذكر نبدة من أغلاطه في وصف الرواة: قال في الكلام على حديث - لا صلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتي الفجر - الرواية في هذا الباب ساقطة مطروحة مكذوبة، فذكر منها طريق يسار مولى ابن عمر عن كعب بن مرة قال: ويسار مجهول ومدلس وكعب لا يدرى من هو. قال القطب: يسار قال أبو زرعة ثقة). وأيضا فقد ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الشوكاني في نيل الأوطار (ج 3: ص 111) من الطبعة المنيرية (وقد أفرط ابن حزم فقال) الخ وذكر كلام المؤلف. وحديث يسار هذا رواه أبو داود (ج 1: ص 494) والدار قطني من طريقه (ص 161) والبيهقي (ج 2: ص 165) من طريق وهيب عن قدامة بن موسى عن أيوب بن الحصين عن أبي علقمة مولى ابن عباس عن يسار مولى ابن عمر عن ابن عمر. ورواه البيهقي أيضا (ج 2: ص 465) من طريق سليمان بن بلال عن قدامة عن أيوب بهذا. ورواه الترمذي (ج 1: ص 85) ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل (ص 79) والبيهقي أيضا (ج 2: ص 465) من طريق الدراوردي عن قدامة بهذا الاسناد إلا أنه سمى شيخ قدامة (محمد بن الحصين) وألفاظهم متقاربة * وأطولها لفظ البيهقي من طريق سليمان بن بلال. قال يسار: (قمت أصلي بعد الفجر فصليت صلاة كثيرة، فحصبني عبد الله بن عمر، وقال: يا يسار كم صليت؟ قال قلت: لا أدري، فقال عبد الله: لادريت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلى هذه الصلاة فتغيظ علينا تغيظا شديدا، ثم قال ليبلغ شاهدكم غائبكم لا صلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتي الفجر) وكذلك هذه القصة في رواية المروزي والدار قطني، وفى رواية أبى داود ان ابن عمر رأى يسارا يصلى فأخبره بالحديث فلا أدرى بعد هذا كيف يضعفه المؤلف بان يسارا مدلس!، وما وصفه بهذا أحد ولو كان مدلسا فالقصة صريحة في أنه سمعه من ابن عمر فزال خوف التدليس. واسناد الحديث كلهم ثقات، وإنما اختلفوا في محمد بن الحصين فقال الدارقطني مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، واختلافهم في اسمه هل هو محمد أو أيوب قليل الأثر، فقد رجح أبو حاتم أنه (محمد) وكذلك ابن حجر وقال: (أما أبوه فهو حصين وكنيته أبو أيوب فلعل من سماه أيوب وقع له غير مسمى فسماه بكنية أبيه) وهو قريب جدا. فالضعف في هذه الأسانيد محتمل، وقد جبر بروايته من طرق أخرى. فان الحديث إذا روى من طريقين فيهما ضعف قليل وكان الضعف من قبل سوء الحفظ أو الخطأ في الرواية أيدت احدى الروايتين الأخرى. أما إذا كان الضعف من قبل عدم الوثوق بالراوي لتهمته في العدالة فلا ولا كرامة بل لا يزيده ذلك الا ضعفا. وأما طريق عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي فقد روى المروزي في قيام الليل (ص 79) من طريق عيسى بن يونس والدار قطني (ص 161) والبيهقي (ج 2: ص 465 و 466) من طريق سفيان الثوري والبيهقي أيضا (ج 2: ص 465) من طريق ابن وهب كلهم عن الإفريقي عن عبد الله بن يزيد أبى عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يقول: (لا صلاة بعد طلوع الفجر الا ركعتي الفجر) وهذا اسناد صحيح على ما رجحناه في الإفريقي انه ثقة وقد تأيد بحديث ابن عمر. وأما طريق أبى بكر بن محمد فقد ذكرها ابن حجر في التلخيص (ص 71) نقلا عن الطبراني من حديث عبد الرزاق عن أبي بكر بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، ثم قال: (وينظر في سنده) ونقله الزيلعي في نصب الراية (ج 1 ص 134) عن الطبراني باسناده، ولفظه كلفظ حديث الإفريقي. وأبو بكر هذا الذي في الاسناد ظن ابن حجر في مختصر نصب الراية أنه ابن أبي سبرة وأنا أرجح هذا لأنه معروف بالرواية عن موسى بن عقبة ومن شيوخ عبد الرزاق وهو (أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة) وقد ينسب إلى جده وهو ضعيف جدا. وأما طريقا أبى هارون العبدي وكعب بن مرة فلم أجدهما بعد طول التتبع فالله أعلم بهما. 33 وقد قال بهذا جماعة من السلف، كما روينا من طريق وكيع عن أفلح ابن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: كنا نأتي عائشة أم المؤمنين قبل
34 صلاة الفجر، فأتيناها يوما فإذا هي تصلي، فقلنا: ما هذه الصلاة؟ فقالت إني نمت عن حزبي فلم أكن لأدعه * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري والمعتمر بن سليمان التيمي كلاهما عن ليث عن مجاهد قال: مر ابن مسعود برجلين يتكلمان بعد طلوع الفجر، فقال: يا هذان إما ان تصليا وإما أن تسكتا * وعن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح (1): أن طاوسا قال لمجاهد: أتعقل؟! إذا طلع الفجر فصل ما شئت * وعن عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمي عن أبيه عن الحسن البصري قال: صل بعد الفجر ما شئت * ومن طريق شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه (2) أنه كان لا يرى بأسا بأن يصلي بعد الفجر أكثر من ركعتين * وروينا ذلك أيضا عن عطاء بن أبي رباح وغيره * قال علي: والعجب كله من تعلق هؤلاء القوم بحديث عقبة بن عامر الجهني، وفيه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن نقبر فيهن موتى المسلمين وهي: حين تطلع (3) الشمس بازغة (4) حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب، ولم يأت قط خبر يعارض (5) هذا النهى أصلا، ثم لا يبالون باطراحه، فيجيزون أن تقبر الموتى في هذه الأوقات، دون أن يكرهوا ذلك، ثم يحرمون قضاء التطوع، وبعضهم قضاء الفرض، وقد جاءت النصوص معارضة لهذا النهى (6)! * قال علي: ولا يحل دفن الموتى في هذه الساعات البتة. وأما الصلاة عليهم فجائزة بها، للامر بذلك عموما *
(1) في اليمنية (عن أبي نجيح) وهو خطأ (2) كلمة (عن أبيه) سقطت من المصرية وزدناها من اليمنية (3) في اليمنية (حتى تطلع) وهو خطأ (4) في اليمنية بحذف (بازغة) (5) في اليمنية (معارض) (6) حديث عقبة بن عامر رواه الجماعة الا البخاري 35 ولما حدثنا حمام بن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا سفيان هو ابن عيينة قال سمعت عبيد الله بن عمر كم مرة يقول: سمعت نافعا يقول: سمعت ابن عمر يقول: لست أنهى أحدا صلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار، ولكني أفعل كما رأيت أصحابي يفعلون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها (1) * قال علي: فإنما نهى عليه السلام عن تحرى الصلاة والقصد إليها في هذين الوقتين وفي وقت الاستواء فقط. وصح بهذا أن التطوع المأمور به والمندوب إليه يصلى في هذه الأوقات هو عمل الصحابة رضي الله عنهم، لان ابن عمر أخبر أنه (2) إنما يفعل كما رأى أصحابه يفعلون، وهو كما ذكرنا عنه آنفا يصلى إثر الطواف بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، وبعد العصر قبل غروب الشمس (3) * وأما من رأى من أصحابنا النهى عن الصلاة بعد صلاة العصر (4) منسوخا بصلاته (5) عليه السلام الركعتين: فكان يصح هذا لولا حديث وهب بن الأجدع الذي ذكرنا، من اباحته عليه السلام الصلاة بعد العصر ما دامت الشمس مرتفعة. فبطل النسخ في ذلك، وصح أن النهى ليس إلا عن القصد بالصلاة إذا اصفرت الشمس وضافت للغروب (6) فقط. وبالله
(1) في الموطأ (ص 76) (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا يتحرى أحدكم فيصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها) ورواه الشيخان من طريق مالك. وفى البخاري من طريق حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: (أصلى كما رأيت أصحابي يصلون، لا انهى أحدا يصلى بليل ولا نهار ما شاء غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها) انظر العيني (ج 5: ص 83) والفتح (ج 2: ص 41 و 42) والاسناد الذي روى به المؤلف اسناد صحيح (2) كلمة (انه) زدناها من اليمنية (3) قوله (وبعد العصر) الخ سقط من اليمنية (4) في اليمنية (بعد العصر) (5) في اليمنية (لصلاته) (6) ضافت الشمس: مالت للغروب 36 تعالى التوفيق * وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن منصور ثنا سفيان بن عيينة قال سمعت من أبى الزبير قال: سمعت عبد الله ابن باباه (1) يحدث عن جبير بن مطعم أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) يا بنى عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية (2) ساعة شاء من ليل أو نهار) * قال على: واسلام جبير متأخر جدا، إنما أسلم يوم الفتح. وهذا بلا شك بعد نهيه عليه السلام عن الصلاة في الأوقات المذكورة فوجب استثناء كل ذلك من النهى. وبالله تعالى التوفيق * 287 مسألة ولا يجوز أن تخص ليلة الجمعة بصلاة زائدة على سائر الليالي لما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كريب ثنا حسين (3) الجعفي عن زائدة عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تختصوا (4) ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي). وذكر باقي الحديث * 288 مسألة وخير الاعمال ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمله وما دووم عليه وان قل، وذلك أحب الينا من الزيادة عليه * برهان ذلك قول الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وما كان عليه السلام ليدع الأفضل * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن
(1) باباه - بموحدتين بينهما الف، ويقال: بأبيه بتحتانية بدل الألف الثانية، ويقال: بابى بحذف الهاء (2) في الأصل (أي) وصححناه من النسائي (ج 1: ص 98) والحديث رواه الجماعة إلا الشيخان ورواه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والدار قطني كما في الشوكاني (ج 3: ص 115) ورواه أيضا البيهقي (ج 2: ص 461) (3) في المصرية (حسن) وهو خطأ (4) في الأصلين (لا تخصوا) وصححناه من مسلم (ج 1: ص 314 و 315) قال النووي وقد جاء هكذا بزيادة التاء * 37 محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب هو الثقفي ثنا عبيد الله هو ابن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أيها الناس، عليكم من الاعمال ما تطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الاعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) (1) * 289 - مسألة وصلاة التطوع في الجماعة أفضل منها منفردا، وكل تطوع، فهو في البيوت أفضل منه في المساجد إلا ما صلى منه جماعة في المسجد فهو أفضل (2) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر (3) بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وسوقه (4) خمسا وعشرين (5) درجة) وذكر باقي الحديث (6) * وهذا عموم لكل صلاة فرض أو تطوع * وقد روينا من طريق مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن انس: (أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته فاكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي (7) لكم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت (8)
(1) في مسلم (ج 1: ص 217) (2) هنا بحاشية اليمنية ما نصه (قال ابن حزم ما كان عليه السلام ليدع الأفضل، وهذا في هذه الوجهة، ثم قال هنا: الجماعة أفضل للمتطوع وقد علم كل عالم ان عامة تنفل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان منفردا، فعلى ما أصل ابن حزم كيف كان يدع الأفضل! فعلمنا بهذا ان صلاة الجماعة تفضل بخمسة وعشرين درجة إذا كانت فريضة لا تطوعا) وهو نقد وجيه، وهو الحق (3) في اليمنية (ثنا معاوية) وهو خطأ * (4) في أبى داود (ج 1: ص 219) (وصلاته في سوق) (5) في اليمنية (خمسة وعشرين) وهو خطأ (6) نسبه المنذري أيضا إلى البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة (7) هكذا هو في البخاري (ج 1: ص 60) من طريق مالك باثبات الياء وكذلك في مسلم من طريق أخرى (ج 1 ص 183) وانظر توجيهه في شرح العيني على البخاري (ج 4 ص 109 و 112). وفى اليمنية (فلأصل) بحذف الياء وما هنا أصح (7) في اليمنية (وصفت) بفاء واحدة وهو خطأ. والحديث رواه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي كما في شرح العيني 38 أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين وانصرف) وقد صلى عليه السلام بالناس في المسجد تطوعا إذ أمهم على المنبر وفي بيت عتبان بن مالك * وقد صلى ابن الزبير بالناس في المسجد الحرام ركعتين بعد العصر جماعة (1). وكذلك أنس أيضا * وبه إلى أبى داود: ثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبي النضر عن أبيه عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجد (2) إلا المكتوبة) * وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي: ثنا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر والنعمان بن قيس، قال منصور: عن مجاهد قال لي أبو معمر: إذا صليت المكتوبة فارجع إلى بيتك. وقال النعمان بن قيس ما رأيت عبيدة (3) السلماني متطوعا في مسجد الحي قط * وروينا عن ابن المثنى: ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ثنا سفيان الثوري عن
(1) في اليمنية (في جماعة) (2) في اليمنية (في مسجدي) وهذا الحديث لم أجده في أبى داود بهذا الاسناد واللفظ ولكنه فيه (ج 1: ص 542) من طريق عبد الله بن سعيد عن أبي النضر، وفى النسائي (ج 1: ص 237) من طريق موسى بن عقبة عن أبي النضر، وفى مسلم (ج 1: ص 216) من الطريقين. ولفظ مسلم وأبى داود (فان خير صلاة المرء في بيته الا المكتوبة) ولفظ النسائي مثلهما الا أنه قال (أفضل) بدل (خير). والرواية التي هنا نسبها الشوكاني أيضا إلى احدى روايتي أبى داود بلفظ (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا الا المكتوبة) ثم نقل عن العراقي تصحيح اسناده (ج 3: ص 95) ورواه المروزي في قيام رمضان (ص 95) (حدثنا محمد بن يحيى ثنا معلى بن منصور عن سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبي النضر عن أبيه عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلاتكم في بيوتكم أفضل من صلاتكم في مسجدي هذا الا المكتوبة) ثم وجدته في أبى داود (ج 1 ص 403) كما رواه المؤلف الا ان فيه (في مسجدي هذا) (3) عبيده: بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة 39 منصور عن هلال بن يساف (1) عن ضمرة بن حبيب عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: تطوع الرجل في بيته يزيد على تطوعه عند الناس كفضل الجماعة على صلاة الرجل وحده (2) * وبه إلى ابن المثنى: ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا إسرائيل عن عمران بن مسلم (3) قال كان سويد بن غفلة لا يتطوع في المسجد * وروينا عن وكيع قال قال سفيان الثوري قال نسير بن ذعلوق (4) ما رأيت الربيع بن خثيم (5) متطوعا في مسجد الحي قط * وعن وسيع عن الأعمش عن إبراهيم النخعي قال سئل حذيفة بن اليمان عن
(1) اليمنية (هلال بن سباق) وهو خطأ (2) هكذا هو موقوف هنا. وذكره المنذري في الترغيب (ج 1: ص 159) ولفظه (عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه رفعه قال: فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع. رواه البيهقي واسناده جيد إن شاء الله تعالى). وذكره ابن حجر في الإصابة (ج 3: ص 255) بلفظ قريب من هذا مرفوعا من حديث صحابي اسمه صهيب بن النعمان (ونسبه إلى الطبراني والمعمري في اليوم والليلة. وكذلك نسبه الشوكاني (ج 3: ص 94) إلى الطبراني في الكبير عن هذا الصحابي، ورواه ابن الأثير أسد الغابة من طريق الطبراني عن المعمري عن أيوب الوزان عن محمد بن مصعب القرقساني عن قيس بن الربيع عن منصور عن هلال بن يساف عن صهيب بن النعمان مرفوعا (ج 3: ص 33) فقد رجع الحديث إلى منصور عن هلال، فرواية سفيان الثوري عن منصور - التي ذكرها المؤلف - أرجح جدا من رواية قيس لان قيسا ضعيف من قبل حفظه، قال يعقوب بن أبي شيبة هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح وهو ردئ الحفظ جدا مضطربة كثير الخطأ ضعيف في روايته) والراوي عن قيس هو محمد بن مصعب وهو أضعف منه، قال يحيى بن معين: (ليس بشئ لم يكن من أصحاب الحديث كان مغفلا واما الثوري فإنه امام حافظ كبير وبعد فانى أرجح ان الصحابي الذي سماه محمد بن مصعب وشيخه قيس (صهيب بن النعمان) لا وجود له، وإنما هو خطؤهما الذي تبين في هذا الحديث أوهم وجوده، ولم يذكره الذين ترجموا الصحابة الا بهذا الحديث والاسناد وقد ظهر الوهم فيه. والله أعلم (3) هو الجعفي الكوفي الأعمى (4) نسير - بضم النون وفتح السين المهملة - وذعلوق - بضم الذال المعجمة واسكان الغين المهملة وضم اللام وآخره قاف (5) بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة وفى اليمنية (حثم) وهو تصحيف * 40 التطوع في المسجد بعد الفريضة؟ فقال: إني لأكرهه بينما هم جميعا إذا اختلفوا * وعن حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن العباس بن سعد (1) قال: أدركت الناس زمان عثمان بن عفان وهم يصلون الركعتين بعد المغرب في بيوتهم * والتطوع بعد الجمعة وبعد سائر الصلوات سواء فيما ذكرنا. وكل ذلك جائز في المسجد أيضا * وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل ذلك في المسجد أفضل * وقال مالك كل ذلك في المسجد أفضل إلا بعد الجمعة فإنه كره التطوع في المسجد بعد الجمعة. واحتج بعض أصحابه بأن هذا خوف الذريعة في أن يقضيها أهل البدع الذين لا يعتدون بالصلاة مع الأئمة * قال على: وهذا غاية في الفساد من القول لان المبتدع يفعل مثل ذلك أيضا في مساجد الجماعات بسائر الصلوات ولافرق. وأيضا: فهم قادرون على أن ينصرفوا إلى بيوتهم فيقضونها هنالك * روينا من طريق أبى داود: ثنا إبراهيم بن الحسن ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج أخبرني عطاء: أنه رأى ابن عمر يصلى بعد الجمعة، فينماز (2) عن مصلاه الذي صلى فيه الجمعة قليلا غير كثير، فيركع ركعتين ثم يمشى أنفس (3) من ذلك فيصلى أربع ركعات (4)، رأيته يصنع ذلك مرارا * وعن محمد بن المثنى: ثنا المعتمر بن سليمان التيمي قال سمعت عطاء بن السائب يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان ابن مسعود يعلمنا أن نصلى بعد الجمعة
(1) في المصرية (عن ابن العباس بن سعد) وأظنه خطأ وانه هو العباس بن سهل بن سعد، لأنه أدرك زمن عثمان ويروى عنه محمد بن إسحاق (2) بالنون والميم والزاي: انفعال من الميز وهو الفصل، ومعنى ينماز عن مصلاه: يتحول عن مقامه الذي صلى فيه (3) أي افسح وابعد قليلا (4) في أبى داود (ج 1: ص 440) فيركع أربع ركعات * 41 أربعا فكنا نصلى بعدها أربعا، حتى جاء علي بن أبي طالب فأمرنا ان نصلى بعدها ستا، فنحن نصلى بعدها ستا * وقد حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ثنا الحميدي ثنا سفيان بن عيينة ثنا عمرو بن دينار قبل ان نلقى الزهري عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بعد الجمعة ركعتين) (1) * 290 مسألة وأفضل الوتر من آخر الليل، وتجزئ ركعة واحدة) 2)، والوتر وتهجد الليل ينقسم على (3) ثلاثة عشر وجها، أيها فعل أجزأه، وأحبها الينا وأفضلنا: أن نصلى ثنتى عشرة ركعة، نسلم من كل ركعتين ثم نصلي ركعة واحدة ونسلم * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا القعنبي ثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل ثلاث عشرة (4) ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين (5) والوجه الثاني: أن يصلي ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين منها، ثم يصلي خمس ركعات متصلات لا يجلس إلا في آخرهن * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا إسحاق ابن إبراهيم ثنا عبدة بن سليمان ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:
(1) رواه الترمذي عن ابن أبي عمر عن سفيان ومسلم (ج 1: ص 240) عن ابن أبي شيبة وزهير ابن نمير جميعا عن سفيان. ورواه أبو داود (ج 1: ص 440) من طريق معمر عن الزهري والبخاري (ج 1: ص 123) من طريق نافع عن ابن عمر. ونسبه المنذري أيضا للنسائي وابن ماجة. وفى أبى داود في آخره زيادة (في بيته) (2) في اليمنية (وتجزئ واحدة) (3) في اليمنية بحذف (على) (4) في اليمنية (ثلاثة عشره) وهو خطأ (5) رواه أبو داود (ج 1: ص 512) 42 (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر منهن بخمس ركعات، لا يجلس في شئ من الخمس إلا في آخرهن، ثم يجلس ويسلم) * والثالث: أن يصلى عشر ركعات، يسلم من آخر كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني حرملة بن يحيى ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين (1) قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فيما بين أن يفرغ (2) من صلاة العشاء وهي التي يدعو الناس (3) العتمة - إلى الفجر إحدى عشرة (4) ركعة، يسلم من كل ركعتين (5)، ثم يوتر (6) بواحدة * والرابع: أن يصلي ثمان ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة * لما رويناه من طريق مسلم: حدثنا محمد بن عباد ثنا سفيان بن عيينة ثنا الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل؟ فقال: مثنى مثنى فإذا، خشيت الصبح فأوتر بركعة) (7) * والخامس: أن يصلى ثماني ركعات، لا يجلس في شئ منهن جلوس تشهد إلا في آخرها، فإذا جلس في آخرهن وتشهد، قام دون أن يسلم، فأتي بركعة
(1) في صحيح مسلم (عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم) (ج 1: ص 204) (2) في المصرية (يصلى من أن يفرغ) وفى اليمنية (يصلى بين ان يفرغ) وصححناه من مسلم (3) في الأصلين (يدعونها الناس) وصححناه من مسلم (4) في المصرية (أحد عشرة) (5) في الأصلين (يسلم بين كل ركعتين) وصححناه من مسلم (6) في مسلم (ويوتر) (7) في مسلم (ج 1: ص 208) * 43 واحدة، ثم يجلس ويتشهد ويسلم * لما روينا عن مسلم: حدثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن أبي عدي عن سعيد ابن أبي عروبة (1) عن قتادة عن زرارة بن أوفى (2) أن سعد بن هشام بن عامر أتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: من؟ قال عائشة فذكر سعد: أنه دخل على عائشة أم المؤمنين فسألها عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأنها قالت له: إنه (3) كان (يصلى تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلى التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلى ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد. فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم واخذه اللحم (4) أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول (5) * حدثنا عبد الله بن ربيع (6) ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا عثمان بن عبد الله ثنا عبيد الله بن محمد ثنا حماد عن أبي حرة (7) عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة: (أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوتر بتسع ركعات، يقعد في الثامنة، ثم يقوم فيركع ركعة) * والسادس: أن يصلى ست ركعات، يسلم في آخر كل ركعتين (8) منها، ويوتر
(1) في اليمنية (شعيب بن أبي عروة) وهو خطأ (2) في اليمنية (زرارة بن أبي أوفى) وهو خطأ (3) في اليمنية بحذف (انه) (4) في الأصلين (واخذ اللحم) وصححناه من مسلم (5) في الأصلين (مثل صنيعه في الأولى) وهو خطأ صححناه من مسلم. والحديث في صحيح مسلم مطول وقد اختصره المؤلف جدا، وانظره هناك (ج 1: ص 206 و 207) (6) في المصرية (حدثنا عبد حدثنا عبد الله بن ربيع) وهو خطأ، وقد سبق هذا الاسناد إلى النسائي مرارا (7) أبو حرة - بضم الحاء المهملة وتشديد الراء - اسمه واصل بن عبد الله البصري. وفى اليمنية (ابن حرة) وهو خطأ (8) في المصرية (ان يصلى ست ركعات وسلم في آخر كل ركعة منها) وهو خطأ * 44 بسابعة لقوله عليه السلام (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فاوتر بواحدة) * والسابع: أن يصلى سبع ركعات لا يجلس ولا يتشهد إلا في آخر السادسة منهن، ثم يقوم دون تسليم فيأتي بالسابعة، ثم يجلس ويتشهد ويسلم * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني ان زكرياء ابن يحيى (1) ثنا إسحاق انا معاذ بن هشام الدستوائي (2) ثنا أبي عن قتادة عن زرارة ابن أوفى عن سعد بن هشام بن عامر عن عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم لما كبر وضعف أوتر بسبع ركعات، لا يقعد الا في السادسة، ثم ينهض ولا يسلم فيصلى السابعة، ثم يسلم تسليمة) وذكر الحديث * (4) والثامن: أن يصلى سبع ركعات، لا يجلس جلوس تشهد الا في آخرهن، فإذا كان في آخرهم جلس وتشهد وسلم * لما روينا بالسند المذكور إلى أحمد بن شعيب: أنا إسماعيل بن مسعود الجحدري (5) أنا خالد بن الحارث ثنا سعيد ابن أبي عروبة (6) ثنا قتادة عن زرارة بن أوفى (7) عن سعد بن هشام بن عامر أن عائشة أم المؤمنين قالت: (لما
(1) في الأصلين (زكريا بن إسحاق) وهو خطأ صححناه من النسائي (ج 2: ص 250) ومن كتب الرجال فإنه ليس له في رجال الكتب الستة من اسمه (زكريا بن إسحاق) الا المكي، وهذا قديم من شيوخ عبد الرزاق وابن المبارك. واما زكريا بن يحيى الذي هنا فهو المعروف بخياط السنة، روى عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وروى عنه النسائي وهو من أقرانه وتوفى زكريا سنة 289 (2) في اليمنية (انا معاذ بن هشام بن عمر عن عائشة أم المؤمنين) وهو خطأ في اسم معاذ، جعل جده عمر وليس كذلك، وخطأ في حذف باقي الاسناد إلى عائشة (3) في اليمنية (ان النبي) (4) الحديث في النسائي مطول واختصره المؤلف (5) بفتح الجيم واسكان الحاء المهملة (6) في النسائي في هذا الحديث (ج 1 ص 250) (حدثنا خالد ثنا شعبة عن قتادة) وخالد روى عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة وكلاهما يروى عن قتادة، وكلاهما روى هذا الحديث عن قتادة. أفلا احكم بترجيح ماهنا على ما في النسائي ولا بترجيح ما هناك على ماهنا. والله أعلم (7) في اليمنية (زرارة بن أبي أوفى) وهو خطأ * 45 أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ اللحم (1) صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن، ثم يصلى ركعتين بعد أن يسلم) * والتاسع: أن يصلى أربع ركعات، يتشهد ويسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة. لقوله عليه السلام: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة). * والعاشر أن يصلى خمس ركعات متصلات، لا يجلس ولا يتشهد الا في آخرهن * لما روينا بالسند المذكور إلى أحمد بن شعيب: أنا إسحاق بن منصور أنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس) 2) إلا في آخرهن) * قال على: وقد قال بهذا بعض السلف. كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء: أنه رأى عروة بن الزبير أوتر بخمس أو سبع (3) ما جلس لمثنى * ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة قال: كذلك يوتر أهل البيت بخمس لا يجلس إلا في آخرهن وعن عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمي عن ليث عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: الوتر كصلاة المغرب، إلا أنه لا يقعد إلا في الثالثة (4) * قال على: قول ابن عباس هذا لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا نقول به إذ لا حجة إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله أو عمله أو إقراره فقط *
(1) هكذا هو هنا موافقا لما في النسائي (واخذ اللحم) بحذف الضمير وهو صحيح جائز المعنى (2) في النسائي (ج 1: ص 250) (ولا يجلس) (3) في اليمنية (أو بسبع) (4) في اليمنية (عن ابن عباس أنه قال: إلا أنه لا يفعل إلا في الثالثة) وهذا كلام مختل ليس له معنى وما هنا هو الصواب * 46 والوجه الحادي عشر: أن يصلى ثلاث ركعات، يجلس في آخر الثانية منهن، ويتشهد ويسلم ثم يأتي بركعة واحدة، يتشهد في آخرها ويسلم. لقوله عليه السلام (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة) وهذا قول مالك * وقد روى بعض الناس في هذا أثرا من طريق الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله: انه سأل ابن عمر عن الوتر؟ فأمره أن يفصل بين الركعتين والركعة بتسليم، فقال له الرجل إني أخاف أن تكون البتيراء؟ فقال له ابن عمر: أتريد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) * والثاني عشر: أن يصلى ثلاث ركعات، يجلس في الثانية، ثم يقوم دون تسليم ويأتي بالثالثة، ثم يجلس ويتشهد ويسلم كصلاة المغرب. وهو اختيار أبي حنيفة * لما حدثناه بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب انا إسماعيل ابن مسعود ثنا بشر بن المفضل ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى (2) عن سعد بن هشام بن عامر: أن عائشة أم المؤمنين حدثته (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يسلم في ركعتي الوتر (3) * والثالث عشر: أن يركع ركعة واحدة فقط. وهو قول الشافعي وأبي سليمان وغيرهما * لما حدثناه حمام بن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا بكر ابن حماد ثنا مسدد يحيى هو ابن سعيد القطان - ثنا شعبة ثنا قتادة عن أبي مجلز
(1) رواه الطحاوي في معاني الآثار (ج 1: ص 165) عن سليمان بن شعيب عن بشر بن بكر عن الأوزاعي قال: (حدثني المطلب بن عبد الله المخزومي ان رجلا سأل ابن عمر) فذكر الأثر بمعناه وكذلك ذكره المروزي (ص 119) عن المطلب قال (اتى عبد الله بن عمر رجل فقال) الخ وفى سماع المطلب من ابن عمر خلاف. والاسناد صحيح فان صحت الرواية التي هنا انه هو الذي سأل ابن عمر كان الأثر صحيحا. وهو الراجح عندي. (2) في اليمنية (ابن أبي أوفى) وهو خطأ (3) في اليمنية (لا يسلم الا في ركعتي الوتر). وهو خطأ فاحش، والحديث في النسائي (ج 1: ص 248) * 47 قال: سألت ابن عباس وابن عمر عن الوتر؟ فكل واحد منهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ركعة من آخر الليل) (1) * وروينا عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس ومعاوية وغيرهم الوتر بواحدة فقط، لا يزاد عليها شئ. وكذلك أيضا عن عثمان أمير المؤمنين وحذيفة وابن مسعود وابن عمر * قال على: هذا كل ما صح عندنا، ولو صح عندنا عن النبي صلى الله عليه وسلم زيادة على هذا لقلنا به. وبالله تعالى التوفيق * ولم يصح عن النبي صلى الله على وسلم عن البتيراء (2) ولا في الحديث - على سقوطه - بيان ما هي البتيراء (3)؟. وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الثلاث بتيراء، يعنى في الوتر. فعادت البتيراء على المحتج بالخبر الكاذب فيها (4) * فان قيل: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة المغرب (5) وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل) * قيل لهم: ليس في هذا الخبر أن يكون وتر الليل ثلاثا كوتر النهار. وهذا كذب ممن ينسبه إلى إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فان قطعتم بذلك كذبتم وكنتم أيضا قد خالفتم ما قلتم، لأنه يلزمكم أن تجهروا في الأوليين وتسروا في الثالثة كالمغرب، وأن تقنتوا (6) في المغرب كما تقنتون في الوتر، أو أن لا تقنتوا (7)
(1) رواه مسلم (ج 1 ص 208 و 209) والمروزي (ص 118) والطحاوي (ج 1 ص 163) كلهم من طريق همام بن يحيى عن قتادة به واما رواية شعبة عن قتادة فرواها مسلم والطحاوي ولكن فيهما من حديث ابن عمر فقط ولم يذكرا فيه ابن عباس (2) في اليمنية (السين) بدون نقط وهو خطأ لا معنى له (3) يطول الكلام على حديث البتيراء - وهو ضعيف - فانظره في نصب الراية (ج 1: ص 277 و 278) ولسان الميزان (ج 4: ص 152) (4) في اليمنية (وفيها) وزيادة الواو خطأ (5) في اليمنية (فان قيل فإنه قد صح انه عليه السلام قال: إن صلاة المغرب) الخ (6) في اليمنية (وان تقنتون) وهو خطأ أو لغة (7) في اليمنية (وان لا تقنتوا) بحذف الهمزة وما هنا أحسن. 48 في الوتر كما لا تقنتون في المغرب. والقياس كله باطل. وبالله تعالى التوفيق * 291 - مسألة والوتر آخر الليل أفضل. ومن أوتر في أوله فحسن. والصلاة بعد الوتر جائزة. ولا يعيد وترا (1) آخر. ولا يشفع بركعة * حدثنا عبد الله بن ربيع (2) ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا ابن أبي خلف (3) ثنا أبو زكرياء السيلحيني ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الله بن أبي رباح عن أبي قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال أول الليل (4) وقال لعمر متى توتر؟ قال: آخر الليل (5). فقال عليه السلام لأبي بكر: أخذ هذا بالحذر (6). وقال لعمر: اخذ هذا بالقوة) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا هشام بن عمار عن يحيى - هو ابن حمزة قاضى دمشق - عن يحيى - هو ابن أبي كثير - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف حدثتني عائشة أم المؤمنين (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى بعد العشاء الآخرة ثماني ركعات ثم يوتر ثم يصلى ركعتين، يقرأ فيهما وهو جالس فإذا أراد ان يركع قام فركع، ثم ركع (7) بعد ذلك ركعتي الفجر * قال علي: وأما قوله عليه السلام (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (8) و (بادروا الصبح بالوتر (9) فندب، لما قد بينا من أن الوتر ليس (10) فرضا، ومن
(1) في اليمنية (ولا بعد وترا) وهو خطأ (2) في المصرية (حدثنا محمد بن عبد الله بن ربيع) وهو خطأ، فان شيخ ابن حزم هو عبد الله بن ربيع، كما مضى مرارا وتكرر أيضا في الأحكام (3) في المصرية (ابن أبي يخلف) وهو خطأ واسمه محمد بن أحمد بن أبي خلف (4) في أبى داود (ج 1: ص 539) (أوتر من أول الليل) (5) في أبى داود (أوتر آخر الليل) (6) هكذا في بعض نسخ أبى داود، وفى بعضها (بالحزم) والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري واسناده صحيح (7) في اليمنية (ثم يركع) (8) رواه أبو داود (ج 1: ص 540) وكذلك رواه البخاري ومسلم (9) رواه أبو داود (ج 1: ص 539) والترمذي (ج 1: ص 93) وقال (حسن صحيح) (10) في اليمنية (من أن الوتر غير ركعتي الفجر) وسقط منها ما بين قوله (الوتر) وقوله (غير ركعتي الفجر) وهو سقط يختل به المعنى ويضطرب وما هنا هو الصواب 49 فعله عليه السلام إذ صلى ركعتين بعد الوتر غير ركعتي الفجر ولقوله عليه السلام لأبي هريرة: أن لا ينام إلا على وتر، فلا يجوز ترك بعض كلامه لبعض، وليس هذا مكان نسخ لكنه إباحة كله. وبالله تعالى نتأيد * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن (1) بكر ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا ملازم بن عمرو ثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق (2) قال: زارنا طلق بن علي في رمضان، وأمسى عندنا فأفطر (3) ثم قام بنا تلك الليلة وأوتر (4) بنا، ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه، حتى إذا بقي الوتر قدم رجلا، فقال أوتر بأصحابك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا وتران في ليلة (5) وقد روى عن عثمان رضي الله عنه وغيره شفع الوتر بركعة، إذا أراد أن يصلي بعد ما يوتر. ولا حجة إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم * 292 مسألة ويقرأ في الوتر (6) بما تيسر من القرآن مع أم القرآن، وإن قرأ في الثلاث ركعات مع أم القرآن بسبح اسم ربك الاعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد: فحسن، وإن اقتصر على أم القرآن فحسن، (7) وان قرأ في ركعة الوتر مع أم القرآن بمائة آية من النساء فحسن قال تعالى (فاقرؤا ما تيسر من القرآن)
(1) في اليمنية ثنا عبد الله ابن ربيع ثنا عبد الملك ثنا بكر وهو خطأ وخلط (2) في اليمنية عن قيس بن طلق بن علي في رمضان وهو خطأ وسقط (3) وفى أبى داود (ج 1: ص 504) (في يوم من رمضان وأمسى عندنا وأفطر) (4) في اليمنية (أوتر) بحذف حرف العطف وهو خطأ. (5) هذا على لغة بنى الحارث كقراءة من قرأ (ان هذان لساحران) قاله السيوطي والحديث رواه أيضا النسائي (ج 1 ص 247) عن هناد بن السرى عن ملازم بن عمرو وكما هنا. وروى الترمذي المرفوع منه فقط (ج 1: ص 94) عن هناد عن ملازم، وقال: (حديث حسن غريب). وروى الطيالسي المرفوع أيضا (ص 417 رقم 1095) عن أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق. ورواه المروزي (ص 128) عن محمد بن يحيى عن الطيالسي (6) في اليمنية (ولا يقرأ في الوتر) الخ وزيادة (لا) خطأ غريب (7) قوله وان اقتصر الخ محذوف من اليمنية * 50 حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا الحجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول عن أبي مجلز (أن أبا موسى الأشعري (1) كان بين مكة والمدينة، فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوترها، وقرأ فيها بمائة آية من النساء، وقال: ما ألوت (2) أن وضعت قدمي حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أقر أما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا الحسين بن عيسى (4) ثنا أبو أسامة ثنا زكرياء بن أبي زائدة عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (5) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث، يقرأ فيهن (6) في الأولى بسبح اسم ربك الاعلى، وفى الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفى الثالثة بقل هو الله أحد) (7) * 293 مسألة (8) ويوتر المرء قائما وقاعدا لغير عذر إن شاء، وعلى دابته * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري (9) ثنا البخاري ثنا إسماعيل بن أبي أويس ثنا مالك عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن سعيد بن يسار قال (10): كنت أسير مع
(1) كلمة (الأشعري) محذوفة من اليمنية (2) أي ما قصرت ولا أبطأت. ووقعت هذه الكلمة في قيام الليل للمروزي (ما الموت) وتكلف مصححه تكلفا غريبا في تأويلها فأتى بما لم يفهم (3) الحديث رواه أبو داود الطيالسي (ص 69 رقم 512) عن ثابت أبى زيد عاصم الأحول ورواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج 1 ص 419) عن عبد الصمد عن ثابت عن عاصم. وهذه أسانيد صحيحة. ورواه النسائي (ج 1 ص 251) عن إبراهيم بن يعقوب عن أبي النعمان عن حماد بن سلمة عن عاصم ورواه المروزي في قيام الليل (ص 127) وحذف المقريزي اسناده إذ اختصر الكتاب (4) في المصرية (الحسن) وهو خطأ (5) حذف (ابن عباس) من اليمنية وهو خطأ (6) كلمة فيهن ليست في النسائي (7) الحديث في النسائي (ج 1 ص 249) ورواه أيضا ابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة (8) في اليمنية بدل (مسألة) (قال على) وما هنا أحسن (9) في اليمنية ثنا إبراهيم بن أحمد الفربري وهو خطأ (10) في البخاري (ج 1: ص 140 و 141) أنه قال * 51 ابن عمر (1) بطريق مكة فخشيت الصبح فنزلت (2) فأوترت، ثم لحقته، فقال ابن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح فنزلت فأوترت، فقال ابن عمر: أليس لك في رسول الله (3) أسوة حسنة؟! قلت: بلى والله قال: فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على راحلته (4) * وعن جرير بن حازم سألت نافعا مولى ابن عمر: أكان ابن عمر يوتر على راحلته؟ قال: نعم، وهل للوتر فضل على سائر التطوع! * وعن سفيان الثوري عن ثوير بن أبي فاختة (5) عن أبيه: أن علي بن أبي طالب كان يوتر على راحلته * وعن ابن جريج قلت لعطاء: أيوتر الرجل وهو جالس؟ قال: نعم * وعن وكيع عن سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي: الوتر لا يقضي، ولا ينبغي تركه، وهو تطوع، وهو أشرف التطوع * وعن حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب: الوتر والأضحى تطوع * قال على: لا خلاف في أن التطوع يصليه المرء جالسا إن شاء. كما روينا من طريق مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي (6) عن حفصة أم المؤمنين قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلي في سبحته (7) قاعدا قط (8) حتى كان قبل موته بعام، فكان يصلى في سبحته قاعدا) (9) وبالله تعالى التوفيق *
(1) في البخاري مع عبد الله بن عمر (2) في البخاري (قال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت) (3) في المصرية زيادة (صلى الله عليه وسلم) (4) في البخاري (على البعير) وليس في شئ من نسخه ما هنا فلعلها رواية للمؤلف (5) ثوير بالتصغير وأبوه أبو فاختة اسمه (سعيد ابن علاقة الهاشمي). وفى اليمنية (ثوير عن أبي فاختة) وهو خطأ، وثوير هذا ضعيف (6) في اليمنية (السلمي) وهو خطأ (7) في اليمنية (سبحة) وهو خطأ، (8) كلمة (قط) زيادة من الموطأ (ص 48) (9) نسبه الزرقاني (ج 1: ص 252 و 253) إلى مسلم والترمذي من طريق مالك * 52 294 مسألة، ويستحب أن يختم القرآن كله مرة في كل شهر، فان ختمه في أقل فحسن (1). ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام، فان فعل ففي ثلاثة أيام (2)، لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك. ولا يجوز لاحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني القاسم بن زكرياء ثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن مولى بنى زهرة (3) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ القرآن في شهر (4)، قلت إني أجد قوة، قال: فاقرأه في عشرين ليلة، قلت اني أجد قوة، قال فاقرأه في سبع، لا تزد (5) على ذلك * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الصمد هو ابن عبد الوارث ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة عن يزيد بن عبد الله هو ابن الشخير عن عبد الله بن عمرو بن العاصي: (أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم (6): في كم أقرأ. القرآن؟ قال: في شهر) ثم ذكر الحديث، وفيه أنه عليه السلام قال له: (أقرأه في سبع، قال: إني أقوى من (7) ذلك، قال عليه السلام: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث (8) * فان قيل: قد كان عثمان يختم القرآن في ليلة. قلنا: قد كره ذلك ابن مسعود. وقال تعالى: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله
(1) كلمة فحسن سقطت من اليمنية وهو خطأ (2) في اليمنية (فان فعل فهي ثلاثة أيام) وما هنا أصح (3) في اليمنية (مولى بنى زهير) وهو خطأ (4) في مسلم (ج 1: ص 319 و 320) (في كل شهر) (5) في مسلم (ولا تزد) (6) في أبى داود (أنه قال يا رسول الله) (ج 1: ص 527) (7) كلمة ذلك سقطت من اليمنية وهو خطأ (8) في أبى داود لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث والحديث سكت عنه أبو داود المنذري 53 واليوم الآخر) وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا * وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة وسفيان كلاهما عن علي ابن بذيمة عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز (1) * وعن عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمى ثنا حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف: أن سعيد بن جبير كان يقرا القرآن في ركعة، وكان ابن مسعود يكره ذلك * فان ذكروا حديثا رويناه من طريق هشام الدستوائي عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله (2) بن عمرو بن العاصي: (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف أقرأ القرآن؟ قال: اقرأه في يوم وليلة لا تزيد (3) على ذلك فان رواية عطاء لهذا الخبر مضطربة معلولة (4)، وعطاء قد اختلط بآخرة * روينا هذا الخبر (5) نفسه من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: اقرأ القرآن في شهر، قال: فناقصني وناقصته (6) قال عطاء: فاختلفنا عن أبي، فقال بعضنا: سبعة أيام، وقال بعضنا خمسة (7) * قال علي: فعطاء يعترف باختلافهم على أبيه، وأنه لم يحقق ما قال أبوه.
(1) من الرجز أي كأنه يقرأ الشعر، فلا يتفقه في معاني القرآن، وفى المصرية (زاجر) بتقديم الزاي وهو تصحيف. وهذا الأثر منقطع فقد سبق أن قلنا إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود شيئا. (2) في اليمئية (عن أبيه عبد الله بن عمرو) وهو خطأ واضح (3) هكذا في الأصلين وهو صحيح عربية (4) في اليمنية (معلومة) وهو خطأ (5) في اليمنية (ذلك الخبر) (6) من المناقصة بالصاد المهملة، وفى المصرية (فناقضني وناقضته) بالمعجمة فيهما وهو تصحيف وفى اليمنية بالمهملة في الأولى وفى المعجمة في الثانية والأولى صواب والثانية خطأ (7) رواه أبو داود (ج 1: ص 526) من طريق حماد عن عطاء * 54 فان ذكروا ان داود عليه السلام كان يختم القرآن في ساعة. قلنا: قرآن داود هو الزبور لا هذا القرآن، وشريعته غير شريعتنا. وداود عليه السلام لم يبعث إلا إلى قومه خاصة، لا الينا، ومحمد عليه السلام هو الذي بعث الينا، صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * وأما قيام الليل فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم ليلة قط (1) حتى الصباح * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأحب الصلاة إلى الله تعالى (2) صلاة داود: كان يرقد شطر الليل، ثم يقوم، ثم يرقد آخره، ثم يقوم (3) ثلث الليل بعد شطره) (4) قال علي: فإذ هذا أحب الصلاة إلى الله تعالى فما زاد على هذا فهو دون هذا بلا شك، فإذا كان دون هذا فهو عمل ضائع لا أجر فيه، فهو تكلف، وقد نهينا عن التكلف. وقد منع من قيام الليل كله سلمان ومعاذ وغيرهما * 295 مسألة. والجهر والاسرار في قراءة التطوع ليلا ونهارا مباح للرجال والنساء. إذ لم يأت منع من شئ من ذلك، ولا ايجاب لشئ من ذلك في قرآن ولا سنة) *
(1) في اليمنية (لم يقم قط ليلة) (2) قوله (وأحب الصلاة إلى الله تعالى) حذف من اليمنية وهو خطأ (3) في اليمنية (ثم يقوم) وهو خطأ (4) اختلط على المؤلف حديثان باسنادين في مسلم فحديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار لفظه (ج 1: 320) (وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) ولفظ حديث ابن جريج عن عمرو ابن دينار (وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام: كان يرقد شطر الليل ثم يقوم ثم يرقد آخره يقوم ثلث الليل بعد شطره) فدخل عليه حديث في حديث جاء باسناد الأول فجعله للفظ الحديث الثاني 55 فان قيل: تخفض (1) النساء قلنا ولم؟ ولم يختلف مسلمان في أن (2) سماع الناس كلام نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم مباح للرجال (3) ولا جاء نص في كراهة ذلك من سائر النساء. (4) وبالله تعالى التوفيق * 296 مسألة والجمع بين السور في ركعة واحدة في الفرض والتطوع أيضا حسن وكذلك قراءة بعض السور في الركعة في الفرض والتطوع أيضا حسن (5) للامام والفذ * برهان ذلك قول الله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن)، وقد ذكرنا عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قراءتهما البقرة في صلاة الفجر في الركعتين وآل عمران كذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم * 297 مسألة وجائز للمرء أن يتطوع مضطجا بغير عذر إلى القبلة وراكبا حيث توجهت به دابته إلى القبلة وغيرها، الحضر (6) والسفر سواء (7) في كل ذلك * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد (8) ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسحاق بن منصور ثنا روح بن عبادة انا حسين (9) هو المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن الحصين: أنه سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل
(1) في اليمنية (بخفض) وما هنا أحسن (2) في اليمنية (قلنا: ولم يختلف في أن) الخ، بحذف لم وحذف (مسلمان) وهو خطأ (3) (للرجال) حذف من اليمنية (4) هنا بحاشية اليمنية ما نصه (قال الذهبي رحمه الله: نساؤه عليه السلام أمهاتنا بخلاف غيرهن) وهو تعقب غير جيد، فإنهن رضي الله عنهن أمهاتنا ولكن في التعظيم والاكرام وحرمة زواجهن، فلا يباح لاحد أن يرى منهن ما يرى من أمه وأخته، وكما قال ابن حزم لا نجد دليلا على أن صوت المرأة عورة كما يزعم الفقهاء رحمهم الله (5) قوله (وكذلك) إلى هنا سقط من اليمنية وهو خطأ (6) في المصرية في الحضر الخ وزيادة في غير جيدة هنا (7) في اليمنية (بحذف) سواء وهو خطأ (8) في اليمنية ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد) وهو خطأ (9) في المصرية (الحسين) وما هنا هو الموافق للبخاري 56 قاعدا (1)؟ فقال عليه السلام: إن صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد) * قال علي: لا يخرج من هذه الإباحة إلا مصلى الفرض القادر على القيام أو على القعود فقط * وروينا من طريق مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع ثم سجد، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ذلك) (2) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا معاذ بن معاذ العنبري عن حميد الطويل عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: (سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؟ فقالت كان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا فإذا قرأ قائما (3) ركع قائما، وإذا قرأ قاعدا ركع قاعدا) * قال علي: كل هذا سنة ومباح، وكل ذلك قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري حدثنا البخاري ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا شيبان (4) هو ابن فروخ عن يحيى هو ابن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أن جابر بن عبد الله حدثه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) كان يصلى التطوع وهو راكب في غير القبلة) *
(1) كلمة (قاعدا) زيادة من البخاري (ج 1: ص 156 (2) لفظ الموطأ (ص 48) (فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم ثم ركع وسجد ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك (3) في مسلم (ج 1: ص 203) (وكان إذا قرأ قائما) (4) بفتح الشين المعجمة واسكان الياء. وفى المصرية (سنان) وفى اليمنية (شيبرا) وكلاهما خطأ (5) في البخاري (ج 1: ص 154) (أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم) * 57 وبه إلى البخاري: ثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى هو ابن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثني جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي (1) على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلى المكتوبة نزل فاستقبل القبلة * قال على: فهذا عموم المراكب أي شئ ركب، وفي كل حال من سفر أو حضر. وهذا العموم زائد على كل خبر ورد في هذا الباب، ولا يجوز تركه. وهو قول أبي يوسف وغيره * ولم يأت في الراجل نص أن يتطوع ماشيا، والقياس باطل فلا يجوز ذلك لغير الراكب * وقد روينا عن وكيع عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت بهم. وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم عموما في السفر والحضر. وبالله تعالى التوفيق. * 298 مسألة ويكون سجود الراكب وركوعه إذا صلى ايماء. * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا موسى بن إسماعيل ثنا عبد العزيز بن مسلم ثنا عبد الله بن دينار قال: (كان عبد الله بن عمر يصلي (2) في السفر على راحلته أينما توجهت به، يومى إيماء، وذكر ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعله) (3) 299 مسألة وأما صلاة الفرض فلا يحل لاحد أن يصليها إلا واقفا،
(1) في البخاري (ج 1: ص 154) (عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: حدثني جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى) الخ (2) في اليمنية (عبد العزيز بن مسلم ثنا عبد الله ابن عمر يصلى) وهو خطأ وسقط (3) في البخاري (ج 1: ص 154) (على راحلته أينما توجهت يومئ وذكر عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) * 58 إلا لعذر: من مرض، أو خوف من عدو ظالم، أو من حيوان، أو نحو ذلك أو ضعف عن القيام كمن كان في سفينة، أو من صلي مؤتما بامام مريض أو معذور فصلي قاعدا فان هؤلاء يصلون قعودا، فإن لم يقدر الامام على القعود ولا القيام صلى مضطجعا، وصلوا كلهم خلفه مضطجعين ولابد، وإن كان في كلى الوجهين (1) مذكر يسمع الناس تكبير الامام صلى إن شاء قائما إلى جنب الامام، وان شاء صلى كما يصلي إمامه * فاما الخائف والمريض فلقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولقوله تعالى: (وقوموا لله قانتين) فأوجب الله تعالى القيام إلا عمن أسقطه عنه بالنص، وهذا في الخائف والمريض اجماع، مع أنه عليه السلام قد صلى الفريضة قاعدا لمرض كان به ولوث ء برجله (2). * وأما (3) من صلى خلف امام يصلي قاعدا لعذر، فان الناس اختلفوا فيه. فقال مالك ومن قلده: لا يجوز أن يؤم المريض قاعدا الأصحاء، إلا رواية رواها عن الوليد بن مسلم موافقة لقول أبي حنيفة والشافعي * وقال أبو حنيفة والشافعي يؤم المريض قاعدا الأصحاء، إلا أنهم يصلون وراءه قياما ولابد. قال أبو حنيفة: ولا يؤم المصلي مضطجعا لعذر الأصحاء أصلا * وقال أبو سليمان وأصحابنا: يؤم المريض قاعدا الأصحاء، ولا يصلون وراءه الا قعودا كلهم ولابد * قال علي: وبهذا نأخذ إلا فيمن يصلي إلى جنب الامام يذكر الناس ويعلمهم
(1) في المصرية (كلا) وكل صحيح لما ذكرنا سابقا (2) الوثء والوثأة والوثاءة: وصم يصيب اللحم ولا يبلغ العظم فيرم. وفى الأصلين (لوثى) بالياء وهو خطأ قال الجوهري: (والعامة) تقول وثى (3) جعل في اليمنية هذا بدء مسألة ولا وجه له * 59 تكبير الامام، فإنه مخير بين أن يصلي قاعدا وبين أن يصلي قائما * قال علي: فنظرنا هل جاء في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان؟ فوجدنا ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف ثنا مالك عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الامام ليؤتم به) وذكر كلامه عليه السلام، وفيه (1): وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون) (2) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة بن سعيد ثنا المغيرة الحزامي (3) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل (4) الامام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال، سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون (5) * وبه إلى مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو الربيع الزهراني وأبو كريب هو محمد بن العلاء ومحمد بن عبد الله بن نمير، قال أبو بكر (6) واللفظ له: ثنا عبدة بن سليمان، وقال أبو الربيع: ثنا حماد بن زيد، وقال أبو كريب: ثنا عبد الله بن نمير، وقال محمد بن عبد الله: ثنا أبي، ثم اتفقوا كلهم: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فصلوا بصلاته قياما، فأشار إليهم (7): أن اجلسوا، فجلسوا، فلما انصرف قال:
(1) في اليمنية (ومنه) (2) الحديث في البخاري (ج 1: ص 100) والموطأ (ص 47) ومسلم (ج 1: ص 121) (3) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي نسبة إلى (حزام) جد جده (4) كلمة (جعل) محذوفة في الأصلين خطأ، وزدناها من صحيح مسلم (ج 1: ص 122) (5) رواه أيضا أبو داود باسناد آخر ولفظ أطول من هذا (ج 1: ص 234 و 235) (6) في اليمنية (قال على) وهو خطأ. وإنما هو (أبو بكر) يعني ابن أبي شيبة (7) في الأصلين (فأشار عليهم) وهو خطأ في الرواية وفى الاستعمال، صححناه من مسلم (ج 1: ص 121) * 60 إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا) وروينا أيضا من طريق الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر: (اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال: إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا وائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا (2) * ورواه أيضا قيس بن أبي حازم وهمام بن منبه وأبو علقمة وأبو يونس كلهم عن أبي هريرة وروينا أيضا من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. وعن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس وعائشة. ومن طريق الأسود عنها. فصار نقل تواتر فوجب للعلم. فلم يجز (3) لاحد خلاف ذلك. فنظرنا فيما اعترض به المالكيون في منعهم من صلاة الجالس لمرض أو عذر للأصحاء، فلم نجد لهم شيئا أصلا، إلا أن قائلهم قال: هذا خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، واحتجوا في ذلك بما رويناه من طريق جابر الجعفي عن الشعبي، ومن طريق عبد الملك بن حبيب عمن أخبره عن مجالد عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم بعدي جالسا). قال علي: وهذا لا شئ. أما قولهم: ان هذا خصوص لرسول الله صلى الله عليه وسلم فباطل، لان نص الحديث يكذب هذا القول، لأنه عليه السلام قال فيه: (إنما جعل الامام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا)
(1) كذا في الأصلين وفى صحيح مسلم بالجمع وهو صواب (2) رواه مسلم (ج 1: ص 121) عن قتيبة ومحمد بن رمح عن الليث (3) في اليمنية (ولم يجز) * 61 فصح أنه عليه السلام عم بذلك كل إمام بعده بلا إشكال. وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) تكذيب (1) لكل من ادعى الخصوص في شئ من سننه وأفعاله عليه السلام، إلا أن يأتي على دعواه بنص صحيح أو إجماع متيقن. وأما حديث الشعبي فباطل. لأنه رواية جابر الجعفي الكذاب المشهور بالقول (2) برجعة علي رضي الله عنه، ومجالد وهو ضعيف، وهو مرسل مع ذلك. (3) * ومن العجب أن المالكيين يوهنون روايات أهل الكوفة التي لا نظير (5) لها، ولا يجدون في روايات أهل المدينة أصح منها أصلا، فما نعلم (6) لأهل المدينة أصح من رواية سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة ومسروق عن عمر بن الخطاب وعائشة أم المؤمنين وابن مسعود: ثم لا يبالون ههنا بتغليب أفتن (7) رواية لأهل (8) الكوفة وأخبثها على أصح رواية لأهل المدينة، كالزهري عن أنس، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعبيد الله بن عبد الله عن عائشة، وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وسالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما بعد هذا عجب!، وأعجب (9) من ذلك أنهم يقولون: ان أفعاله عليه للسلام كأوامره، ثم لم يبالوا ههنا بخلاف آخر فعل فعله عليه السلام فان آخر صلاة صلاها عليه السلام بالناس
(1) في اليمنية (فكذيب) وهو لا معنى له (2) في اليمنية (جابر الجعفي اللدان المشهود بالقول) الخ وهو خلط من الناسخ (3) حديث الشعبي رواه الدارقطني (ص 153) ثم قال: (لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث لا تقوم به حجة) (4) في اليمنية (ومن العجائب) (5) من الغرائب أن ناسخ اليمنية أهمل الظاء في (نظير) ووضع تحتها نقطة دلالة على تأكيد أنها طاء مهملة، ولم أر فيما رأيت مثل هذا التصحيف المؤكد (6) في اليمنية (فما يعلم) (7) في اليمنية (تغليب افتن) بدون نقط (8) في المصرية (أهل) (9) كلمة (واعجب) ساقطة من اليمنية * 62 قاعدا، كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى * فان قالوا إن صلاة القاعد ناقصة الفضل عن صلاة القائم، فكيف يؤم الصحيح؟ * قلنا: إنما يكون ناقص الفضل إذا لم يقدر على القيام أو قدر عليه ففسح له في القعود، وأما إذا افترض عليه القعود فلا نقصان لفضل صلاته حينئذ. ثم ما في هذا مما يمنع أن يؤم الأنقص فضلا من هو أتم فضلا في صلاته منه؟ وقد علمنا أن لا صلاة (1) لاحد أفضل من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ائتم بأبى بكر وبعبد الرحمن بن عوف وهما أنقص صلاة منه بلا شك. وقد يؤم عندكم المسافر وصلاته ركعتان! هذا (2) المقيم وفرضه أربع، فلم أجزتم ذلك ومنعتم هذا؟ لولا التحكم بلا برهان فسقط هذا القول. ولله تعالى الحمد * ثم رجعنا إلى قول الشافعي وأبي حنيفة، فوجدناهم يدعون أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة جلوسا خلف الامام الجالس لعذر أو مرض منسوخ، فسألناهم: بماذا؟ فذكروا ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا زائدة ثنا موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عتبة قال: دخلت على عائشة أم المؤمنين فسألتها (3) عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت الخبر، وفيه: عهده صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بالصلاة، وأن أبا بكر صلي بالناس تلك الأيام، (ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين رجليه، أحدهما العباس،
(1) في المصرية (لا صلاة) بحذف (أن) (2) كلمة (هذا) سقطت من المصرية (3) في اليمنية (فسألناها) وفى صحيح مسلم (فقلت لها الا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم)؟ والحديث فيه مطول (ج 1: ص 122 و 123) (4) في اليمنية (عمره صلى الله تعالى عليه وسلم وأن أبا بكر) الخ وهو خطأ * 63 لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم: أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون (1) بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد (2) فذكر عبيد الله بن عبد الله أنه عرض هذا الحديث على ابن عباس فلم ينكر منه شيئا * وبه إلى مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة قالت: (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس) فذكرت الحديث وفيه: فلما دخل أبو بكر (3) في الصلاة وجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، فقام يهادي (4) بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه فذهب (5) يتأخر فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم (6) مكانك فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت عائشة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسا، وأبو بكر قائما، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدى الناس بصلاة أبى بكر) * وبه إلى مسلم: حدثنا منجاب بن الحارث التميمي أنا ابن مسهر هو على - عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، فذكرت هذا الحديث وفيه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس، وأبو بكر يسمعهم التكبير) (7) قال على: فنظرنا في هذا الخبر، فلم نجد فيه لا نصا (8) ولا دليلا على ما ادعوه من نسخ الامر بان يصلى الأصحاء قعودا خلف الامام المصلى قاعدا لعذر،
(1) كلمة (يصلون) زيادة من مسلم (2) في اليمنية سقط من لفظ الحديث ما أضاع المعنى (3) لفظ (أبو بكر) ليس في صحيح مسلم (4) في الأصلين (يتهادى) وصححناه من مسلم (ج 1: ص 123 و 124) (5) في الأصلين (ذهب) وصححناه من مسلم (6) في الأصلين (قم) (7) في مسلم (ج 1: ص 124) (8) في اليمنية (فلم نجد فيه نصا) * 64 إذ ليس فيه بيان ولا إشارة بأن (1) الناس صلوا خلفه عليه السلام قياما حاشا، أبا بكر المسمع الناس (2) تكبيره فقط. فلم تجز مخالفة يقين أمره عليه السلام بالنقل المتواتر بأن يصلى الناس جلوسا: لظن كاذب لا يصح أبدا، بل لا يحل البتة أن يظن بالصحابة رضي الله عنهم مخالفة أمره عليه السلام، * فكيف وفي نص لفظ الحديث دليل بين على أنهم لم يصلوا إلا قعودا! وذلك لان فيه: ان الناس كانوا يقتدون بصلاة أبى بكر، وبالضرورة ندري أنهم لو كانوا قياما وأبو بكر قائم لما اقتدي بصلاته إلا الصف الأول فقط، وأما سائر الصفوف فلا، لأنهم كانوا لا يرونه، لان الصف الأول يحجبهم عنه، والصفوف خلفه عليه السلام كانت مرصوصة، لا متنابذة ولا متقطعة. فاذفى نص الخبر ولفظه: انهم كانوا يقتدون بصلاة أبي بكر، فهذا خبر عن جميعهم، فصح أنهم كانوا في حال يرونه كلهم، فيصح لهم الاقتداء بصلاته، ولا يكون ذلك البتة إلا في حال قعودهم، ولا يجوز تخصيص لفظ الخبر ولا حمله على المجاز إلا بنص جلى (3) * ثم لو كان في الحديث نصا (4): أنهم صلوا قياما وهذا لا يوجد أبدا - لما كان فيه (5) دليل على النسخ البتة، بل كان (6) يكون حينئذ إباحة فقط، وبيان أن ذلك الامر المتقدم ندب ولا مزيد كما قلنا في المذكر إنه جائز له أن
(1) في اليمنية (فان) وهو خطأ (2) في اليمنية (المسمع للناس) (3) في هذا الكلام مفالطة وتكلف غريبان. ثم ماذا يقول ابن حزم في كل الصلوات التي أم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيها الناس وكان قائما وكانوا قياما أيزعم انه لم يكن يقتدى به إلا الصف الأول فقط (4) في اليمنية (ثم لو كان الحديث نصا) (5) في اليمنية (لما كان في ذلك) (6) في المصرية (بل لو كان) وزيادة (لو) خطأ * 65 يصلي قاعدا أو قائما، وفى الصف إن شاء أو إلى جنب الامام (1) * فبطل ما تعلقوا به جملة، وظهر تناقض أبي حنيفة في أجازته أن يصلي
(1) ذهب كثير من علماء الحديث إلى أن صلاة المأموم قاعدا منسوخة، منهم البخاري في صحيحه (ج 1: ص 100) قال بعد حديث انس: (قال أبو عبد الله قال الحميدي: قوله: إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا هو في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالاخر فالاخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم) وادعى ابن حبان الاجماع على صلاة المأموم جالسا اتباعا لامامه، فقال فيما نقله الزيلعي في نصب الراية (ج 1: ص 248) (وفى هذا الخبر بيان واضح ان الامام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين ان يصلوا قعودا، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهد ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا باسناد متصل ولا منقطع، فكان اجماعا، والاجماع عندنا اجماع الصحابة، وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد، ولم يرو عن غيره من التابعين خلافه، باسناد صحيح ولا واه، فكان اجماع من التابعين أيضا، وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم، واخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم اخذه عن حماد أبو حنيفة ثم عنه أصحابه، واعلى حديث احتجوا به حديث رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال عليه السلام: لا يؤمن أحد بعدي جالسا. وهذا لو صح اسناده لكان مرسلا، والمرسل عندنا وما لم يرو سيان، لأنا لو قبلنا ارسال تابعي وإن كان ثقة للزمنا قبول مثله عن اتباع التابعين، وإذا قبلنا لزمنا قبوله من اتباع اتباع التابعين ويؤدى ذلك إلى أن يقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفى هذا نقض الشريعة والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابر الجعفي ويكذبه ثم لما اضطره الامر جعل يحتج بحديثه) ثم كلام ابن حبان ودعوى النسخ يردها سياق أحاديث الامر بالقعود وألفاظها، فان تأكيد الامر بالقعود بأعلى ألفاظ التأكيد مع الانكار عليهم بأنهم كادوا يفعلون فعل فارس والروم -: يبعد معهما النسخ الا ان ورد نص صريح يدل على اعفائهم من الامر السابق وان علة التشبه بفعل الأعاجم زالت، وهيهات ان يوجد هذا النص، بل كل ما زعموه للنسخ هو حديث عائشة ولا يدل على شئ مما أرادوا. ثم إن في الأحاديث التصريح بايجاب صلاة المأموم قاعدا مع النص على أن هذا بناء على أن الامام إنما جعل ليؤتم به ولا يزال الامام اماما والمأموم ملزما بالائتمام به في كل افعال صلاته، وأمرنا بعدم الاختلاف عليه لأنه جنة للمصلين، ولا اختلاف أكثر من عدم متابعته في أركان الصلاة. ويؤيد هذا ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل اتباع الامام في الجلوس - إذا صلى جالسا - من طاعة الأئمة الواجبة ابدا - إذ هي من طاعة الله. فقد روى الطيالسي (ص 336 رقم 2577) والطحاوي من طريقه (ج 1: ص 235) عن شعبة عن يعلي بن عطاء قال: (سمعت أبا علقمة يحدث عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني، فان صلى قاعدا فصلوا قعودا) الحديث وهذا اسناد صحيح على شرط مسلم وقد اخرج الشيخان أوله. وهذا قوى في رد دعوى النسخ، والحمد لله على توفيقه 66 المريض (1) قاعدا بالأصحاء قياما ومنعه أن يصلى المريض مضطجعا الأصحاء، ولافرق في ذلك أصلا * وقد اعترض بعض الناس في هذا الخبر بأنه قد روى: أن أبا بكر هو كان لامام وذكروا ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا علي بن حجر ثنا إسماعيل ثنا حميد عن أنس قال: (آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم: صلى في ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر * وبه إلى أحمد بن شعيب: أنا محمد بن المثنى حدثني بكر بن عيسى قال سمعت شعبة يذكر عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة: (أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف) * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنى أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن اصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار (2) ثنا بدل بن المحبر (3) ثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة: (ان أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه * قال علي: ولا متعلق لهم بهذا، لأنهما صلاتان متغايرتان بلا شك، إحداهما: التي رواها الأسود عن عائشة، وعبيد الله عنها وعن ابن عباس، صفتها: أنه عليه السلام إمام الناس، والناس خلفه، وأبو بكر رضي الله عنه عن يمينه
(1) كلمة (المريض) سقطت من اليمنية (2) في اليمنية (ثنا أحمد بن عون الله ثنا محمد بن بشار) وحذف من بينهما. وهو خطأ ظاهر (3) بدل بالباء والدال المهملة المفتوحتين. والمحبر بضم الميم وفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة المشددة. واسناد هذا الحديث صحيح * 67 عليه السلام، في موقف المأموم، يسمع الناس تكبير النبي صلى الله عليه وسلم. والصلاة الثانية: التي رواها مسروق وعبيد الله عن عائشة، وحميد عن أنس صفتها: أنه عليه السلام كان خلف أبي بكر في الصف مع الناس. فارتفع الاشكال جملة، (1) * وليست صلاة واحدة في الدهر فيحمل ذلك على التعارض، بل في كل يوم خمس صلوات، ومرضه عليه السلام كان مدة اثنى عشر يوما مرت فيها ستون صلاة أو نحو ذلك. * وقد اعترض قوم في هذا الخبر برواية ساقطة واهية، انفرد بها إسرائيل - وهو ضعيف عن أبي إسحاق عن أرقم بن شرحبيل وليس بمشهور الحال فيها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استتم من حيث انتهي أبو بكر من القراءة) قال: وأنتم لا تقولون بهذا * قال علي: والجواب (2) وبالله تعالى التوفيق: أن هذه الرواية المطرحة لا يعارض بها ما رواه مثل إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وعبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس (3) * وأيضا: فلو صح هذا الفعل لقلنا به ولحملناه على أنه عليه السلام قرأ أم القرآن التي لابد منها والتي لا صلاة لمن لم يقرأ بها، وإن لم يذكر أنه قرأها، (4) كما لا بد من الطهارة وإن لم تذكر في الحديث، ومن القبلة ومن التكبير وان لم
(1) قال ابن حبان في صحيحه - فيما نقله عن الزيلعي في نصب الراية (ج 1: 247 و 248): (أقول وبالله التوفيق: ان هذه الأخبار كلها صحيحة ليس فيها تعارض فان النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد في إحداهما كان اماما وفى الأخرى كان مأموما. والدليل على ذلك في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة انه عليه السلام خرج بين رجلين: العباس وعلى وفى خبر مسروق عنها انه عليه السلام خرج بين بريرة وثويبة) وهذا واضح ودقيق (2) في اليمنية (فالجواب) (3) في المصرية (وعبيد الله بن عبد الله بن عباس) وهو خطأ (4) قوله (وان لم يذكر) الخ محذوف من اليمنية * 68 يذكر في الحديث، ثم بدأ عليه السلام بالقراءة في السورة من حيث وقف أبو بكر، وهذا حسن جدا مباح جيد * وأيضا: فان عائشة رضي الله عنها ذكرت أنها كانت صلاة الظهر، وهي سر، فبطل ما رواه إسرائيل (1) * وأيضا: فلو بطل هذا الخبر من صلاته عليه السلام في مرضه الذي مات فيه لخلص أمره عليه السلام المصلين خلفه في مرضه (2) إذ سقط من فرس فوثئت (3) رجله الطاهرة بالقعود، وبالصلاة خلف الامام الجالس جلوسا، الذي رويناه من طريق أنس وأبي هريرة وجابر وعائشة وابن عمر
(1) حديث إسرائيل رواه الدارقطني (ص 153) من طريق يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن عبد الله بن أبي السفر عن عبد الله بن الأرقم بن شرحبيل - كذا في الدارقطني وهو خطأ صوابه: الأرقم بن شرحبيل - عن ابن عباس عن العباس بن عبد المطلب. وفيه ان النبي صلى الله عليه وسلم (قرأ من المكان الذي انتهى أبو بكر من السورة) وفى اسناده قيس بن الربيع وهو ضعيف. ورواه البزار من هذا الطريق وقال (لا نعلم هذا الكلام يروى الا من هذا الوجه بهذا الاسناد) نقله عنه الزيلعي (ج 1: ص 249) وتعقبه بان ابن ماجة رواه باسناد آخر. وهو في ابن ماجة (ج 1: ص 193) عن علي بن محمد عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأرقم ابن شرحبيل عن ابن عباس مطولا وفى آخره (وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر. قال وكيع: وكذا السنة). ونقل شارحه عن البخاري أنه قال (لا نذكر لأبي إسحاق سماعا من أرقم بن شرحبيل) وقد ضعف المؤلف هذا الاسناد بإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. وأخطأ في ذلك جدا فان إسرائيل ثقة روى له الشيخان. وهو أوثق من روى عن جده أبى اسحق. قال ابن مهدي (إسرائيل في أبى اسحق أثبت من شعبة والثوري). ولذلك قال ابن حجر في التهذيب. (وأطلق ابن حزم ضعف إسرائيل ورد به حديثا من حديثه فما صنع شيئا). واما أرقم فهو ثقة معروف من أشراف الناس وحديثه صحيح. وتعليل البخاري ليس مما يتبع عليه لأنه يشترط شرطا معروفا خالفه فيه عامة العلماء بالحديث (2) في اليمنية (في موضعه) بدل (في مرضه) وهو سخف (3) في الأصلين (فوثبت) وهو خطأ 69 باقيا لا معارض له، ولا معترض فيه لاحد (1). ولله تعالى الحمد * قال علي: وبمثل قولنا يقول جمهور السلف رضي الله عنهم. كما روينا من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة أنه قال: الامام أمين، فان صلي قائما فصلوا قياما، وإن صلي قاعدا فصلوا قعودا * ومن طريق حماد بن سلمة ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي الزبير قال: إن جابر بن عبد الله كان به وجع فصلي (2) بأصحابه قاعدا وأصحابه قعودا (3) * وعن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه: أن أسيد بن الحضير اشتكى فكان يؤم قومه جالسا * قال ابن عيينة: وأخبرني إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أخبرني قيس بن قهد (4) الأنصاري: (أن إماما لهم اشتكى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤمنا جالسا ونحن جلوس) (5) * قال علي: فهؤلاء أبو هريرة وجابر وأسيد وكل من معهم من الصحابة، وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير مسجده، لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضي الله عنهم أصلا، كلهم يرى إمامة الجالس للأصحاء، ولم يرو عن أحد منهم خلاف لأبي هريرة وغيره في أن يصلى الأصحاء وراءه جلوسا *
(1) في اليمنية بحذف (فيه لاحد) (2) في اليمنية (كان وجعا يصلى) (3) قال ابن حجر في الفتح (ج 2: ص 120) (روى ابن أبي شيبة باسناد صحيح عن جابر انه اشتكى فحضرت الصلاة فصلى بهم جالسا وصلوا معه جلوسا. وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك. واسناده صحيح أيضا (4) قهد بالقاف. وفى اليمنية بدون نقط. وفى المصرية بالفاء وهو خطأ (5) أثر ابن قهد رواه عبد الرزاق كما ذكر ابن حجر في الفتح والشوكاني في نيل الأوطار (ج 3: ص 211) ونقل عن العراقي أنه قال (اسناده صحيح) وقال ابن حجر أيضا (ج 2: ص 119) (وقد أم قاعدا جماعة من الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم منهم أسيد بن حضير وجابر وقيس قهد وأنس بن مالك والأسانيد عنهم بذلك صحيحة. أخرجها عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم) 70 وروينا عن عطاء: أنه (1) أمر الأصحاء بالصلاة خلف القاعد * وعن عبد الرزاق: ما رأيت الناس إلا على أن الامام إذا صلي قاعدا صلي من خلفه قعودا، قال، وهي السنة عن غير واحد (2) * وروينا عن عباس بن عبد العظيم العنبري قال: سمعت عفان بن مسلم قال أتينا حماد بن زيد يوما وقد صلوا الصبح، فقال إنا أحيينا اليوم سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: ما هي يا أبا إسماعيل؟ قال: كان إمامنا مريضا، فصلى بنا جالسا، فصلينا خلفه جلوسا * وبامامة الجالس للأصحاء يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل (3) وإسحاق بن راهويه وداود (4) وجمهور أصحاب الحديث. وما نعلم أحدا من التابعين منع من جواز صلاة المريض قاعدا بالأصحاء، الا شيئا (5) روى عن المغيرة بن مقسم (6) أنه قال: أكره ذلك. وليس هذا منعا من جوازها (7) * قال علي: وقال زفر بن الهذيل: يصلى المريض الذي لا يقدر على القيام ولا على القعود بالأصحاء مضطجعا، إلا أنه رأى أن يصلوا وراءه قياما. قال علي: وهذا خطأ، بل لا يصلون وراءه الا مضطجعين مومئين، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الامام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه. وهذا عموم مانع للاختلاف على الامام جملة، وليس في قوله عليه السلام: (إذا كبر فكبروا وإذا رفع فارفعوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا
(1) في اليمنية بحذف (أنه) (2) في اليمنية (عن واحد) بحذف (غير) وهو خطأ (3) في اليمنية (وأحمد) بحذف (ابن حنبل) (4) لم يذكر (داود) في اليمنية (5) في اليمنية (الا شئ) (6) مقسم - بكسر الميم واسكان القاف وفتح السين المهملة. والمغيرة ليس من التابعين - كما يفهم من كلام ابن حزم - ولكنه من أتباعهم مات بعد سنة 132 (7) سبق أن نقلنا من كلام ابن حبان ان المغيرة أول من منع من الجلوس خلف الامام الجالس. 71 ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا): بمانع من أن يأتموا به في غير هذه الوجوه فوجب الائتمام به في كل حال، إلا حالا خصها نص أو اجماع فقط * وأما المريض خلف الصحيح، فان الصحيح يصلي قائما، والمريض يأتم به (1) جالسا أو مضطجعا، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صلاة صلاها مع الناس في (2) جماعة صلي قاعدا خلف أبي بكر، وأبو بكر قائم، وذلك بعد امره عليه السلام بأن لا يختلف على الامام. ولقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ولقوله عليه السلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). وبالله تعالى التوفيق * 300 - مسألة. ولا يحل لاحد أن يصلى الفرض راكبا ولا ماشيا الا في حال الخوف فقط، وسواء خاف طالبا له بحق أو بغير حق، أو خاف نارا أو سيلا أو حيوانا عاديا أو مطرا أو هوت رفقة أو تأخرا عن بلوغ محله أو غير ذلك * لقول الله تعالى: (فان خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة). فلن يفسح تعالى في الصلاة راكبا أو راجلا ماشيا إلا لمن خاف، ولم يخص عز وجل خوفا من خوف، فلا يجوز، تخصيصه أصلا. والعجب أن المالكيين منعوا من الصلاة كذلك إلا من خاف طالبا، (3) وهم يقولون في قطاع الطريق المفسدين في الأرض: أن مباحا لهم أكل الميتة والمحرمات في حال تماديهم على قطع الطريق وقتل المسلمين فيها! فخصوا (4) ما عم الله تعالى بلا دليل، وأتوا إلى قول الله تعالى، (فمن اضطر في مخمصة غير
(1) في اليمنية (والمريض يصلى يأتم به) وزيادة يصلى لا داعى لها (2) في اليمنية بحذف (في) (3) في اليمنية (الا من خاف ظالما) (4) في اليمنية (وقتل المسلمين فما يخصوا) وهو خطأ ليس له معنى 72 متجانف لاثم) والى قوله تعالى، (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه). فقالوا: نعم، ومن اضطر متجانفا لاثم وباغيا وعاديا. وهذا عظيم جدا * وأما أبو حنيفة فإنه أجاز القصر للمسافر في معصية، فيلزمه أن يكون هذا مثله، إذ هو من أصحاب القياس وأما نحن فما اتبعنا الا النص فقط (1). وبالله تعالى التوفيق. 301 مسألة. وما عمله المرء في صلاته مما أبيح له من الدفاع عنه وغير ذلك فهو جائز، ولا تبطل صلاته بذلك وكذلك المحاربة للظالم، واطفاء النار العادية وانقاذ المسلم، وفتح الباب، قل ذلك العمل أم كثر * (2) وكل ما تعمد المرء عمله في صلاته مما لم يبح له عمله فيها بطلت صلاته بذلك قل ذلك العمل أم كثر (3). وكل ما فعله المرء ناسيا في صلاته مما لم (4) يبح له فعله فصلاته تامة، وليس عليه الا سجود السهو فقط، قل ذلك العمل أم كثر (5) * وقال أبو حنيفة: لا يجوز لاحد أن يصلى وهو يقاتل، لكن يدعون الصلاة وان خرج وقتها، وان ذهبت صلاتان أو أكثر، فإذا ذهب (6) القتال قضوها * ورأي أن الكلام ناسيا يبطل الصلاة، كما يبطلها العمد، (7) ورأي السلام من الصلاة (8) عمدا يبطلها قبل وقت وجوبه، فإن كان بالنسيان (9) لم تبطل به الصلاة. قال: (10) فلو أراد مريد أن يمر بين يدي المصلى فقال المصلى سبحان الله أو أشار بيده ليرده كرهت ذلك، ولا تبطل صلاته بذلك. فلو قال له قائل كلاما فقال له المصلى: سبحان الله بطلت صلاته، فلو عطس المصلى
(1) في اليمنية (وأما نحن فإنما اتبعنا النصوص فقط) (2) في المصرية (أو كثر) (3) في المصرية (قل العمل أو كثر) (4) في اليمنية (ما لم) وهو خطأ (5) في المصرية (أو كثر) (6) في اليمنية (فان ذهب) (7) في المصرية (كما يبطلها بالعمد) وزيادة الباء خطأ (8) قوله (من الصلاة) محذوف في اليمنية (9) في اليمنية (بنسيان) (10) في اليمنية (قالوا) وما هنا أحسن * 73 فقال: الحمد لله، وحرك بذلك لسانه بطلت صلاته. ومن دعا لانسان أو عليه فسماه بطلت صلاته * ورأي الحدث بالغلبة من الغائط والبول لا تبطل به الصلاة (1) ولكن تبطل به الطهارة فقط * ورأي من أخرج من بين أسنانه طعاما بلسانه فابتلعه عامدا: أن صلاته تامة، وحد بعض أصحابه ذلك بمقدار الحمصة. قال: وان بدأ الصلاة راكبا ثم أمن فنزل بنى، فان بدأها نازلا ثم خاف فركب بطلت صلاته * ورأي قتل القملة والبرغوث في الصلاة لا تبطل به الصلاة * ورأي النفخ في الصلاة يبطل الصلاة * ورأي سائر الأعمال التي تبطل الصلاة بالعمد تبطلها بالنسيان * ورأي مالك الكلام والسلام والعمل: كل ذلك يبطل الصلاة بالعمد بعض ذلك يحد فيه بطلان بالكثير من ذلك دون القليل، وبعضه بالقليل وبالكثير * ورأي أيضا الكلام والعمل والسلام بالنسيان لا يبطل شئ منه الصلاة، فان كثر بالنسيان بطلت به الصلاة. واختلف عنه في النفخ، (2) هل تبطل به الصلاة أم لا؟ * ورأي أن المصلى إذا بلع في صلاته مما بين أسنانه الحبة ونحوها عمدا فصلاته تامة فإن كان أكثر من ذلك بطلت صلاته * ولم ير التسبيح للعارض يعرض يبطل الصلاة (3). وكره قول المصلى إذا عطس: (الحمد لله) ولم تبطل صلاته بذلك *
(1) كلمة (الصلاة) محذوفة من المصرية (2) في اليمنية (فاختلف عنه بالنفخ) وهو خطأ (3) في اليمنية (ولم أرى النسخ للعارض يكون يبطل الصلاة) وهذا خطأ وخلط من الناسخ * 74 وكره قتل البرغوث والقملة في الصلاة، ولم يرها تبطل وان تعمد ذلك (1) وأجاز للمصلى رمى العصفور في الصلاة، ولم يرها تبطل بذلك * وأمر المحارب أن يصلى ايماء، فان ابتدأ الصلاة راكبا لخوف ثم أمن فنزل، أو ابتدأها نازلا (2) ثم خاف فركب: بنى في كل ذلك، وصلاته تامة * وقال الشافعي: إن اضطر المحارب إلى القتال، فله أن يضرب الضربة ويطعن الطعنة، فان تابع الضرب والطعن بطلت صلاته. فان صلى مبتدئا للصلاة وهو راكب ثم أمن فنزل بنى على صلاته، إلا أن يحول وجهه عن القبلة فتبطل صلاته. فان بدأ الصلاة نازلا ثم حدث خوف فركب بطلت صلاته وابتدأها * قال: ومن خرج من بين أسنانه طعام يجرى مجرى الريق فابتلعه ولم يملك غير ذلك فصلاته تامة، فان مضغه بطلت صلاته ولم ير التسبيح ولا التصفيق ينقصان الصلاة. ورأي قتل الحية والعقرب في الصلاة مباحا، وكل عمل خفيف جاء بمثله أثر لم يقطعها. ورأي العمل الكثير والمشي الكثير بالنسيان يبطل الصلاة * قال علي: وهذه كلها أقوال (3) متناقضة متخاذلة بلا برهان * وأعجب ذلك (4) الفرق بين العمل القليل والكثير بلا دليل. ثم ما هو القليل وما هو الكثير؟! وقد علمنا أنه لا قليل إلا وهو كثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه، ولا كثير إلا وهو قليل بالإضافة إلى ما هو أكثر منه. وكل ذلك رأى فاسد بلا برهان، لا من قرآن ولا من سنة، لا صحيحة ولا سقيمة، ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب ولا احتياط ولا رأى يصح! * فمن الأشياء المباحة في الصلاة الالتفات لمن أحس بشئ *
(1) في اليمنية (ولم يرها تبطل بذلك) (2) في اليمنية (وأما المحارب أن يصلى ايماء كان ابتداء الصلاة راكبا لخوف ثم أمن فنزل أراها نازلا) وهو كلام لا معنى له (3) في اليمنية (كل هذه أقوال) (4) في المصرية (وأعجب من ذلك) وهو خطأ * 75 حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد قال: (ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وخانت (1) الصلاة، فجاء (2) المؤذن إلى أبي بكر وقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر فجاء رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة (4)، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد الله عز وجل على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك (5)، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف (6) وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟! قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالي رأيتكم أكثرتم من التصفيح؟ (7)! من نابه شئ في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه) * وبه إلى أبي داود: حدثنا عمرو بن عون أنا حماد بن زيد عن أبي حازم (8) ابن دينار عن سهل بن سعد فذكر هذا الحديث نفسه، وفي آخره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نابكم شئ في الصلاة (9) فليسبح الرجال
(1) في الأصلين (وجاءت) وصححناه من أبى داود (ج 1: ص 354 و 355) (2) في الأصلين (وجاء) (3) في اليمنية (النبي) (4) من قوله (فصفق الناس) إلى هنا حذف من اليمنية (5) هذه زيادة من أبي داود (6) في اليمنية (حتى استوى الصف) وهو خطأ (7) في المصرية (أكثرتم التصفيح) بحذف (من) وفى اليمنية بحذف (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفيها أيضا (مالي أراكم) وكل ذلك خطأ. والتصفيح هو التصفيق (8) في اليمنية (عن أبي حازب) وهو خطأ (9) في الأصلين (شئ من الصلاة) وصححناه من أبى داود (ج 1: ص 355 و 356) وحديث سهل بن سعد رواه البخاري ومسلم والنسائي وروى ابن ماجة منه (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) (ج 1: ص 166) وهو في النسائي (ج 1: ص 127 و 176) * 76 وليصفح النساء * ففي هذا الحديث إباحة التسبيح على كل حال، وإباحة حمد الله تعالى على كل حال، وبطلان قول من منع من ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أبا بكر وراءه يحمد الله تعالى رافعا يديه على مامن به عليه، فلم تبطل بذلك صلاته * وفيه أن التصفيق نهى عنه الرجال، وأمر به النساء فيما نابهن في الصلاة، فان صفق الرجل في صلاته عالما بالنهي بطلت صلاته، لأنه فعل في صلاته ما نهى عنه، فلم يصل كما أمر، وان سبحت المرأة فلم تنه عن التسبيح، بل هو ذكر لله تعالى حسن، وان صفحت فحسن، فإن كان ذلك عبثا ولغير نائب فهو عمل في الصلاة نهينا عنه، ومن فعل في صلاته ما لم يبح له فلم يصل كما أمر. * وفيه إباحة الالتفات للنائب ينوب في الصلاة، فمن التفت عبثا لغير نائب بطلت صلاته، لأنه فعل ما لم يبح له * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا سويد بن نصر أبا عبد الله هو ابن المبارك عن يونس هو ابن يزيد - عن الزهري قال: سمعت أبا الأحوص يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب، وابن المسيب جالس، انه سمع أبا ذر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه (1) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا عمرو بن علي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا زائدة (2) عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في
(1) هذا الحديث رواه أيضا الحاكم في المستدرك (ج 1: ص 236) من طريق الليث عن يونس وصححه هو والذهبي (2) في اليمنية (زايد) وهو خطأ 77 الصلاة؟ فقال: اختلاس يختلسه الشيطان من الصلاة (1) * قال علي: من صرف الله تعالى وجهه عنه في الصلاة فقد تركه ولم يرض عمله، وإذ لم يرض عمله فهو غير مقبول بلا شك، وقد أيقنا (2) ان الالتفات الذي نهى الله تعالى عنه وسخطه هو (3) غير الالتفات الذي أمر به، وعلمنا أن من اختلس الشيطان بعض صلاته فلم يتمها، وإذا لم يتمها فلم يصل * وروينا عن وكيع عن المعلي بن عرفان (4) عن أبي وائل عن ابن مسعود: لا يقطع الصلاة الالتفات * وعن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابن مسعود: لا يزال الله تعالى مقبلا على العبد بوجهه ما لم يلتفت أو يحدث يعنى في الصلاة * ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن آدم بن علي عن ابن عمر: يدعى قوم يوم القيامة المنقوصين، الذي ينقص أحدهم صلاته ووضوءه والتفاته * وعن وكيع عن سفيان الثوري عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: أربع من لم تكن في صلاته تمت صلاته، فذكر منها: الالتفات، والإشارة باليد وبالرأس للحاجة، والاستماع إلى ما يأتيه وهو في صلاته لحاجة في دينه أو دنياه. فكل هذا مباح في الصلاة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا
(1) الحديثان في النسائي (ج 1: ص 177) وحديث أبي ذر نسبه ابن تيمية في المنتقى إلى احمد وأبي داود، وحديث عائشة نسبه أيضا إليهما والى البخاري، انظر الشوكاني (ج 1: ص 387) (2) في اليمنية (وقد اتفقنا) وما هنا أصح وأحسن (3) في المصرية (فهو) ولا موضع للفاء هنا (4) في المصرية (العلاء بن غزوان) وفى اليمنية (المعلي بن غزوان) وكلاهما خطأ، صححناه من التاريخ الصغير للبخاري (ص 174) والميزان (ج 3: ص 186) ولسان الميزان (ج 6: ص 64) والمعلى هذا أسدى كوفي، وهو ابن أخي أبى وائل. قال البخاري: (روى عنه وكيع منكر الحديث، ويقال انه روى عن شقيق عبد الله انه شهد صفين، وهذا لا أصل له، لان عبد الله مات قبل عثمان وقبل صفين) وقال ابن معين ليس بشئ، وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الذهبي: (كان من غلاة الشيعة) * 78 أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني حرملة بن يحيى ثنا عبد الله بن وهب أخبرنا عمرو هو ابن الحارث عن بكير هو ابن الأشج عن كريب هو مولى ابن عباس أن أم سلمة أخبرته قالت: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنهما يعنى الركعتين بعد العصر (1) ثم رأيته يصليهما، فأرسلت إليه الجارية (2) فقلت: قومي بجنبه فقولي: تقول أم سلمة: يا رسول الله، سمعتك (3) تنهى عن هاتين الركعتين، وأراك تصليهما، فان أشار بيده فاستأخري عنه ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه فلما انصرف قال: يا بنت (4) أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر) وذكرت الحديث (5) * وقد ذكرنا قبل إشارته عليه السلام بيده إذ صلى وهو جالس إلى المصلين وراءه قياما ينهاهم عن القيام. والإشارة برد السلام باليد والرأس في الصلاة جائزة (6) * كما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك (7) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة (8). وهذا عموم في كل ما ناب * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا قتيبة ثنا الليث هو ابن سعد عن أبي الزبير عن جابر: (أنه أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلى، فلما فرغ دعاني وقال: إنك سلمت على
(1) في اليمنية (يعنى عن الركعتين بعد العصر) وهو على النسختين تفسير من المؤلف ليس من أصل الحديث (2) في اليمنية (فأرسلت الجارية) وما هنا هو الموافق لمسلم (ج 1: ص 229) (3) في مسلم (انى أسمعك) (4) في المصرية (يا ابنة) وما هنا هو الموافق لمسلم (5) الحديث في مسلم مطول واختصره المؤلف من أوله ووسطه وآخره (6) في اليمنية (والإشارة برد السلام أو اليد في الصلاة جائزة) وهو سقط وخطأ (7) في اليمنية بحذف (ابن مالك) (8) رواه أبو داود (ج 1: ص 356) من طريق عبد الرزاق وصحح الشوكاني اسناده (ج 2: ص 377) وهو صحيح كما قال 79 آنفا وأنا أصلى (1) * حدثنا حمام ثنا عباس ابن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد ابن إسماعيل الترمذي ثنا الحميدي ثنا سفيان بن عيينة ثنا زيد بن أسلم قال قال ابن عمر: (ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسجد بني عمرو بن عوف بقباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجال من الأنصار يسلمون عليه، فسألت صهيبا وكان معه: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم؟ قال: كان يشير إليهم) (2) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا قتيبة أن (3) الليث بن سعد حدثهم عن بكير عن نابل صاحب العباء عن ابن عمر عن صهيب قال ومررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى فسلمت عليه (4) فرد إشارة) *
(1) اختصره المؤلف، وهو في النسائي (ج 1: ص 177) واسناده صحيح. ورواه أبو داود باسناد آخر عن أبي الزبير (ج 1: ص 348) ونسبه المنذري لمسلم والترمذي وابن ماجة أيضا (2) الحديث رواه النسائي عن محمد بن منصور المكي (ج 1: ص 177) وابن ماجة عن علي بن محمد الطنافسي (ج 1: ص 165) والدارمي عن يحيى بن حسان (ص 119) كلهم عن سفيان بن عيينة، ورواه أبو داود (ج 1: ص 348) والترمذي (ج 1: ص 74 و 75) كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر، الا أن عندهما أن ابن عمر سأل بلالا بدلا من صهيب، وزعم الترمذي وتبعه الشوكاني (ج 2: ص 378) انهما قصتان مختلفتان، ولا دليل يؤيده، بل الظاهر أنها قصة واحدة، ففي المدونة (ج 1: ص 100) (ابن وهب عن هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء فسمعت به الأنصار فجاؤوا يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فقلت لبلال أو لصهيب: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسلمون عليه؟ وهو يصلى قال: يشير بيديه) والترمذي وأبو داود إنما روياه من طريق هشام بن سعد عن نافع، فظهر أن القصة واحدة وإنما الشك من ابن عمر، ثم صار الرواة يذكر بعضهم صهيبا وبعضهم بلالا (3) في المصرية (وأن) وزيادة الواو خطأ لا معنى لها (4) زيادة من أبى داود (ج 1: ص 347 و 348) والحديث رواه أيضا الترمذي (ج 1 ص 74) والنسائي (ج 1: ص 177) وحسنه الترمذي 80 قال علي: قال بعض الناس: لعل هذه الإشارة نهى لهم * قال علي: هذا الكذب، إذ لو كان كذلك (1) لنهاهم إثر فراغه * وروينا عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن أبي رافع قال رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أحدهم ليشهد (2) على الشهادة وهو قائم يصلى * وعن حماد بن سلمة عن قتادة عن معاذة العدوية: أن عائشة أم المؤمنين كانت تأمر خادمها أن تقسم المرقة، فتمر بها وهي في الصلاة فتشير إليها: أن زيدي، وتأمر بالشئ للمسكين تومئ به وهي في الصلاة * وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الأعمش عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: رأيت ابن عمر يشير إلى أول رجل في الصف ورأي خللا أن تقدم * وعن وكيع عن أبيه عن عاصم الأحول عن معاذة العدوية: أن عائشة أم المؤمنين أومأت وهي في الصلاة إلى نسوة: أن كلن * وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن محمد بن أبي ليلى عن الحكم ابن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إني لأعدها للرجل عندي يدا ان يعدلني في الصلاة * وبه إلى عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: يمر بي انسان فأقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله ثلاثا فيقبل، فأقول له بيدي: أين تذهب؟ فيقول: إلى كذا وكذا،: وأنا في المكتوبة، هل انقطعت صلاتي؟ قال: لا، ولكن أكرهه، قلت: فأسجد للسهو؟ قال: لا * وعن حماد بن سلمة عن عاصم عن معاذة العدوية عن عائشة أم المؤمنين:
(1) في اليمنية (إذ لو كان ذلك) (2) في المصرية (يشهد) * 81 انها قامت إلى الصلاة في درع وخمار، فأشارت إلى الملحفة فناولتها (1)، وكان عندها نسوة فأومأت إليهن بشئ من طعام بيدها، تعنى وهي تصلى * وعن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي رافع قال: كان يجئ الرجلان إلى الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فيشهد انه على الشهادة، فيصغي لها سمعه، فإذا فرغا يومئ برأسه أي: نعم * وعن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر قال: إذا كان أحدكم في الصلاة فسلم عليه فلا يتكلمن، وليشر إشارة، فان ذلك رده * فان ذكر ذاكر قوله عليه السلام (لا غرار في صلاة ولا تسليم (2)
(1) في الأصلين (فتولتها) ولكن لم تنقط التاء الأولى في اليمنية وكلاهما خطأ، وهذا الأثر لم أجده في كتاب آخر، وأرجح أن صوابه (فناولتها) وأن يكون أصل رسمه (فنولتها) على قاعدة رسم المصحف في حذف الألف من مواضع كثيرة، نحو (قاتل. يقاتلوكم. كتاب) رسمت في المصحف (قتل. يقتلوكم. كتب) وهو كثير جدا. (2) رواه أحمد بن حنبل في المسند (ج 2: ص 461) عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا غرار في صلاة ولا تسليم) - ووقع في المسند (لا اغرار) وهو خطأ مطبعي - ورواه أبو داود (ج 1: ص 348) عن أحمد ورواه الحاكم في المستدرك (ج 1: ص 264) والبيهقي في السنن (ج 2: ص 260) عن الحاكم من طريق احمد، قال الحاكم (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي وهو كما قالا، ويظهر لي أن سبب عدم اخراج الشيخين له مع صحة اسناده شك بعض الرواة في رفعه فقد رواه أبو داود (ج 1: ص 349) من طريق معاوية بن هشام عن سفيان عن أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة قال أراه رفعه قال: (لا غرار في تسليم ولا صلاة) قال أبو داود: (ورواه ابن فضيل على لفظ ابن مهدي ولم يرفعه) وهذه علة غير قادحة في صحته فالرفع زيادة مقبولة من الثقة ومن أوثق من عبد الرحمن بن مهدي ؟! وشك معاوية في الرفع لا يؤثر، فالواثق مقدم على الشاك، خصوصا إذا كان حافظا غير واهم. ووقع في نسخة أبى داود (لا غرار في الصلاة ولا تسليم) وأنا 82 قيل: ليس هذا نهيا عن رد السلام في الصلاة بالإشارة، ولا يفهم هذا
أرجح جدا أن زيادة (أل) هذه خطأ من النساخ لأنها لا توجد في المسند ولا في المستدرك ولا في البيهقي وقد روياه عن المسند، بل ولا في البيهقي إذ رواه عن سنن أبي داود. وقد اختلف في معناه، فنقل أبو داود عن أحمد قال: (يعنى فيما أرى أن لا تسلم ولا يسلم عليك ويغرر الرجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاك) وهذا المعنى يصلح على الرواية التي فيها زيادة (أل) ولم أجد ما يؤيدها، وعلى الرواية الأخرى إذا كان (ولا تسليم) بفتح الميم. أما إذا كان بجرها فلا ولأنه يكون عطفا على (صلاة)، قال في اللسان: (قال أبو عبيد: الغرار في الصلاة النقصان في ركوعها وسجودها وطهورها وهو أن لا يتم ركوعها وسجودها، قال أبو عبيد: فمعنى الحديث: لا غرار في صلاة: أي لا ينقص من ركوعها ولا من سجودها ولا من أركانها كقول سلمان الصلاة مكيال فمن وفى وفى له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين، قال: وأما الغرار في التسليم فنراه أن يقول له: السلام عليكم فيرد عليه الاخر وعليكم ولا يقول: وعليكم السلام. هذا من التهذيب. قال ابن سيده واما الغرار في التسليم فنراه أن يقول: سلام عليك، أو يرد فيقول وعليك، ولا يقول وعليكم، وقيل: لا غرار في الصلاة ولا تسليم فيها، أي لا قليل من النوم في الصلاة ولا تسليم أي لا يسلم المصلى ولا يسلم عليه. قال ابن الأثير: ويروى بالنصب والجر فمن جره كان معطوفا على الصلاة ومن نصب كان معطوفا على الغرار ويكون المعنى: لا نقص ولا تسليم في صلاة، لان الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز) اه كلام اللسان. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي (لا يلزم من نفى الغرار عن الصلاة والتسليم تحريم التسليم حتى يكون ذلك معارضا للاخبار المبيحة للتسليم والرد بالإشارة وحتى يحتاج إلى الترجيح، بل الغرار النقصان، والغرار في الصلاة نقصان سجودها وركوعها وجميع أركانها، والغرار في التسليم أن يقول المجيب وعليك ولا يقول وعليكم السلام. قال أبو الأشبال عفا الله عنه: إنما أطلت نقل كلامهم في معناه لأني لم أجد أحدا من الشراح وفى الكلام فيه، والراجح عندي ان المراد نفى الغرار عن الصلاة وعن التسليم، وتكون الرواية الراجحة بجر تسليم لان الرواية الأخرى بنصبها - ان صحت يلزم منها التقديم والتأخير وأن أصل (لا غرار ولا تسليم في صلاة) وهو مخالف لظاهر الكلام فلا ينحى نحوه الا لضرورة أو قرينة، ثم إن الرواية الأخرى التي رواها معاوية بن هشام بالشك في رفع الحديث لفظها عند أبي داود والحاكم والبيهقي (لا غرار في تسليم ولا صلاة) فهي تؤيد أن التسليم معطوف على الصلاة وأن الغرار منفى عنه كما هو منفى عنها، وهذا ينصر قول ابن حزم في أنه ليس نهيا عن رد السلام في الصلاة بالإشارة. والحمد لله رب العالمين 83 من هذا اللفظ، والدعوى مردودة (1) إلا ببرهان * والترويح لمن آذاه الحر، لقول الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) فلو تروح عبثا بطلت صلاته * وروينا عن محمد بن المثنى عن محمد بن أبي عدى عن أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني (2) قال: كان الحسن لا يرى بأسا بالترويح في الصلاة وعن مجاهد: أنه كان يتروح في الصلاة ويمسح العرق * ومن ذلك إماطته عن كل ما يؤذيه ويشغله عن توفية (3) صلاته حقها، لما ذكرنا * وكذلك سقوط ثوب، أو حك بدن، أو قلع بثرة، أو مس ريق، أو وضع دواء، أو رباط منحل: إذا كان كل ذلك يؤذيه فواجب عليه إصلاح شأنه ليتفرغ لصلاته * روينا عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه قال: إذا رأى الانسان في ثوبه دما وهو في الصلاة فانصرف يغسله أتم صلى (4) ما بقي على ما مضى ما لم يتكلم * قال علي: وما لم ينحرف عن القبلة عامدا * وروينا عن علي بن أبي طالب: أنه كان لا يتحرك في صلاته إلا أن
(1) في المصرية (مردود) وهو خطأ (2) في المصرية (هو أبو عبد الملك) وهو خطأ: والحمراني بضم الحاء المهملة واسكان الميم وفتح الراء نسبة إلى حمران، اسم شخص (3) في المصرية (توفيته) (4) كذا في الأصلين ويحتمل أن يكون صحيحا بجعل (صلى) الخ بيانا لمعنى (أتم) وتصويرا له * 84 يصلح ثوبا أو يحك جلدا * وأما من استرخى ثوبه حتى مس كعبه ففرض عليه أن يرفعه، لئلا يصلى مسبلا عامدا فتبطل صلاته * وحت النخامة من حائط المسجد الذي في قبلته، لما حدثناه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث هو ابن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد وهو يصلي بين يدي الناس، فحتها، ثم قال حين انصرف: إن أحدكم إذا كان في الصلاة فان الله تعالى قبل وجهه، فلا يتنخمن أحدكم قبل وجهه في الصلاة). (1) * وقتل الحية والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور والفار والوزغ - صغارها وكبارها -: مباح في الصلاة * لما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس (2) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب) (3) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا شيبان بن فروخ ثنا أبو عوانة عن زيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عمر: ما يقتل المحرم من لدواب؟ (4) فقال ابن عمر: حدثتني إحدى نسوة النبي عليه السلام أنه صلى الله عليه وسلم (5):
(1) في البخاري (ج 1: ص 108) (2) جوس - بالجيم المفتوحة والواو الساكنة وآخره سين مهملة، وفى اليمنية (حرس) وهو خطأ (3) في أبو داود (ج 1: ص 346) ونسبه المنذري للترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي (حديث حسن صحيح) (4) في مسلم (ج 1: ص 335) (ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم) (5) في اليمنية (احدى نسوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم انه عليه السلام) وفى مسلم (احدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم انه كان) الخ * 85 كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة والعقرب والحديا (1) والغراب والحية قال: وفي الصلاة أيضا. * قال علي: كل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ثقات فواضل عند الله عز وجل، مقدسات بيقين، ولا يمكن البتة أن يغيب على ابن عمر (2) علمهن ولا علم واحدة منهن (3) * فان تأذي بوزغة أو برغوث أو قملة فواجب عليه دفعهن عن نفسه. فإن كان في دفعه (4) قتلهن دون تكلف عمل شاغل عن الصلاة فلا حرج في ذلك، لأننا قد روينا عنه صلى الله عليه وسلم الامر بقتل الوزغ من طريق أبي هريرة وسعد ابن أبي وقاص وأم شريك. ولا يجوز له التفلى في الصلاة، ولا أن يشتغل بربط برغوث أو قملة في ثوبه، إذ لا ضرورة إلى ذلك، ولا جاء النص بإباحته، ولا طلب قتل من لم يؤمر بقتله فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ان في الصلاة لشغلا) * ومن خطر (5) عليه مسكين فخشي فوته فله أن يناوله صدقة وهو يصلى. ولو خشي على نعليه أو خفيه مطرا أو أذى أو سرقة فله أن يحصنهما (6) ويزيلهما عن مكان الخوف، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال. ولو كان بحضرته أو عنده شئ فطلبه صاحبه فليشر له إليه، أولينا وله إياه، لأنها أمانة تؤدى إلى أهلها، قال عز وجل: (ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). وإنما هذا إذا خشي
(1) بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء وبعدها الف: هي الحدأة، وزعم أبو حاتم أن أهل الحجاز يخطئون فيقولون لهذا الطائر الحديا وهو خطأ ويجمعونه الحدادي وهو خطأ. هكذا نقله عنه في اللسان. وفى الكلمة لغات كثيرة. انظر اللسان ومشارق الأنوار للقاضي عياض (2) في اليمنية (عن ابن عمر) (3) الزوجة التي حدثت ابن عمر بهذا هي حفصة كما صرح بذلك في رواية ابنه سالم عنه عند مسلم (ج 1: ص 335) وفى رواية أخرى فيه أيضا التصريح من ابن عمر بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فلعله سمعه منه ثم نسيه فحدث به عن حفصة (4) في اليمنية (رقعة) وهو تصحيف (5) في اليمنية (حضر) (6) في اليمنية (يحضنهما) وهو تصحيف * 86 ضياع الشئ أو فوت صاحبه، فإذا لم يخش ذلك فلا يفعل، إلا (1) حتى يتم الصلاة * ومن صف قدميه أو راوح بينهما فذلك جائز، لأنه كله قيام. ومن أن في صلاته، فإن كان من شدة مرض غالب (2) لا يقدر منه على أكثر، فلا شئ عليه. لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) فان تعمده لغير ضرورة بطلت صلاته، لأنه لم يأت النص بإباحته * ومن صلى وفي فمه دينار أو درهم أو لؤلؤة أو في كمه حرير أو ذهب أو غير ذلك مما عليه حفظه: فذلك جائز له * ودفع المار بين يدي المصلى وسترته ومقاتلته إن أبى: حق واجب على المصلى، فان وافق ذلك موت المار دون تعمد من المصلى لقتله فهو هدر، ولا دية فيه ولا قود ولا كفارة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد بن ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا شيبان بن فروخ (3) ثنا سليمان ابن المغيرة ثنا ابن هلال يعنى حميدا قال: قال لي أبو صالح السمان: بينما أنا مع أبي سعيد الخدري يصلي (4) يوم الجمعة إلى شئ يستره من الناس إذ جاء رجل (5) شاب من بنى أبى معيط أراد أن يجتاز بين يديه، فدفع في نحره، فنظر فلم يجد مساغا إلا بين يدي أبي سعيد، فعاد فدفع في نحره أشد من الدفعة الأولى، فمثل قائما فنال من أبي سعيد، ثم زاحم الناس فخرج، فدخل على مروان فشكا إليه ما لقى، ودخل أبو سعيد على مروان، فقال له مروان: مالك ولابن أخيك؟ جاء يشكوك! فقال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) في اليمنية بحذف (إلا) (2) في اليمنية (غايب) وهو خطأ (3) في اليمنية (شيبان بن كروح) وهو خطأ غريب (4) في المصرية (نصلى) وهو تصحيف (5) كلمة (رجل) زيادة من مسلم (ج 1: ص 143 و 144) * 87 يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز (1) بين يديه فليدفع في نحره، فان أبي فليقاتله فإنما هو شيطان) * فان ذكروا قول مالك: بلغني أن رجلا جاء إلى عثمان بن عفان برجل كسر أنفه، فقال: مر بين يدي في الصلاة، وقد بلغني ما سمعت في المار بين يدي المصلى، فقال له عثمان: فما صنعت أشد يا ابن أخي! ضيعت (2) الصلاة وكسرت أنفه! (3) * قال على: هذا بلاغ لا يصح، ولو صح لما كان إلا على المخالف، لأنه ليس فيه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه اقاده من كسر أنفه، وحتى لو كان ذلك فيه لما كان في قول أحد حجة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد رأى مقاتلته وضربه أبو سعيد الخدري وغيره * وحمل المصلى صغيرا على عنقه أو المشي (4) به إلى حمله حاجة جائز * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن أبي عمر ثنا سفيان هو ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان ومحمد بن عجلان سمعا عامر بن عبد الله ابن الزبير يحدث عن عمرو بن سليم الرزقي عن أبي قتادة الأنصاري قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاصي وهي بنت زينب ابنة (5) رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود
(1) في الأصلين (فأراد أحد يجتاز) بحذف (أن) وصححناه من مسلم (2) في اليمنية (صنعت) وهو تصحيف (3) هذا البلاغ لم أجده في الموطأ ولا في المدونة (4) في الأصلين (أو السى به) ولم نفهم معناه فظننا أن كلمة (المشي) أقرب. ثم لا تزال الجملة مضطربة ومعناها غير مفهوم، ولعل صوابها (أو المشي به إن كانت بالمصلى إلى حمله حاجة -: جائز) والله أعلم (5) في مسلم (ج 1: ص 152) (وهي ابنة زينب بنت) * 88 ثنا يحيى بن خلف ثنا عبد الأعلى ثنا محمد يعنى ابن إسحاق (1) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عمر بن سليم الزرقي عن أبي قتادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر، وقد دعاه (2) بلال للصلاة (3) إذ خرج علينا (4) وامامة بنت أبي العاص بنت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه (5)، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه، فقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه، فكبر فكبرنا، حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يركع اخذها فوضعها ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام (6) اخذها فردها في مكانها، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل (7) ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته) * وبهذا يقول الشافعي وأبو سليمان. وهذان الحديثان يثبتان كذب من خالفهما، وادعى انه كان في نافلة، وكل ما فعله عليه السلام فهو غاية الخشوع وكل ما خالفه فهو الباطل، وان ظنه المخطئ خشوعا. * وهذا الخبر بلا شك كان بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: (ان في الصلاة، لشغلا) لان هذا القول منه عليه السلام كان قبل بدر، إثر مجئ ابن مسعود من بلاد الحبشة، ولم ترد زينب المدينة وابنتها إلا بعد بدر، بالاخبار الثابتة في ذلك * ومن ركب على ظهره صغير وهو يصلى فتوقف لذلك فحسن * ومن استراب بتطويل الامام في سجوده فليرفع رأسه ليستعلم هل خفى عنه تكبير الامام أو لا؟ لأنه مأمور باتباع الامام، فان رآه لم يرفع فليعد إلى السجود، ولا شئ عليه لأنه فعل ما امر به من مراعاة حال الامام. *
(1) في اليمنية (ثنا عبد الله بن محمد يعنى ابن إسحاق) وهو خطأ (2) في المصرية (دعا) بحذف الضمير وهو خطأ لأنه مثبت في اليمنية وفى أبى داود (ج 1: ص 345 و 346) (3) في الأصلين (بالصلاة) وصححناه من أبي داود (4) في أبي داود (الينا) (5) في أبي داود (بنت ابنته على عنقه) (6) في الأصلين (وقام) (7) في أبى داود (يصنع) 89 حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا أبو القاسم (1) عبد الرحمن بن محمد بن سلام الطرسوسي ثنا يزيد بن هارون انا جرير ابن حازم ثنا محمد بن أبي يعقوب البصري عن (2) عبد الله بن شداد عن أبيه (3) قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في احدى صلاتي العشاء (4) وهو حامل حسنا أو حسينا (5) فوضعه (6) ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهراني (7) صلاته سجدة أطالها، فرفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهره عليه السلام وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال أناس (8) يا رسول الله انك سجدت بين ظهراني (9) صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظننا انه قد حدث امر أو انه يوحى إليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت ان أعجله حتى يقضى حاجته) * وتحريك من خشي المصلى نومه وإدارة من كان (10) على اليسار إلى اليمين مباح (11) كل ذلك في الصلاة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد ابن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن رافع ثنا ابن أبي فديك (12) انا الضحاك هو ابن عثمان عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: (بت ليلة عند خالتي ميمونة بنت الحارث، فقلت لها: إذا قام
(1) هي كنية عبد الرحمن، ذكرت في اليمنية فقط، وليست مذكورة في النسائي (2) في اليمنية (ثنا) وما هنا هو الموافق للنسائي (ج 1: ص 171 و 172) (3) في اليمنية بحذف (عن أبيه) وهو خطأ (4) في اليمنية (صلاة العشى) وهو خطأ واضح (5) في اليمنية (حسينا أو حسنا) (6) في النسائي (فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه) (7) أي في أثنائها، وفى الأصلين (ظهري) وهو خطأ (8) في النسائي (فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة قال الناس) (9) في الأصلين (ظهري) (10) في اليمنية (من مكان) وهو خطأ (11) كلمة (مباح) زبادة من اليمنية (12) في اليمنية (محمد بن أبي فديك) وهو هو * 90 رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيقظيني، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت إلى جنبه الأيسر، فاخذ بيدي (1) فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت اخذ (2) بشحمة اذني) وذكر باقي الحديث * ويدعو المصلى في صلاته في سجوده وقيامه وجلوسه بما أحب، مما ليس معصية، ويسمى في دعائه من أحب. وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عصية ورعل وذكوان، ودعا للوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، يسميهم بأسمائهم، وما نهى عليه السلام قط عن هذا ولا نهى هو عنه، وقال عليه السلام في السجود: (أخلصوا فيه الدعاء) أو نحو هذا، وقال: (ثم ليتخير أحدكم من الدعاء (3) أعجبه إليه) وسنذكرها بأسانيدها إن شاء الله تعالى في صفة أعمال الصلاة * وكل منكر رآه المرء في الصلاة ففرض عليه انكاره، ولا تنقطع بذلك صلاته، لان الامر بالمعروف والنهى عن المنكر حق، وفاعل الحق محسن، ما لم يمنع من شئ منه نص أو اجماع. وقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) * ومن جملة ذلك اطفاء النار المشتعلة، وانقاذ الصغير والمجنون والمقعد والنائم من نار أو من حنش أو سبع أو انسان عاد، أو من سيل (4)، والمحاربة لمن أراد المصلى أو أراد مسلما بظلم، وشد الأسير الكافر أو الظالم إلا أن يمنع من شئ من ذلك نص أو إجماع. ومن فرق بين شئ من ذلك. فقد أخطأ، وقال بلا برهان * وروينا من طريق البخاري: حدثنا آدم ثنا شعبة ثنا الأزرق بن قيس قال
(1) في الأصلين (بيده) وهو خطأ صححناه من مسلم (ج 1: ص 212) (2) في الأصلين (يأخذ) وما هنا هو الذي في مسلم (3) في المصرية (في الدعاء). والذي في البخاري (ج 1: ص 119) (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعوا) (4) في اليمنية (أو انسان عادى أو من سبيل) وهو خطأ * 91 كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبينما (1) أنا على جرف (2) نهر إذا رجل يصلى ولجام (3) دابته في يده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها قال شعبة وهو أبو برزة الأسلمي، فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال إني سمعت قولكم (4)، واني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات (5) وشهدت تيسيره، واني كنت أرجع مع دابتي (6) أحب إلى من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق على (7) * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري (8) عن الأزرق بن قيس (9) ان أبا برزة الأسلمي خاف على دابته الأسد فمشى إليها، وهو في الصلاة * وبه إلى معمر عن قتادة: سأله رجل قال: تدخل الشاة بيتي وأنا أصلى فأطأطئ رأسي فآخذ القصبة (10) فاضربها؟ قال قتادة: لا بأس به * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان: ثنا سليمان التيمي عن الحسن البصري في القملة يقتلها الرجل في الصلاة (11) *
(1) في البخاري (ج 1: ص 168) و (ج 2: ص 144 منيرية) (فبينا) (2) بضم الجيم والراء. وفى الأصلين بالحاء وهو تصحيف (3) في البخاري (وإذا لجام) (4) في المصرية (فلما انصرف الشيخ قال أي قولكم) وهو خطأ لا معنى له، وفى اليمنية (فلما انصرف قال الشيخ انى سمعت قولكم) وما هنا هو الموافق للبخاري (5) في البخاري زيادة (أو ثمان) (6) في البخاري (وانى ان كنت ان أراجع مع دابتي) (7) رواه أيضا الطيالسي (ص 125 نمرة 927) عن شعبة والبيهقي (ج 2: ص 266) من طريق آدم عن شعبة، ورواه البخاري (ج 3: ص 144) في الأدب عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن الأزرق بن قيس (8) قوله (عن الزهري) زيادة من اليمنية (9) في اليمنية (عن الأزد وابن قيس) وهو خطأ واضح (10) في اليمنية (العصية) (11) أين باقي الأثر؟! ولم أجده في شئ من الكتب، ووجدت في المغنى لابن قدامة - وهو صنو المحلى - (فان قتلها - يعنى القملة - فلا بأس، لان انسا كان يقتل القمل والبراغيث في الصلاة، وكان الحسن يقتل القمل، وقال الأوزاعي: تركه أحب إلى، وكان عمر يقتل القمل في الصلاة) (ج 1: ص 667) * 92 قال علي: وكذلك من خاف على ماله أو سرقت نعله أو خفه أو غير ذلك فله ان يتبع السارق فينتزع منه متاعه * ولا يضر في كل ما ذكرنا ما اضطر من استدبار القبلة كثرة العمل وقتله، ما لم يتكلم، فإن كان إماما أو مأموما فطمع بشئ من ادراك الصلاة بعد تمام حاجته، أو بانتظار الناس له: رجع ولابد، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كبر ناسيا وهو جنب فذكر فخرج فاغتسل ورجع فأتم الصلاة، وكما فعل يوم ذي اليدين. * فإن لم يرج بادراك شئ (1) من الصلاة، أو أيقن أن الناس لا ينتظرونه، أتم صلاته (2) حين تمام حاجته في أول مكان تجوز له فيه الصلاة، ولا يحل له أن يخطو خطوة واحدة لغير رجوع إلى الصلاة، أو لزوال عن مكان لا تجوز فيه الصلاة * فلو رجا بصلاة في جماعة أخرى أقرب منها فليدخل فيها، فآخر صلاة صلاها أهل الاسلام (3) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبامامين: بدأ أبو بكر وأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أجمع عليها جميع الصحابة رضي الله عنهم، أولهم عن آخرهم، معه عليه السلام وقلد رأى من
(1) في اليمنية (فإن لم يرج تارك شئ) الخ وهو خطأ سخيف، و (رجا) فعل متعد بنفسه وقد عداه المؤلف هنا وبعد أسطر بالحرف، ولا أعرف وجهه، ولم أجد نصا يؤيد هذا الاستعمال (2) في الأصلين (أو أيقن أن الناس لا ينتظرونه أو كان قد أتم صلاته) الخ وهو خطأ، إما بالزيادة وإما بالنقص، ولذلك حذفنا قوله (أو كان قد) لان قوله (أتم صلاته) الخ جواب الشرط في قوله (فإن لم يرج) الخ والمعنى المراد ظاهر، وهو أن هذا المصلى واجب عليه اتمام صلاته بعد ما أتم ما عمله على قدر الضرورة، فإن كان لديه رجاء ان يدرك الصلاة مع الجماعة التي كان فيها عاد إليها وان يئس من ادراكها أتم صلاته حيث انتهى عمله الضروري إلى آخر ما زعمه المؤلف. ويحتمل أن يكون سقط من النسخ شئ بعد قوله (أو كان قد) فيكون صورة ثالثة، ثم يأتي بعده قوله (أتم صلاته) الخ وهو جواب الشرط (3) في اليمنية (فلو رجا بصلاة صلاها أهل الاسلام) وسقط ما في ثناياه، وهو خطأ ضاع معه المعنى المراد * 93 يخطئ (1) مرة ويصيب أخرى: فما خير له في ذلك. ونسأل الله العافية والتوفيق لما يرضيه. آمين * قال أبو محمد: وكل من فرق بين قليل العمل وكثيره فلا سبيل له (2) إلى دليل على ذلك، ولابد له ضرورة من أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن يحد في ذلك برأيه حدا فاسدا ليس هو أولى به من غيره بغير ذلك التحديد، فيحصل على التحكم بالباطل، وأن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله. وإما ان لا يحد في ذلك حدا، فيحصل على أقبح الحيرة في أهم اعمال دينه، وعلى أن لا يدرى ما تبطل به صلاته مما لا تبطل به. وهذا هو الجهل المتعوذ بالله منه * ونسأله عن عمل عمل: أهذا مما أبيح في الصلاة (3)؟ أو مما لم يبح فيها؟ ولا سبيل إلى وجه ثالث. فان قال: هو مما أبيح فيها، لزمه ان قليله وكثيره مباح، وهو قولنا فيما (4) جاء البرهان بإباحته فيها، وان قال: هو مما لم يبح فيها، لزمه ان قليله وكثيره غير مباح فيها، وهو قولنا (5) فيما لم يأت البرهان بإباحته فيها. فان قالوا: أبيح قليله ولم يبح كثيرة. قلنا هذه دعوى كاذبة مفتقرة إلى دليل، فهاتوا برهانكم على صحة هذه الدعوى أولا، ثم على بيان حد القليل المباح من الكثير المحظور، ولا سبيل إلى شئ من ذلك * قال علي: ومشى المصلى إلى فتح الباب للمستفتح حسن لا يضر الصلاة شيئا * حدثنا حمام ثنا عباس بن اصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث (6) ثنا برد أبو العلاء هو ابن سنان -
(1) في اليمنية (ومن رغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رأى من يخطئ) وهو خطأ وسقط (2) في اليمنية بحذف (له) (3) في المصرية (ونسأله عن عمل عمل هذا مما أبيح له في الصلاة) وما هنا أحسن (4) في اليمنية (فما) وهو خطأ (5) في اليمنية (وهذا قولنا) (6) في اليمنية (ثنا أبو معمر عبد الوارث) وهو خطأ لان أبا معمر هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، وعبد الوارث هو ابن سعيد العنبري التنوري، وأبو معمر تلميذه وراويته * 94 عن الزهري عن عروة قالت عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى، فاستفتح الباب، والباب في القبلة، فيجئ فيفتح الباب ثم يعود في صلاته) * قال ابن أيمن: وحدثناه أبو بكر بن حماد ثنا مسدد ثنا بشر بن المفضل ثنا برد ابن سنان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى وعليه باب مغلق فجئت فاستفتحته فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه (1) * قال علي: ورواه يزيد بن زريع قال ثنا برد ثنا الزهري، يذكره * قال علي: فالمشي لما ذكرنا (2) مباح، ولم يوقف عليه السلام على مشى من مشى * ومسح الحصى في الصلاة مرة واحدة جائز ونكرهه، فان زاد عامدا بطلت صلاته * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا سفيان عن الزهري عن أبي الأحوص أنه سمع أبا ذر يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قام أحدكم إلى الصلاة فان الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصى) (3) * وبه إلى أبي داود: ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام هو الدستوائي عن يحيى هو
(1) في اليمنية (إلى صلاته) وما هنا أصح. والحديث رواه أبو داود (ج 1: ص 346) والترمذي (ج 1: ص 117) والنسائي (ج 1: ص 178) - وفيه ان الصلاة كانت تطوعا - والبيهقي (ج 2: ص 265 و 266) وقال الترمذي (حسن غريب) وما ذاك الا لانفراد برد بن سنان به فيما أرى، لأني لم أجده من غير روايته وبرد ثقة صدوق في الحديث، ومن تكلم فيه فإنما رماه بأنه كان يرى القدر، وما هذا بسبب لضعف حديثه، وفى قولي ان الحديث صحيح (2) في المصرية (فالمشي لما ذكرنا كما ذكرنا) ولا داعى لهذه الزيادة (3) نسبه المنذري أيضا للترمذي والنسائي وابن ماجة، ونسبه ابن حجر في التهذيب (ج 12: ص 6) إلى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما * 95 ابن أبي كثير عن ابن سلمة عن معيقيب (1) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. (لا تمسح يعنى الحصى وأنت تصلى، فان كنت لابد فاعلا فواحدة (2):) * قال علي: فان احتجوا بهذا في الفرق بين القليل والكثير، قلنا هذا في مسح الحصى المنهى عنه جملة، المستثنى منه الواحدة فقط، فقولوا لنا: ماذا تقيسون على هذا الخبر؟ الاعمال المباحة جملة بالنصوص؟ أم الاعمال المنهى عنها جملة؟! ولابد من أحد الامرين * فان قالوا: بل الاعمال المباحة جملة، قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل * أول ذلك: أنه قياس المباح على المحظور، وهذا باطل عند صاحب كل قياس، لأنه قياس الشئ على ضده، وإنما القياس عند القائلين به: قياس الشئ على نظيره جملة، أو على نظيره في العلة التي هي علامة الحكم بزعمهم * وأيضا: فأنتم تبيحون الخطوتين والثلاث في الصلاة، والضربة والضربتين، واخذ الماء باناء من الجابية لمن عليه الحدث في الصلاة، وهذا أكثر من المرة الواحدة، فظهر بطلان قياسكم (3)، وتحرمون ما زاد على ما ذكرنا، واستقاء الماء من البئر لمن عليه الحدث في الصلاة. فلاح أنكم لم تتعلقوا بقياس أصلا * فان قالوا: بل قسنا الاعمال المنهى عنها (4) على هذا الخبر. قلنا لهم:
(1) في المصرية (عن أبي سلمة هو معيقيب) وهو خطأ فاحش، فان أبا سلمة هو ابن عبد الرحمن ابن عوف وهو من التابعين ومعيقيب - بضم الميم وفتح العين المهملة واسكان الياء وكسر القاف وبعدها ياء مثناة ثم موحدة صحابي قديم من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال (2) في آخره عند أبي داود زيادة (تسوية الحصى) أي لأجل تسوية الحصى أو بدل من واحدة، والحديث نسبه المنذري للكتب الستة، وهذا والذي قبله في أبى داود (ج 1: ص 356 و 357) (3) في اليمنية (قياسهم) وما هنا أصح وأجود (4) في الأصلين (المنهى عليها) وهو خطأ * 96 فأبيحوا ادخال الإبرة في خياطة الثوب مرة واحدة، وقدح النار بالزند بضربة واحدة، وأبيحوا لطمة واحدة للخادم، ورد مرمى الحائك (1) مرة واحدة، وقد الأديم بضربة واحدة، والتذكية بجرة واحدة، كل ذلك في الصلاة، وهم لا يقولون بهذا. فظهر فساد قولهم. وبالله تعالى التوفيق * قال علي: فان ذكروا (2) ما روينا من طريق يعقوب بن عتبة بن الأخنس عن أبي غطفان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال، يعنى في الصلاة، والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعدها، يعنى في الصلاة) (3) * قال أبو داود: هذا الحديث وهم، ولو صح لوجب ضمه إلى الاخبار الثابتة (4) التي ذكرنا قبل، من إشارة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة بأن يرد السلام وإلى الخادم في أن تستأخر عنه، وكل ما بالمرء إلى الإشارة به وإليه ضرورة، فتخرج تلك
(1) في اليمنية (مرمى الحائط) وأظن أن ما هنا هو الصواب (2) في اليمنية (مسألة فان ذكروا) الخ وما هنا أصح، فالكلام تابع للكلام السابق ولا يصلح أن يكون مسألة مستقلة (3) في أبى داود (ج 1: ص 356) فليعد لها يعنى الصلاة) وهذا الحديث رواه أيضا الدارقطني باسنادين (ص 195 و 196) والطحاوي (ج 1: 262) والبيهقي (ج 2: ص 262) ونسبه الشوكاني (ج 2 ص 377) للبزار أيضا قال الدارقطني (قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول وآخر الحديث زيادة في الحديث ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يشير في الصلاة رواه انس وجابر وغيرهما) ودعوى أبى بكر بن أبي داود ان أبا غطفان مجهول دعوى مردودة فإنه ثقة معروف وثقة النسائي وابن معين وروى له مسلم في صحيحه، ولعل في الحديث وهما كما قال أبوه أبو داود، قال الشوكاني (وعلى فرض صحته ينبغي ان تحمل الإشارة المذكورة في الحديث على الإشارة لغير رد السلام والحاجة جمعا بين الأدلة) وهذا أعدل وأقرب، واليه يشير صنيع المؤلف (4) كلمة (الثابتة) محذوفة من اليمنية * 97 الإشارات (1) بالنصوص التي فيها، وتبقى كل إشارة لم يأت باباحتها نص التحريم، كالإشارة بالبيع وبالمساومة، وبماذا عملت، والاستخبار وغير ذلك، فهذا هو العمل الذي لا يجوز غيره لو صح هذا الخبر وهو قولنا ولله الحمد لان الإشارات أنواع مختلفة، فما أبيح منها بالنص كان مباحا، وما لم يبح منها بالنص كان محرما، فكيف والحديث لا يصح! وبالله تعالى التوفيق * 302 مسألة ومن خرج من صلاته وهو يظن أنه قد أتمها فكل عمل عمله من بيع أو ابتياع أو هبة أو طلاق أو نكاح أو غير ذلك فهو باطل مردود، لأنه في حكم الصلاة، ولو ذكر لعاد إليها، ولا خلاف في أن هذه الأفعال كلها محرمة في الصلاة (2). فكل ما وقع منها (3) في هذه الحال فهو غير الفعل الجائز اللازم المأمور به أو المباح بلا شك. وإذ هو غير الجائز فهو غير جائز بلا شك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا عمل ليس عليه أمره عليه السلام، فهو مردود بلا شك * فلو ذكر أنه لم يتم صلاته ففعل شيئا من ذلك لزمه، لأنه بذكره وقصده إلى عمل ما ذكرنا خرج عن الصلاة، وإذا خرج عن الصلاة فقد حصل في حال تنفذ فيها هذه الأفعال كلها، وهكذا أيضا لو فعل ذلك بعد انتقاض طهارته فهي أيضا نافذة لازمة، لأنه بانتقاض طهارته خرج عن الصلاة، فوقع ذلك منه في غير الصلاة. وبالله تعالى التوفيق * 303 مسألة ومن خطر على باله شئ من أمور الدنيا أو غيرها، معصية أو غير معصية، أو صلى مصرا على الكبائر: فصلاته تامة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد
(1) في المصرية (الإشارة) وما هنا أصح (2) قوله (في الصلاة) محذوف من اليمنية (3) كلمة (منها) حذفت من اليمنية * 98 ابن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن المثنى ثنا معاذ بن هشام هو الدستوائي قال حدثني أبي (1) عن يحيى بن أبي كثير ثنا أبو سلمة ابن عبد الرحمن (2) أن أبا هريرة حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي بالاذان أدبر الشيطان له ضراط، حتى لا يسمع الاذان، فإذا قضى الاذان أقبل فإذا ثوب بالصلاة، (3) أدبر، فإذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر (4) بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا اذكر كذا (5)، لما لم يكن يذكر، حتى يظل (6) الرجل إن يدري كم صلى فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام هو الدستوائي عن قتادة عن زرارة بن أوفى (7) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تجاوز لامتي ما لم تتكلم به وتعمل (8) به، وبما حدثت به أنفسها (9) * وقد ذكرنا قبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه) فصح أن كل ذلك لا يؤثر في الصلاة، وأنه لا يبطل الصلاة إلا قول مقصود إليه منهى عنه أو عمل كذلك، أو القصد إلى تبديل نية الصلاة المأمور بها في الصلاة، التي لا تصح صلاة إلا بها، وهي النية لأداء تلك الصلاة باسمها وعينها، فمن لم ينو كذلك قاصدا إلى ذلك فلم يصل كما أمر، *
(1) قوله (قال حدثني أبي) سقط من الأصلين خطأ، وصححناه من مسلم (ج 1: ص 158) (2) في اليمنية (ثنا سلمة بن عبد الرحمن) وهو خطأ (3) في مسلم (فإذا ثوب بها) بإعادة الضمير على الصلاة مع أنها لم يسبق ذكرها، ولكنها معلومة من سياق الكلام (4) في مسلم (أقبل يخطر) بحذف (حتى) (5) في الأصلين (اذكر كذا وكذا) وصححناه من مسلم (6) في اليمنية (حتى يطلب) وهو خطأ (7) في اليمنية (عن زرارة بن أبي أوفى) وهو خطأ تكرر فيها مرارا (8) في أبى داود (ج 2 ص 232) (عما لم تتكلم به أو تعمل به) وفى اليمنية كما هنا الا ان فيها (تكلم) بحذف احدى التاءين (9) الحديث نسبه المنذري لباقي الكتب الستة * 99 وروينا من طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب: اني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة * وقد افترض عز وجل التوبة على العاصين، وأمروا بالصلاة مع ذلك، قال الله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات). وبيقين ندري أنه تعالى إنما خاطب بهذا المصرين، لان التائب لا سيئة له. وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا) وهذا كله إجماع، إلا قوما خالفوا الاجماع من أهل البدع قالوا: لاتقبل توبة من عمل سوءا حتى يتوب من كل عمل سوء، فلزمهم (1) أن لاتقبل التوبة من تعمد ترك الصلاة وترك الزكاة وترك الصوم، نعم ولا من ترك التوحيد الا بالتوبة من تعمد كل سيئة. فحصلوا على الامر بترك الصلاة والزكاة والصوم وجميع أعمال البر. وهذا خروج عن الاسلام. ونعوذ بالله من الخذلان * 304 مسألة ومن كان راكبا على محمل أو على فيل أو كان في غرفة أو في أعلى شجرة أو على سقف أو في قاع بئر أو على نهر جامد أو على حشيش أو على صوف أو على جلود أو خشب أو غير ذلك فقدر على الصلاة قائما فله أن يصلى الفرض حيث هو قائما. يوفى ركوعه وسجوده وجلوسه حقها * لأنه إنما أمر بالقيام في الصلاة والركوع والسجود والجلوس والطمأنينة والاعتدال في كل ذلك مع استقبال الكعبة ولابد، فإذا وفي كل ذلك حقه فقد صلى كما أمر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حيثما أدركتك الصلاة فصل) وليس شئ من هذه الموضع منهيا عن الصلاة فيها (2) * والعجب كله ممن يحرم الصلاة كما ذكرنا على المحمل (3) ولم يأت بالنهي عن ذلك نص، وهو يبيحها في أعطان الإبل والحمام والمقبرة والى القبر!
(1) في اليمنية (من كل سوء عمل فيلزمهم) (2) في اليمنية (منهيا على الصلاة) وهو خطأ (3) قوله (والعجب) إلى هنا سقط من اليمنية وجعل موضعه بياض * 100 والنص قد صح بالنهي عن الصلاة في هذه المواضع! * فان عجز عن اتمام القيام أو الركوع أو السجود أو القبلة في الأحوال التي ذكرنا ففرض عليه النزول إلى الأرض والصلاة كما أمر، إلا من ضرورة تمنعه من النزول، من خوف على نفسه أو ماله، فليصل كما هو كما يقدر، قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * 305 مسألة ومن تعمد ترك الوتر حتى طلع الفجر الثاني فلا يقدر على قضائه أبدا. فلو نسيه أحببنا له أن يقضيه أبدا متى ما ذكره، ولو بعد أعوام * برهان ذلك ما قد ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوتر ركعة من آخر الليل) * حدثنا حمام ثنا ابن المفرج عن ابن الاعرابي عن الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا طلع الفجر فقد ذهبت كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل أن تصبحوا (1) *
(1) روى أبو داود (ج 1: ص 539) والترمذي (ج 1: ص 93) والمروزي في الوتر (ص 138) والحاكم (ج 1: ص 301) كلهم من طريق ابن أبي زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا (بادروا الصبح بالوتر) ولفظ الحاكم (بادروا بالوتر قبل الصبح) وصححه الترمذي والحاكم والذهبي ورواه أيضا مسلم في صحيحه باللفظ الأول (ج 1 ص 208) والبيهقي (ج 2: ص 478) من طريق عبد الله بن شقيق عن ابن عمر. واما الرواية التي هنا - رواية عبد الرزاق - فقد رواها الترمذي من طريقه (ج 1: ص 94) وقال (سليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ) وسليمان بن موسى هو الأموي الأشدق فقيه أهل الشأم ثقة صحيح الحديث، وقد روى البيهقي هذا الحديث (ج 2 ص 478) من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج (أخبرني سليمان بن موسى ثنا نافع ان ابن عمر كأن يقول: من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فإذا كان الفجر فقد ذهب صلاة الليل والوتر لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوتر قبل الفجر). فهذه الرواية المبينة المفسرة مع الروايات السابقة تدل عندي على أن الحديث المرفوع الذي هنا إنما هو من قول ابن عمر، قاله استنباطا من الحديثين المرفوعين في الامر بجعل الوتر آخر صلاة الليل وبالأمر بمبادرة الصبح بالوتر، وأن من جعله مرفوعا فقد وهم أو سهى. والله أعلم 101 حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الصموت الرقي ثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ثنا صالح بن معاذ ثنا يحيى بن أبي بكير عن معاوية بن قرة عن الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له) (1) *
(1) صالح بن معاذ في اسناد الحديث لم أجد له ترجمة. ويحيى بن أبي بكر إن كان هكذا بالتصغير كما في المصرية فما أظنه أدرك معاوية بن قرة، لأنه مات سنة 208 أو 209 ومعاوية مات سنة 113، وإن كان (يحيى بن أبي بكر) بالتكبير - كما في اليمنية - فلم أجد له ترجمة أيضا. وعلى كل الحالات فانى أشك جدا في رواية هذا الحديث بهذا الاسناد ويخيل إلى أن في أصل المصنف خطأ أو في أصل كتاب البزار، فقد روى البيهقي (ج 2: ص 479) من طريق خالد بن أبي كريمة قال: (حدثني معاوية بن قرة عن الأغر المزني ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله انى أصبحت ولم أوتر؟ (قال: إنما الوتر بالليل ثلاث مرات أو أربعا، قم فأوتر) ونقله أيضا الشوكاني (ج 3 ص 57 و 58) عن المعجم الكبير للطبراني بنحوه، وخالد وثقه احمد وأبو داود وغيرهما واختلفت الرواية فيه عن ابن معين فمرة وثقه ومرة ضعفه، فهذا الحديث عن الأغر غير الذي رواه البزار، ويخالفه في ظاهره ولم أجد ما يؤيد رواية البزار أصلا. وقد روى مسلم (ج 1: ص 208) والمروزي (ص 138) والحاكم (ج 1: ص 301) والبيهقي (ج 2: ص 478) من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا (أوتروا قبل أن تصبحوا) ونسبه أيضا في المنتقى (شوكاني ج 3 ص 49) للترمذي والنسائي وابن ماجة واحمد، وروى البيهقي (ج 2 ص 478) والحاكم (ج 1: ص 301 و 302) من طريق قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له) ورواه الطيالسي (ص 292 رقم 2192) عن هشام عن عن أبي سعيد وقال البيهقي (ورواية يحيى بن أبي كثير كأنها أشبه) وهذا تعليل غير قادح في صحة رواية قتادة، وقد صححها الحاكم والذهبي. فهذه الروايات ترجح عندي ان رواية البزار خطأ، وان الحديث حديث أبي سعيد، لا حديث الأغر المزني. وقد روى أبو داود (ج 1: ص 538) والحاكم (ج 1: ص 302) والبيهقي (ج 2: ص 480) من حديث أبي سعيد مرفوعا (من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره) وصححه الحاكم والذهبي ونقل الشوكاني (ج 3: ص 57) تصحيحه عن العراقي، واسناده صحيح، وقد رواه المروزي والترمذي وابن ماجة باسناد آخر فيه ضعف. وهذا الحديث يؤيد ما ذهب إليه المصنف من قضاء الوتر للناسي والنائم. وهو الحق الذي يجمع به بين الأدلة 102 وأما من نسيه فهو داخل تحت قوله عليه السلام: (من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) وهذا عموم (1) يدخل فيه كل صلاة فرض ونافلة، فهو بالفرض أمر فرض، وهو بالنافلة (2) أمر ندب وحض، لان النافلة لا تكون فرضا * وهذه الآثار تبطل قول من قال: من تعمد ترك صلاة الوتر حتى يطلع الفجر فإنه يصلى الوتر، وقول من قال (3): إن ذكر الوتر وهو صلاة الصبح فقد بطلت صلاته، إلا أن يخاف فوت صلاة الصبح فليتماد (4) فيها وليبدأ بها. وهذا قول أبي حنيفة، وهو مع خلافه للسنة قول لا دليل عليه، لا من نظر ولا من احتياط، لأنه يبطل الفرض المأمور باتمامه من أجل نافلة، وقد قال عز وجل: (ولا تبطلوا أعمالكم) * 306 مسألة ومن صلى الوتر قبل صلاة العتمة فهي باطلة أو ملغاة لأنه أتى بالوتر قبل وقته، والشرائع لا تجزئ إلا في وقتها، لا قبل وقتها ولا بعده وبالله تعالى التوفيق * 307 مسألة ووقت ركعتي الفجر من حين طلوع الفجر الثاني إلى
(1) في اليمنية (فدخل) (2) في المصرية (وهو في النافلة) (3) من أول قوله (من تعمد ترك صلاة الوتر) إلى هنا سقط من اليمنية (4) في اليمنية (فليتمادى) * 103 ان تقام صلاة الصبح. هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الأمة (1) * 308 مسألة فمن سمع إقامة صلاة الصبح وعلم (2) أنه إن اشتغل (3) بركعتي الفجر فاته من صلاة الصبح ولو التكبير: فلا يحل له أن يشتغل بهما، فان فعل فقد عصى الله تعالى. وإن دخل في ركعتي الفجر فأقيمت صلاة الصبح فقد بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلم منهما، ولو لم يبق عليه منهما الا السلام (4)، لكن يدخل بابتداء التكبير في صلاة الصبح كما هو. فإذا أتم صلاة الصبح فان شاء ركعهما وان شاء لم يركعهما. (5) وهكذا يفعل كل من دخل في نافلة وأقيمت عليه صلاة الفريضة * وقال أبو حنيفة: من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة للصبح فان طمع ان يدرك مع الامام ركعة من صلاة الصبح وتفوته أخرى فليصل ركعتي الفجر، ثم يدخل مع الامام، وان خشي ألا يدرك مع الامام ولا ركعة فليبدأ بالدخول مع الامام، ولا يقضى ركعتي الفجر بعد ذلك * وقال مالك: إن كان قد دخل المسجد وأقيمت الصلاة أو وجد (6) الامام في الصلاة فلا يركع ركعتي الفجر، ولكن يدخل مع الامام، فإذا طلعت الشمس
(1) تنبيه * من أول هذا الكتاب - المحلى - اعتمدنا في مراجعتنا في صحيح البخاري على النسخة المطبوعة بالمطبعة الأميرية ببولاق سنة 1280 وهي التي صححها العلامة الكبير سيد المصححين على الاطلاق المرحوم الشيخ محمد قطة العدوي، وتقع في ثلاث مجلدات وهي التي نرمز إلى صحفها فيما كتبناه من الحواشى. وأما الآن من أول المسألة (رقم 308) فإننا جعلنا مراجعتنا على النسخة التي يطبعها الأستاذ الشيخ محمد منير الدمشقي - ناشر المحلى - وقد ظهر كل أجزائها. (2) في الأصلين (أو علم) وهو خطأ ظاهر (3) في اليمنية (انه اشتغل) بحذف (إن) وهو خطأ، (4) في اليمنية (غير السلام) (5) في المصرية (فان شاء ركعها وإن شاء لم يركعها) بافراد الضمير فيهما، وفى اليمنية (فان شاء لم يركعهما) بحذف القسم الأول. وكلاهما خطأ (6) في المصرية (ووجد) وهو خطأ * 104 فان شاء فليقضهما. واما (1) إن كان خارج المسجد فعلم بالإقامة أو بأن الامام في الصلاة: فان رجا ان يدرك مع الامام ركعة فليركع ركعتي الفجر خارج المسجد، ثم ليدخل مع الامام، وان لم يرج ذلك فليدخل مع الامام. وقال الشافعي وأبو سليمان كما قلنا * قال علي: ما نعلم لقول أبي حنيفة ومالك حجة، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا من اجماع، ولا من قياس، ولا من قول صاحب أصلا (2) * فان شغبوا بأنه قد روى عن ابن مسعود: انه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح فركع ركعتي الفجر (3)، وعن ابن عمر أنه أتى المسجد لصلاة الصبح فوجد الامام يصلى فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين ثم دخل في صلاة الامام فلم يقسم ابن مسعود ولا ابن عمر تقسيمهم، من رجاء إدراك ركعة أو عدم رجاء ذلك. ولا يجدون هذا عن متقدم أبدا. والثابت عن ابن عمر مثل قولنا * فان قالوا: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (من أدرك مع الامام ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) قلنا: نعم، هذا حق، وإنما هذا فيمن فاتته (4) الصلاة ولم يأت إلا والامام فيها. وأما من كان حاضرا لإقامة الصلاة فترك الدخول مع الامام أو اشتغل بقراءة قرآن أو بذكر الله تعالى أو بابتداء تطوع: فلا يختلف اثنان من أهل الاسلام في أنه عاص لله تعالى متلاعب بالصلاة. فما الفرق بين هذا وبين اشتغاله بركعتي الفجر لو أنصفوا؟! * فان موهوا بأن ابن مسعود قد فعل ذلك. قيل لهم: أما المالكيون فقد
(1) في اليمنية (فأما) (2) في اليمنية (ولا من إجماع ولا من نظر صاحب ولا قياس أصلا) وهو خلط ظاهر (3) في اليمنية (ركعة الفجر) وهو خطأ (4) في اليمنية (فيمن تأتيه) وهو أكثر من الخطأ * 105 خالفوه في هذا الفعل (1) نفسه، فلم يروا لمن دخل المسجد والامام يصلى أن يشتغل بركعتي الفجر، فلا متعلق لهم بابن مسعود. وأما الحنفيون فقد خالفوا فعله أيضا في هذه المسألة، فقد قسموا تقسيما لم يأت عن ابن مسعود، وابن مسعود يرى التطبيق في الصلاة، وهم لا يرونه، وابن مسعود يرى أن لا تعتق أم الولد (2) إلا من حصة ولدها من الميراث، وهم لا يرون ذلك. وقد خالفوا ابن مسعود حيث وافق السنة ولا يحل خلافه، وحيث لا يعرف له مخالف من الصحابة رضي الله عنهم: في عشرات من القضايا، بل لعلهم خالفوه كذلك في مئين من القضايا. وقد خالف ابن مسعود في هذه المسألة طائفة من الصحابة رضي الله عنهم كما نذكر بعد هذا إن شاء الله عز وجل * فلما عرى قولهم من حجة أصلا رجعنا إلى قولنا، فوجدنا البرهان على وجوبه وصحته ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ومسلم بن إبراهيم والحسن بن علي الحلواني ومحمد بن المتوكل، قال أحمد: ثنا محمد بن جعفر غندر ثنا شعبة عن ورقاء وقال مسلم: ثنا حماد بن سلمة، وقال الحسن: ثنا يزيد بن هارون وأبو عاصم، قال يزيد: عن حماد بن زيد عن أيوب السختياني، وقال أبو عاصم: عن ابن جريج، وقال محمد: ثنا عبد الرزاق ثنا زكريا بن إسحاق، ثم اتفق ورقاء وحماد بن سلمة وأيوب السختياني وابن جريح وزكريا بن إسحاق كلهم عن عمر وبن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (3) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا احمد
(1) في اليمنية (القول) وما هنا أحسن (2) في اليمنية (أم ولد) (3) رواه أبو داود (ج 1: ص 489) ونسبه المنذري إلى مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، ورواه أحمد في المسند (ج 2: ص 331 و 352 و 455 و 517 و 531) والدارمي (ص 127 و 128) 106 ابن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا قتيبة ثنا أبو عوانة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن ابن بحينة هو عبد الله بن مالك قال: (أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلى والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعا؟! (1) * وبه إلى مسلم: ثنا زهير بن حرب ثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال: (دخل رجل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا فلان، بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟! (2) * وروينا أيضا من طريق حجاج بن المنهال: ثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد كلاهما عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس بمثله، وفيه: أنه صلى الركعتين خلف الناس (3) * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن صالح بن رستم هو أبو عامر الخزاز (4) عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: (أقيمت الصلاة ولم أكن
(1) في صحيح مسلم (ج 1: ص 198) ورواه أيضا البخاري (ج 1: ص 267 و 268 منيرية) والنسائي (ج 1: ص 139) وابن ماجة (ج 1: ص 182) والدارمي (ص 127 و 128) والبيهقي (ج 2: ص 481) (2) في صحيح مسلم (ج 1: ص 198) ورواه أيضا أبو داود (ج 1: 488) والنسائي (ج 1: ص 139) وابن ماجة (ج 1: ص 182) وأحمد في المسند (ج 5: ص 82) والبيهقي (ج 2: 482) (3) رواية حماد بن سلمة، لم أجدها ورواية حماد بن زيد في أبى داود ولكن ليس فيها هذا اللفظ، وفى رواية البيهقي من طريق عبد الواحد بن زياد عن عاصم (فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى الصف) وهي تدل على هذا المعنى (4) الخزاز بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي وآخره زاي ثانية. وفى المصرية (الخزان) وفى اليمنية (الجرار) وكلاهما تصحيف * 107 صليت الركعتين يعني صلاة الصبح وركعتي الفجر، قال ابن عباس: فقمت لأصليهما فجبذني وقال: أتريد أن تصلى الصبح أربعا؟! (!) قيل لأبي عامر: النبي صلى الله عليه وسلم فتل ابن عباس؟ قال: نعم * قال علي: فهذه (2) نصوص منقولة نقل التواتر، لا يحل لاحد خلافها، وقد حمل اتباع الهوى بعضهم على أن قال: إن عمرو بن دينار قد اضطرب (3) عليه في هذا الحديث، فرواه عنه سفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد فأوقفوه على أبي هريرة (4) * قال علي: وهذا مما كان ينبغي لقائله أن يتقى الله تعالى أولا، ثم يستحيي من الناس ثانية، ولا يأتي بهذه الفضيحة! لان المحتجين بهذا مصرحون بأن قول الصاحب حجة. فهبك لو لم يسند: أما كان يجب أن ترجح إما قول أبي هريرة على قول ابن مسعود، أو قول ابن مسعود على قول أبي هريرة؟! (5) فكيف وليس ما ذكر مما يضر الحديث شيئا! لان ابن جريج وأيوب وزكريا ابن إسحاق ليسوا بدون سفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد! فكيف والذي أسنده من طريق حماد بن سلمة أوثق وأضبط من الذي أوقفه عنه! وأيوب لو انفرد لكان حجة على جميعهم. فكيف وكل ذلك حق
(1) رواه أيضا الطيالسي (ص 358 رقم 2736) عن أبي عامر الخزاز، ورواه البيهقي (ج 2: ص 482) من طريق الطيالسي ورواه الحاكم (ج 1: ص 307) من طريق سعيد بن منصور عن وكيع باسناده، ومن طريق النضر بن شميل عن أبي عامر، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. ونسبه أيضا العلامة عبد الرحمن المبارك فوري الهندي في شرح الترمذي (ج 1: ص 323) إلى البزار وأبى يعلى وابن حبان في صحيحه (2) في اليمنية (ان هذه) (3) حذف من اليمنية قوله (قد اضطرب) فاختل فيها معنى الكلام (4) الرواية الموقوفة في صحيح مسلم وغيره، وهي لا يعلل بها المرفوع بل كل صحيح كما قال ابن حزم، والذي رجح انه موقوف هو الطحاوي في معاني الآثار وقد أخطأ في ذلك (5) في المصرية (وكيف) * 108 وهو أن عمرو بن دينار رواه عن عطاء عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عطاء عن أبي هريرة انه أفتي به فحدث به على كل ذلك * ثم لو لم يأت حديث أبي هريرة أصلا لكان في حديث ابن سرجس وابن بحينة وابن عباس كفاية لمن نصح نفسه ولم يتبع هواه في تقليد (1) من لا يغني عنه من الله شيئا. ونصر الباطل بما أمكن من الكلام الغث * فكيف وقد روينا بأصح طريق عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كلاهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (2) فهذا فرض للدخول مع الامام كيفما وجد، وتحريم للاشتغال بشئ عن ذلك (3) * واعترض بعضهم في حديث ابن سرجس وابن بحينة بضحكة أخرى، وهي أن قال: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنكر عليه أن يصليهما مختلطا بالناس!! * قال علي: وهذا كذب مجرد، ومجاهرة سمجة لان في الحديث نفسه أنه لم يصلهما (4) إلا خلف الناس في جانب المسجد، كما يأمرون من قلدهم (5) في باطلهم فكيف ولو لم يكن هذا لكان مما يوضح كذب هذا القائل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟:) و (أتصلي الصبح أربعا؟:) لان من الباطل الممتنع أن يقول له (6) النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول وهو لم ينكر عليه إلا صلاته الركعتين مختلطا بالناس ومتصلا بهم! (7) فيسكت
(1) في اليمنية (في تعليل) وهو خطأ (2) الحديث في مسلم (ج 1: 167 و 168) بألفاظ تؤدى هذا المعنى، وأما اللفظ الذي هنا فإنه يحتاج إلى بحث عنه (3) في اليمنية (من ذلك) وما هنا أحسن (4) في اليمنية (في الحديث نفسه أمر لمن يصليها) وهو خطأ (5) في المصرية (قلده) وفى اليمنية (قلدوه) وكلاهما خطأ ظاهر (6) كلمة (له) محذوفة من اليمنية (7) قوله ومتصلا بهم سقط من اليمنية * 109 عليه السلام عما أنكر من المنكر ويهتف بما لم يذكر من لفظه! وقد أعاذ الله تعالى نبيه عن هذا التخليط الذي لا يليق بذى مسكة إلا بمثل من أطلق هذا * وأيضا: فإنه ظن مكذوب مجرد، ولا فرق بين من قال هذا وبين من قال: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنكر عليه لأنه كان بلا وضوء أو لأنه كان يلبس ثوب حرير، ومثل هذه الظنون لا يتعذر على من استسهل (1) الكذب في الدين وعلى النبي صلى الله عليه وسلم * فان قيل: إنه عليه السلام لم يذكر من هذا شيئا، قيل: ولا ذكر عليه السلام اختلاطه بالناس ولا اتصاله بهم، وإنما نص عليه السلام على إنكاره الصلاة التي صلاها وهو عليه السلام يصلى الصبح فقط * وأيضا فان الله تعالى يقول منكرا على من فعل ما أنكره عليه: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير). ولا يختلف اثنان في أن الفريضة خير من النافلة، وهم يأمرونه بأن يستبدل النافلة التي هي أدنى ببعض الفريضة الذي هو خير من النافلة، مع معصيتهم السنن التي أوردنا * وبما قلناه يقول جمهور من السلف: كما روينا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جابر عن الحسن بن مسافر (2) عن سويد بن غفلة أن عمر ابن الخطاب كان يضرب الناس على الصلاة بعد الإقامة * وعن معمر عن أيوب السختياني عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلا يصلي والمؤذن يقيم، فقال له ابن عمر: أتصلي الصبح أربعا؟! (3) * وعن وكيع عن الفضيل (4) بن غزوان عن نافع عن ابن عمر: أنه جاء إلى
(1) في اليمنية (استعمل) (2) أما جابر فالراجح أنه ابن يزيد الجعفي وهو غير ثقة. وأما الحسن بن مسافر فما أدرى من هو؟ ولا وجدت له ترجمة أو ذكرا في شئ من الكتب. وهذا الأثر ذكره البيهقي (ج 2: ص 483) بدون اسناد (3) رواه البيهقي أيضا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب، وفيه أن ابن عمر حصب الرجل (4) (الفضيل) بضم الفاء مصغر وفى اليمنية (الفضل) وهو خطأ * 110 القوم وهم في صلاة الغداة ولم يصل ركعتي الفجر، فدخل معهم، فلما ضحى (1) قام فصلاهما (2) * وعن أبي هريرة: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة * وعن معمر عن أيوب السختياني قال: كان محمد بن سيرين يكره أن تصلى ركعتا الفجر عند إقامة صلاة الصبح، وقال: أتصليهما وقد فرضت (3) الصلاة؟! * وبه إلى معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه: أنه كان إذا أقيمت الصلاة ولم يركع ركعتي الفجر صلى مع الامام، فإذا فرغ ركعهما بعد الصبح (4) * وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي: في الذي يجد الامام يصلى ولم يركع ركعتي الفجر، قال: يبدأ بالمكتوبة وعن عبد الرزاق عن ابن جريج أن عمرو بن دينار أخبره أن صفوان ابن موهب (5) أخبره انه سمع مسلم بن عقيل (6) يقول للناس وهم يصلون وقد أقيمت الصلاة: ويلكم، لا صلاة إذا أقيمت الصلاة! * وعن عبد الرزاق وعبد الرحمن بن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري عن
(1) يقال أضحينا صرنا في الضحى: وأما (ضحى) بالتضعيف فلم أجده بهذا المعنى ولكنه ليس ممتنعا فيما أرى، فإنهم قالوا: ضحى الرجل تغدى بالضحى، وضحى غنمه رعاها بالضحى، وضحينا بنى فلان اتيناهم ضحى، وضحى بالشاة ذبحها ضحى النحر، فهذا كله يدل على أن فعل (ضحى) بالتضعيف إنما هو في أصله للدخول أو الفعل في وقت الضحى. (2) رواه البيهقي بمعناه من طريق أيوب عن نافع (ج 2: ص 484) ورواه مالك في الموطأ (ص 45) بلاغا عن ابن عمر. (3) في اليمنية (عرضت) (4) في اليمنية (مع الصبح) وهو خطأ (5) في المصرية (صفوان بن وهب) وهو خطأ. وصفوان ابن موهب هذا ذكره ابن حبان في الثقات. (6) هو مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ذكره ابن حجر في التهذيب في ترجمة صفوان بن موهب، وذكره ابن سعد في الطبقات في أولاد عقيل (ج 4 ق 1: ص 29) وان الحسين أرسله من مكة إلى الكوفة يبايع له الناس فقتله عبيد الله بن زياد وصلبه. والقصة مفصلة في تاريخ الطبري (ج 5) * 111 منصور بن المعتمر عن فضيل عن سعيد بن جبير أنه قال: اقطع صلاتك عند الإقامة * وعن حماد بن سلمة عن هشام (1) بن عروة قال: جاء ابن أخ لعروة فأراد ان يصلى ركعتي الفجر والمؤذن يقيم، فزجره عروة * فصح أن من بدأ (2) في تطوع ركعتي الفجر أو الوتر أو غيرهما فأقيمت صلاة الصبح أو غيرها فقد بطلت الصلاة التي كان فيها، بالنصوص التي ذكرناها * فان قيل: قال الله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم). قلنا: نعم هذا حق، وما هو أبطلها، ولو تعمد إبطالها لكان مسيئا، ولكن الله عز وجل أبطلها عليه (3) كما تبطل بالحدث، وبمرور ما يبطل الصلاة مروره ونحو ذلك * وأما قضاء الركعتين فلقوله عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، وهذا عموم * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا ابن وضاح ثنا يحيي بن معين ثنا مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد بن كيسان (4) عن أبي حازم عن أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام عن ركعتي الفجر، فصلاهما بعد ما طلعت الشمس) (5) فهذا عليه السلام لم يبدأ بهما قبل الفرض * وبه إلى ابن أيمن: (6) ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي ثنا الحسن بن ذكوان عن عطاء بن أبي رباح عن رجل من الأنصار قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي بعد الغداة ركعتين، فقال: يا رسول الله، لم أكن صليت ركعتي الفجر،
(1) من أول قوله (عن سعيد بن جبير) إلى هنا سقط من اليمنية فصار (عن فضيل ابن عروة) الخ وهو خطأ غريب (2) في اليمنية فصح ما بدأ) وهو خلط (3) قوله (أبطلها عليه) سقط من اليمنية خطأ (4) في المصرية (عن زيد بن كيسان) وهو خطأ (5) رواه مسلم (ج 1: ص 189) والبيهقي (ج 4: ص 483 و 484) وغيرهما (6) قوله (وبه إلى ابن أيمن) موضعه بياض في اليمنية * 112 فصليتهما الآن، فلم يقل له (1) عليه السلام شيئا (2) *
(1) كلمة (له) سقطت من اليمنية (2) الحديث نقله الشوكاني (ج 3: ص 31) عن المؤلف، ونقل عن العراقي أنه قال (اسناده حسن) وروى الترمذي (ج 1: ص 86) من طريق الدراوردي عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس قال (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقيمت الصلاة فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم فوجدني أصلى قال: مهلا يا قيس، أصلاتان معا؟! قلت يا رسول الله أنى لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: فلا اذن) ورواه أبو داود (ج 1: ص 489) وابن ماجة (ج 1: ص 182) والبيهقي (ج 2: ص 483) واحمد (ج 5: 447) والحاكم (ج 1: 275) كلهم من طريق ابن نمير عن سعد بن سعيد، وعندهم أن قيس بن عمرو قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلى) الخ وفى آخره (فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الترمذي (حديث محمد ابن إبراهيم لا نعرفه الا من حديث سعد بن سعيد قال سفيان بن عيينة سمع عطاء بن أبي رباح من سعد بن سعيد هذا الحديث، وإنما يروى هذا الحديث مرسلا - ثم قال -: وسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: وقيس هو جد يحيى بن سعيد، ويقال هو قيس بن عمرو ويقال ابن قهد، واسناد هذا الحديث ليس بمتصل، محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس) وكذلك أعله أبو داود بالارسال ورواه الحاكم والبيهقي من طريق الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده، وهذا اسناد صحيح جدا ونسبه الشوكاني أيضا إلى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ونسبه ابن حجر في الإصابة (ج 5: ص 261) إلى ابن منده من طريق أسد بن موسى، وقال ابن منده (غريب تفرد به أسد موصولا) وهذا كاف في تقوية الأسانيد الأخرى ان صح انها مرسلة وقد ظهر من هذه الروايات ان رواية المؤلف عن عطاء عن رجل من الأنصار هي المرسلة لان عطاء لم يروه عن صحابي وإنما رواه عن سعد بن سعيد كما ذكره الترمذي وكما رواه أبو داود أيضا. وروى احمد أيضا (ج 5: ص 447) عن عبد الرزاق (انا ابن جريج قال وسمعت عبد الله بن سعيد أخا يحيى بن سعيد يحدث عن جده) الخ وهذا أيضا مؤيد للروايات الأخرى الا انى لم أجد ترجمة لعبد الله هذا ولم يذكره ابن حجر في تعجيل المنفعة - مع أنه على شرطه - ومع أنه ذكر الحديث من طريقه في الإصابة * 113 ومن طريق وكيع عن فضيل بن مرزوق عن عطية قال: رأيت ابن عمر صلاهما صلا ركعتي الفجر حين صلى الامام (1) * وعن ابن جريج عن عطاء: إذا أخطأت (2) أن تركعهما قبل الصبح فاركعهما بعد الصبح * قال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج يركع ركعتي الفجر في مسجد صنعاء بعد ما سلم الامام. وبه يقول طاوس وغيره. فلو تعمد تركها إلى أن تقام الصلاة فلا سبيل له إلى قضائها، لان وقتها قد خرج. وبالله تعالى التوفيق * 309 مسألة ومن نام عن صلاة الصبح أو نسيها حتى طلعت الشمس فالأفضل له أن يبدأ بركعتي الفجر ثم صلاة الصبح، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة، وقد ذكرناه باسناده في باب التطوع بعد طلوع الشمس وقبله وعند غروبها وبهذا يقول أبو حنيفة وسفيان الثوري والشافعي وداود وأصحابهم. ولم ير ذلك مالك. وما نعلم لقوله حجة، لأنه خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * 310 مسألة والكلام قبل صلاة الصبح مباح وبعدها: وكرهه أبو حنيفة مذ يطلع (3) الفجر إلى أن تطلع الشمس * قال علي: هذا باطل، لأنه لم يمنع من ذلك قرآن ولا سنة، فهذان الوقتان في ذلك كسائر الأوقات ولافرق. وإنما (4) منع الله تعالى من الكلام في الصلاة وحين حضور الخطبة فقط. وأباحه فيما عدا ذلك. (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) *
(1) كذا في الأصل والمراد انه صلاهما بعد صلاة الامام كما هو ظاهر، وكما يدل عليه نهيه عن صلاتهما والمؤذن يقيم في الأثر الماضي عنه قريبا (2) من أول قوله (صلاهما) في الأثر السابق إلى هنا سقط من اليمنية فاختلط الكلام وصار (رأيت ابن عمر أن تركعهما) الخ وهو لا معنى له (3) في اليمنية (من يطلع) وهو خطأ (4) في المصرية (وقد) بدل (وإنما) * 114 311 مسألة ومن دخل في مسجد فظن أن أهله قد صلوا صلاة الفرض التي هو في وقتها أو كان ممن لا يلزمه فرض الجماعة فابتدأ فأقيمت الصلاة: فالواجب أن يبنى على تكبيره ويدخل معهم في الصلاة، فإن كان قد صلى منها ركعة فأكثر فكذلك، فإذا أتم هو صلاته جلس وانتظر سلام الامام فسلم معه * برهان ذلك أنه ابتدأ الصلاة كما أمر، ومن فعل ما أمر فقد أحسن، وقد قال عز وجل: (ما على المحسنين من سبيل) فإذ هو كذلك ثم وجد إماما ففرض عليه أن يأتم به، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الامام ليؤتم به) ولانكاره عليه السلام على من صلى لنفسه والامام يصلى بالناس، فهذا لا يجوز إلا حيث أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط. وليس ذلك إلا لمن له عذر فطول عليه الامام فقط، على ما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى. ولا يضره أن يكبر قبل إمامه إذا كان تكبيره بحق، ومخالفنا يجيز لمن كبر ثم استخلف الامام من كبر بعده أن يأتم بهذا المستخلف الذي كبر مأمومه قبله * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم والأعمش (1) كلاهما عن إبراهيم النخعي أنه قال في رجل دخل في مسجد (2) يرى أنهم قد صلوا فصلى ركعتين من المكتوبة ثم أقيمت الصلاة: قال إبراهيم يدخل مع الامام فيصلي ركعتين (3) ثم يسلم ثم يجعل الباقيتين تطوعا. فقيل لإبراهيم: ما شعرت أن أحدا يفعل ذلك (4)؟ فقال إبراهيم: ان هذا كان يفعله من كان قبلكم (5) * قال علي: هذا خبر عن الصحابة رضي الله عنهم وعن أكابر التابعين رحمة الله عليهم. وقد روينا عن جماعة من التابعين رضي الله عنهم: أنهم كانوا يرون لمن
(1) في اليمنية (عن المغيرة بن مقسم عن الأعمش) وهو خطأ (2) قوله (في مسجد) سقط من اليمنية (3) في اليمنية (ثم صلى ركعتين وهو خطأ أو شبهه (4) في اليمنية (يفعل هذا) (5) قوله (من كان قبلكم) سقط من اليمنية وهو خطأ * 115 افتتح صلاة تطوع فأقيمت عليه الفريضة أن يدخلوا في المكتوبة واصلين بتطوعهم بها، فإذا رأوا ذلك في التطوع فهو عندهم في المكتوبة أوجب بلا شك: منهم نافع بن جبير بن مطعم والحسن وقتادة وغيرهم. وليس هذا قياسا، بل هو باب واحد، ونتيجة برهان واحد، كما ذكرنا. ولا يحل ذلك عندنا في التطوع، لما ذكرنا قبل من (1) انقطاعها إذا أقيمت الصلاة. وبالله تعالى التوفيق * 312 مسألة ولا يجوز له أن يسلم قبل الامام إلا لعذر، مثل أن يكون بدأ (2) في قضاء صلاة فائتة أو بدأها في آخر وقتها ثم أقيمت صلاة الفرض في وقتها، فان هذا يأتم بالامام في صلاته التي هو فيها، فإذا أتمها سلم ثم دخل خلف الامام في الصلاة التي الامام فيها (3)، فإذا سلم الامام قام فقضى ما بقي عليه منها * لان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة والتي دخل فيها مكتوبة، فلا يجوز له قطعها، ولا يجوز له مخالفة الامام، (4) لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: (بأي صلاتيك اعتددت) منكرا على من فعل ذلك. ولقوله عليه السلام (إنما الامام جنة، فلا تختلفوا عليه) فإذا قضى صلاته ففرض عليه الائتمام بالامام في الصلاة التي يصليها الامام، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بالسلام، فيسلم ولابد، أو يكون (5) مسافرا يدخل في صلاة مقيم ويخاف ممن لا علم له إن قعد ينتظر سلام الامام (6)، فهذا يسلم ولابد، لأنه
(1) كلمة (من) سقطت خطأ من اليمنية (2) في اليمنية (دخل) بدل (بدأ) (3) في اليمنية (في الصلاة وراعى الامام فيها) وهو خطأ (4) في اليمنية (والتي دخل فيها مكتوبة فلا يجوز له مخالفة الامام) وما هنا أصح، وفى هذا الاستدلال مغالطة أو غلط من ابن حزم، لان قوله صلى الله عليه وسلم (المكتوبة) إنما يدل على الصلاة المكتوبة المعهودة التي أقيمت، ولو كان كما قال ابن حزم لجاء الحديث بحذف (ال) وهو واضح (5) في المصرية ويكون بحذف الهمزة وهو خطأ (6) في المصرية (ان قعد منتظرا السلام) وما هنا أوضح * 116 مضطر إلى ذلك، ثم يأتم بالامام متطوعا، ونحو هذا. وبالله تعالى التوفيق * 313 مسألة فإن كان ممن يلزمه فرض الجماعة ولم يكن يائسا عن اداركها فابتدأ الصلاة المكتوبة فأقيمت الصلاة فالتي بدأ بها باطل (1) فاسدة، لا تجزئه، وعليه أن يدخل في التي أقيمت، ولا معنى لان يسلم من التي بدأ، لأنه ليس في صلاة. برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا كان عليه فرض الصلاة في جماعة، لما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى، فإذا لم يفعل فقد عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى، فهو مردود * باب الاذان (2) 314 مسألة لا يجوز (3) أن يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها إلا صلاة الصبح فقط، فإنه يجوز أن يؤذن لها قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار ما يتم المؤذن أذانه وينزل من المنار (4) أو من العلو ويصعد مؤذن آخر ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني في الاذان (5). ولا بد لها من أذان ثان بعد الفجر، ولا يجزئ لها الاذان الذي كان قبل الفجر، لأنه أذان سحور، لا أذان للصلاة. ولا يجوز أن يؤذن لها قبل المقدار الذي ذكرنا * فروينا (6) من طريق محمد بن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الرحمن ابن محمد المحاربي عن إسماعيل بن مسلم، قلت للحسن البصري: يا أبا سعيد، الرجل يؤذن قبل الفجر يوقظ الناس؟ فغضب وقال: علوج فراغ لو أدركهم عمر بن
(1) سبق للمؤلف مرارا هنا وفى الأحكام انه يستعمل لفظ (باطل) وصفا للمذكر وللمؤنث على السواء، وهو جائر صحيح (2) في اليمنية (الاذان) (3) في المصرية (ولا يجوز) وحذف الواو أحسن (4) المنار: العلم يجعل للطريق أو للحد بين الأرضين من طين أو تراب، والمنار أيضا محجة الطريق. واما التي يؤذن عليها فهي المنارة والمئذنة (5) في اليمنية قبل ابتداء الثاني الاذان (6) في اليمنية (وروينا) * 117 الخطاب لأوجع جنوبهم! من أذن قبل الفجر فإنما صلى أهل ذلك المسجد بإقامة لا أذان فيه (1) * وبه إلى محمد بن المثنى: عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن الحسن ابن عمرو (2) عن فضيل عن إبراهيم النخعي: انه كان يكره أن يؤذن قبل الفجر * وعن وكيع عن شريك عن علي بن علي (3) عن إبراهيم النخعي قال: سمع علقمة ابن قيس مؤذنا بليل فقال: لقد خالف هذا سنة من سنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (4)، لو نام على فراشه لكان خيرا له * ومن طريق زبيد اليامي (5) عن إبراهيم النخعي قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل قالوا له: اتق الله وأعد أذانك * قال علي: هذه حكاية عن الصحابة رضي الله عنهم وأكابر التابعين * روينا (6) من طريق أبي داود: ثنا أيوب بن منصور ثنا شعيب بن حرب عن عبد العزيز بن أبي رواد (7) عن نافع مولى ابن عمر عن مؤذن لعمر بن الخطاب
(1) في اليمنية (لا أذان فيها) وفيها أيضا سقط في بعض كلمات من السند ومن الأثر وموضعها بياض ونقل الزيلعي في نصب الراية (ج 1: ص 150) عن الامام القاسم بن ثابت السرقسطي في غريب الحديث اثرا نحوه من طريق أبي سفيان السعدي - وهو طريف بن شهاب - عن الحسن: (أنه سمع مؤذنا أذن بليل فقال: علوج تبارى الديوك، وهل كان الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بعد ما يطلع الفجر؟ ولقد اذن بلال بليل فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فصعد فنادى: ان العبد قد نام) وإسماعيل بن مسلم في اسناد ما رواه المؤلف يغلب على ظني أنه (إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحق البصري) وهو ضعيف وإن كان فقيها مفتيا. (2) في اليمنية (عن سفيان الثوري ابن عمرو) وهو خطأ (3) هو علي بن علي بن نجاد - بكسر النون وتخفيف الجيم اليشكري، كان مالك بن دينار يسميه زاهر العرب، وقال الفضل بن دكين وعفان: (كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم) (4) في اليمنية (سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) (5) زبيد - بالباء الموحدة مصغر - هو ابن الحارث بن عبد الكريم، واليامي نسبة إلى (يام) بطن من همدان. (6) في اليمنية بحذف كلمة (روينا) وهو خطأ (7) في اليمنية (بن أبي زياد) وهو خطأ * 118 يقال له مسروح أذن قبل الصبح فأمره عمر بأن ينادي: ألا إن العبد نام (1) * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن الأسود بن يزيد قال قلت لعائشة أم المؤمنين: متى توترين؟ قالت: بين الأذان والإقامة، وما كانوا يؤذنون (2) حتى يصبحوا (3) * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان: ثنا عبيد الله بن عمر (4) أخبرني نافع قال: ما كانوا يؤذنون حتى يطلع الفجر * فهذه أقوال أئمة أهل (5) المدينة: عمر بن الخطاب وعائشة أم المؤمنين ونافع وغيرهم، وهم أولى بالاتباع ممن جاء بعدهم فوجد عملا لا يدرى أصله، ولا يجوز فيه دعوى نقل التواتر عن مثله أصلا، لان الروايات عن هؤلاء الثقات مبطلة لهذه الدعوى التي لا تصح، ولا يعجز عنها أحد * والذي ذكرنا هو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري * وقال مالك والأوزاعي والشافعي: يؤذن لصلاة الصبح بليل. ولا يؤذن لغيرها إلا بعد دخول الوقت * قال: علي احتج هؤلاء بالاخبار الثابتة من أن بلالا كان يؤذن بليل (6) * قال على: وهذا حق، إلا أنه كما ذكرنا من أنه لم يكن أذان الصلاة، ولا قبل الفجر بليل طويل، وكان يؤذن آخر بعد طلوع الفجر * برهان ذلك ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن
(1) انظر الكلام عليه مطولا في نصب الراية (ج 1: ص 149) وشرح أبى داود (ج 1: ص 209 و 210). وسيذكره المؤلف بعد قليل من طريق أبى داود مرفوعا وأن المؤذن بلال (2) في المصرية (يؤذنوا) وهو لحن (3) قال الزيلعي (ج 1: ص 149): (روى عن عائشة أنها قالت: ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر، أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني عن وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود عنها) (4) في اليمنية (عبد الله بن عمر) وهو خطأ (5) كلمة (أهل) محذوفة من اليمنية (6) قوله (قال على: احتج) إلى هنا سقط من اليمنية وهو خطأ * 119 احمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير بن معاوية ثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي (1) عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنعن أحدكم أذان من سحوره، (2) فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، وينبه (3) نائمكم) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا يعقوب ابن إبراهيم ثنا حفص عن عبيد الله (4) بن عمر عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (5) عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قلت: ولم يكن (6) بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا) * وحدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: (إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، فرجع فنادى، ألا إن العبد نام) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني (7) ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا قتيبة ثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغير (8) بنا حتى يصبح وينظر،
(1) في اليمنية (أبى عثمان الهذلي) وهو خطأ (2) كلمة (بليل) حذفت في الأصلين وهو خطأ، وزدناها من البخاري (ج 1 ص 255) (3) في البخاري (ولينبه) بزيادة اللام (4) في اليمنية (حفص بن عبيد الله) وهو خطأ (5) كلمة (الصديق) ليست في اليمنية (6) في اليمنية (فلم يكن) وهو خطأ، والصواب ما هنا وهو الموافق للنسائي (ج 1 ص 105) (7) في اليمنية (الهذلي) وهو خطأ (8) في البخاري (ج 1 ص 251) (يغزو) وما هنا هو رواية الأصيلي كما في الفتح (ج 2 ص 61) * 120 فان سمع أذانا كف عنهم، وان لم يسمع أذانا أغار عليهم) * قال علي: فصح أن الاذان للصلاة لا يجوز أن يكون قبل الفجر (1) * ورويناه أيضا من طريق حفصة وعائشة أمي المؤمنين، فصار نقل تواتر يوجب العلم، * وعن مالك بن الحويرث وسلمة الجرمي (2) مسندا أيضا * ولم يأت قط في شئ من الآثار التي احتجوا بها ولا غيرها أنه عليه السلام اكتفى بذلك الاذان لصلاة الصبح، بل في كلها وفي غيرها (3) أنه كان هنالك أذان آخر بعد الفجر، والقوم أصحاب قياس بزعمهم، ومن كبارهم من يقول: إن القياس أولى من خبر الواحد، وههنا تركوا قياس الاذان للفجر على الاذان لسائر الصلوات، ولم يتعلقوا بخبر أصلا لا صحيح ولا سقيم في أن ذلك الاذان يجزئ عن آخر لصلاة الصبح * قال علي: ويقال لمن رأى أن الاذان (4) لصلاة الصبح يجزئ قبل الفجر: (5) أخبرنا عن أول الوقت الذي يجرئ فيه الاذان لها من الليل؟ فإن لم يحدوا (6) حدا في ذلك لزمهم أن يجزئ إثر غروب الشمس، لأنه ليل بلا شك، وهم لا يقولون بهذا * فان قالوا: أول الأوقات التي يجزئ فيها الاذان لصلاة الصبح من
(1) في اليمنية (فصح أن الاذان للصلاة لا يجوز قبل الصلاة) (2) سلمة، بفتح السين المهملة وكسر اللام، والجرمي، بفتح الجيم وإسكان الراء وهو سلمة بن قيس بن نفيع، صحابي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم. وحديثه الذي أشار إليه المؤلف رواه البخاري وسيأتي قريبا (3) في المصرية (أو في غيرها) وهو خطأ (4) في اليمنية (ويقال رأى الاذان) وهو خطأ (5) في اليمنية (قبل ثلث الليل) وسياق ما يأتي من الكلام يدل على أنه خطأ وأن الصواب ما هنا (6) في اليمنية (يجدوا) بالجيم وما هنا أحسن وأصح * 121 الليل هو أثر نصف الليل الأول. أو قالوا: هو (1) في أول الثلث الآخر من الليل قلنا لهم: هذه دعوى مفتقرة إلى دليل. ومثل هذا لا يحل القول به على الله تعالى في دينه. * وهم يقولون: إن وقت صلاة العتمة يمتد (2) إلى وقت طلوع الفجر، ويرون للحائض تطهر قبل الفجر أن تصلى العشاء (3) الآخرة والمغرب، فقد أجازوا الاذان لصلاة الصبح في وقت صلاة العتمة، فمن أين لهم أن يخصوا بذلك بعض وقت صلاة العتمة (4) دون جميع وقتها؟ نعم ووقت صلاة المغرب أيضا؟! فان قالوا: لا نجيز ذلك إلا في آخر الليل. قيل لهم: ومن أين لكم هذا؟ وليس هذا في شئ من الاخبار إلا الخبر الذي أخذنا به، وهو الذي فيه تحديد وقت ذلك الاذان (5). وبالله تعالى التوفيق * 315 مسألة ولا تجزئ صلاة فريضة في جماعة اثنين فصاعدا إلا باذان وإقامة، سواء كانت في وقتها، أو كانت مقضية لنوم عنها أو لنسيان، متى قضيت، السفر والحضر سواء في كل ذلك. فان صلى شيئا (6) من ذلك بلا أذان ولا إقامة فلا صلاة لهم، حاشا الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعتمة بمزدلفة، (7) فإنهما يجمعان بأذان لكل صلاة وإقامة للصلاتين معا، للأثر في ذلك * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري (8) ثنا البخاري ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي
(1) في اليمنية بحذف (هو) (2) في اليمنية (ممتد) (3) في اليمنية ويؤذن للحائض تطهر قبل الفجر العشاء) وهو سقط يفسد الكلام (4) في اليمنية بحذف (بعض) وفى المصرية بحذف صلاة فجمعنا بينهما (5) في اليمنية (وتر ذلك الاذان) وهو خطأ سخيف. (6) في المصرية (شئ) على جعل (صلى) لما لم يسم فاعله (7) في المصرية (بالمزدلفة) (8) في اليمنية (إبراهيم بن أحمد الفربري) وهو خطأ * 122 ثنا أيوب هو السختياني عن أبي قلابة ثنا مالك بن الحويرث قال: (أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر الحديث وفيه أنه عليه السلام قال لهم: (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلى، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم (1) * وروينا (2) أيضا باسناد في غاية الصحة من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني أن عمرو بن سلمة الجرمي أخبره عن أبيه، وكان وافد قومه على النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم قال له: (صلوا صلاة كذا في حين كذا (4)، وصلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثرهم قرآنا (5) * قال علي: فصح بهذين الخبرين وجوب الاذان ولا بد، وأنه لا يكون إلا بعد حضور الصلاة في وقتها، عموما لكل صلاة، ودخلت الإقامة في هذا الامر، * كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن محمد النفيلي ثنا ابن علية (6) هو إسماعيل عن الجريري عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة لمن شاء (7) * وأيضا: فقد صح أنه عليه السلام أمر بلالا بأن يوتر الإقامة كما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري
(1) في البخاري (ج 1 ص 258) (2) في الأصلين (ورويناه) وهو خطأ ظاهر (3) في اليمنية وكان يأذن قومه ان رسول الله) الخ وهو خطأ (4) قوله (في حين كذا) سقط من اليمنية خطأ (5) في اليمنية (أكبركم قرآنا) وهو تصحيف، والحديث في البخاري (ج 5: ص 306 و 307) مطول (6) في المصرية (ابن عيينة وهو خطأ (7) رواه أبو داود (ج 1: ص 495) والحديث رواه باقي الجماعة * 123 ثنا محمد بن يوسف هو الفريابي ثنا سفيان هو الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث قال: (أتى رجلان إلى النبي (1) صلى الله عليه وسلم يريدان السفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرجتما فاذنا ثم أقيما (2) ثم ليؤمكما أكبركما * فان قيل: إنما هذا في السفر. قلنا: لا، بل في الخروج، وهذا يقتضى الخروج من عنده عليه السلام لشأنهما، وهذا كله عموم لكل صلاة فرض: مقضية كما ذكرنا، أو غير مقضية. * وقد جاء في هذا أيضا بيان يرفع التمويه والايهام، كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا عمرو بن علي ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا ابن أبي ذئب ثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: (شغلنا المشركون عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس يوم الخندق، (3) قال: وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل (4) فأنزل الله تعالى: (وكفى الله المؤمنين القتال). فامر رسول الله بلالا فأذن للظهر فصلاها في وقتها، ثم أذن للعصر فصلاها في وقتها (5)، ثم أذن للمغرب فصلاها في وقتها) *
(1) في البخاري (أتى رجلان النبي) بحذف (إلى) (ج 1: ص 257 و 258) (2) في اليمنية (وأقيما) وما هنا هو الموافق للبخاري (3) في النسائي (شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس) (ج 1: ص 107) (4) في المصرية بحذف (ما نزل) وفى اليمنية (قبل ان ينزل في الصلاة ما نزل) فصححناهما من النسائي (5) في النسائي (فامر رسول صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها) وما هنا أحسن لان النسائي جعل عنوان الباب على هذا الحديث (الاذان للفائت من الصلوات) ولعل رواية المؤلف عن رواية أخرى لسنن النسائي * 124 قال علي وهذا الخبر زائد على كل خبر ورد في هذه القصة، والاخذ بالزيادة واجب. * وروينا عن عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: صليت لنفسي الصلاة فنسيت أن أقيم لها؟ قال عد لصلاتك أقم لها ثم أعد (1). * ومن طريق محمد بن المثنى: ثنا ابن فضيل عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: إذا نسيت الإقامة في السفر فأعد الصلاة. * وممن قال بوجوب الأذان والإقامة فرضا أبو سليمان وأصحابه، وما نعلم لمن لم ير ذلك فرضا حجة أصلا، ولو لم يكن الا استحلال رسول الله صلى الله عليه وسلم دماء من لم يسمع عندهم أذانا وأموالهم وسبيهم: لكفى (2) في وجوب فرض ذلك. وهو اجماع متيقن من جميع من كان معه من الصحابة رضي الله عنهم بلا شك، فهذا هو الاجماع المقطوع على صحته، لا الدعاوى الكاذبة التي لا يعجز أحد عن ادعائها، إذا لم يزعه (3) عن ذلك ورع أو حياء. وبالله تعالى التوفيق * 316 مسألة ولا يلزم المنفرد أذان ولا إقامة، فان أذن وأقام فحسن، لان النص لم يرد بايجاب الاذان إلا على الاثنين فصاعدا، وإنما قلنا: إن فعل فحسن (4)، لأنه ذكر الله تعالى، وقد يدعو إلى الصلاة من لعله يسمعه من مؤمني الجن، ولا يجوز (5) الا في الوقت 317 مسألة ولا يلزم النساء فرضا حضور الصلاة المكتوبة في جماعة، وهذا لا خلاف فيه، ولا يجوز أن تؤم المرأة الرجل ولا الرجال، وهذا ما لا خلاف فيه، وأيضا فان النص قد جاء بان المرأة تقطع صلاة الرجل
(1) في اليمنية (ثم عد) (2) في اليمنية (يكف) وهو خطأ (3) في اليمنية (لم يردعه) (4) قوله (لان النص لم يرد) إلى هنا سقط من اليمنية (5) في المصرية (فلا يجوز) وما هنا أحسن * 125 إذا فاتت أمامه، على ما نذكر بعد هذا في بابه إن شاء الله تعالى، مع قوله عليه السلام: (الامام جنة) وحكمه عليه السلام بأن تكون وراء الرجل ولابد في الصلاة، وان الامام يقف أمام المأمومين ولابد، أو مع المأموم في صف واحد على ما نذكر إن شاء الله تعالى في مواضعه. ومن هذه النصوص يثبت بطلان إمامة المرأة للرجل وللرجال يقينا * 318 مسألة فان حضرت المرأة الصلاة مع الرجال فحسن. لما قد صح من أنهن كن يشهدن الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عالم بذلك * 319 مسألة فان صلين جماعة وأمتهن (1) امرأة منهن فحسن لأنه لم يأت نص يمنعهن من ذلك: ولا يقطع بعضهن صلاة بعض، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف النساء آخرها (2) * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري (3) عن ميسرة بن حبيب النهدي هو أبو خازم (4) عن ريطة الحنفية: أن عائشة أم المؤمنين أمتهن في صلاة الفريضة (5) * وعن يحيي بن سعيد القطان عن زياد بن لاحق (6) عن تميمة بنت سلمة عن عائشة أم المؤمنين: أنها أمت نساء في الفريضة في المغرب، وقامت وسطهن، وجهرت بالقراءة: *
(1) في اليمنية (فامتهن) (2) في اليمنية بحذف قوله (آخرها) وهو خطأ. وفى المصرية (في أن خير صفوف النساء آخرها) وزيادة (في أن) لا داعى إليها ولا معنى لها. والحديث في مسلم (ج 1: ص 129) وأبى داود (ج 1: ص 253) وغيرها من حديث أبي هريرة (3) قوله (روينا من طريق) إلى هنا سقط من اليمنية خطأ (4) في اليمنية (ميسرة بن حبيب الهذلي) وهو خطأ. وفى الأصلين (أبو حازم) بالحاء المهملة وهو تصحيف، وصحته بالخاء المعجمة (5) رواه الدارقطني (ص 155) من طريق سفيان ونسبه شارحه إلى مصنف عبد الرزاق وحكى تصحيحه عن النووي وهو صحيح (6) في اليمنية (زياد بن الأحوص) ولا أعرف أيتهما أصح ولم أجد له ترجمة ولا لتميمة بنت سلمة فيبحث عنهما * 126 وعن عبد الرزاق (1) عن سفيان الثوري عن عمار الدهني (2) عن حجيرة بنت حصين (3) قالت: أمتنا أم سلمة أم المؤمنين في صلاة العصر وقامت بيننا: (4) * وعن يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أم الحسن بن أبي الحسن وهي خيرة، (5) هو اسمها، ثقة مشهورة حدثتهم: أن أم سلمة أم المؤمنين كانت تؤمهن (6) في رمضان، وتقوم معهن في الصف (7) * وعن عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني يحيي بن سعيد الأنصاري أن عائشة أم المؤمنين كانت تؤم النساء في التطوع وتقوم وسطهن في الصف (8). *
(1) قوله (عن عبد الرزاق) سقط من اليمنية (2) بضم الدال المهملة وإسكان الهاء وبعدها نون (3) حجيرة وحصين بالتصغير فيهما (4) رواه ابن سعد (ج 8: ص 356) عن سفيان ورواه الدارقطني (ص: 155) من طريق عبد الرحمن عن سفيان، وقال شارحه: (أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما والشافعي في مسنده قالوا ثلاثتهم: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمار الدهني) الخ ثم نقل عن النووي تصحيحه. وابن سعد والدار قطني لم يبينا إن كان سفيان هو ابن عيينة أو الثوري، وكلاهما يروى عن عمار الدهني، والظاهر أنه ابن عيينة لان ابن سعد لم أجد ما يدل على أنه يروى عن الثوري وقد صرح ابن حجر في التلخيص (ص 128) أنه ابن عيينة في اسناد عبد الرزاق والدار قطني، فيظهر لي ان المؤلف أخطأ في زعمه انه الثوري ويؤيد هذا ان الحديث في مسند الشافعي المطبوع بهامش الام (ج 6: ص 82 وفيه (أخبرنا ابن عيينة) (5) في اليمنية (عن الحسن بن أبي الحسن) الخ بحذف (أم) وهو خطأ. وخيرة بفتح الخاء المعجمة وإسكان الياء وفتح الراء (6) في المصرية (تؤمهم وهو خطأ (7) هذا الأثر نقله شارح الدارقطني (ص: 155) عن مصنف ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن سعيد عن قتادة (8) روى الحاكم في المستدرك (ج 1: ص 203 و 204) من طريق ليث عن عطاء عن عائشة (انها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء وتقوم وسطهن) * 127 وعن عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: تؤم المرأة النساء في التطوع (1)، تقوم وسطهن. * وروى عن ابن عمر: أنه كان يأمر جارية له تؤم نساءه (2) في ليالي رمضان * ومن التابعين: روينا (3) عن ابن جريج عن عطاء، وعن ابن مجاهد عن أبيه، عن سفيان الثوري عن إبراهيم النخعي والشعبي، وعن وكيع عن الربيع (4) عن الحسن البصري، قالوا كلهم بإجازة إمامة المرأة للنساء وتقوم وسطهن. قال عطاء ومجاهد والحسن: في الفريضة والتطوع، ولم يمنع من ذلك غيرهم، وهو قول قتادة والأوزاعي وسفيان الثوري وإسحاق وأبي ثور وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد ابن حنبل وداود وأصحابهم * وقال سليمان بن يسار ومالك بن أنس: لا تؤم المرأة النساء في فرض ولا نافلة. وهذا قول لا دليل على صحته، وخلاف لطائفة من الصحابة لا يعلم لهم من الصحابة رضي الله عنهم مخالف، وهم يشيعون هذا إذا وافق تقليدهم * بل صلاة المرأة (5) بالنساء داخل تحت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) * فان قيل: فهلا جعلتم ذلك فرضا، بقوله عليه السلام: (إذا حضرت الصلاة فليؤمكم أكبركم)؟ قلنا: لو كان هذا لكان جائزا أن تؤمنا، وهذا محال، وهذا خطاب منه عليه السلام لا يتوجه البتة إلى نساء لا رجل معهن،
(1) قوله (في التطوع) سقط من اليمنية (2) في المصرية (بنسائه) (3) كلمة (روينا) سقطت من المصرية (4) الربيع هو ابن صبيح، وكلاهما بالتكبير، وهو مختلف في ضعفه والراجح انه لا باس به مع صلاحه وصدقه، ولم يكن الحديث من صناعته فكان يهم فيما يروى كثيرا كما قال ابن حبان. (5) في اليمنية (كل صلاة المرأة) * 128 لأنه لحن في العربية متيقن، ومن المحال الممتنع أن يكون عليه السلام يلحن * 320 مسألة ولا أذان على النساء ولا إقامة، فان أذن وأقمن فحسن. برهان ذلك أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاذان إنما هو لمن افترض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في جماعة، بقوله عليه السلام: (فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) وليس النساء ممن أمرن بذلك. فإذا هو قد صح فالاذان ذكر الله تعالى، والإقامة كذلك، فهما في وقتهما فعل حسن وروينا عن ابن جريج عن عطاء: تقيم المرأة لنفسها. وقال طاوس: كانت عائشة أم المؤمنين تؤذن وتقيم (1) * 321 مسألة ولا يحل لولى المرأة ولا لسيد الأمة منعهما من حضور الصلاة في جماعة في المسجد، إذا عرف أنهن يردن الصلاة ولا يحل لهن أن يخرجن متطيبات ولا في ثياب حسان، فان فعلت فليمنعها، وصلاتهن في الجماعة أفضل من صلاتهن منفردات * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبي وعبد الله بن إدريس قالا ثنا عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (2) * وبه إلى مسلم: ثنا حرملة بن يحيى ثنا ابن وهب أنا يونس هو ابن يزيد - عن ابن شهاب أنا سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم (3) إليها
(1) إلى هنا آخر المجلد الأول الذي تفضل بإعارته لنا الرجل الكامل النبيل السيد محمد نصيف مين أعيان جدة وهذا الجلد هو الذي كنا نشير إليه باسم (النسخة اليمنية) اه إدارة (2) في صحيح مسلم (ج 1: ص 192) (3) في الأصل (لا تمنعوا اماءكم المساجد ان استأذنكم) وصححناه من مسلم (ج 1 ص 129) * 129 فقال له بلال ابنه، والله لنمنعهن، فاقبل عليه عبد الله بن عمر فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط، قال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن * وبه إلى مسلم: ثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا النساء من الخروج بالليل إلى المساجد) (1) * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن وضاح ثنا حامد هو ابن يحيى البلخي ثنا سفيان هو ابن عيينة عن محمد ابن عمرو بن علقمة بن وقاص عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولا يخرجن إلا وهن تفلات) * قال علي: والتفلة السيئة الريح والبزة (2) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان ثنا بكير بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سيعد عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا) (3) * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلى الصبح فينصرف
(1) في مسلم (من الخروج إلى المساجد بالليل) (2) الحديث رواه أبو داود أيضا (ج 1: ص 222) ونسبه في المنتقى (الشوكاني ج 3: ص 160) لمسند أحمد. والتفلة بفتح التاء وكسر الفاء وفتح اللام (3) في مسلم (ج 1: ص 130) * 130 النساء متلففات (1) بمروطهن ما يعرفن من الغلس) (2) * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حسين بن علي (3) هو الجعفي عن زائدة عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خير صفوف الرجال المتقدم، وشرها المؤخر، وشر صفوف النساء المتقدم، وخيرها المؤخر، يا معشر النساء إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن، لا ترين عورات الرجال، من ضيق الأزر، (4) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق حدثني ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا عبد الله بن عمرو هو أبو معمر ثنا عبد الوارث بن سعيد هو التنوري ثنا أيوب هو السختياني عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تركنا هذا الباب للنساء) فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (5) * وبه إلى أبي داود، حدثنا قتيبة ثنا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث (6) عن بكير هو ابن الأشج عن نافع قال: (7) إن عمر بن الخطاب كان ينهى
(1) حكى الزرقاني في شرح الموطأ (ج 1: ص 19) انه رواه يحيى وجماعة بفاءين ورواه كثيرون (متلفعات) بفاء ثم عين مهملة وعزاه عياض لأكثر رواة الموطأ (2) الحديث رواه أيضا الشيخان وغيرهما. من طريق مالك. (3) في الأصل (حسن بن علي) وهو خطأ (4) هذا اسناده صحيح، وقد رواه أيضا احمد في مسنده (ج 3: ص 293) عن عبد الصمد عن زائدة عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو اسناد صحيح. وفى لفظ احمد (المقدم) في الموضعين بدل (المتقدم) ولعله أصح. ولم أجد حديث جابر في غير هذين الكتابين - المحلى والمسند - وروى مسلم (ج 1: ص 129) وأبو داود (ج 1: ص 253) من حديث أبي هريرة مرفوعا (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) ورواه أيضا الدارمي والترمذي والنسائي وابن ماجة (5) رواه أبو داود (ج 1: ص 175) وكذا الذي بعده (6) في الأصل (عن عمر بن الحارث) وهو خطأ (7) في الأصل (عن بكير ابن الأشج أن عمر بن الخطاب) الخ والتصحيح من أبى داود * 131 أن يدخل من باب النساء * قال على: لو كانت صلاتهن في بيوتهن أفضل لما تركهن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعنين (1) بتعب لا يجدي عليهن زيادة فضل أو يحطهن من الفضل، وهذا ليس نصحا، وهو عليه السلام يقول: (الدين النصيحة) وحاشا له عليه السلام من ذلك، بل هو أنصح الخلق لامته، ولو كان ذلك لما افترض عليه السلام أن لا يمنعهن، ولما أمرهن بالخروج تفلات. وأقل هذا أن يكون أمر ندب وحض * وقال أبو حنيفة ومالك: صلاتهن في بيوتهن أفضل. وكره أبو حنيفة خروجهن إلى المساجد لصلاة الجماعة وللجمعة وفى العيدين، ورخص للعجوز خاصة في العشاء الآخرة والفجر، وقد روى عنه أنه لم يكره خروجهن في العيدين * وقال مالك: لا نمنعهن من الخروج إلى المساجد، وأباح للمتجالة (2) شهود العيدين والاستسقاء، وقال: تخرج الشابة إلى المسجد المرة بعد المرة، قال: والمتجالة تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد * قال علي: وشغب من كره ذلك برواية رويناها عن سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل (3) * وبحديث روى عن عبد الحميد بن المنذر الأنصاري عن عمته أو جدته
(1) رسم في الأصل بدون نقط، وهذا أقرب ما يناسب رسمه (2) التجال التعاظم وتجالت المرأة أي أسنت وكبرت فهي متجالة (3) متفق عليه، وانظر الشوكاني (ج 3: ص 161) وصحيح مسلم (ج 1: ص 130) * 132 أم حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أن صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك معي) (1) *
(1) نقل ابن الأثير في أسد الغابة (ج 5: ص 578) عن ابن أبي عاصم (حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب عن عبد الحميد بن المنذر بن أبي حميد الساعدي عن أبيه عن جدته أم حميد أنها قالت: قلت يا رسول الله، يمنعنا أزواجنا أن نصلى معك، ونحب الصلاة معك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلاتكن في بيوتكن أفضل من صلاتكن في حجركن، وصلاتكن في حجركن أفضل من صلاتكن في دوركن وصلاتكن في دوركن أفضل من صلاتكن في الجماعة) وذكره ابن حجر في الإصابة (ج 8: ص 226) ونسبه أيضا إلى بقي بن مخلد من هذا الطريق - ووقع فيها (تقى) بالمثناة وصوابه (بقي) بالموحدة. وروى احمد في المسند (ج 6: ص 371) (ثنا هارون ثنا عبد الله ابن وهب قال حدثني داود بن قيس عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حميد امرأة أبى حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله انى أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي قال فأمرت فبنى لها مسجد في أقصى شئ من بيتها وأظلمه، فكانت تصلى فيه حتى لقيت الله عز وجل) ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب (ج 2: ص 791) من طريق هارون بن معروف عن ابن وهب - ووقع فيه (ابن وهيب) وهو خطأ - ونسبه ابن حجر في الإصابة من هذا الطريق إلى ابن أبي خيثمة. وهذا اسناد صحيح. داود بن قيس ثقة حافظ، وعبد الله بن سويد الأنصاري الحارثي له صحبة، وذكره ابن حبان في الثقات، ويظهر من كلام ابن حجر أنه يرجح أن يكونا شخصين: أحدهما صحابي، والآخر تابعي وهو الذي هنا وعمته أم حميد، وعلى كل فهو ثقة، والحديث صحيح. ونقل الشوكاني (ج 3: ص 161) عن ابن حجر أنه قال: (اسناد حسن) ويؤيد معناه ما رواه الحاكم في المستدرك (ج 1 ص 209) من طريق يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب (حدثني حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن) قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعا بالعوام ابن حوشب، وقد صح سماع حبيب من ابن عمر، ولم يخرجا فيه الزيادة: وبيوتهن خير لهن) ووافقه الذهبي. ثم روى له الحاكم شاهدا مرفوعا (خير مساجد النساء قعر بيوتهن) من حديث دراج أبى السمح عن السائب عن مولاته أم سلمة، واسناده حسن 133 وبحديث روى من طريق عبد الله بن رجاء الغداني (1) أنا جرير بن حازم عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير أن أبا هريرة حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لان تصلى المرأة في مخدعها أعظم لاجرها من أن تصلى في بيتها، وأن تصلى في بيتها أعظم لاجرها من أن تصلى في دارها، وأن تصلى في دارها أعظم لاجرها من أن تصلى في مسجد قومها، وأن تصلى في مسجد قومها أعظم لاجرها من أن تصلى في مسجد جماعة، وأن تصلى في مسجد جماعة خير لها من أن تخرج إلى الصلاة يوم العيد. * وقال بعضهم: لعل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجهن يوم العيد إنما كان ارهابا للعدو لقلة المسلمين يومئذ ليكثروا في عين من يراهم * قال علي: وهذه عظيمة، لأنها كذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول بلا علم، وهو عليه السلام قد بين أن أمره بخروجهن ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى، فأف لمن كذب قول النبي صلى الله عليه وسلم وافترى كذبة برأيه! ثم إن هذا القول مع كونه كذبا بحتا (2) فهو بارد سخيف جدا، لأنه عليه السلام لم يكن بحضرة عسكر فيرهب عليهم، ولم يكن معه عدو إلا المنافقون ويهود المدينة، الذين يدرون أنهن نساء، فاعجبوا لهذا التخليط!، * قال علي: أما ما حدثت عائشة فلا حجة فيه لوجوه: * أولها: أنه عليه السلام لم يدرك ما أحدثن، فلم يمنعهن، فإذا لم يمنعهن فمنعهن بدعة وخطأ، وهذا كما قال تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن
(1) بضم الغين المعجمة وفتح الدال المخففة نسبة إلى غدانة بن يربوع بن حنظلة وهو صدوق أثنى عليه أبو زرعة وقال أبو حاتم (كان ثقة رضيا) وقال ابن المديني (اجتمع أهل البصرة على عدالة رجلين: أبى عمر الحوضي وعبد الله بن رجاء) (2) في الأصل - وهو النسخة المصرية وحدها - (كذب بحت) وهو لحن * 134 بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين). فما اتين قط بفاحشة مبينة ولا ضوعف لهن العذاب والحمد لله رب العالمين. وكقوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) فلم يؤمنوا فلم يفتح عليهم. * وما نعلم احتجاجا أسخف من احتجاج من يحتج بقول قائل: لو كان كذا: لكان كذا: على ايجاب ما لم يكن، الشئ الذي لو كان لكان ذلك الآخر * ووجه ثان: وهو أن الله تعالى قد علم ما يحدث النساء، ومن أنكر هذا فقد كفر فلم يوح قط إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بمنعهن من أجل ما استحدثنه، ولا أوحى تعالى قط إليه: أخبر الناس إذا أحدث النساء فامنعوهن من المساجد، فإذ لم يفعل الله تعالى هذا فالتعلق بمثل هذا القول هجنة وخطأ * ووجه ثالث: وهو أننا ما ندري ما أحدث النساء مما لم يحدثن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شئ أعظم في احداثهن من الزنا، فقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجم فيه وجلد، فما منع النساء من أجل ذلك قط، وتحريم الزنا على الرجال كتحريمه على النساء ولا فرق، فما الذي جعل الزنا. سببا يمنعهن من المساجد؟! ولم يجعله سببا إلى منع الرجال من المساجد؟! هذا تعليل ما رضيه الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم * ووجه رابع: وهو أن الاحداث إنما هو لبعض النساء بلا شك دون بعض، ومن المحال منع الخير عمن لم يحدث من أجل من أحدث، إلا أن يأتي بذلك نص من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فيسمع له ويطاع، وقد قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى). * ووجه خامس: وهو أنه إن كان الاحداث سببا إلى منعهن من
135 المسجد فالأولى أن يكون سببا إلى منعهن من السوق ومن كل طريق بلا شك، فلم خص هؤلاء القوم منعهن من المسجد من أجل إحداثهن، دون منعهن من سائر الطرق؟! بل قد أباح لهن أبو حنيفة السفر وحدها، والمسير في الفيافي والفلوات مسافة يومين ونصف، ولم يكره لها ذلك، وهكذا فليكن التخليط. * ووجه سادس: وهو أن عائشة رضي الله عنها لم تر منعهن من أجل ذلك، ولا قالت: امنعوهن لما أحدثن، بل أخبرت أنه عليه السلام لو عاش لمنعهن، وهذا هو نص قولنا، ونحن نقول: لو منعهن عليه السلام لمنعناهن، فإذ لم يمنعهن فلا نمنعهن، فما حصلوا إلا على خلاف السنن وخلاف عائشة رضي الله عنها، والكذب بايهامهم من يقلدهم أنها منعت من خروج النساء بكلامها ذلك، وهي لم تفعل. نعوذ بالله من الخذلان: * واما حديث عبد الحميد بن المنذر فهو مجهول لا يدرى من هو؟ ولا يجوز أن تترك روايات الثقات المتواترة برواية من لا يدري من هو * وأما حديث عبد الله بن رجاء الغداني فهو كثير التصحيف والغلط، وليس بحجة، هكذا قال فيه عمرو بن علي الفلاس وغيره (1) * ثم لو صح هذا الخبر وخبر عبد الله بن رجاء الغداني وهما لا يصحان - لكان على أمورهما (2) معارضة للاخبار الثابتة التي أوردنا، ولامره عليه السلام بخروجهن، حتى ذوات الخدور والحيض إلى مشاهدة صلاة العيد، وأمر من لا جلباب لها أن تستعير من غيرها جلبابا لذلك * ولما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا محمد بن المثنى أن عمرو بن عاصم الكلابي حدثهم قال ثنا همام هو ابن يحيى عن قتادة عن مورق العجلي عن أبي الأحوص عن عبد الله
(1) سبق الكلام عليه وأنهم وثقوه وقد احتج به البخاري (2) كذا بالأصل 136 ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مسجدها أفضل من صلاتها في بيتها (1) * قال علي: يريد بلا شك مسجد محلتها، لا يجوز غير ذلك، لأنه لو أراد عليه السلام مسجد بيتها لكان قائلا: صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في بيتها، وحاشا له عليه السلام أن يقول المحال، فإذ ذلك كذلك فقد صح أن أحد الحكمين منسوخ: * إما قوله: (إن صلاتها في مسجدها أفضل من صلاتها في بيتها) وحضه عليه السلام على خروجهن إلى العيد والى المسجد: منسوخ بقوله: (إن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ومن خروجها إلى صلاة العيد) وإما قوله عليه السلام: (إن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في مسجدها أفضل من خروجها إلى صلاة العيد) منسوخ بقوله عليه السلام: (إن صلاتها في مسجدها أفضل من صلاتها في بيتها) وحضه على خروجها إلى صلاة العيد، * لابد من أحد هذين الامرين، ولا يجوز أن نقطع على نسخ خبر صحيح إلا بحجة * فنظرنا في ذلك فوجدنا خروجهن إلى المسجد والمصلى عملا زائدا على
(1) هكذا رواه المؤلف (وصلاتها في مسجدها) وقد تصحفت عليه الكلمة والحديث في أبى داود (ج 1: ص 223) بلفظ (وصلاتها في مخدعها) وكذلك نقله الشوكاني (ج 3: ص 161) عن أبي داود، وكذلك رواه الحاكم في المستدرك (ج 1: ص 209) من طريق عمرو بن عاصم الكلابي، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ومورق بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء المشددة. والمخدع - بضم الميم وتفتح وتكسر مع فتح الدال في الكل - هو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير يحفظ فيه الأمتعة النفيسة * 137 الصلاة، وكلفة في الأسحار والظلمة والزحمة (1) والهواجر الحارة وفى المطر والبرد، فلو كان فضل هذا العمل الزائد منسوخا لم يخل ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن تكون صلاتها في المسجد والمصلى مساوية لصلاتها في بيتها، فيكون هذا العمل كله لغوا وباطلا، وتكلفا وعناء ولا يمكن غير ذلك أصلا، وهم لا يقولون بهذا، أو تكون صلاتها في المساجد والمصلى منحطة الفضل عن صلاتها في بيتها كما يقول المخالفون، فيكون العمل المذكور كله اثما حاطا من الفضل ولابد، إذ لا يحط من الفضل في صلاة ما عن تلك الصلاة بعينها عمل زائد إلا وهو محرم، ولا يمكن غير هذا، وليس هذا من باب ترك أعمال مستحبة في الصلاة، فيحط ذلك من الاجر لو عملها، فهذا لم يأت باثم لكن ترك أعمال بر، وأما من عمل عملا تكلفه في صلاته فأتلف بعض أجره الذي كان يتحصل له لو لم يعمله، وأحبط بعض عمله: فهذا عمل محرم بلا شك ولا يمكن غير هذا، وليس في الكراهة اثم أصلا، ولا احباط عمل، بل فيه (2) عدم الاجر والوزر معا، وإنما الاثم إحباط على الحرام فقط (3) * وقد اتفق جميع أهل الأرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنع النساء قط الصلاة معه في مسجده إلى أن مات عليه السلام، ولا الخلفاء الراشدون بعده، فصح أنه عمل غير منسوخ، فإذ لا شك في هذا فهو عمل بر، ولولا ذلك ما أقره عليه السلام، ولا تركهن يتكلفنه بلا منفعة، بل بمضرة، وهذا العسر والأذى، لا النصيحة، وإذ لاشك في هذا فهو الناسخ وغيره المنسوخ. هذا لو صح ذانك الحديثان، فكيف وهما لا يصحان * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن هشام بن عروة:
(1) الزحمة الزحام وهي فصيحة (2) الأحسن أن يكون (فيها) (3) كذا في الأصل 138 أن عمر بن الخطاب أمر سليمان بن أبي حثمة (1) أن يؤم النساء في مؤخر المسجد في شهر رمضان (2) * وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: أن عاتكة بنت زيد بن عمرو ابن نفيل كانت تحت عمر بن الخطاب، وكانت تشهد الصلاة في المسجد وكان عمر يقول لها: والله انك لتعلمين أنى ما أحب هذا، فقالت: والله لا أنتهي حتى تنهاني! قال عمر: فاني لا أنهاك، فلقد طعن عمر يوم طعن وانها لفي المسجد (3) * قال علي: ما كان أمير المؤمنين يمتنع من نهيها عن خروجها إلى المسجد لو علم أنه لا أجر لها فيه، فكيف لو علم أنه يحط من أجرها ويحبط عملها. ولا حجة لهم في قوله لها: إني لا أحب ذلك، لان ميل النفس لا اثم فيه، وقد علم الله تعالى أن كل مسلم لولا خوف الله تعالى لأحب الاكل إذا جاع في رمضان، والشرب فيه إذا عطش، والنوم في الغدوات الباردة في الليل القصير عن القيام إلى الصلوات، ووطئ كل جارية حسناء يراها المرء، فبحب المرء الشئ المحظور لا حرج عليه فيه، ولا يقدر على صرف قلبه عنه، وإنما الشأن في صبره أو عمله فقط، قال تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) *
(1) في نسخة من المنسوخ عن الأصل (سليمان بن أبي خيثمة) وفى أخرى (سليمان بن أبي حمد) وكلاهما خطأ (2) رواه ابن سعد في الطبقات (ج 5: ص 16 و 17) عن يزيد ابن هارون عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه، وهو اسناد صحيح والذي هنا منقطع * (3) هذا مرسل، لان الزهري لم يدرك عمر، ورواه ابن سعد في الطبقات بمعناه (ج 8: ص 195) عن الواقدي عن معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف. وهو موصول والواقدي فيه ضعف ونقل ابن حجر نحوه في الإصابة (ج 8: ص 137) عن ابن منده من طريق ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن سالم * 139 ومن طريق عبد الرزاق عن محمد بن عمارة عن عمرو الثقفي عن عرفجة (1): أن علي بن أبي طالب كان يأمر الناس بالقيام في رمضان، فيجعل للرجال، إماما، وللنساء اماما، فأمرني فأممت النساء * قال علي: والشواب وغيرهن سواء. وبالله تعالى التوفيق * 322 مسألة ولا يؤذن ولا يقام لشئ من النوافل، كالعيدين والاستسقاء والكسوف وغير ذلك، وان صلى كل ذلك في جماعة وفى المسجد، ولا صلاة فرض على الكفاية، كصلاة الجنازة، ويستحب إعلام الناس بذلك، مثل النداء: الصلاة جامعة. وهذا مما لا يعلم فيه خلاف إلا شيئا كان بنو أمية قد أحدثوه من الأذان والإقامة لصلاة العيدين، وهو بدعة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يأمر بأذان ولا إقامة لشئ من ذلك، على ما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى * قال علي: الأذان والإقامة أمر بالمجئ إلى الصلاة، وليس يجب ذلك الا في الفرائض المتعينة، ولا يلزم ذلك في النوافل، فلا أذان فيها ولا إقامة وإعلام الناس بذلك تنبيه على خير، وقد جاء ذلك أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى * 323 مسألة، ولا يجوز أن يؤذن ويقيم إلا رجل بالغ عاقل مسلم مؤد لألفاظ الأذان والإقامة حسب طاقته، ولا يجزئ أذان من لا يعقل حين أذانه لسكر أو نحو ذلك، فإذا أذن البالغ لم يمنع من لم يمنع من الاذان بعده، ويجزئ أذان الفاسق، والعدل أحب الينا، والصيت أفضل * برهان ذلك أن النساء لم يخاطبن بالاذان للرجال، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم، أو أكثركم قرآنا) فإنما أمر
(1) أما عرفجة فهو ابن عبد الله الثقفي ويقال السلمي، وأما عمرو الثقفي ومحمد بن عمارة فلم أعرفهما؟ والأثر لم أجده من رواية أخرى * 140 بالاذان من ألزم الصلاة في جماعة، وهم الرجال فقط، لا النساء على ما ذكرنا قبل * والصبي والمجنون والذاهب (1) العقل بسكر غير مخاطبين في هذه الأحوال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) فذكر الصبي والمجنون والنائم. والاذان مأمور به كما ذكرنا، فلا يجزئ أداؤه إلا من مخاطب به بنية أدائه ما أمر به، وغير الفرض لا يجزئ عن الفرض * فان قيل: فإنكم تجيزون لمن أذن لأهل مسجد أن يؤذن لأهل مسجد آخر في تلك الصلاة نفسها، وهذا تطوع منه * قلنا: نعم، وهو وإن كان تطوعا منه، فهو من أحدهم المأمورين بإقامة الاذان والإمامة والإقامة لمن معه، فهو في ذلك كله مؤدى فرض، وإذا تأدى الفرض، فالاذان فعل خير لا يمنع الصبيان منه، لأنه ذكر لله تعالى وتطوع وبر * وأما الكافر فليس أحدنا ولا مؤمنا، وإنما ألزمنا أن يؤذن لنا أحدنا * وأما من لم يؤد ألفاظ الاذان متعمدا فلم يؤذن كما أمر، ولا أتى بألفاظ الاذان التي أمر بها، فهذا لم يؤذن أصلا * فإن لم يقدر على أكثر من ذلك للثغة أو لكنة أجزأ أذانه، لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) فهذا غير مكلف إلا ما قدر عليه فقط، وسواء كان هنالك من يؤدى ألفاظ الاذان أو لم يكن، وكان أفضل لو أذن المحسن * وأما الفاسق فإنه أحدنا بلا شك، لأنه مسلم، فهو داخل تحت قوله عليه السلام: (ليؤذن لكم أحدكم) ولا خلاف في اختيار العدل * وأما الصيت، فلان الاذان أمر بالمجئ إلى الصلاة، فاسماع المأمورين
(1) في نسخة منسوخة من الأصل (والزاهل) ولعل صوابها (والذاهل) 141 أولى، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة: (ارجع فارفع صوتك (1) وهذا أمر برفع الصوت. فلو تعمد المؤذن أن لا يرفع صوته لم يجزه أذانه، وان لم يقدر على أكثر إلا بمشقة لم يلزمه، لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال عليه السلام ما قد ذكرناه باسناده: (إذا نودي بالصلاة ادبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين) فالاجتهاد في طرد الشيطان فعل حسن. وبالله تعالى التوفيق * وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جان ولا شئ الا شهد له يوم القيامة) ورويناه من طريق مالك عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة (2) المازني الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري مسندا. وبالله تعالى التوفيق * 324 مسألة ولا يجوز أن يؤذن اثنان فصاعدا معا، فإن كان ذلك فالمؤذن هو المبتدئ، والداخل عليه مسئ لا أجر له، وما يبعد عنه الاثم، والواجب منعه. فان بدءا معا فالاذان للصيت الأحسن تأدية. وجائز أن يؤذن جماعة واحدا بعد واحد للمغرب وغيرها سواء في كل ذلك، فان تشاحوا وهم سواء في التأدية والصوت والفضل والمعرفة بالأوقات أقرع بينهم، سواء عظمت أقطار المسجد أو لم تعظم * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن مفرج ثنا سعيد بن السكن ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنا مالك عن سمى مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا الا أن يستهموا عليه لاستهموا (3) *
(1) ستأتي بعض طرق حديث أبي محذورة في المسألة رقم 331 والطريق التي فيها هذه الكلمة رواها أبو داود (ج 1: ص 192) بلفظ (ثم ارجع فمد من صوتك) (2) في الأصل (ابن أبي ربيعة) وهو خطأ، صححناه من الموطأ (ص 23) ومن التهذيب. (3) في البخاري (ج 1: ص 253) * 142 قال علي: لو جاز أن يؤذن اثنان فصاعدا معا لكان الاستهام لغوا لا وجه له، وحاش لله من هذا، ولو كان الصف الأول لمن بادر بالمجئ لكان الاستهام لا معنى له، لأنه لا يمنع أحد من البدار، وإنما الاستهام فيما يضيق فلا يحمل الا بعض الناس دون بعض، لا يمكن البتة غير هذا. وقد أقرع سعد بن أبي وقاص بين المتشاحين في الاذان، إذ قتل المؤذن يوم القادسية ولو جاز اذان اثنين فصاعدا لكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق الناس بان لا يضيعوا فضله، فما فعلوا ذلك، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذنان فقط * 325 مسألة ويجزئ الأذان والإقامة قاعدا وراكبا وعلى غير طهارة وجنبا والى غير القبلة. وأفضل ذلك أن لا يؤذن إلا قائما إلى القبلة على طهارة. وهو قول أبي حنيفة وسفيان ومالك في الاذان خاصة وهو قول داود وغيرهم في كل ذلك * وإنما قلنا ذلك لأنه لم يأت عن شئ من هذا نهى من عند الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) فصح أن ما لم يفصل لنا تحريمه فهو مباح. وإنما تخيرنا أن يؤذن ويقيم على طهارة قائما إلى القبلة لأنه عمل أهل الاسلام قديما وحديثا * 326 مسألة ومن عطس في أذانه وإقامته ففرض عليه أن يحمد الله تعالى، وإن سمع عاطسا يحمد الله تعالى ففرض عليه أن يشمته في أذانه وإقامته، وان سلم عليه في أذانه وإقامته ففرض عليه أن يرد بالكلام * ثم الكلام المباح كله جائز في نفس الأذان والإقامة * قال الله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) فلم يخص تعالى حالا من حال * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا
143 موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز هو ابن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) قال: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم) (2) فلم تخص النصوص حال الأذان والإقامة من غيرهما، ولا جاء نهى قط عن الكلام في نفس الاذان، وما نعلم حجة لمن منع ذلك أصلا * فان قالوا: قسناه على الصلاة. قلنا: فأنتم تجيزون الاذان بلا وضوء، فأين قياسه على الصلاة؟! * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: (رأيت بلالا يؤذن ويدور، فأتتبع فاه ههنا وههنا وإصبعاه في أذنيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء (3) * وروينا عن وكيع عن محمد بن طلحة عن جامع بن شداد عن موسى ابن عبد الله بن يزيد الخطمي (4) عن سليمان بن صرد (5) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يؤذن للعسكر فكان يأمر غلامه في أذانه
(1) في أبى داود (ج 4: ص 467) (عن النبي صلى الله عليه وسلم) (2) قال المنذري (وأخرجه البخاري والنسائي) نقله شارح أبى داود (3) رواه أحمد في المسند (ج 4: ص 308) عن عبد الرزاق ورواه الترمذي (ج 1: ص 41) عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وقال حسن صحيح. ورواه الدارمي (ص 141) عن محمد بن يوسف عن سفيان ومن طريق أخرى ثم قال (حديث الثوري أصح) وانظر الكلام على الحديث وطرقه في البيهقي (ج 1: ص 395 و 396) وفى الشوكاني (ج 2: ص 28 إلى 31) وأبو جحيفة بالتصغير، ووقع في الشوكاني - طبع الإدارة المنيرية - بالتكبير خطأ (4) بفتح الخاء المعجمة واسكان الطاء المهملة (5) بضم الصاد المهملة وفتح الراء. وسليمان هذا قتل في حربه مع ابن زياد سنة 65 وله 93 سنة، وكان له سن عالية وشرف في قومه * 144 بالحاجة (1) * وعن وكيع عن الربيع بن صبيح (2) عن الحسن البصري قال: لا بأس أن يتكلم في أذانه للحاجة * وعن وكيع عن سفيان الثوري عن نسير بن ذعلوق: (3) رأيت ابن عمر يؤذن على بعيره * 327 مسألة ولا تجوز الأجرة على الاذان، فان فعل ولم يؤذن إلا للأجرة لم يجز أذانه، ولا أجزأت الصلاة به، وجائز أن يعطى على سبيل البر، وأن يرزقه الامام كذلك * حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن أشعث هو ابن عبد الملك الحمراني عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص: (آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا (4) *
(1) رواه أيضا البيهقي (ج 1: ص 398) من طريق عبد الله بن رجاء عن محمد بن طلحة (2) الربيع وصبيح بفتح أولهما بوزن أمير (3) نسير - بضم النون وفتح السين المهملة - وفى الأصل (بشر) وهو خطأ، وذعلوق، بضم الذال المعجمة واسكان العين المهملة وضم اللام وآخره قاف (4) الحديث من هذا الطريق رواه الترمذي (ج 1: ص 44) من رواية عبثر عن أشعث وحسنه، ورواه أحمد في المسند (ج 4: ص 21 و 216) وأبو داود (ج 1 ص 209) والنسائي (ج 1: ص 109) والحاكم (ج 1: ص 199) والبيهقي (ج 1: ص 429) كلهم من طريق سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف بن عبد الله عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: (يا رسول الله اجعلني امام قومي، قال أنت امامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا) وهذا اسناد في غاية الصحة، وقد روى مسلم (ج 1 ص 135) الامر بالتخفيف موسى بن طلحة عن عثمان فاختصر الحديث لان ابن سعد رواه كله من طريق موسى (ج 7 ق 2 ص 27) فالحديث صحيح على شرط مسلم كما قال الحاكم * 145 وهو قول أبي حنيفة وغيره، وقال مالك: لا باس بأخذ الأجرة على ذلك. وهذا خلاف النص * روينا عن وكيع عن المسعودي هو أبو عميس عتبة بن عبد الله - عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن مسعود (1) قال: أربع لا يؤخذ عليهن أجر: الاذان وقراءة القرآن والمقاسم (2) والقضاء * وعن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان الضبعي عن يحيى البكاء قال رأيت ابن عمر يقول لرجل: اني لأبغضك في الله، ثم قال لأصحابه: انه يتغنى في أذانه ويأخذ عليه أجرا (3) * وقد قال الله عز وجل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم). وقال عليه السلام: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام فحرم تعالى أكل الأموال إلا لتجارة، فكل مال فهو حرام إلا ما أباحه نص أو إجماع متيقن. فلو لم يأت النهى عن أخذ الأجر على الاذان لكان حراما بهذه الجملة. وبالله تعالى التوفيق. ولا يعرف لابن عمر في هذا مخالف من الصحابة رضي الله عنهم، وهم يشنعون هذا إذا وافق تقليدهم: وأما إن أعطى على سبيل البر فهو فضل، وقد قال تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) *
(1) كذا بالأصل، وأنا أرجح أنه خطأ وأن صوابه (عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود) فان الأثر نقله الشوكاني (ج 2: ص 44) عن ابن مسعود نقلا عن شرح الترمذي لابن سيد الناس. وعلى كل فليس هذا بحجة سواء أكان من قول القاسم أو من قول ابن مسعود والقاسم لم يسمع من جده عبد الله بن مسعود بل حديثه عنه مرسل (2) هكذا هي هنا وفى نيل الأوطار، ولعلها (والمغانم) ولكني لم أجد الأثر في كتاب آخر حتى أرجح إحداهما (3) رواه الطحاوي (ج 2: ص 270) من طريق حماد بن سلمة عن يحيى البكاء: (أن رجلا قال لابن عمر: انى أحبك في الله، فقال له ابن عمر: لكني أبغضك في الله، لأنك تبغى في أذانك أجرا وتأخذ على الاذان أجرا) ونسبه الشوكاني (ج 2: ص 44) لابن حبان * 146 328 مسألة ومن كان في المسجد فاندفع الاذان (1) لم يحل له الخروج من المسجد إلا أن يكون على غير وضوء أو لضرورة * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا أحمد بن عثمان بن حكيم ثنا جعفر بن عوف عن أبي عميس أنا أبو صخرة، هو جامع بن شداد عن أبي الشعثاء قال: خرج رجل من المسجد بعد ما نودي للصلاة، فقال أبو هريرة: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم (2) * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا إسحاق ثنا محمد بن يوسف ثنا الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: (قال: أقيمت الصلاة (3) فسوى الناس صفوفهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم وهو جنب، ثم قال: على مكانكم، فرجع واغتسل ثم خرج ورأسه يقطر ماء فصلى بهم) وقال عز وجل: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) * 329 مسألة وجائز أن يقيم غير الذي أذن، لأنه لم يأت عن ذلك نهى يصح، والأثر المروي (إنما يقيم من أذن) إنما جاء من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو هالك (4) *
(1) كذا في الأصل، ومن معاني الدفع ابتداء السير، فلعل المؤلف استعمله في معنى الابتداء مطلقا، وما نرى له وجه صحة، ولا له دليل يؤيده، ثم إن (دفع) بمعنى بدأ في السير: فعل لازم، واندفع مطاوع للمتعدي (2) رواه النسائي (ج 1: ص 111) (3) في الأصل (أقيمت الصفوف) وهو خطأ صححناه من البخاري (ج 1: ص 261) منيرية (4) عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ليس ضعيفا بل هو ثقة، وكان البخاري يقوى أمره كما حكاه عنه الترمذي (ج 1: ص 42) وهذا الحديث طويل روى بعضه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وكذلك أحمد في المسند ولم يروه بطوله على سعة المسند ولكن رواه المزي في التهذيب مطولا ونقله الذي طبع تهذيب التهذيب على حاشيته (ج 3: ص 359) وارجع في الكلام على اسناده إلى الشوكاني (ج 2: ص 41) * 147 330 مسألة ومن سمع المؤذن فليقل كما يقول المؤذن سواء سواء، من أول الاذان إلى آخره وسواء كان في غير صلاة أو في صلاة فرض أو نافلة، حاشا قول المؤذن (حي على الصلاة حي على الفلاح) فإنه لا يقولهما في الصلاة، ويقولهما في غير صلاة، فإذا أتم الصلاة فليقل ذلك * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن سلمة المرادي ثنا عبد الله بن وهب عن حياة (1) وسعيد بن أبي أيوب عن كعب ابن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على فإنه (2) من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة * ورويناه أيضا من طريق مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري. (3) فلم يخص عليه السلام كونه في صلاة من غير كونه فيها * وإنما قلنا: لا يقول في الصلاة (حي على الصلاة حي على الفلاح) لأنه تكليم للناس يدعون به إلى الصلاة، وسائر الاذان ذكر لله تعالى، والصلاة موضع ذكر الله تعالى * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا
(1) بفتح الحاء المهملة واسكان الياء المثناة وفتح الواو، وفى الأصل (خيرة) وهو خطأ وحياة هو ابن شريح بن صفوان المصري (2) في الأصل (فان) بحذف الضمير، وصححناه من مسلم (ج 1: ص 113) (3) في الموطأ (ص 23) مرفوعا مختصرا وكذلك رواه البيهقي (ج 1: ص 408) والبخاري (ج 1: ص 252) ومسلم (ج 1: ص 113) * 148 أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية عن حجاج الصواف عن يحيى ابن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم قال: (بينا أنا (1) أصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) فذكر الحديث وفي آخره: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال عليه السلام) * فان قال سامع الاذان: (لا حول ولا قوة الا بالله) مكان: (حي على الصلاة حي على الفلاح) فحسن * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني مجاهد بن موسى حدثنا حجاج قال قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن يحيى (2) أن عيسى بن عمر أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: إني عند معاوية إذ أذن مؤذنه فقال معاوية كما قال المؤذن، حتى إذا قال: (حي على الصلاة) قال: (لا حول ولا قوة الا بالله) فلما قال: (حي على الفلاح) قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ثم قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك (3) * 331 مسألة وصفة الاذان معروفة، وأحب ذلك الينا أذان أهل مكة وهو * الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أربع مرات، أشهد ان
(1) الزيادة من صحيح مسلم (ج 1: ص 151) (2) في الأصل (عمر بن يحيى) وهو خطأ، صححناه من النسائي (ج 1: ص 109 و 110) ومن التهذيب (3) الحديث رواه البخاري (ج 1: ص 252) مختصرا وفيه حذف بعض الاسناد وكذلك البيهقي (ج 1: ص 499) وروى نحوه مرفوعا من حديث عمر بن الخطاب مسلم (ج 1: ص 113) وأبو داود (ج 1: ص 207) * 149 لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله الا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد ان محمدا رسول الله، ثم يرفع صوته فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله * وأذان أهل المدينة كما وصفنا سواء سواء إلا أنه لا يقول في أول أذانه (الله أكبر الله أكبر) إلا مرتين فقط * وأذان أهل الكوفة كما وصفنا أذان أهل مكة إلا أنهم لا يقولون (أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله) إلا مرتين مرتين فقط * وان أذن مؤذن بأذان أهل المدينة أو بأذان أهل الكوفة فحسن * وإن زاد في صلاة الصبح بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم فحسن * وإنما تخيرنا أذان أهل مكة لان فيه زيادة ذكر الله تعالى على أذان أهل المدينة وأذان أهل الكوفة، ففيه ترجيع (الله أكبر) وفيه ترجيع (أشهد أن لا إله إلا الله أشهد ان محمدا رسول الله) وهذه زيادة خير لا تحقر، أقل ما يجب لها ستون حسنة * وأيضا فإنه قد رويناه من طرق، منها ما حدثناه حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن سليمان المنقري البصري ثنا حفص بن عمر الحوضي ثنا همام بن يحيى أن عامر بن عبد الواحد الأحول حدثه أن مكحولا الشامي حدثه أن ابن محيريز حدثه أن أبا محذورة حدثه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه الاذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة) ثم وصف الاذان الذي ذكرنا حرفا حرفا (1) *
(1) رواه أبو داود مطولا (ج 1: ص 191 و 192) من طريق همام * 150 وحدثنا أيضا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني إبراهيم بن الحسن ويوسف بن سعيد ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن ابن محيريز أخبره - وكان يتيما في حجر أبي محذورة قال: قلت لأبي محذورة: اني خارج إلى الشأم، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني فذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه الاذان كما ذكرنا نصا (1) * وقد جاءت أيضا آثار مثل هذه بمثل أذان أهل المدينة وأذان أهل الكوفة ، إلا أن هذه زائدة عليها تربيعا وترجيعا، وزيادة الرواة العدول لا يجوز تركها، إلا أن تكون على التخيير، فيكون الاخذ بالزيادة أفضل، لأنها زيادة ذكر وخير * وحدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة: أنه أرسل إلى مؤذن له: لاتثوب في شئ من الصلاة الا الفجر، فإذا بلغت (حي على الفلاح) فقل:، (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) فإنه أذان بلال * قال علي: سويد بن غفلة من أكبر التابعين، قدم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمس ليال أو نحوها، وأدرك جميع الصحابة الباقين بعد موته عليه السلام * وبه إلى وكيع عن سفيان الثوري عن أبي جعفر المؤذن عن أبي سليمان عن أبي محذورة: أنه كان إذا بلغ (حي على الفلاح) في الفجر قال (الصلاة
(1) رواه النسائي (ج 1 ص 103 و 104) بطوله. واختصره المؤلف. وقد رواه الشافعي في الام مطولا (ج 1: ص 73) عن مسلم بن خالد عن ابن جريج ورواه الدارقطني (ص 86) والبيهقي (ج 1: ص 393) من طريق الشافعي، وقد أو فينا الكلام على طرقه وألفاظه في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي * 151 خير من النوم، الصلاة خير من النوم (1) * قال علي: لم يؤذن بلال لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة بالشام للظهر أو العصر فقط، ولم يشفع الاذان فيها أيضا (2) * وأما الإقامة فهي (الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله الا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) * برهان ذلك أن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا قال ثنا إبراهيم ابن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد ابن زيد عن سماك بن عطية عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس ابن مالك قال: (أمر بلال أن يشفع الاذان وأن يوتر (3) الإقامة إلا الإقامة (4) * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب السختياني عن أبي قلابة قال: كان بلال يوتر الإقامة ويثنى الاذان، إلا قوله (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) * قال علي: قد ذكرنا ما لا يختلف فيه اثنان من أهل النقل: أن بلالا رضي الله عنه لم يؤذن قط لاحد بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة بالشأم، ولم يتم أذانه فيها، فصار هذا الخبر مسندا صحيح الاسناد، وصح أن الآمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أحد غيره *
(1) رواه البيهقي معلقا بدون اسناد عن سفيان عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن أبي محذورة (ج 1: ص 422) (2) هذا هو الراجح جدا وقيل إنه أذن مدة خلافة أبى بكر، وانظر البيهقي (ج 1: ص 419 و 420) ونصب الراية (ج 1: ص 154) (3) في الأصل (ويوتر) بحذف (أن) وصححناه من البخاري (ج 1: ص 250) (4) الحديث رواه البخاري ومسلم بأسانيد متعددة ورواه أبو داود (ج 1: ص 198 و 199) وباقي الكتب الستة. وقد أكثر البيهقي من ذكر أسانيده (ج 1: ص 412 و 413) وفى بعضها التصريح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بلالا بذلك وهو باسنادين صحيحين * 152 وقال الحنفيون: الإقامة مثنى مثنى، واختلف عنهم في تفسير ذلك، فروى زفر عن أبي حنيفة كما ذكرنا في قول (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أربع مرات في ابتداء الاذان، وفي ابتداء الإقامة كذلك أيضا، وعلى هذه الرواية هم الحنفيون اليوم * وعن أبي يوسف عن أبي حنيفة في كلا الامرين الأذان والإقامة الله أكبر الله أكبر في ابتدائهما مرتين فقط. وقد جاء حديث بمثل رواية أبي يوسف في الاذان، وما نعلم خبرا قط روى في قول (الله أكبر الله أكبر) أربع مرات في أول الإقامة (1)، ولولا أنها ذكر الله تعالى لوجب ابطال الإقامة بها، وابطال صلاة من صلى بتلك الإقامة، ولكن هذه الزيادة بمنزلة من زاد في الإقامة (لا حول ولا قوة الا بالله) أو غير ذلك مما ليس من الإقامة في شئ * وقال المالكيون: الإقامة كلها وتر، إلا الله أكبر الله أكبر فإنه يكرر، ولا يقال (قد قامت الصلاة) إلا مرة واحدة * قال على: الاذان منقول نقل الكافة بمكة وبالمدينة وبالكوفة، لأنه لم يمر بأهل الاسلام مذ نزل الاذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يوم مات أنس بن مالك آخر من شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه يوم إلا وهم يؤذنون فيه في كل مسجد من مساجدهم خمس مرات فأكثر، فمثل هذا لا يجوز ان ينسى ولا أن يحرف، *
(1) هنا بهامش الأصل ما نصه: (بل قد روى أبو داود حديثين، أحدهما من طريق معاذ بن جبل. والآخر من طريق ابن محيريز عن أبي محذورة، كلاهما: وفى الإقامة (الله أكبر الله أكبر) أربع مرات، إلا أن في حديث معاذ عن عبد الله بن زيد -: المسعودي، وفى الآخر مكحول اه وانظر الحديثين في أبى داود (ج 1 ص 191 و 192 وص 197 و 198) 153 فلولا أن كل هذه الوجوه قد كان يؤذن بها (1) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك، وكان الاذان بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه عليه السلام إذ حج، ثم يسمعه أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، بعده عليه السلام، وسكنها أمير المؤمنين ابن الزبير تسع سنين وهو بقية الصحابة، والعمال من قبله بالمدينة والكوفة: فمن الباطل الممتنع المحال الذي لا يحل أن يظن بهم رضي الله عنهم أن أهل مكة بدلوا الاذان وسمعه أحد هؤلاء الخلفاء رضي الله عنهم أو بلغه والخلافة بيده: فلم يغير، هذا ما لا يظنه مسلم، ولو جاز ذلك لجاز بحضرتهم بالمدينة ولا فرق، * وكذلك فتحت الكوفة ونزل بها طوائف من الصحابة رضي الله عنهم وتداولها عمال عمر بن الخطاب، وعمال عثمان رضي الله عنهما، كأبي موسى الأشعري، وابن مسعود، وعمار، والمغيرة، وسعد بن أبي وقاص، ولم تزل الصحابة الخارجون عن الكوفة يؤذنون في كل يوم سفرهم (2) خمس مرات، إلى أن بنوها وسكنوها، فمن الباطل المحال أن يحال (3) الاذان بحضرة من ذكرنا ويخفى ذلك على عمر وعثمان، أو يعلمه أحدهما فيقره ولا ينكره * ثم سكن الكوفة علي بن أبي طالب إلى أن مات ونفذ العمال من قبله إلى مكة والمدينة، ثم الحسن ابنه رضي الله عنه، إلى أن سلم الامر لمعاوية رحمه الله تعالى، فمن المحال أن يغير الاذان ولا ينكر تغيره على والحسن ولو جاز ذلك على على لجاز مثله على أبي بكر وعمر وعثمان، وحاشا لهم من هذا، فما يظن هذا بهم ولا بأحد منهم مسلم أصلا * فان قالوا: ليس أذان مكة ولا أذان الكوفة نقل كافة. قيل لهم: فان قالوا لكم: بل أذان أهل المدينة ليس هو نقل كافة فما الفرق؟ فان ادعوا في هذا
(1) في الأصل (فلولا أن كل هذه الوجوه فقط كان يؤذن به) وهو خطأ (2) كذا بالأصل (3) يحال: يعنى يغير * 154 محالا ادعى عليهم مثله * فان قالوا: إن أذان أهل مكة وأهل الكوفة يرجع إلى قوم محصور عددهم. قيل لهم: وأذان أهل المدينة يرجع إلى ثلاثة رجال لا أكثر: مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب فقط، وإنما أخذه أصحاب هؤلاء عن هؤلاء فقط * فان قالوا: لم يختلف في الاذان بالتثنية. قيل لهم: هذا الكذب البحت روى معمر عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر الاذان ثلاثا ثلاثا. (1) وروى ابن جريج عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يثنى الإقامة فيبطل بهذا بيقين البطلان فيما يحتج به المالكيون (2) لاختيارهم في الاذان بأنه نقل الكافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصح يقينا أن لاذان أهل مكة من ذلك ما لاذان أهل المدينة سواء سواء. وأن لاذان أهل الكوفة من ذلك ما لاذان أهل مكة وأذان أهل المدينة ولا فرق * فان قالوا: لم يغير ذلك الصحابة، لكن غير بعدهم * قلنا: إن جاز ذلك على التابعين بمكة والكوفة، فهو على التابعين بالمدينة أجوز، فما كان بالمدينة في التابعين كعلقمة والأسود وسويد بن غفلة والرحيل (3) ومسروق ونباتة (4) وسلمان بن ربيعة (4) وغيرهم، فكل هؤلاء أفتى في حياة عمر بن الخطاب، وما يرتفع أحد من تابعي أهل المدينة على
(1) هذه رواية غريبة جدا وقد روى مثلها البيهقي (ج 1: ص 424) من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر (2) كذا في الأصل والمراد ظاهر (3) كذا في الأصل ولم أعرف من هو؟ بعد تقليب الرسم على كل ما يحتمله من أنواع التصحيف، وليس في الرواة من اسمه (الرحيل) إلا الرحيل بن معاوية الكوفي، وهو يروى عن أبي إسحاق السبيعي وأبى الزبير وحميد الطويل فهو من أهل القرن الثاني ومتأخر جدا عن عمر (4) بضم النون، وهو نباتة الوالبي وكان معلما على عهد عمر كما قال ابن حبان وأبو حاتم (5) في الأصل (سليمان) وهو خطأ، وهو سلمان الخيل لأنه كان يلي الخيول في خلافة عمر، ويقال: إن له صحبة 155 طاوس وعطاء ومجاهد ومعاذ الله أن يظن بأحد منهم تبديل عمود الدين * فان هبطوا إلى تابعي التابعين، فما يجوز شئ من ذلك على سفيان الثوري وابن جريج الا جاز مثله على مالك، فماله على هذين فضل، لا في علم ولا في ورع، ومعاذ الله أن يظن بأحد منهم شئ من هذا * فان رجعوا إلى الولاة، فان الولاة، على مكة والمدينة والكوفة إنما كانوا ينفذون من الشام من عهد معاوية إلى صدر زمان أبي حنيفة وسفيان ومالك، ثم من الأنبار وبغداد في باقي أيام هؤلاء، فلا يجوز شئ من ذلك على والى مكة والكوفة الا جاز مثله على والى المدينة، وكلها قد وليها الصالح والفاسق، كالحجاج، وحبيش (1) بن دلجة وطارق (2) وخالد القسري وما هنالك من كل من لا خير، فما جاز من ذلك عليهم بمكة والكوفة فهو جائز عليهم بالمدينة سواء سواء * بل الآمر أقرب إلى الامتناع بمكة، لان وفود جميع أهل الأرض يردونها (3) كل سنة، فما كان ليخفى ذلك أصلا على الناس، وما قال هذا أحد قط والحمد لله * فان رجعوا إلى الروايات، فالروايات كما ذكرنا متقاربة إلا قول أبي حنيفة المشهور في الإقامة، فما جاءت به قط رواية * وليس هذا من المد والصاع والوسق في شئ، لان كل مد أو قفيز أحدث بالمدينة وبالكوفة فقد عرف، كما عرف بالمدينة مد هشام الذي أحدث والمد الذي ذكره مالك في موطئه: ان الصاع هو مد وثلث بالمد الآخر، وكمد أهل الكوفة الحجاجي، وكصاع عمر بن الخطاب، ولا
(1) الحجاج معروف وحبيش بن دلجة وطارق بن عمرو أخبارهما في تاريخ الطبري (ج 7 ص 84 و 85 و 190 و 197 و 202 و 205) (2) هو خالد بن عبد الله القسري - بفتح القاف واسكان السين المهملة - وفى الأصل (القشيري) وهو تصحيف وأخباره في الطبري والأغاني والتهذيب (3) في الأصل (يودونها) وهو خطأ * 156 حرج في إحداث الأمير أو غيره مدا أو صاعا لبعض حاجته. وبقى مد النبي صلى الله عليه وسلم وصاعه ووسقه منقولا إليه نقل الكافة إليه (1) صلى الله عليه وسلم * والعجب أن مالكا رأى كفارة الظهار خاصة بمد هشام المحدث! على اختلاف أصحابه فيه، فاشهب وابن وهب وابن القاسم يقول أحدهم: هو (2) مد ونصف، ويقول الاخر: هو مدان غير ثلث، ويقول غيرهم: هو مدان! (3) * واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بأن قال: أذان أبي محذورة متأخر، فقلنا: نعم، وأحسن طرقه موافق لاختيارنا. ولله الحمد. فان قالوا: إن فيه تثنية الإقامة. قلنا: نعم:، ولسنا ننكر تثنيتها، إلا أن تثنيتها كان الأمر الأول ، وإفرادها كان الامر الآخر بلا شك. (4) * لما حدثناه محمد بن سعيد بن نبات حدثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى بن معاوية ثنا وكيع عن الأعمش عن عمرو ابن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أن عبد الله بن زيد رأى الاذان في المنام، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال: علمه بلالا، فقام بلال فأذن مثنى وأقام مثنى (5) *
(1) كذا بالأصل بتكرار (إليه) مرتين والأولى حذف الأولى (2) في الأصل (وهو) وزيادة الواو لا معنى لها (3) انظر الموطأ (ص 124) وشرح الزرقاني (ج 2 ص: 81 و 82) وشرحنا على الخراج ليحيى بن آدم (رقم 471 و 481) (4) انظر البيهقي (ج 1: ص 421) (5) هذا جزء من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان تارة يقول (حدثنا أصحابنا) وتارة (حدثنا أصحاب محمد) وتارة بلفظ (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ) وتارة (عبد الرحمن عن عبد الله بن زيد) والحديث واحد والقصة واحدة، وقد ضعفه المؤلف في الأحكام (ج 6 ص 71) فأخطأ، وصححه هنا فأصاب، وحققنا طرقه فيما علقناه على الأحكام ولم نكن رأينا تصحيح المؤلف له الا فيما نقله عنه ابن حجر وابن التركماني، فالحمد لله على التوفيق * 157 قال علي: وهذا إسناد في غاية الصحة من إسناد الكوفيين، فصح أن تثنية الإقامة قد نسخت، وأنه هو كان أول الأمر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى أخذ عن مائة وعشرين من الصحابة، وأدرك بلالا وعمر رضي الله عنهم ا، فلاح بطلان قولهم بيقين. ولله تعالى الحمد * إلا أن الأفضل ما صح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا بان يوترها إلا الإقامة. والصحيح الاخر أولى بالاخذ مما لا يبلغ درجته * وقد قال بعض متأخري المالكيين: معنى (الا الإقامة) أي إلا (الله أكبر)! وهذا جرى منهم على عادتهم في الكذب، وما سمى أحد قط قول (الله أكبر) إقامة، لا في لغة ولا في شريعة، فكيف وقد جاء مبينا أنه (قد قامت الصلاة،) كما ذكرناه * وقال الحنفيون: إن الامر لبلال بأن يوتر الإقامة هو ممن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لحاق منهم بالروافض الناسبين إلى أبي بكر وعمر تبديل دين الاسلام، ولعن الله من يقول هذا، فما يقوله مسلم * فان قالوا: قد رويتم من طريق حياة عن الأسود: أن بلالا كان يثنى الإقامة. قلنا: نعم، وأنس روى: أن بلالا أمر بوترها، وأنس سمع أذان بلال بلا شك، ولم يسمعه الأسود قط يؤذن ولا يقيم فصح أن معنى قول الأسود: أن بلالا كان يثنى الإقامة يريد قوله (قد قامت الصلاة) حتى يتفق قوله مع رواية أنس في ذلك * قال علي: وقال بعض الحنفيين: لعل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة أن يقول (أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله) إنما كان لأجل أنه كان خفض به صوته، لا لأنه من حكم الاذان * قال على: وهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد، لأنه عليه السلام
158 لو علم أن هذا الترجيع ليس من نفس الاذان لنبأه عليه (1)، ولما تركه البتة يقول ذلك خافضا صوته في ابتداء الاذان، فليس هو كلمة واحدة، بل أربع قضايا، الاثنتان منها ست كلمات ست كلمات، والاثنتان خمس كلمات خمس كلمات، فمن الكذب البحت الذي يستحق فيه صاحبه أن يتبوأ مقعده من النار أن يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة يأتي بكل ذلك خافض الصوت، وليس خفضه من حكم الاذان، فإذا تركه على الخطأ ولم ينهه زاد في اضلاله، بأن يأمره بأن يعيد ذلك رافعا صوته، ولا يعلمه أن تكرار ذلك ليس من الاذان، وما ندري كيف ينطلق بهذا لسان مسلم! أو ينشرح له صدره؟! فكيف والآثار التي هي أحسن ما روى في ذلك جاءت مبينة بأن نبي الله صلى الله عليه وسلم علمه الاذان كذلك نصا، كلمة كلمة، تسع عشرة كلمة!! فوضح كذب هؤلاء القائلين جهارا: * وقال بعضهم: لما رأينا ما كان في الاذان في موضعين كان في الموضع الثاني على نصف ما هو عليه في الموضع الأول، ألا ترى أنه يقال في أول الاذان (أشهد أن لا إله إلا الله) مرتين، ويقال في آخره (لا إله إلا الله) مرة، وكان التكبير مما يتكرر في الاذان، وكان التكبير في آخر الاذان مرتين، والقياس أن يكون في أول الاذان أربعا!! * قال علي: إذا كان هذا الهوس عندكم حقا فان التكبير مربع في أول الاذان كما تقول، فالواجب أن يكون (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله) مربعا أيضا في التكبير، وأن لا يثنى من الاذان إلا ما اتفق على أن يثني، كما لا يفرد منه إلا ما اتفق على افراده، وهو (لا إله الا الله) فقط، فيكون أول الاذان ثلاث قضايا مربعات، ثم يتلوها ثلاث
(1) (نبأ) يتعدى بنفسه وبالباء، وأما تعديته بحرف (على) فلم أجد دليلا عليها * 159 قضايا مثنيات، ثم توتر ذلك قضية سابعة مفردة، فهذا هذر أفلح من هذركم، فينبغي أن تلتزموه!! * وأما المالكيون، فإنهم إذا قاسوا المستحاضة على المصراة، والنفخ، في الصلاة على (ولا تقل لهما أف) والمرأة ذات الزوج في مالها على المريض المخوف عليه الموت، وفرج المتزوجة على يد السارق، وسائر تلك القياسات التي لا شئ أسقط منها ولا أغث: فهذان القياسان أدخل في المعقول عند كل ذي مسكة عقل، فينبغي لهم أن يلتزموها، إن كانوا من أهل القياس، وإلا فليتركوا تلك المقايس السخيفة، فهو أحظى لهم في الدين وأدخل في المعقول!! وبالله تعالى التوفيق * وقال بعض المالكيين: لما كانت (لا إله إلا الله) تقال في آخر الاذان مرة واحدة: وجب أن تكون الإقامة كلها كذلك، إلا ما اتفق عليه من التكبير فيها. فقلنا لهم: لما لم يكن ما ذكرتم (1) حجة في افراد الاذان لم يكن حجة في افراد الإقامة. وأيضا: فإنه لما كان التكبير في الإقامة يثنى باتفاق منا ومنكم: وجب أن يثنى سائر الإقامة، الا ما اتفق عليه وهو التهليل في آخرها فقط. أو لما كان التكبير في الإقامة يقال أربع مرات وجب أن يكون في الإقامة أيضا يقال مرتين، ليكون فيها تربيع يخرج منه إلى تثنية إلى افراد. وكل هذا هوس، إنما أوردناه ليرى أهل التصحيح فساد القياس وبطلانه * وقد صح عن ابن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنهم كانوا يقولون في أذانهم (حي على خير العمل) ولا نقول به لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حجة في أحد دونه. ولقد كان يلزم من يقول في مثل هذا عن الصاحب: مثل هذا لا يقال بالرأي: أن يأخذ بقول ابن عمر في هذا،
(1) في الأصل (ذكرت) 160 فهو عنه ثابت بأصح اسناد (1) * وقال الحسن بن حي: يقال في العتمة الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، ولا نقول بهذا أيضا، لأنه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * 332 مسألة ولا يجوز تنكيس الاذان ولا الإقامة، ولا تقديم مؤخر منها على ما قبله، فمن فعل ذلك فلم يؤذن ولا أقام، ولا صلى باذان ولا إقامة * قال علي: هي أربعة أشياء تنازع الناس فيها: الوضوء والأذان والإقامة والطواف بالبيت، فقال أبو حنيفة: يجوز تنكيس كل ذلك. وقال مالك لا يجوز تنكيس الاذان ولا الإقامة ولا الطواف، وقال في أحد قوليه وأشهرهما: يجوز تنكيس الوضوء. وقال الشافعي: لا يجوز تنكيس شئ من ذلك * قال علي: لا يشك أحد في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم الناس الاذان، ولولا ذلك ما تكهنوهما ولا ابتدعوهما، فإذ لا شك في ذلك فإنما علمهما عليه السلام مرتبين (2) كما هما، أولا فأولا، يأمر الذي يعلمه بأن يقول ما يلقنه، ثم الذي بعده من القول، إلى انقضائهما، فإذ هذا كذلك فلا يحل لاحد مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم في تقديم ما أخر أو تأخير ما قدم. وبالله تعالى التوفيق * 333: مسألة فإن كان برد شديد أو مطر رش فصاعدا، فيجب ان يزيد المؤذن في أذانه بعد (حي على الفلاح) أو بعد ذلك (3) (ألا صلوا
(1) رواية ذلك عن ابن عمر رواها البيهقي (ج 1: ص 424 و 425) وكذلك عن علي ابن الحسين ثم قال (وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما علم بلالا وأبا محذورة، ونحن نكره الزيادة فيه) (2) في الأصل (مرتين) وهو خطأ لا يناسب بساط القول (3) كذا في الأصل، ولا نرى فائدة هنا لقوله (أو بعد ذلك) إلا إن كان سقط شئ من الكلام * 161 في الرحال. وهذا الحكم واحد في الحضر والسفر * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر: أنه أذن بضجنان (1) بين مكة والمدينة فقال: (صلوا في الرحال) ثم قال ابن عمر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة أو ذات الريح أن يقول: صلوا في الرحال) (2) * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبع ثنا ابن أيمن ثنا بكر بن حماد ثنا مسدد ثنا حماد هو ابن زيد عن أيوب السختياني وعاصم الأحول وعبد الحميد صاحب الزيادي كلهم عن عبد الله بن الحارث قال: خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ (3) فلما بلغ المؤذن (حي على الصلاة) أمره أن ينادى (الصلاة في الرحال) فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال لهم: كأنكم أنكرتم (4) هذا! (قد فعل هذا من هو خير منى، وانها لعزيمة (5) وهو قول أصحابنا * 334: مسألة والكلام جائز بين الإقامة والصلاة، طال الكلام أو قصر، ولا تعاد الإقامة لذلك * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني ثنا أبو إسحاق البلخي
(1) بفتح الضاد المعجمة واسكان الجيم وهو جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلا (2) رواه أبو داود (ج 1: ص 410 و 411) بأسانيد كثيرة والبيهقي (ج 1: ص 398) ونسبه المنذري للبخاري ومسلم (3) بفتح الراء واسكان الدال المهملة وآخره غين معجمة، وفى بعض الروايات (رزغ) بالزاي بدل الدال والمراد المطر أو الطين (4) في نسخة منقولة عن الأصل (أنكرتم) وفى أخرى عنه (أكبرتم) واخترنا الأولى لان في رواية لأبي داود (فكأن الناس استنكروا ذلك) (5) يعنى الجمعة بدليل قوله (خطبنا) وللتصريح بذلك في روايات أخرى، وانظر الكلام عليه في فتح الباري (ج 2: ص 66 و 67) والعيني الطبعة المنيرية (ج 5: ص 126 و 128) وأبى داود (ج 1: ص 410 و 412) * 162 ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو ثنا عبد الوارث ثنا عبد العزيز هو ابن صهيب عن أنس بن مالك قال: (أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجى رجلا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام الناس) (1) * وقد ذكرنا إقامة المسلمين للصلاة وتذكره عليه السلام انه جنب ورجوعه واغتساله ثم مجيئه وصلاته بالناس * ولا دليل يوجب إعادة الإقامة أصلا، ولا خلاف بين أحد من الأئمة في أن من تكلم بين الإقامة والصلاة أو أحدث فإنه يتوضأ ولا تعاد الإقامة لذلك ويكلف من فرق بين قليل العمل وكثيره، وقليل الكلام وكثيره: أن يأتي على صحة قوله بدليل، ثم على حد القليل من ذلك من الكثير، ولا سبيل له إلى ذلك أصلا. وبالله تعالى التوفيق * (أوقات الصلاة) 335: مسألة قال أبو محمد: أول وقت الظهر أخذ الشمس في الزوال والميل. فلا يحل ابتداء الظهر قبل ذلك أصلا، ولا يجرئ بذلك ثم يتمادى وقتها إلى أن يكون ظل كل شئ مثله، لا يعد في ذلك الظل الذي كان له في أول زوال الشمس، لكن يعد ما زاد على ذلك فإذا كبر الانسان لصلاة الظهر حين ذلك فما قبله فقد أدرك صلاة الظهر بلا ضرورة * فإذا زاد الظل المذكور على ما ذكرنا بما قل أو كثر فقد بطل وقت الدخول في صلاة الظهر، إلا للمسافر المجد فقط، ودخل أول وقت العصر
(1) في جميع روايات البخاري (حتى نام القوم) وكذلك في أغلب روايات الحديث ولم أر فيه في شئ من الروايات لفظ (نام الناس) فلعلها للأندلسيين في البخاري. وانظر البخاري (ج 1: ص 262) والعيني (ج 5: ص 157 و 158) * 163 فمن دخل في صلاة العصر قبل ذلك لم تجزه إلا يوم عرفة بعرفة فقط، ثم يتمادى وقت الدخول في العصر إلى أن تغرب الشمس كلها، إلا أننا نكره تأخير العصر إلى أن تصفر الشمس إلا لعذر. ومن كبر للعصر قبل أن يغرب جميع القرص فقد أدرك العصر * فإذا غاب جميع القرص فقد بطل وقت الدخول في العصر، ودخل أول وقت صلاة المغرب. ولا يجزئ الدخول في صلاة المغرب قبل غروب جميع القرص. ثم يتمادى وقت صلاة المغرب إلى أن يغيب الشفق الذي هو الحمرة فمن كبر للمغرب قبل أن يغيب آخر حمرة الشفق فقد أدرك صلاة المغرب بلا كراهة ولا ضرورة * فإذا غربت حمرة الشفق كلها فقد بطل وقت الدخول في صلاة المغرب الا للمسافر المجد وبمزدلفة ليلة يوم النحر فقط، ودخل وقت صلاة العشاء الآخرة، وهي العتمة. ومن كبر لها ومن الحمرة في الأفق شئ لم يجزه. ثم يتمادى وقت صلاة العتمة إلى انقضاء نصف الليل الأول، وابتداء النصف الثاني. فمن كبر لها في أول النصف الثاني من الليل فقد أدرك صلاة العتمة بلا كراهة ولا ضرورة فإذا زاد على ذلك فقد خرج وقت الدخول في صلاة العتمة * فإذا طلع الفجر الثاني فقد دخل أول وقت صلاة الصبح، فلو كبر لها قبل ذلك لم يجزه. ويتمادى وقتها إلى أن يطلع أول قرص الشمس، فمن كبر لها قبل أول القرص فقد أدرك صلاة الصبح، إلا أننا نكره تأخيرها عن أن يسلم منها قبل طلوع أول القرص إلا لعذر، فإذا طلع أول القرص فقد بطل وقت الدخول في صلاة الصبح * فإذا خرج وقت كل صلاة ذكرناها لم يجز أن يصليها، لا صبي يبلغ، ولا حائض تطهر، ولا كافر يسلم، ولا يصلى هؤلاء إلا ما أدركوا في
164 الأوقات المذكورة * وأما المسافر فإنه ان زالت له الشمس وهو نازل أو غربت له الشمس وهو نازل: فهو كما ذكرنا في وقت الظهر والمغرب ولا فرق، يصلى كل صلاة لوقتها ولا بد، فان زالت له الشمس وهو ماش فله أن يؤخر الظهر إلى أول الوقت الذي ذكرنا للعصر، ثم يجمع الظهر والعصر، وإن غابت له الشمس وهو ماش فله أن يؤخر المغرب إلى أول وقت العتمة، ثم يجمع بين المغرب والعتمة * وأما بعرفة يوم عرفة خاصة فإنه يصلى الظهر في وقتها، ثم يصلى العصر إذا سلم من الظهر في وقت الظهر * وأما بمزدلفة ليلة يوم النحر خاصة فإنه لا يصلى المغرب إلا بمزدلفة أي وقت جاءها، فان جاءها في وقت العتمة صلاها ثم صلى العتمة * وأما الناسي للصلاة والنائم عنها فان وقتها متماد أبدا لابد، * ولا يحل لاحد أن يؤخر صلاة عن وقتها الذي ذكرنا، ولا يجزئه إن فعل ذلك، ولا أن يقدمها قبل وقتها الذي ذكرنا، ولا يجزئه ان فعل ذلك * وقال أبو حنيفة في أحد قوليه: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه، ووقت العتمة المستحب إلى ثلث الليل والى نصفه، ويمتد إلى طلوع الفجر، وان كره تأخيرها إليه، ولم يجز تأخير الظهر إلى وقت العصر ولا تأخير المغرب إلى وقت العتمة: للمسافر المجد * ورأي مالك للمريض الذي يخاف ذهاب عقله وللمسافر الذي يريد الرحيل: أن يقدم العصر إلى وقت الظهر، والعتمة إلى وقت المغرب، ورأي لمساجد الجماعة في المطر والظلمة أن تؤخر المغرب قليلا وتقدم العتمة إلى وقت المغرب، ولا يتنفل بينهما، ولم ير ذلك لخوف عدو، ولا رأى ذلك في نهار المطر في الظهر والعصر، ورأي وقت الظهر والعصر يمتدان
165 إلى غروب الشمس بادراك الظهر وركعة من العصر قبل غروب جميعها، ورأي وقت المغرب والعتمة يمتدان إلى أن يدرك المغرب وركعة من العتمة قبل طلوع الفجر الثاني * ورأي الشافعي الجمع بين الظهر والعصر في وسط وقت الظهر، وبين المغرب والعتمة في وسط وقت المغرب: لمساجد الجماعات خاصة في المطر، ورأي وقت الظهر والعصر مشتركا (1) ممتدا إلى غروب الشمس، ووقت المغرب والعتمة مشتركا (2) ممتدا إلى طلوع الفجر * هذا مع قوله وقول مالك: إنه ليس للمغرب إلا وقت واحد. وهذه أقوال ظاهره التناقض بلا برهان * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي ثنا أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك أنا همام هو ابن يحيي عن قتادة عن أبي أيوب المراغي (3) عن عبد الله بن عمرو ابن العاصي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن وقت صلاة الظهر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس، ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس (4) *
(1) في نسخة منقولة عن الأصل (مشتركا) وفى أخرى عنه (مستدركا) فاخترنا الأولى لأنها أصح، ولان الشافعي يقول باشتراك الوقتين في كل صلاتين منها حال العذر بالجمع في السفر والمطر (2) تقدم آنفا تحت رقم 1. (3) في صحيح مسلم (ج 1: ص 170) (واسمه يحيى بن مالك الأزدي ويقال المراغي، والمراغ حي من الأزد) (4) رواه مسلم وأبو داود (ج 1: ص 154) والنسائي (ج 1: ص 90 و 91) والبيهقي (ج 1: ص 364 و 365 و 367 و 371) وعندهم جميعا في وقت العصر (ما لم تصفر الشمس) ولعل ما هنا رواية أخرى يؤيدها رواية للبيهقي ما لم يحضر المغرب * 166 حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبي ثنا بدر بن عثمان ثنا أبو بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة؟ فلم يرد عليه شيئا فأقام الفجر (1) حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام بالظهر (2) حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر (3) والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى أنصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى أنصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا (4) السائل فقال: الوقت بين هذين (5) * وقد روينا هذا الخبر من طريق أبي داود عن مسدد عن عبد الله بن داود الخريبي (6) عن بدر بن عثمان باسناده وفيه (فلما كان من الغد (7) صلى الفجر فانصرف فقلنا: طلعت (8) الشمس، وأقام الظهر في وقت العصر الذي كان قبله، وصلى العصر وقد اصفرت الشمس أو قال: أمسى) *
(1) لفظ (الفجر) زدناه من صحيح مسلم (ج 1: ص 171) (2) في الأصل (الظهر) وصححناه من مسلم (3) في الأصل (العصر) (4) في الأصل (ثم دعا) وصححناه من مسلم (5) رواه أبو داود (ج 1: ص 154) كما سيذكره المؤلف والنسائي (ج 1: ص 91) والبيهقي (ج 1: ص 366 و 367 و 370 و 371) (6) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء. سكن الخريبة - وهي محلة بالبصرة - فنسب إليها (7) لفظ (من) زدناه من أبى داود * (8) في أبى داود (أطلعت) بزيادة الهمزة 167 حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا احمد ابن زهير ومحمد بن وضاح قال ابن زهير: حدثني أبي، وقال ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير قال زهير وأبو بكر وابن نمير: ثنا محمد بن: فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الشفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس (1) * قال علي: لم يخف علينا اعتلال من اعتل في حديث عبد الله بن عمرو بان قتادة أسنده مرة وأوقفه أخرى (2)، وهذا ليس بعلة، بل هو قوة للحديث، إذا كان الصاحب يرويه مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويفتى به أخرى وهذا جهل ممن تعلل بهذا، وقول لا برهان عليه، وإنما هو ظن قلد فيه من ظنه * وكذلك لم يخف علينا من تعلل في حديث أبي هريرة بأن محمد بن فضيل أخطأ فيه، وإنما هو موقوف على مجاهد، وهذا أيضا دعوى كاذبة بلا برهان، وما يضر إسناد من أسند إيقاف من أوقف (3) *
(1) الحديث رواه الترمذي (ج 1: ص 32 و 33) والبيهقي (ج 1: ص 375 و 376) وقوله في المغرب والعشاء (الأفق) و (الشفق) هو في الموضعين في الترمذي والبيهقي (الأفق) وفى بعض نسخ الترمذي (الشفق) في الأولى فقط والمراد واحد (2) الرواية بوقفه في النسائي والبيهقي (3) الذي علل الحديث بهذا هو البخاري، قال الترمذي: (سمعت محمدا يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل) ثم روى الموقوف على مجاهد، والحق ما قال ابن حزم رحمه الله والحديث صحيح * 168 قال علي: وهذه أحاديث صحاح، بأسانيد جياد، من رواية الثقات فواجب الاخذ بالزائد، والذي فيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الظهر في وقت العصر الذي كان قبله) ليس فيه حجة لمن قال باشتراك (1) وقتيهما، لأنه عليه السلام قد نص على أن (وقت الظهر ما لم تحضر العصر) ونص عليه السلام على بطلان الاشتراك * كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا ابن الاعرابي ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت هو البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى). فلا بد من جمعها كلها لصحتها * فصح أنه عليه السلام كبر في اليوم الثاني للظهر في آخر وقتها، فصار مصليا لها في وقت العصر وهذا حسن * والخبر الذي فيه (ووقت العصر ما لم تغب الشمس) زائد على سائر الأخبار، وزيادة العدل واجب قبولها، وكذلك هو زائد على الخبر الذي قد ذكرناه قبل باسناده وفيه (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) * وهذا الخبر زائد على الآثار التي فيها (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) ولا يحل ترك زيادة العدل * وهذه الأخبار كلها زائدة على الاخبار التي فيها (أنه صلى الله عليه وسلم صلى المغرب في اليوم الثاني في الوقت الذي صلاها فيه بالأمس وقتا واحدا) * وهذه الأخبار كلها مبطلة قول مالك والشافعي: إنه ليس للمغرب إلا
(1) في نسخة منسوخة من الأصل (باستدراك) وهو خطأ * 169 وقت واحد، وهو قول يبطل من جهات: * منها ما قد صح مما سنذكره باسناده إن شاء الله تعالى من أنه عليه السلام (قرأ في صلاة المغرب سورة الأعراف وسورة الطور والمرسلات) فلو كان ما قالوه لكان عليه السلام مصليا لها في غير وقتها، وحاش لله من هذا * وأيضا فان المساجد تختلف، فبعضها لا منار لها، وهي ضيقة الساحة جدا، فيؤذن المؤذن مسرعا ويصلى، وبعضها واسعة الصحون كالجوامع الكبار، وعالية المنار، فيؤذن المؤذن مسترسلا ثم ينزل، فلا سبيل أن يقيم الصلاة إلا وأئمة المساجد قد أتموا، هذا أمر مشاهد في جميع المدن. فعلى قول المالكيين والشافعيين كان يجب أن هؤلاء لم يصلوا المغرب في وقتها * وأيضا فيسألون: متي ينقضي وقتها عندكم؟ فلا يأتون بحد أصلا. ومن الباطل أن تكون شريعة محدودة لا يدرى أحد حدها، حاشا لله من هذا * وهذه الأخبار أيضا تبطل قول من قال باشتراك وقت الظهر والعصر، وباشتراك وقت المغرب والعشاء، ولم يأت خبر يعارضها في هذا أصلا * وحكم عرفة والمزدلفة حكم في ذلك اليوم وتلك الليلة في ذينك الموضعين فقط * برهان ذلك: أنهم كلهم. مجمعون بلا خلاف على أن إماما لو صلى الظهر بعرفة في وقت الظهر، ثم أخر العصر إلى وقت العصر، كحكمها في غير ذلك اليوم. في غير ذلك المكان، أو صلى المغرب تلك الليلة في إثر غروب الشمس قبل المزدلفة: لكان مخطئا مسيئا، وعند بعضهم فاسد الصلاة * فصح أنهم خالفوا القياس والنصوص. أما النصوص فقد ذكرناها * وأما القياس: فان وجه القياس لو كان القياس حقا أن يجوز وأن
170 يلزم في غير عرفة ومزدلفة ما يجوز ويلزم في عرفة ومزدلفة في ذلك اليوم وتلك الليلة، فيكون الحكم أن تصلى العصر أبدا في أول وقت الظهر، وأن تؤخر المغرب أبدا إلى بعد غروب الشفق، وهم كلهم. مجمعون على المنع من هذا، وانه لا يجوز، فظهر أنهم لم يقيسوا قولهم في اشتراك الأوقات على حكم يوم عرفة بعرفة وليلة مزدلفة بمزدلفة * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني أبو الطاهر أحمد ابن عمرو بن السرح أخبرني ابن وهب حدثني جابر بن إسماعيل (1) عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا عجل عليه السفر (2) يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر (3) فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق). وهكذا رويناه من طريق ابن عمر أيضا (إذا جد به السفر (4) * وهذا الخبر يقضى على كل خبر جاء بأنه عليه السلام جمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء في السفر، ولا سبيل إلى وجود خبر يخالف ما ذكرنا * وأما في غير السفر فلا سبيل البتة إلى وجود خبر فيه الجمع بتقديم العصر إلى وقت الظهر، ولا بتأخير الظهر إلى أن يكبر لها في وقت العصر، ولا بتأخير المغرب إلى أن يكبر لها بعد مغيب الشفق، ولا بتقديم العتمة إلى قبل غروب الشفق، فإذ لا سبيل إلى هذا فمن قطع بهذه الصفة على تلك
(1) في الأصل (حدثني إسماعيل) وهو خطأ صححناه من مسلم (ج 1: ص 196) (2) في مسلم (عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عجل عليه السفر) بحذف (كان) (3) في الأصل (إلى وقت العصر) بحذف (أول) وزدناها من مسلم (4) حديث ابن عمر في مسلم بلفظ (إذا جد به السير) * 171 الاخبار التي فيها الجمع، فقد أقدم على الكذب ومخالفة السنن الثابتة * ونحن نرى الجمع بين الظهر والعصر ثم بين المغرب والعشاء أبدا بلا ضرورة ولا عذر ولا مخالفة للسنن، لكن بأن يؤخر الظهر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر وقتها، فيبتدأ في وقتها ويسلم منها وقد دخل وقت العصر، فيؤذن للعصر ويقام وتصلى في وقتها، وتؤخر المغرب كذلك إلى آخر وقتها، فيكبر لها في وقتها ويسلم منها وقد دخل وقت العشاء، فيؤذن لها ويقام وتصلى العشاء في وقتها * فقد صح بهذا العمل موافقة الأحاديث كلها، وموافقة يقين الحق في أن تؤدى كل صلاة في وقتها. ولله الحمد * فان ادعوا العمل بالجمع بالمدينة، فلا حجة في عمل الحسن بن زيد (1)، ولا يجدون عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم صفة الجمع الذي يراه مالك والشافعي، وقد أنكره الليث وغيره * والعجب أن أصح حديث في الجمع، هو ما رويناه من طريق مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (صلى لنا (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير (3) خوف ولا سفر) قال مالك: أرى ذلك في مطر * وما رويناه من طريق عثمان بن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته (4) *
(1) الراجح أنه يريد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو مدني من شيوخ مالك وولى المدينة خمس سنين (2) كلمة (لنا) زيادة من الموطأ (ص 50 و 51) (3) في الموطأ (من غير خوف) (4) رواه مسلم بأسانيد متعددة (ج 1: ص 196 و 197) ونسبه في المنتقى للجماعة الا البخاري وابن ماجة * 172 قال علي: والمالكيون والشافعيون لا يقولون بهذا، وليس في هذين الخبرين خلاف لقولنا، ولله الحمد، ولا صفة الجمع، فبطل التعلق بهما علينا * فان ذكر ذاكر حديث مالك عن أبي الزبير عن أبي الطفيل: أن معاذ ابن جبل أخبرهم (1): (أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك (2) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل (3) ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا) * فهذا أيضا كما قلنا: ليس فيه صفة الجمع على ما يقولون، فليسوا أولى بظاهره منا (4) * وهذا أيضا خبر رويناه من طريق الليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ترحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وان غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وان ارتحل قبل أن يغيب الشفق أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم يجمع بينهما (5) * فهذا خبر ساقط لأنه من رواية هشام بن سعد وهو ضعيف (6) * وأيضا فلو صح لما كان مخالفا لقولنا، لأنه ليس فيه بيان أنه عليه السلام عجل العصر قبل وقتها، والعتمة قبل وقتها، ومن تأمل لفظ الخبر
(1) في الموطأ (ص 50) (أخبره) (2) في الموطأ (عام تبوك) (3) زيادة من الموطأ (4) ولكنه صريح في أنه كان يجمع بين الصلاتين وهو نازل غير جاد به السير (5) رواه أبو داود بنحوه (ج 1: ص 468) من طريق المفضل بن فضالة والليث معا (6) هشام ضعفه محتمل وحديثه حسن وليس خبره ساقطا بمرة * 173 رأى ذلك واضحا، والحمد لله. وإنما هي ظنون أعملوها، فزل فيها من زل بغير تثبت * وهكذا القول سواء سواء في الحديث الذي رويناه من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر، جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب (1) * فان هذا الحديث أردى حديث في هذا الباب لوجوه: أولها: أنه لم يأت هكذا إلا من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، ولا يعلم أحد من أصحاب الحديث ليزيد سماعا من أبي الطفيل * والثاني: أن أبا الطفيل صاحب راية المختار، وذكر أنه كأن يقول بالرجعة (2) * والثالث أننا روينا عن محمد بن إسماعيل البخاري مؤلف الصحيح أنه قال: قلت لقتيبة: مع من كتبت عن الليث حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ يعني هذا الحديث الذي ذكرنا بعينه، قال، فقال لي قتيبة: كتبته مع خالد المدائني، قال البخاري: كان خالد المدائني يدخل الأحاديث
(1) رواه أبو داود (ج 1 ص 472) والترمذي (ج 1: ص 179 و 110) بنحوه كلاهما عن قتيبة بن سعيد عن الليث. قال الترمذي (حديث حسن غريب تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره) وقال أبو داود (لم يرو هذا الحديث الا قتيبة وحده) (2) أبو الطفيل عامر بن واثلة من ثقات التابعين الفضلاء وما رماه أحد بالقول بالرجعة وما أسند المؤلف هذا عمن يوثق به * 174 على الشيوخ، يريد: أنه كان يدخل في روايتهم ما ليس منها (1) * ثم لو صح لما كان فيه خلاف لقولنا، لأنه ليس فيه أنه عليه السلام قدم العصر إلى وقت الظهر، ولا أنه عليه السلام قدم العتمة إلى وقت المغرب (2) * فبطل كل ما تعلقوا به في اشتراك الوقتين، وفي تقديم صلاة إلى وقت التي قبلها، وتأخيرها إلى وقت غيرها بالرأي والظن، لا سيما مع نصه عليه السلام على أن (وقت الظهر ما لم تحضر العصر) وان (آخر وقت المغرب ما لم يغرب الأفق، وأول وقت العشاء إذا غاب الأفق) فهذا نص يبطل الاشتراك جملة * وما الناسي والنائم فقد ذكرنا قبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فصح أن وقتها ممتد للناسي وللنائم أبدا، وكذلك وقت الظهر والمغرب ممتد للمجد في السير، وفي مزدلفة ليلة النحر، ووقت العصر منتقل يوم عرفة بعرفة، وانتقال الأوقات أو تماديها أو حدها لا يجوز أن يؤخذ إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يلتزموا قياسا في شئ مما قالوه على ما بينا * وأما قول أبي حنيفة: إن وقت الظهر يمتد إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه وحينئذ يدخل وقت العصر: فإنهم احتجوا بحديث ذكر أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رواه عن أبي مسعود: (أن جبرئيل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صار ظل كل شئ مثله (3) وأمره بصلاة الظهر (4).
(1) خالد بن القاسم المدائني أبو الهيثم لم يكن ثقة، ولكن هل قال قتيبة انه روى عنه الحديث، أو هو كتبه عن الليث وكتبه معه خالد؟! وماذا يكون من هذا؟ ثقة كتب حديثا سمعه من شيخه وكتبه معه آخر أيا كان، أفيكون من هذا ان حديث الثقة ساقط لان الضعيف رواه معه؟! (2) بل صح هذا في لفظ الترمذي في هذا الحديث، فان فيه (عجل العصر إلى الظهر) و (عجل العشاء إلى المغرب) (3) في الأصل (مثليه) وهو خطأ (4) رواه البيهقي (ج 1: ص 365) ونسبه الزيلعي في نصب الراية (ج 1: ص 116 و 117) إلى إسحاق بن راهويه والبيهقي في المعرفة والطبراني، وانظر الكلام فيه هناك، والحديث بهذا الاسناد ضعيف كما قال المؤلف 175 قالوا: فيتعين أنه يدري أمره بابتداء الصلاة بعد ذلك (1)، لان الظل لا يستقر * قال على. وهذا لا حجة لهم فيه، أول ذلك أنه منقطع، لان أبا بكر هذا لم يولد إلا بعد موت أبي مسعود، والثاني أنهم جروا فيه على عادة لهم في توثيب أحكام الأحاديث إلى ما ليس فيها، وترك ما فيها، وذلك أنه ليس في هذا الخبر لا إشارة ولا دليل ولا معنى يوجب امتداد وقت الظهر إلى أن يكون ظل كل شئ مثليه، ولا فيه أنه عليه السلام ابتدأ الصلاة بعد زيادة الظل على المثل، ولو صح هذا الخبر لما كان فيه الا جواز ابتداء الصلاة حين يصير ظل كل شئ مثله، وهو الوقت الذي أمره فيه جبريل بأن يصلى الظهر فيه، لا فيما بعده * وذكر بعض مقلديه الحديث الصحيح المشهور من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثلكم ومثل أهل الكتاب) ثم ذكر عليه السلام (الاجراء الذين عملوا من غدوة إلى نصف النهار على قيراط، فعلمت اليهود، ثم الذين عملوا من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، فعملت النصارى ثم الذين عملوا من العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين، وهم نحن، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: مالنا أكثر عملا وأقل عطاء؟ فقال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) * والحديث الصحيح أيضا المأثور من طريق أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا، وفيه: (ان المستأجر لهم قال للذين عملوا إلى حين صلاة العصر: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شئ يسير) *
(1) كذا في الأصل ولعل في الكلام تحريفا أو خطأ والمراد ظاهر * 176 فقال المحتج بهذين الخبرين: لو كان وقت الظهر يخرج بالزيادة على ظل المثل ويدخل حينئذ وقت العصر: لكان مقدار وقت العصر مثل مقدار وقت الظهر، وهذا خلاف ما في ذينك الخبرين * قال أبو محمد: وهذا مما قلنا من تلك العوائد الملعونة، والايهام بتوثيب الأحاديث عما فيها إلى ما ليس فيها * وبيان ذلك: أنه ليس في شئ من هذين الخبرين لا بدليل ولا بنص ان وقت العصر أوسع من وقت الظهر، وإنما فيه أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا، فمن أضل وأخزى في المعاد ممن جعل قول اليهود والنصارى الذي لم يصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) * وأيضا فإنه يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة يرد بها تمويها وتحيلا (2) نص قوله عليه السلام (ان وقت الظهر ما دام ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر) فكيف والذي قالت اليهود لا يخالف ما حده النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنهم عملوا من أول النهار إلى وقت العصر، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء: وهذا صحيح، لان الوقت الذي عملوه كلهم أكثر مما عملناه نحن، بل الذي عملت كل طائفة أكثر من الذي عملناه نحن، والذي من أول الزوال إلى أن يبلغ ظل كل شئ مثله في كل زمان ومكان أكثر مما في حين زيادة الظل على المثل إلى غروب الشمس، والذي أخذ به كل طائفة أقل مما أخذنا. وفى الحديث الآخر (إنما بقي من النهار شئ يسير) وهذا حق، لان من وقت العصر إلى آخر النهار يسير بالإضافة إلى ما هو أكثر، من أول النهار إلى وقت العصر، نعم وبالإضافة أيضا إلى وقت الظهر على
(1) كذا في الأصل ويظهر انه سقط منه هنا كلمة (حجة) أو (دليلا) أو نحو ذلك (2) كذا بالأصل وهو غير واضح وإن كان المراد مفهوما * 177 قولنا، لان كل شئ فهو بلا شك يسير إذا أضيف إلى ما هو أكثر منه. فبطل تمويههم بهذين الخبرين. ولله الحمد * قال علي: ولو قال قائل: إنه عليه السلام إنما عنى (1) آخر أوقات العصر وهو مقدار تكبيرة قبل غروب آخر القرص لصدق، لأنه عليه السلام قد نص على أنه بعث والساعة كهاتين، وضم أصبعه إلى الأخرى، وأننا في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود. فهذا أولى ما حمل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتتفق أخباره كلها، بل لا يجوز غير هذا أصلا. وبالله تعالى التوفيق * وأما قوله. قول مالك والشافعي: ان وقت العتمة يمتد إلى طلوع الفجر، وزاد مالك والشافعي امتداد صلاة المغرب إلى ذلك الوقت: فخطا ظاهر، لأنه دعوى بلا دليل، وخلاف لجميع الأحاديث، أولها عن آخرها، وما كان هكذا فهو ساقط بيقين. وقد احتج في هذا بعض من ذهب إلى ذلك من أصحابنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى وراموا بهذا اتصال وقت العتمة بوقت صلاة الصبح * فان هذا لا يدل على ما قالوه أصلا، وهم مجمعون معنا بلا خلاف من أحد من الأمة أن وقت صلاة الفجر لا يمتد إلى وقت صلاة الظهر. فصح أن هذا الخبر لا يدل على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها، وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط، سواء اتصل آخر وقتها بأول الثانية لها، أم لم يتصل، وليس فيه أنه لا يكون مفرطا أيضا من أخرها إلى خروج وقتها وان لم يدخل وقت أخرى، ولا أنه يكون مفرطا، بل
(1) في الأصل (انه عليه السلام انه إنما عنى) الخ وزيادة (انه) مرة ثانية لا معنى لها 178 هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة، والضرورة توجب أن من تعدي بكل عمل وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل فقد تعدي حدود الله، وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) * فكل من قدم صلاة قبل وقتها الذي حده الله تعالى لها وعلقها به وأمر بان تقام فيه ونهى عن التفريط في ذلك، أو أخرها عن ذلك الوقت: فقد تعدى حدود الله تعالى، فهو ظالم عاص، وهذا لا خلاف فيه من أحد من الحاضرين من المخالفين * وأما تعمد تأخيرها عن وقتها فمعصية باجماع من تقدم وتأخر، مقطوع عليه متيقن. ومن شبه الصلاة بالدين، لزمه إجازة تقديمها قبل وقتها، كالدين يقدم أجله فهو حسن، ولزمه أن يقول بعصيان من أخرها عامدا قادرا عن وقتها، كالدين يمطل بأدائه عن وقته بغير عذر، وهذا هو القياس في هذا الباب وقد خالفوه. فان ادعوا إجماعا على قولهم كذبوا، فقد صح عن بعض السلف جواز تقديم الصلاة قبل وقتها، وما جاز قط عند أحد تعمد تأخيرها عن وقتها بغير عذر. وبالله تعالى التوفيق * وأما إنكار أبي حنيفة تأخير المسافر الذي جد به السير ولم ينزل قبل الزوال ولا بعده صلاة الظهر إلى وقت العصر كغيره وتأخير المغرب كذلك إلى وقت العتمة كغيره: فهو خلاف مجرد للسنن الثابتة في ذلك. رواها أنس وابن عمر بأصح طريق، وقد ذكرنا رواية أنس، وغنينا بها عن ذكر رواية ابن عمر * ولا أعجب من قول بعض المقلدين له في حديث ابن عمر (فلما كان بعد غروب الشفق نزل فصلى المغرب ثم العتمة) فقال هذا المفتون: إنما أراد قبل غروب الشفق، فقال: بعد غروب الشفق على المقاربة! واحتج
179 بقول الله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت)!! * قال علي: وهذه مجاهرة لا ينبغي أن يستسهلها ذو ورع وحياء، أن يقول الثقة (بعد غروب الشفق) فيقول قائل: إنما أراد قبل غروب الشفق! ومن سلك هذه الطريقة دخل في طريق الروافض الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسرون الجبت والطاغوت وأن تذبحوا بقرة على ما هم أولى به! وفي هذا بطلان جميع الشريعة، وبطلان جميع المعقول، والسفسطة المجردة، ونعوذ بالله من البلاء * وأما قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن) فليس كما ظن، بل هو على حقيقته، ومراد الله تعالى أجل الكون في العدة، لا أجل انقضائها، لا يجوز غير ذلك أصلا، وحاش لله أن يأمر بالباطل. وكذلك قوله عليه السلام (لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت) أيضا حقيقة على ظاهره. وما أذان ابن أم مكتوم إلا بعد الفجر، وأمر الاصباح، لا قبلهما، ولو كان ما ظنوه لحرم الاكل قبل طلوع الفجر، وهذا ما لا يقولونه، ولا يقوله مسلم * وأما قول مالك بتقديم المريض الذي يخشى ذهاب عقله - العصر إلى وقت الظهر، والعتمة إلى وقت المغرب: فخطأ ظاهر، ولا يخلو وقت الظهر من أن يكون أيضا وقتا للعصر، ويكون وقت المغرب وقتا للعتمة، أو لا يكون شيئا من ذلك، فإن كان وقت كل واحدة من الظهر والمغرب وقتا للعصر وللعتمة أيضا: فتقديم العتمة إلى وقت المغرب الذي هو وقت لها وتقديم وقت العصر إلى وقت الظهر الذي هو وقت لها أيضا جائز لغير المريض، لأنه يصلى
180 العتمة والعصر أيضا في وقتيهما، وهذا ما لا يقوله، وإن كان وقت الظهر ليس وقتا للعصر، ووقت المغرب ليس وقتا للعتمة: فقد أباح له أن يصلى صلاة قبل وقتها، وهذا لا يجوز، ولئن جاز ذلك في هاتين الصلاتين ليجوزن ذلك له أيضا في تقديم الظهر قبل الزوال، وتقديم المغرب قبل غروب الشمس، وتقديم الصبح قبل طلوع الفجر، وهذا ما لا يقوله. فقد ظهر التناقض * فان قال: ليس وقت الظهر وقتا للعصر إلا للمريض الذي يخشى ذهاب عقله: كلف الدليل على هذا التخصيص المدعى بلا برهان، والذي لا يعجز عن مثله أحد ولا سبيل له إليه. وقد ذكرنا بطلان قول جميعهم في الجمع وفي اشتراك الوقتين. وبالله تعالى التوفيق * وههنا حديث ننبه عليه، لئلا يظن ظان أننا أغفلناه، وأن فيه معنى زائدا (1)، وهو حديث رويناه من طريق أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن بشير بن ثابت عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى العشاء الآخرة لمغيب القمر ليلة ثالثة (2) * قال علي: بشير بن ثابت لم يرو عنه أحد نعلمه إلا أبو بشر، ولا روى عنه أبو بشر إلا هذا الحديث، وقد وثق وتكلم فيه، وهو إلى الجهالة أقرب. وحبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير وكاتبه، وليس مشهور الحال في الرواة (3). ولو صح لما كانت فيه حجة في أن هذا هو أول وقت العتمة،
(1) في الأصل (زائد) وهو لحن (2) الحديث رواه الدارمي (ص 103) وأبو داود (ج 1: ص 161) والترمذي (ج 1: ص 35) والنسائي (ج 1: ص 92) والحاكم (ج 1: ص 194 و 195) والبيهقي (ج 1: ص 373 و 448) وصححه الحاكم. وفى اسناد الحديث كلام طويل في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي ورجحنا هناك صحته والحمد لله (3) هنا بهامش الأصل ما نصه: (وروى عنه أيضا شعبة بن الحجاج، ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه في كتابه في الجرح والتعديل، وذكر عن يحيى بن معين توثيقه، فقد ارتفعت عنه الجهالة، وحبيب خرج له مسلم ووثقه ابن حبان) اه 181 بل قد يجوز ان يدخل وقتها قبل ذلك، والقمر يغيب ليلة ثالثة في كل زمان ومكان بعد ذهاب ساعتين ونصف ساعة ونصف سبع ساعة من ساعات تلك الليلة المجزأة على ثنتى عشرة ساعة، والشفق الذي هو الحمرة يغيب قبل سقوط القمر في الليلة الثالثة بحين كبير جدا، والشفق الذي هو البياض يتأخر مغيبه بعد سقوط القمر ليلة ثالثة ساعة ونصفا من الساعات المذكورة (1). فليس في هذا الخبر لو صح حجة في شئ أصلا مما يختلف. وبالله تعالى التوفيق * 336 مسألة وتعجيل جميع الصلوات في أول أوقاتها أفضل على كل حال، حاشا العشاء، فان تأخيرها إلى آخر وقتها في كل حال وكل زمان أفضل، إلا أن يشق ذلك على الناس، فالرفق بهم أولى، وحاشا الظهر للجماعة خاصة في شدة الحر خاصة، فالابراد بها إلى آخر وقتها أفضل * برهان ذلك قول الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وقال تعالى (والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم) فالمسارعة إلى الخير والمسابقة إليه أفضل بنص القرآن * حدثنا محمد بن إسماعيل العذري القاضي بالثغر ومحمد بن عيسى قاضى طرطوشة (2) قالا ثنا محمد ابن علي المطوعي ثنا الرازي ثنا محمد بن عبد الله الحاكم بنيسابور ثنا أبو عمر وعثمان بن أحمد السماك ثنا الحسن بن مكرم ثنا عثمان ابن عمر ثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني
(1) قسم المؤلف كل ليلة - طالت أو قصرت - إلى اثنتي عشرة ساعة، ولا داعى لكل هذا، فان الساعة سيختلف مقدارها، وأما بساعات عصرنا المعروفة التي هي جزء من أربع وعشرين من اليوم والليلة معا - فان الليل يختلف عدد ساعاته، وقد حققنا في شرحنا على التحقيق ان الحديث صحيح ولكن النعمان أخطأ في تقديره رحمه الله (2) بفتح الطاء الأولى واسكان الراء وضم الطاء الثانية وبعد لا واو شين معجمة مفتوحة، وهي مدينة كانت بالأندلس شرقي بلنسية وقرطبة قريبة من البحر، أخذها الإفرنج سنة 543 182 عن عبد الله بن مسعود قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين) (1) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا يحيى بن حبيب الحارثي ثنا خالد بن الحارث ثنا شعبة أخبرني سيار بن سلامة قال: سمعت أبي يسأل أبا برزة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو برزة: (كان عليه السلام لا يبالي بعض تأخيرها إلى نصف الليل يعنى العشاء الآخرة ولا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها (2)، وكان يصلى الظهر حين تزول الشمس، والعصر حين يذهب (3) الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية، وكان يصلى الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه، وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة) والأحاديث في هذا كثيرة جدا * وبه إلى مسلم: حدثني زهير بن حرب وإسحاق بن راهويه كلاهما عن جرير هو ابن عبد الحميد عن منصور هو ابن المعتمر عن الحكم هو ابن عتيبة عن نافع عن ابن عمر: (مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج الينا حين ذهب ثلثه أو بعده يعنى ثلث الليل (4) فقال: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم،
(1) هذا رواه المؤلف من طريق الحاكم كما ترى، وهو في المستدرك (ج 1: ص 188 و 189) بهذا الاسناد وبأسانيد أخرى وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي عن الحاكم (ج 1: ص 434) (2) في صحيح مسلم طبع بولاق (ج 1: ص 178 و 179) (والحديث) وهو خطأ. والصواب ما هنا وهو الموافق لطبع الآستانة (ج 2: ص 119) والنسخة مخطوطة مصححة عندي (3) في جميع نسخ مسلم (والعصر يذهب) بحذف كلمة (حين) (4) في مسلم (ج 1: ص 176 و 177) (حين ذهب ثلث الليل أو بعده) وكذلك هو في باقي نسخه 183 ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى) * وقد روينا من طريق ثابت البناني أنه سمع انس بن مالك (1) يقول: (أخر رسول الله صلى الله وسلم العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل * ومن طريق أم كلثوم بنت أبي بكر عن أختها عائشة: (أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل (2) * قال علي: إذا ذهب نصف الليل فقد ذهب عامة الليل وهذه الأخبار زائدة على كل خبر * وبالسند المذكور إلى مسلم: حدثني محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة سمعت مهاجرا أبا الحسن يحدث أنه سمع زيد بن وهب يحدث عن أبي ذر قال: (أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبرد أبرد، أو قال: انتظر انتظر، إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، قال أبو ذر: حتى رأينا فئ التلول (3) * قال علي: وإنما لم نحمل هذا الامر على الوجوب لما رويناه بالسند المذكور إلى مسلم: ثنا أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق
(1) في المنسوخ عن الأصل (وقد روينا من طريق ثابت البناني أنه لا أمر المؤذن فأقام وصلى وقد روينا من إلى سمع أنس بن مالك) وهو خلط غريب لا معنى له، وظاهر من هذا أن كاتب الأصل بعد ان كتب (ثابت البناني أنه) أخطأ فزاد ما بعده إلى قوله (وقد روينا من) فوضع على ما أخطأ بزيادته كلمتي (لا) و (إلى) في أوله وآخره كعادة الناسخين القدماء فجاء من نسخ عن الأصل فأدرج الحرفين في الأصل وجعله كله كلاما واحدا، والصواب ما صنعناه كما يعرفه كل ذي خبرة بالكتب القديمة واصطلاح ناسخيها وعاداتهم. وحديث ثابت عن أنس في صحيح مسلم (ج 1: ص 177) (2) في صحيح مسلم (ج 1: ص 176) (3) في صحيح مسلم (ج 1: ص 172) * 184 السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء (1) فلم يشكنا) قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر في تعجيلها؟ قال: نعم * وقد جاء نحو ما تخيرناه في الأوقات عن السلف كما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع ابن جبير بن مطعم: أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن صل الظهر إذا زالت الشمس وأبرد * ومن طريق الحجاج بن المنهال: ثنا يزيد بن هارون ثنا محمد بن سيرين عن المهاجر: أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: ان صل الظهر حين تزيغ الشمس أو حين تدرك (2) وصل العصر والشمس بيضاء نقية، وصل صلاة المغرب حين تغرب الشمس وصل صلاة العشاء من العشاء إلى نصف الليل أي حين تبيت (3) وصل صلاة الفجر بغلس أو بسواد، وأطل القراءة (4) * ومن طريق مسلم بن الحجاج: ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد هو ابن زيد عن الزبير بن الخريت (5) عن عبد الله بن شقيق: خطبنا ابن عباس
(1) في صحيح مسلم (ج 1: ص 173) (أتينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فشكونا إليه حر الرمضاء) (2) رسم في الأصل قريبا من هذا بدون اعجام وظننا أن هذا أقرب ما يفهم منه فليحرر (3) رسم في الأصل أيضا بدون اعجام (4) هذان الاثران عن عمر باسنادهما ولفظهما لم أجدهما، الا أن مالكا روى في أول الموطأ - في وقوت الصلاة - نحوهما عن عمه أبى سهيل بن مالك عن أبيه وعن هشام بن عروة عن أبيه، وروى البيهقي نحوهما بأسانيد متعددة (ج 1: ص 370 و 376 و 445 و 456) إلا أن في (ص 376) من طريق أيوب عن محمد بن سيرين عن مجاهد، فينظر أيهما الصحيح؟ هل هو مجاهد أو مهاجر؟ أو هما اسنادان وطريقان؟ الله اعلم (5) بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء المكسورة * 185 يوما بعد العصر حتى غربت الشمس (1) وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة، فجاء رجل من بنى تميم لا يفتر ولا ينثني (2) الصلاة الصلاة فقال له ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك!: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء) * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي: ثنا سفيان الثوري عن عثمان ابن عبد الله بن موهب: سمعت أبا هريرة سئل عن تفريط الصلاة؟ فقال: ان تؤخرها إلى التي بعدها * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر كأن يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله) فقلت لنافع: حتى تغيب الشمس؟ قال: نعم (3) * قال علي: هذا الحديث والذي فيه (إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى) يكذبان قول من أقدم بالعظيمة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك صلاة العصر يوم الخندق ذاكرا لها حتى غابت الشمس، لأنه لو كان ذلك لكان عليه السلام قد تعمد حالا من الحرمان صار فيها كما لو وتر أهله وماله، قاصدا إلى ما ذمه من التفريط. وهذا لا يقوله مسلم * وبه إلى ابن جريج: قلت لعطاء: إمام يؤخر العصر، أصليها معه؟ قال:
(1) في الأصل (وخطبنا ابن عباس حين غربت الشمس) وصححناه من مسلم (ج 1: ص 197) (2) زيادة من صحيح مسلم (3) الحديث رواه مالك في الموطأ (ص 4) عن نافع عن ابن عمر وليس فيه تفسير نافع هذا وفسره الأوزاعي في أبى داود (ج 1: ص 160 و 161) بأن ترى ما على الأرض من الشمس صفراء. وقول نافع أرجح، وتأيد بوروده مرفوعا عند ابن أبي شيبة من طريق حجاج عن نافع عن ابن عمر كما نقله الزرقاني (ج 1: ص 29) 186 نعم، الجماعة أحب إلى، قلت: وإن اصفرت الشمس للغروب ولحقت برؤس الجبال؟ قال نعم، ما لم تغب. قال ابن جريج وكان طاوس يعجل العصر ويؤخرها، أخبرني إبراهيم بن ميسرة عنه: أنه كان يؤخر العصر حتى تصفر الشمس جدا * وأما الآخر الذي فيه (لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا الصلاة إلى اشتباك النجوم، فإنه لا يصح، لأنه مرسل، لم يسند إلا من طريق الصلت بن بهرام (1) * وقال أبو حنيفة: وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر المعترض إلى أن تطلع الشمس، يعنى إثر سلامه منها، قال: وتأخيرها أحب إلى من التغليس بها، لأنه أكثر للجماعة، ووقت الظهر من حين تزول الشمس
(1) الصلت بن بهرام ثقة، ولكن ليس له ذكر فيما رأيته من أسانيد هذا الحديث فقد رواه أحمد بن حنبل (ج 5: ص 417) عن إسماعيل بن علية عن محمد بن إسحاق (حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي أيوب) فذكره وفيه قصة. ورواه أيضا عن محمد بن أبي عدى عن محمد بن إسحاق (ص 421 و 422) ورواه أيضا عن حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن يزيد بن أبي حبيب عن رجل عن أبي أيوب. وجهالة الرجل في هذا الاسناد لا تضر وقد عرف في الاسناد الأول. ومحمد بن إسحاق ثقة وقد صرح بالتحديث فلا خوف من تدليسه، ورواه أبو داود (ج 1 ص 161) والحاكم (ج 1 ص 190 و 191) والبيهقي (ج 1 ص 370) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي ورواه ابن ماجة (ج 1 ص 121) والحاكم (ج 1 ص 191) من حديث العباس بن عبد المطلب، وصحح الحاكم اسناده، وقال ابن ماجة: (سمعت محمد بن يحيى يقول: اضطرب الناس في هذا الحديث ببغداد فذهبت أنا وأبو بكر الأعين إلى العوام بن عباد بن العوام فأخرج الينا أصل أبيه فإذا الحديث فيه) وهذا كله يدل على خطأ المؤلف في رد الحديث وأن الصلت بن بهرام لم ينفرد باسناده إن كانت له فيه رواية لم نرها. ونرجح ان المؤلف شبه له ودخل عليه حديث في حديث. 187 إلى أن يكون الظل دون القامتين، والتهجير بها في الشتاء أحب إلى، وأن يبرد بها الصيف أعجب إلى، ووقت العصر إذا كان الظل قامتين إلى قبل أن تغيب الشمس، يريد أن يكبر لها قبل تمام غروب الشمس، وتأخيرها أحب إليه ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب مذ تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق، وتعجيلها أحب إليه، ووقت العتمة مذ يغيب الشفق إلى نصف الليل، وتأخيرها أفضل، ووقتها يمتد إلى طلوع الفجر * قال علي: كل ما قال مما خالفناه فيه فقد أبدينا بالبرهان سقوط قوله، إلا تأخير الصبح، فإنه احتج في ذلك بخبر (1) من طريق محمود بن لبيد عن رافع ابن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أسفروا بصلاة الغداة، فإنه أعظم لاجركم) (أسفروا بالفجر، فكلما أسفرتم فإنه أعظم للاجر) أو (لاجركم) * قال علي: محمود بن لبيد ثقة، وهو محمود بن الربيع بن لبيد (2)، والخبر
(1) سقط من الأصل قوله (بخبر) وقد زدناه لان به يتسق الكلام ويصح. (2) هنا بهامش الأصل ما نصه: (محمود بن لبيد) ليس محمود بن الربيع، وقد وهم في ذلك أبو بكر بن العربي، فذكر أن محمود بن لبيد هذا الذي روى عنه عاصم بن عمر بن قتادة: عقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بئر في دراهم، وليس كذلك بل هما اثنان: أحدهما محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، نسبه ابن سعد وكناه أبا نعيم، وقال: أمه جميلة بنت أبي صعصعة بن زيد بن عوف بن مبذول من بنى مازن بن النجار. وذكره ابن أبي خيثمة فكناه أبا محمد لا يعرف لعاصم بن عمرو رواية عنه وإنما روى عنه الزهري ورجاء بن حياة. والآخر محمود بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأشهلي، راوي هذا الحديث، مدني، كان أحد العلماء له رواية عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أثبت له البخاري صحبة وأنكرها أبو حاتم، وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين. وأما الأول فله صحبة ورؤية، ولا رواية له عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد وثقا معا فوثق ابن الربيع يحيى بن معين، ووثق ابن لبيد أبو زرعة، فيما ذكره ابن أبي حاتم في ترجمتيهما. وقال أبو عمر: ابن لبيد أسن من ابن الربيع وأولى بأن يذكر في الصحابة منه) اه وهذا صحيح وأظن أن خطأ ابن حزم وابن العربي إنما تبعا فيه ابن خزيمة كما نقله عنه ابن حجر في الإصابة (ج 6 ص 67) 188 صحيح إلا أنه لا حجة لهم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله عليه السلام في التغليس، حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن، أو حين يعرف الرجل وجه جليسه الذي كان يعرفه، وأن هذا كان المداوم عليه من عمله عليه السلام: صح أن الاسفار المأمور به إنما هو بان ينقضي طلوع الفجر ولا يصلى على شك منه * فان قيل: إنه لا أجر في غير هذا، بل ما فيه إلا الاثم، قلنا: هذا لا ينكر في لغة العرب، لان الله تعالى يقول: (ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم) ولا خير في خلاف ذلك. ومن الباطل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلف أمته وأصحابه المشقة في ترك النوم ألذ ما يكون، وخروج الرجال والنساء إلى صلاة الصبح: عملا فيه مشقة وكلفة وحطيطة من الاجر، ويمنعهم الفضل والاجر مع الراحة، حاش لله تعالى من هذا، فهذا ضد النصيحة، وعين الغش والحرج والظلم * وما ندريهم تعلقوا في هذا إلا برواية عن ابن مسعود في التغليس بصلاة الصبح حين انشق الفجر يوم النحر، وقوله رضي الله عنه: انها صلاة حولت عن وقتها في ذلك اليوم في ذلك المكان (1) وهذا خبر مسقط لقولهم جملة، لأنهم مخالفون له جملة، إذ قولهم الذي لا خلاف عنهم فيه أن التغليس بها في أول الفجر ليس صلاة لها في غير وقتها، بل هو وقتها عندهم فمن أضل ممن يموه بحديث هو مخالف له، ويوهم خصمه أنه حجة له * وأما قولهم في اختيار (2) تأخير العصر فقول مخالف للقرآن في المسارعة إلى الخير ولجميع السنن ولجميع السلف، وللقياس على قوله في صلاة الظهر والمغرب *
(1) انظر الشوكاني (ج 1 ص 423) (2) في الأصل (في اخبار) وهو خطأ 189 وقال مالك: وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس، ووقت المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر، والصبح إلى طلوع الشمس، وأحب إليه في الصبح التغليس، وأحب إليه في صلاة الظهر أن تصلى في البرد والحر إذا فاء الفئ ذراعا. وأحب إليه أن تصلى العصر والشمس بيضاء نقية، وتعجيل المغرب إلا للمسافر. فلا بأس بان تمد الميلين ونحوهما. والعتمة أثر مغيب الشفق قليلا * قال علي: أما قوله في اتصال وقت الظهر إلى غروب الشمس ووقت المغرب إلى صلاة الفجر فقول مخالف لجميع السنن، ولا نعلمه عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن أحد من التابعين، إلا عن عطاء وحده. وأما قوله في وقت العتمة فلا نعلم اختياره أيضا عن أحد من السلف. وأما قوله في وقت الظهر فإنه عول على الرواية عن عمر رضي الله عنه: أن صل الظهر إذا فاء الفئ ذراعا، وقد ذكرنا الروايات المترادفة عن عمر رضي الله عنه بان تصلى إذا زاغت الشمس وأن يبرد بها، روى ذلك عنه عائشة أم المؤمنين، وابنه عبد الله، ونافع بن جبير، ومهاجر أبو الحسن، (1) وأبو العالية، وعروة بن الزبير، وأبو عثمان النهدي، ومالك جد مالك ابن أنس وروته عائشة مسندا، ومن فعل أبي بكر أيضا، ورويناه أيضا عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة وابن مسعود وغيرهم * وان ذكروا أنه قد روى عن ابن عباس: وقت العتمة إلى صلاة الفجر، وعن أبي هريرة: الافراط في العتمة إلى صلاة الفجر: فإنهم قد خالفوا ذلك الأثر عن ابن عباس لان فيه: وقت الظهر إلى وقت العصر، ووقت
(1) سبق قبل قليل أن ذكر المؤلف رواية مهاجر عن عمر وشككنا فيها وقد تيقنا من كلامه هنا انه خطأ وأن الصواب ما ذكرناه هناك (محمد بن سيرين عن مجاهد) فان مهاجرا أبا الحسن من صغار التابعين ومن طبقة محمد بن سيرين * 190 المغرب إلى وقت العشاء. وإذا اختلف الصحابة فالرجوع (1) إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه من القرآن والسنة، قال تعالى (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * 337 (فصل) قال علي: وقت الظهر أطول من وقت العصر بأدا؟ في كل زمان ومكان، لان الشمس تأخذ في الزوال في أول الساعة السابعة ويأخذ ظل القائم في الزيادة على مثل القائم بعد طرح ظل الزوال في صدر الساعة العاشرة، اما في خمسها الأول إلى ثلثها الأول، لا يتجاوز ذلك أصلا في كل زمان ومكان * ووقت صلاة الصبح مساو لوقت صلاة المغرب أبدا في كل زمان ومكان، لان الذي من طلوع الفجر الثاني إلى أول طلوع الشمس كالذي من آخر غروب الشمس إلى غروب الشفق الذي هو الحمرة أبدا في كل وقت ومكان، يتسع في الصيف ويضيق في الشتاء، لكبر القوس وصغره، ووقت هاتين الصلاتين أبدا هو أقل من وقت الظهر ووقت العصر، لان وقت الظهر هو ربع النهار وزيادة. فهو أبدا ثلاث ساعات وشئ من الساعات المختلفة، ووقت العصر ربع النهار غير شئ فهو أبدا ثلاث ساعات غير شئ من الساعات المختلفة، ولا يبلغ ذلك وقت المغرب ولا وقت الصبح، وأكثر ما يكون وقت كل صلاة منهما ساعتين، وقد يكون ساعة واحدة وربع ساعة من الساعات المختلفة، وهي التي يكون منها في أطول يوم من السنة، وأقصر يوم من السنة: اثنتا عشرة، فهي تختلف لذلك في طولها وقصرها، وفى الهيئة أيضا كذلك ولافرق. وأوسعها كلها وقت العتمة لأنه أزيد من ثلث الليل أو ثلث الليل ومقدار تكبيرة في كل زمان ومكان وبالله تعالى التوفيق *
(1) في الأصل (فالمرجوع) 191 338 مسألة الشفق والفجر قال علي: الفجر فجران، والشفق شفقان، والفجر الأول هو المستطيل المستدق صاعدا في الفلك كذنب السرحان، وتحدث بعده ظلمة في الأفق، لا يحرم الاكل ولا الشرب على الصائم، ولا يدخل به وقت صلاة الصبح. هذا لا خلاف فيه من أحد من الأمة كلها * والآخر هو البياض الذي يأخذ في عرض السماء في أفق المشرق في موضع طلوع الشمس في كل زمان، ينتقل بانتقالها، وهو مقدمة ضوئها، ويزداد بياضه، وربما كان فيه توريد بحمرة بديعة، وبتبينه يدخل وقت الصوم ووقت الاذان لصلاة الصبح ووقت صلاتها. فاما دخول وقت الصلاة بتبينه فلا خلاف فيه من أحد من الأمة * وأما الشفقان، فأحدهما الحمرة والثاني البياض، فوقت المغرب عند ابن أبي ليلى وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن حي وداود وغيرهم: يخرج ويدخل وقت الصلاة العتمة بمغيب الحمرة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق، إلا أن احمد قال: يستحب في الحضر خاصة دون السفر أن لا يصلى إلا إذا غاب البياض، ليكون على يقين من مغيب الحمرة، فقد تواريها الجدران. وقال أبو حنيفة وعبد الله بن المبارك والمزني وأبو ثور: لا يخرج وقت المغرب ولا يدخل وقت العتمة الا بمغيب البياض * قال: علي قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد خروج وقت المغرب ودخول وقت العتمة بمغيب نور الشفق، والشفق يقع في اللغة على الحمرة وعلى البياض، فإذ ذلك كذلك فلا يجوز أن يخص قوله عليه السلام بغير نص ولا إجماع، فوجب أنه إذا غاب ما يسمى شفقا فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العتمة، ولم يقل عليه السلام قط: حتى يغيب
192 كل ما يسمى شفقا * وبرهان قاطع، وهو، أنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد وقت العتمة، بأن أوله إذا غاب الشفق وآخره ثلث الليل الأول، وروى أيضا نصف الليل، وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب ودوران الشمس: أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد عليه السلام خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين. فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض بلا شك (1)، فإذ ذلك كذلك فلا قول أصلا إلا أنه الحمرة بيقين، إذ قد بطل كونه البياض * واحتج من قلد أبا حنيفة بأن قال: إذا صلينا عند غروب البياض فنحن على يقين باجماع أننا قد صلينا عند الوقت، وإن صلينا قبل ذلك فلم نصل بيقين إجماع في الوقت * قال علي: هذا ليس شيئا، لأنه إن التزموه أبطل عليهم جمهور مذهبهم فيقال مثل هذا في الوضوء بالنبيذ، وفى الاستنشاق والاستنثار وقراءة أم القرآن والطمأنينة، وكل ما اختلف فيه مما يبطل الصوم والحج، ومما تجب فيه الزكاة، فيلزمهم أن لا يؤدوا عملا من الشريعة الا حتى لا يختلف اثنان في أنهم قد أدوه كما أمروا، ومع هذا لا يصح لهم من مذهبهم جزء من مائة جزء بلا شك * وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه عليه السلام كان يصلى العتمة
(1) هذه القطعة من أبدع حجج ابن حزم وأمتنها، وقد نقل معناها الشوكاني في نيل الأوطار (ج 1 ص 411) عن شرح الترمذي لابن سيد الناس وانا أظن أنه أخذها عن ابن حزم، ويكاد يكون لفظهما متحدا 193 لسقوط القمر ليلة ثالثة، ولو كان لكان أعظم حجة لنا، لان الشفق الأبيض يبقى بعد هذه مدة طويلة بلا خلاف * واحتج بعضهم بالأثر: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى العشاء الآخرة إذا اسود الليل) وبقاء البياض يمنع من سواد الأفق * قال علي: وهذا خطأ، لأنه يصلى العتمة مع بياض القمر، وهو أمنع من سواد الأفق على أصولهم: من البياض الباقي بعد الحمرة، الذي لا يمنع من سواد الأفق، لقلته ودقته * وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه عليه السلام كان يصلى العتمة لسقوط القمر ليلة ثالثة. وهذا لا حجة لهم فيه، لأننا لا نمنع من ذلك، ولا من تأخيرها إلى نصف الليل، بل هو أفضل، وليس في هذا المنع من دخول وقتها قبل ذلك * وذكروا حديثا ساقطا موضوعا، فيه (أنه عليه السلام صلى العتمة قبل غروب الشفق (1) وهذا لو صح ومعاذ الله من ذلك لما كان فيه إلا جواز الصلاة قبل وقتها، وهو خلاف قولهم وقولنا * وذكروا عن ثعلب: ان الشفق البياض * قال علي: لسنا ننكر أن الشفق البياض والشفق الحمرة، وليس ثعلب حجة في الشريعة الا في نقله، فهو ثقة، وأما في رأيه فلا *
(1) هذا الحديث لم أجده، إلا أن البيهقي أشار إليه في السنن فقال: (والذي رواه سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في أوقات الصلوات: ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق -: مخالف لسائر الروايات) (ج 1 ص 373) ولكنه روى حديث سليمان في (ص 372) بلفظ (ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق). ونقل الشوكاني بعد حديث النعمان بن بشير أن ابن العربي قال: (هو صحيح وصلى قبل غيبوبة الشفق) (ج 1 ص 411) * 194 وأظرف ذلك احتجاج بعضهم بأن الشفق مشتق من الشفقة وهي الرقة، ويقال: ثوب شفيق إذا كان رقيقا، قالوا: والبياض أحق بهذا لأنها أجزاء رقيقة تبقي بعد الحمرة!! * قال علي: وهذا هوس ناهيك به! فان قيل لهم: بل الحمرة أولى به، لأنها تتولد عن الاشفاق والحياء، وكل هذا تخليط هو في الهزل أدخل منه في الجد * وقال بعضهم: لما كان وقت الصلاة الفجر يدخل بالفجر الثاني وجب أن يدخل وقت صلاة العتمة بالشفق الثاني. فعورضوا بأنه لما كان الفجر فجرين، وكان دخول وقت صلاة الفجر يدخل بالفجر الذي معه الحمرة وجب أن يكون دخول وقت العتمة بالشفق الذي معه الحمرة * وقالوا أيضا: لما كانت الحمرة (1) التي هي مقدمة طلوع الشمس لا تأثير لها في خروج وقت صلاة الفجر وجب أن يكون أيضا لا تأثير لها في خروج وقت المغرب. فعورضوا بأنه لما كانت الطوالع ثلاثة، والغوارب ثلاثة وكان الحكم في دخول وقت صلاة الصبح للأوسط من الطوالع: وجب أن يكون الحكم في دخول صلاة العتمة للأوسط من الغوارب * وهذه كلها تخاليط ودعاو فاسدة متكاذبة، وإنما أوردناها ليعلم من أنعم الله تعالى عليه بان هداه لابطال القياس في الدين: عظيم (2) نعمة الله تعالى عليه في ذلك، وليتبصر من غلط فقال به. وما توفيقنا إلا بالله تعالى * 339 مسألة ومن كبر لصلاة فرض وهو شاك هل دخل وقتها أم لا لم تجزه، سواء وافق الوقت أم لم يوافقه، لأنه صلاها بخلاف ما أمر،
(1) في الأصل (لما كان الحمرة) (2) في الأصل (بأن هذه لابطال القياس في الدين عظيم) الخ وهو لا معنى له، والصواب ما صححناه إليه وهو ظاهر * 195 وإنما أمر أن يبتدئها في وقتها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * 340 مسألة فلو بدأها وهو عند نفسه موقن بأن وقتها قد دخل فإذا بالوقت لم يكن دخل لم تجزه أيضا، لأنه لم يصلها كما أمر، ولا يجزئه إلا حتى يوقن أنه الوقت، ويكون الوقت قد دخل. وبالله تعالى التوفيق * 341 مسألة كل من ركع ركعتي الفجر لم تجزه صلاة الصبح الا بان يضطجع على شقه الأيمن بين سلامه من ركعتي الفجر وبين تكبيرة لصلاة الصبح، وسواء. عندنا ترك الضجعة عمدا أو نسيانا، وسواء صلاها في وقتها، أو صلاها قاضيا لها من نسيان أو عمد نوم، فإن لم يصل ركعتي الفجر لم يلزمه أن يضطجع، فان عجز عن الضجعة على اليمين لخوف أو مرض أو غير ذلك أشار إلى ذلك حسب طاقته فقط * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا ابن السليم ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا عبيد الله بن عمر (1) بن ميسرة ثنا عبد الواحد هو ابن زياد ثنا الأعمش عن أبي صالح هو السمان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه) فقال له مروان بن الحكم: ما يجزئ أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟! قال أبو هريرة: لا، فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: أكثر أبو هريرة على نفسه، فقيل لابن عمر عندها: تنكر شيئا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا، فبلغ ذلك أبا هريرة، فقال فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا (2)؟ *
(1) في الأصل (عبد الله) وهو خطأ. وفى التهذيب (عبيد الله بن عمرو) وهو خطأ أيضا، وصححناه من أبى داود (ج 1 ص 488) ومن التقريب والخلاصة (2) نقل شارح أبى داود أن الترمذي أخرجه وان النووي صححه على شرط الشيخين * 196 وروينا من طريق وكيع عن عاصم بن رجاء بن حياة عن أبيه عن قبيصة بن ذؤيب قال: مر بي أبو الدرداء من آخر الليل وأنا أصلي فقال: أفصل بضجعة بين صلاة الليل وصلاة النهار (1) * قال علي: وقد أوضحنا أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كله على الفرض، حتى يأتي نص آخر أو اجماع متيقن غير مدعى بالباطل: على أنه ندب، فنقف عنده، وإذا تنازع الصحابة رضى الله تعالى عنهم فالرد إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم * فان قالوا: قد ورد إنكار الضجعة عن ابن مسعود، قلنا: نعم، وخالفه أبو هريرة، ومع أبي هريرة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره وعمله، وإن كان إنكار ابن مسعود حجة على غيره من الصحابة رضى الله تعالى عنهم: فقد أنكر رضي الله عنه وضع الأيدي على الركب في الصلاة وضرب اليدين على ذلك، وقد أنكر قصر الصلاة إلا في حج أو عمرة أو جهاد، وأنكر قراءة القرآن في ليلة، فما التفتم إنكاره (2) فالآن استدركتم هذه السنة؟! * وقالوا لو كانت الضجعة فرضا لما خفيت على ابن مسعود وابن عمر، فقلنا لهم: فهلا قلتم مثل هذا في اتمام عثمان رضى الله تعالى عنه بمنى، واتمام عائشة وسعد رضي الله عنهما؟! فقولوا: لو كان قصر الصلاة سنة ما خفى على هؤلاء وهلا قلتم: لو كان الجلوس في آخر الصلاة فرضا ما خفى على علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين يقول: إذا رفعت رأسك من آخر صلاتك من السجود فقد تمت صلاتك، فان شئت فقم، وان شئت فاقعد؟! ومثل هذا كثير جدا، وإنما هو شئ يفزعون إليه إذا ضاق بهم المجال! ثم هم أول تارك له! وبالله تعالى التوفيق *
(1) وهل ركعتا الفجر من صلاة الليل؟! (2) استعمل المؤلف (التفت) متعديا بنفسه، وما رأيت دليلا لذلك، وقد استعمله كذلك أيضا في الأحكام (ج 7 ص 104) 197 فان قالوا: فبطلت صلاة من لم يضطجع من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم؟ قلنا: إن المجتهد مأجور يصلى وان مخفى عليه النص وإنما الحكم فيمن قامت عليه الحجة فعند، ثم نعكس قولهم عليهم، فنقول للمالكيين والشافعيين: أترى بطلت صلاة ابن مسعود ومن وافقه إذ كان يصلى ولا يرى الوضوء من مس الذكر؟! ونقول للحنيفيين: أترى صلاة ابن عمر وأبا هريرة فاسدة إذ كانا يصليان وقد خرج من أنف أحدهما دم، ومن بثرة بوجه الآخر دم فلم يتوضئا لذلك؟! ونقول لجميعهم: أترون صلاة عثمان وعلى وطلحة والزبير وابن عباس وأبي بن كعب وأبي أيوب وزيد وغيرهم كانت فاسدة إذ كانوا يرون أن من وطئ ولم ينزل فلا غسل عليه ويفتون بذلك؟! ومثل هذا كثير جدا، يعود على من لم يكن بيده حجة غير التشنيع، وهو عائد عليهم، لأنهم أشد خلافا على الصحابة منا، وسؤالهم هذا لازم لأبي هريرة كلزومه لنا ولا فرق * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عبد الله بن يزيد هو المقرئ ثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني أبو الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) (1) * قال علي: روينا من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني: أن أبا موسى الأشعري وأصحابه كانوا إذا صلوا ركعتي الفجر اضطجعوا * ومن طريق الحجاج بن المنهال عن جرير بن حازم بن محمد بن سيرين قال: أنبئت: أن أبا رافع وأنس بن مالك وأبا موسى كانوا يضطجعون على أيمانهم إذا صلوا ركعتي الفجر * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عثمان بن غياث هو ابن عثمان -
(1) رواه البخاري (ج 2 ص: 126 و 127) * 198 أنه حدثه قال كان الرجل يجئ وعمر بن الخطاب يصلى بالناس الصبح فيصلى ركعتين في مؤخر المسجد، ويضع جنبه في الأرض ويدخل معه في الصلاة (1) * وذكر عبد الرحمن بن زيد في كتاب السبعة (2): أنهم يعنى سعيد ابن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان ابن يسار، كانوا يضطجعون على أيمانهم بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح * فان عجز فقد قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). وقال عليه السلام (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * وحكم الناسي ههنا كحكم العامد، لان من نسي عملا مفترضا من الصلاة والطهارة فعليه أن يأتي به، لأنه لم يأت بالصلاة كما أمر، إلا أن يأتي نص بسقوط ذلك عنه * وإنما يكون النسيان بخلاف العمد في حكمين: أحدهما سقوط الاثم جملة هنا وفي كل مكان، والثاني من زاد عملا لا يجوز له ناسيا وكان قد أوفى جميع عمله الذي أمر به، فان هذا قد عمل ما أمر، وكان ما زاد بالنسيان لغوا لا حكم له * فان أدرك إعادة الصلاة في الوقت لزمه أن يضطجع ويعيد الفريضة وإن لم يقدر على ذلك إلا بعد خروج الوقت لم يقدر على الإعادة، لما ذكرنا قبل، ولا يجزئه أن يأتي بالضجعة بعد الصلاة، لأنه ليس ذلك موضعها، ولا
(1) كيف يحتج المؤلف بهذا وهو يرى أن من شرع في النافلة بعد إقامة الصلاة فصلاته باطلة وكذلك إذا أقيمت وهو في النافلة كما سبق؟! (2) عبد الرحمن بن زيد هذا لا أعرف من هو؟ ويحتمل أن يكون عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المتوفى سنة 182 وهو ضعيف جدا. ولعله ألف كتابا في فتاوى الفقهاء السبعة وأقوالهم، وما سمعنا بهذا الكتاب قط. 199 يجزئ عمل شئ في غير مكانه، ولا في غير زمانه، ولا بخلاف ما أمر به، لان هذا كله هو غير العمل المأمور به على هذه الأحوال. وبالله تعالى التوفيق (1) * 342: مسألة ومن فاتته صلاة الصبح بنسيان أو بنوم فنختار له إذا ذكرها وإن بعد طلوع الشمس بقريب أو بعيد ان يبدأ بركعتي الفجر ثم يضطجع ثم يأتي بصلاة الصبح * وفرض على كل من غفل عن صلاة بنوم أو بنسيان ثم ذكرها أن يزول عن مكانه الذي كان بجسمه فيه إلى مكان آخر، ولو المكان المتصل بذلك المكان فما زاد * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبان هو ابن يزيد العطار ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في حديث نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: (تحولوا
(1) أفرط ابن حزم في التغالي جدا في هذه المسألة وقال قولا لم يسبقه إليه أحد ولا ينصره فيه أي دليل! فالأحاديث الواردة في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ظاهر منها ان المراد بها أن يستريح المصلى بعد طول صلاة الليل لينشط لصلاة الفريضة. ثم لو سلمنا له ان الحديث الذي فيه الامر بالضجعة يدل على وجوبها فمن أين يخلص له ان الوجوب معناه الشرطية وان من لم يضطجع لم تجزئه صلاة الغداة؟!. اللهم غفرا، وما كل واجب شرط. ثم إن عائشة روت ما يدل على أن هذه الضجعة إنما هي استراحة لانتظار الصلاة فقط. ففي البخاري (ج 2 ص: 127) ومسلم (ج 1 ص: 205) من طريق أبى سلمة عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر فان كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع) واللفظ لمسلم وهو صريح في المعنى الذي قلنا أو كالصريح. وبعد فقد أفاض القول في هذا البحث العلامة أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي الهندي في كتابه (إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر) (ص: 14 و 20) فارجع إليه. 200 عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة، فأمر بلالا فاذن وأقام فصلى) (1) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق القاضي ثنا ابن الاعرابي ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ثنا الأسود بن شيبان ثنا خالد بن سمير ثنا عبد الله بن رباح ثنا أبو قتادة الأنصاري قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء، فلم توقظنا إلا الشمس طالعة، فقمنا وهلين لصلاتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رويدا رويدا، حتى تعالت الشمس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان منكم يركع ركعتي الفجر فليركعهما، فقام من يركعهما (2) ومن لم يكن يركعهما، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادي بالصلاة فيؤذن لها (3) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا) وذكر الحديث * قال علي: فان قيل: ليس في هذا الخبر ذكر الضجعة. قلنا: قد يسكت عنها الرواي. كما يسكت عن الوضوء. وعما لابد منه من ذكر التكبير للاحرام والسلام (4) وغير ذلك، وقد يكون هذا الخبر قبل أن يأمر عليه السلام بالضجعة، وليس جميع السنن مذكورة في حديث واحد ولا في آية واحدة ولا في سورة واحدة، والتعلل بها قدح في جميع الشريعة. أولها عن آخرها، فليس منها شئ إلا وهو مسكوت عنه في أحاديث كثيرة وفي آيات كثيرة، فكل من تعلل في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاذان للصلاة المنسية وفي أمره بصلاة ركعتي الفجر قبل صلاة الفريضة وفي أمره عليه السلام بالتأني والامنا (5) والتحول بما لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد كذب على
(1) في أبى داود (ج 1 ص: 166 و 167) (وصلى) (2) في أبى داود (ج 1 ص: 168) (فقام من كان يركعهما) (3) في نسخة أخرى عن الأصل (فيؤذن بها) وفى أبى داود (فنودي بها). وقد سبق الكلام على هذا الحديث في المسألة 286 (4) في الأصل (وللسلام) وهو خطأ (5) كذا رسم في الأصل بدون إعجام وما نعرف صحته * 201 رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله ما لم يقل، وافترى عليه بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار. وقد ذكر الاذان لها وصلى ركعتين قبلها: حماد عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة * فان قيل: قد روى في بعض ألفاظ هذا الخبر: أنه عليه السلام قال لهم حينئذ (من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها): قلنا: نعم قد روى هذا اللفظ، وروى (ليصلها أحدكم من الغداة لوقتها) وروى (فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها إذا ذكرها ومن الغد للوقت) وروى (أنهم قالوا: يا رسول الله، أنقضيها لميقاتها من الغد)؟ وأنهم قالوا: ألا نصلى كذا وكذا صلاة؟ قال: (لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم) وكل هذا صحيح ومتفق المعني، وإنما يشكل من هذه الألفاظ (من أدرك منكم صلاة الغداة فليقض معها مثلها) وإذا تؤمل (1) فلا اشكال فيه، لان الضمير في لغة العرب راجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل، فالضمير في معها راجع إلى الغداة، لا إلى الصلاة، أي فليقض مع الغداة مثل هذه الصلاة التي يصلى، بلا زيادة عليها، أي فليؤد ما عليه من الصلاة مثل ما فعل كل يوم، فتتفق الألفاظ كلها على معني واحد، لا يجوز غير ذلك (2). وبالله تعالى التوفيق * 343 مسألة صفة الصلاة وما لا تجزئ إلا به لا تجزئ أحدا صلاة إلا بثياب طاهرة وجسد طاهر في مكان طاهر * قال علي: قد ذكرنا الأشياء المفترض اجتنابها، فمن صلى غير مجتنب لها فلم يصل كما أمر، وقد ذكرنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنس ما كان يصلى عليه، وبأن تطيب المساجد وتنظف لقوله عليه السلام الذي سنذكره إن شاء الله تعالى باسناده: (وجعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا)
(1) في الأصل (تأمل) وهو خطأ ظاهر (2) انظر المحلى في المسألة رقم (286) والأحكام (ج 7 ص: 108) 202 وقال تعالى: (وثيابك فطهر). ومن ادعى أن المراد بذلك القلب: فقد خص الآية بدعواه بلا برهان، والأصل في اللغة التي بها نزل القرآن: أن الثياب هي الملبوسة والمتوطأة (1)، ولا ينقل عن ذلك إلى القلب والعرض إلا بدليل، ولا حال للانسان إلا حالان، لا ثالث لهما: حال الصلاة وحال غير الصلاة، ولا يختلف اثنان في أنه لا يحرج (2) من في بدنه شئ واجب اجتنابه وفي ثيابه أو في مقعده في حال غير الصلاة وإنما الكلام: هل ذلك مباح في الصلاة أم لا؟ فإذا خرجت حال غير الصلاة بالاجماع المتيقن لم يبق حيث تستعمل أوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا للصلاة، فهذا فرض فيها وبالله تعالى التوفيق * 334 مسألة فمن أصاب بدنه أو ثيابه أو مصلاه شئ فرض اجتنابه بعد أن كبر سالما في كل ما ذكرنا مما أصابه بعد ذلك: فان علم بذلك أزال الثوب وإن بقي عريانا، ما لم يؤذه البرد، وزال عن ذلك المكان، وأزالها عن بدنه بما أمر أن يزيلها به، وتمادي على صلاته وأجزأه، ولا شئ عليه غير ذلك، فان نسي حتى عمل عملا مفترضا عليه من صلاته ألغى، وأتم الصلاة، وأتي بذلك العمل كما أمر، ثم يسجد للسهو، وإن كان ذلك بعد أن سلم، ما لم تنتقض طهارته، فان انتقضت أعاد الصلاة متى ذكر، فان له يصبه ذلك إلا في مكان من صلاته لو لم يأت به لم تبطل به صلاته، مثل قراءة السورة التي مع أم القرآن أو ما زاد على الطمأنينة في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والرفع من الركوع والجلوس بعد التشهد: فصلاته تامة، وليس عليه إلا سجود السهو فقط * فان تعمد ما ذكرنا بطلت صلاته، وكان كمن لم يصل ولا فرق، لا يقدر على الصلاة إلا في وقتها، فصح الآن أن الناسي يعيد أبدا، لقول رسول الله
(1) في اللسان (وتوطأه ووطأه كوطئه) (2) حرج من باب تعب 203 صلى الله عليه وسلم: من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها والناسي هو الذي علم الشئ ثم نسيه، وبعض الصلاة صلاة بنص حكم اللغة والضرورة، وهكذا الحكم فيمن نسي الطهارة أو بعض أعضائه أو نسي ستر عورته، فان ابتدأ صلاته كذلك أعادها أبدا، وصح أن العامد لا يقدر على الصلاة إلا في وقتها، وكل ما ذكرنا في ذلك سواء * وأما الجاهل، وهو الذي لا يعلم الشئ إلا في صلاته أو بعدها، كمن كان في ثيابه أو في بدنه أو في مكانه شئ فرض اجتنابه لم يعلم به، فإنه يعيد كل ما صلى كذلك في الوقت كذلك، وكذلك من انكشفت عورته وهو لا يرى، وكذلك من جهل فرضا من فروض طهارته أو صلاته ثم علمها، فان هؤلاء لا إعادة عليهم إلا في الوقت فقط لا بعد الوقت * برهان ذلك: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في أرض الحبشة وغيرها، والفرائض تنزل، كتحويل القبلة، والزيادة في عددها وغير ذلك، فلم يأمرهم عليه السلام بإعادة شئ من ذلك، إذ بلغه ذلك، وأمر الذي رآه لم يتم صلاته أن يعيدها، فصح بذلك أن يأتي بما جهل من كل ما ذكرنا إذا علمه، ما دام الوقت قائما فقط * وأما المكره والعاجز لعلة أو ضرورة، فإنه في كل ما ذكرنا إن زال الاكراه أو الضرورة بعد الصلاة: فقد تمت صلاته، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وان زال ذلك في الصلاة بنى على ما مضى من صلاته، فأتمها كما يقدر، واعتد بما عمل منها قبل أن يقدر، ولا سجود سهو في ذلك. وبالله تعالى التوفيق * برهان ذلك ما ذكرناه قبل: إن كان عمل مأمور به فهو فيها جائز كثر أو قل، وإزالة ما افترض على المرء اجتنابه في الصلاة مأمور به فيها، فهو جائز في الصلاة *
204 وأما قولنا: وإن بقي عريانا، فلانه قد اجتمع عليه فرضان أحدهما ستر العورة، والثاني اجتناب ما أمر باجتنابه، ولا بد له من أحدهما، فان صلى غير مجتنب لما أمر باجتنابه فقد تعمد في صلاته عملا محرما عليه، فلم يصل كما أمر، فلا صلاة له، وإذا لم يجد ثوبا أمر بالاستتار بمثله، فهو غير قادر على الاستتار، ولا حرج على المرء فيما لا يقدر عليه، قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه). وليس المرء مضطرا إلى لباس ثوب يقدر على خلعه، ولا إلى البقاء في مكان يقدر على مفارقته، وهو مضطر إلى التعري إذا لم يجد ما أبيح له لباسه، فان خشي البرد فهو حينئذ مضطر إلى ما يطرد عن نفسه، فيصلى به ولا شئ عليه، لأنه مباح له حينئذ * وأما قولنا: ان نسي حتى عمل عملا مفترضا عليه في صلاته ألغاه وأتم الصلاة وأتي بذلك العمل كما أمر، وإن كان بعد أن سلم، ما لم تنتقض طهارته. فلما قد ذكرناه من سقوط ما نسيه المرء في صلاته، وان ذلك لا يبطل صلاته، ولقول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) ولما سنذكره من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سها في صلاته فزاد أو نقص) بأن يتم صلاته ويسجد للسهو، وهذا قد زاد في صلاته ساهيا ما لو تعمده لبطلت صلاته * وأما قولنا: ان انتقضت طهارته أعادها أبدا متي ذكر. فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد ذكرناه (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) وبعض الصلاة صلاة عليه ففرض أن يصليها، وأن يأتي بما نسي، وبما لا يجزئ إذا ما نسي إلا به، من وضوء أو غسل أو ابتداء الصلاة
205 على ترتيبها، إلى أن يتم ما نسي من صلاته إلا به (1) * وأما قولنا: إن لم يصبه ذلك إلا في مكان من صلاته لو تعمد تركه لم تبطل صلاته بذلك، إلى آخر كلامنا. فلانه قد وفي جميع أعمال صلاته سالمة كما أمر، وكانت تلك الأعمال الزائدة وإن كانت الصلاة جائزة دونها: فإنها في جملة الصلاة، وفي حال لو تعمد فيها ما تبطل به الصلاة لبطلت صلاته، وكان منه فيها ما كان ناسيا فزاد في صلاته عملا بالسهو لا يجوز له، فليس عليه إلا سجود السهو كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما سنذكره في باب سجود السهو إن شاء الله تعالى. وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة للقذر الذي كان فيهما. وعن الحسن إذا رأيت في ثوبك قذرا فضعه عنك وامض في صلاتك. وقد أجاز أبو حنيفة ومالك غسل الرعاف في الصلاة * فأما الصلاة بالنجاسة فان مالكا قال: لا يعيد العامد لذلك والناسي الا في الوقت * قال علي: وهذا خطأ، لأنه لا يخلو من أن يكون أدى الصلاة التي أمر بها كما أمر، أو لم يؤدها كما أمر، فإن كان أداها كما أمر فلا يحل له أن يصلى في يوم واحد ظهرين، ولا معنى لإعادة صلاة قد صلاها، وإن كان لم يؤدها كما أمر فمن قوله إنه يصلى من لم يصل أبدا، فظهر بطلان هذا القول * وأيضا: فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الصلاة التي تأمرونه بأن يأتي بها في الوقت ولا تأمرونه بها بعد الوقت: أفرض هي عندكم أم نافلة؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث؟ وبأي نية يصليها؟ أبنية أنها الفرض اللازم له في ذلك الوقت أم بنية التطوع؟ أم بلا نية، لا لفرض ولا لتطوع؟! فان قلتم: هي
(1) كذا في الأصل ولعل صحته (إلى أن يتم ما نسي من صلاته مما لا تجزئ صلاته إلا به) كما هو واضح * 206 فرض ولا يصليها إلا بنية الفرض، فمن أصلكم الذي لم تختلفوا فيه: ان الفرض يصلى أبدا، ولا يسقط بخروج الوقت فيه، فهذا تناقض وهدم لاصلكم. وإن كانت تطوعا وتأمرونه بأن يدخل فيها بنية التطوع فان الفرض لا يجزئ بدل التطوع في الدنيا، ولا يحل لاحد أن يتعمد ترك الفرض ويصلى التطوع عوضا من الفرض، ولا يحل لاحد ان يفتيه بذلك بلا خلاف من أحد، بل هو خروج إلى الكفر بلا شك، وان قلتم: لا يصليها بنية فرض ولا تطوع كان هذا باطلا متيقنا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فهذا لا عمل له، إذ لا نية له، ولا شئ له، فقد أمرتموه بالباطل الذي لا يحل * وأما الشافعي فإنه قال: يعيد أبدا في العمد والنسيان * قال علي: وهذا خطأ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ولقول الله تعالى (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * وقال أبو حنيفة: من كانت النجاسة في موضع قدميه في الصلاة وكانت أكثر من الدرهم البغلي أي نجاسة: بطلت صلاته عامدا كان أو ناسيا فإن كانت قدر الدرهم البغلي فأقل، فصلاته تامة في العمد والنسيان فإن كانت أكثر من قدر الدرهم البغلي، وكانت في موضع وضع يديه أو في موضع وضع ركبتيه أو حذاء إبطيه: فصلاته تامة في العمد والنسيان. واختلف عنه إذا كانت في موضع وقوع جبهته في السجود، فمرة قال: صلاته تامة في العمد والنسيان، ومرة قال: صلاته باطلة في العمد والنسيان، وبه يقول زفر، وقال أبو يوسف كذلك في كل ما ذكرنا، إلا أنه قال: إن كانت في موضع سجوده فسدت تلك السجدة وحدها خاصة وكأنه لم يسجدها وان سجدها ما دام في صلاته تمت صلاته وإن لم يسجدها
207 حتى أتم صلاته بطلت صلاته كلها * وكانت حجتهم في هذا أسقط من قولهم، وهو أنهم قالوا: لو لم يضع يديه ولا ركبتيه في السجود لم يضر ذلك صلاته شيئا بخلاف قدميه * قال علي: وهذا احتجاج للباطل بأشنع ما يكون من الباطل! لو إنما هو استخفاف بالصلاة، ويلزم على أحد قوليه أن تتم صلاته وان لم يضع جبهته بالأرض لغير عذر * قال أبو حنيفة: ومن صلى وفي ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم إلا أنها في موضع يسجيه وليس على شئ من جسمه، فإن كان إذا تحرك في صلاته لقيام أو ركوع أو سجود تحركت النجاسة: بطلت صلاته، وإلا فلا. وقال أبو يوسف: المصلى المبطن بمنزلة ثوب واحد، إن كان في الباطنة أكثر من قدر الدرهم غير نافذة إلى الوجه بطلت الصلاة. وقال محمد: لا تبطل، وهما ثوبان * قال أبو محمد: وهذه أقوال ينبغي حمد الله تعالى على السلامة منها، ولا مزيد، ولا سلف لهم في شئ منها! ثم العجب قولهم لمن أخذ بأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم الذين يقرون بصحة نقله وبيانه: قولوا لنا: من قال بهذا قبلكم؟! فيا للمسلمين! أيعنف من أخذ بالقرآن والسنة، التي أجمع المسلمون على وجوب طاعتهما، حتى يأتي باسم من قال بذلك؟! ولا يعنف من قال برأيه مبتدئا دون موافق من السلف مثل هذه الأقوال الفاسدة المتناقضة؟! وحسبنا الله ونعم الوكيل وله الحمد على هدايته لنا وتوفيقه إيانا 345 مسألة فمن كان محبوسا في مكان فيه ما يلزمه اجتنابه لا يقدر على الزوال عنه، وكان مغلوبا لا يقدر على إزالته عن جسده ولا عن ثيابه: فإنه يصلى كما هو، وتجزئه صلاته، فإن كان في موضع سجوده
208 أو جلوسه ولا يقدر على مكان غيره: صلى (1) قائما وجلس على أقرب ما يقدر من الدنو من ذلك الموضع ولا يجلس عليه، وكذلك يقرب جبهته وأنفه من ذلك المكان أكثر ما يقدر عليه، ولا يضعهما عليه، فان جلس عليه أو سجد عليه متعمدا وهو قادر على أن لا يفعل بطلت صلاته * برهان ذلك قول الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فصح أنه يسقط عنه ما لا يستطيع، ويبقى عليه ما قدر عليه. وبالله تعالى التوفيق * 346 مسألة وستر العورة فرض عن عين الناظر، وفى الصلاة جملة، كان هنالك أحد أو لم يكن. قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم). (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن). فمن أبدى فرجه لغير من أبيح له فقد عصى الله تعالى، وقال تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) فاتفق على أنه ستر العورة * 347 مسألة وإنما هذا للعامد، وأما من لا يجد ثوبا أبيح له الصلاة به أو أكره أو نسي: فصلاته تامة، لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وقوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) إلا أن القول في إلغاء ما عمل من فرائض صلاته مكشوف العورة ناسيا والمجئ بها كما أمر والبناء على ما صلى مغطى العورة والسجود للسهو وجواز الصلاة بما صلى كذلك في حال من صلاته لو أسقطها تمت صلاته وسجود السهو لذلك: كما قلنا في الصلاة غير
(1) في الأصل (وصلى) وهو خطأ 209 مجتنب لما افترض علينا اجتنابه، سواء سواء ولا فرق، لما ذكرنا هنالك. وبالله تعالى التوفيق * 348 مسألة فلو ابتدأ التكبير مكشوف العورة أو غير مجتنب لما افترض عليه اجتنابه عامدا أو ناسيا أو جاهلا فلا صلاة له، لأنه لم يدخل في الصلاة كما أمر، ولا صح له منها شئ يبني عليه، ولا يجوز في الصلاة تقديم مؤخر قبل ما هو في الرتبة قبله، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * 349 مسألة والعورة المفترض سترها على الناظر وفى الصلاة: من الرجل: الذكر وحلقة الدبر فقط، وليس الفخذ منه عورة، وهي من المرأة جميع جسمها، حاشا الوجه والكفين فقط، الحر والعبد والحرة والأمة سواء في كل ذلك ولا فرق * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا سعيد بن يحيي الأموي ثنا أبي ثنا عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري (1) ثنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن المسور بن مخرمة قال: أقبلت بحجر ثقيل أحمله (2) وعلى إزار خفيف، فانحل إزاري، ومعي الحجر لم أستطع أن أمنعه (3) حتى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى إزارك (4) فخده، ولا تمشوا عراة فصح أن أخذ الإزار فرض * وأما الفخذ فان عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا قال ثنا إبراهيم
(1) حنيف بالتصغير. وفى الأصل (ثنا عثمان بن حكيم ثنا عباد بن حنيف الأنصاري) وهو خطأ. والتصحيح من مسلم (ج 1 ص 105) ومن التهذيب، وأبو أمامة هو عم والد عثمان (2) في مسلم (بحجر أحمله ثقيل) (3) أي انه لم يستطيع منع ازاره بعد ما انحل. وفى الأصل (أصنعه) وصححناه من مسلم (4) في مسلم (إلى ثوبك) * 210 ابن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثني ابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم ثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس؟، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، وان ركبتي لتمس فخذ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى انى أنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم (1) وذكر باقي الحديث * قال علي: فصح أن الفخذ ليست عورة، ولو كانت عورة لما كشفها الله عز وجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة، ولا أراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة في حال الصبي وقبل النبوة * كما حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن إسحاق ثنا عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله يحدث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال: فحله وجعله (2) على منكبه، فسقط مغشيا عليه، فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الفربري ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بنيت الكعبة ذهب هو وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك من
(1) في البخاري (ج 1 ص 166) (2) في مسلم (ج 1 ص 150) (فجعله) * 211 الحجارة، ففعل، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام، فقال: إزاري إزاري، فشد عليه ازاره (1) * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا زهير بن حرب ثنا إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية ثنا أيوب السختياني عن أبي العالية البراء قال: إن عبد الله بن الصامت ضرب فخذي وقال: إني سألت أبا ذر فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: صل الصلاة لوقتها، فان أدركتك الصلاة معهم (2) فصل، ولا تقل انى قد صليت فلا أصلى * فلو كانت الفخذ عورة لما مسها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي ذر أصلا بيده المقدسة، ولو كانت الفخذ عند أبي ذر عورة لما ضرب عليها بيده، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية (3)، وما يستحل مسلم أن يضرب بيده على ذكر انسان على الثياب، ولا على حلقة دبر الانسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب البتة. وقد منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من القود من الكسعة (4) وهي ضرب الأليتين على الثياب بباطن القدم، وقال: (دعوها فإنها منتنة (5) * فان قيل: فان الحجر قد جمع بثياب موسى عليه السلام حتى رأى
(1) رواية عبد الرزاق هذه رواها مسلم (ج 1 ص 105) عن إسحاق بن منصور ومحمد بن رافع عن عبد الرزاق (2) في الأصل (فان أدركت معهم) والتصحيح من مسلم ج 1 ص 179) (3) كذا في الأصل، وله وجه من العربية (4) بفتح الكاف واسكان السين المهملة (5) في صحيح مسلم (ج 2 ص 284) * 212 بنو إسرائيل أنه ليس آدر (1). قلنا: نعم، ولا حجة لكم في هذا لوجهين، أحدهما: أنه ليس عندنا كشف العورات في شريعة موسى عليه السلام (2) وفي ذلك الخبر نفسه: ان بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يغتسل في الخلاء، ولم يأت أنه عليه السلام نهاهم عن الاغتسال عراة وقد يستتر عليه السلام حياء كما ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقه حياء من عثمان، وليست ساق الرجل عورة عند أحد، والثاني: أنه ليس في الحديث انهم رأوا من موسى الذكر الذي هو عورة وإنما رأوا منه هيئة تبينوا بها انه مبرأ مما قالوه من الادرة وهذا يتبين لكل ناظر بلا شك، بغير أن يرى شيئا من الذكر لكن بأن يرى ما بين الفخذين خاليا. فبطل تعلقهم بهذا الخبر * فان ذكروا الاخبار الواهية في أن الفخذ عورة، فهي كلها ساقطة * أما حديث جويبر فإنه عن ابن جوهر، وهو مجهول، وعن مجهولين ومنقطع * ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو صحيفة، قد ذكرنا في غير ما موضع من هذه الرواية ما لا يقولون به، مثل روايته عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضي أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته إن كان من أمة يملكها؟ يوم أصابها: فقد لحق بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله من الميراث شئ وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه، ولا يلحق إن كان أبوه الذي يدعى له أنكره) ومثل روايته من هذه الطريق مسندا وذكر الوضوء ثلاثا ثلاثا (هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم) و (أنه عليه السلام نهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة). (ولا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا هلك زوجها في عصمتها)
(1) في صحيح مسلم (ج 1 ص 104 و 105) (2) كذا في الأصل ولعل صوابه (ليس عندنا كشف العورات كما في شريعة موسى عليه السلام) لما يظهر من سياق القصة * 213 و (أنه عليه السلام قضى في العين القائمة السادة (1) لمكانها بثلث الدية) ومثل هذا كثير جدا * وفي أن الفخذ عورة من طريق قبيصة بن مخارق: فيه سليمان بن سليمان ومحمد بن عقبة وجرير بن قطن، وهم مجهولون لا يعرف من هم * ومن طريق ابن جحش، فيه أبو كثير، وهو مجهول * ومن طريق على، منقطع، رواه ابن جريج عن حبيب بن أبي ثابت، ولم يسمعه منه، بينهما من لم يسم ولا يدري من هو، ورواية حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة، ولم يسمعه منه، قال ابن معين: بينهما رجل ليس بثقة، ولم يروه عن ابن جريج الا أبو خالد، ولا يدري من هو. * ومن طريق ابن عباس، فيها أبو يحيى القتات، وهو ضعيف * ومن طريق ابن عباس، فيه مجهولون لا يدري من هم * ومن طريق سفيان الثوري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا شئ (2) * وحتى لو لم يأت من الآثار الثابتة التي ذكرنا شئ لما جاز أن يقطع على عضو بأنه عورة تبطل الصلاة بتركه: إلا ببرهان، من نص أو اجماع * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج حدثني أبو بكر بن إسحاق أنا سعيد بن كثير بن عفير ثنا عبد الله بن وهب عن يونس هو ابن يزيد عن ابن شهاب أخبرني علي بن الحسين أن أباه الحسين بن علي أخبره أن عليا قال: (كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر)
(1) بالسين والدال المهملتين (2) انظر الكلام على طرق الحديث في فتح الباري (ج 1 ص 403 و 405) وفى التلخيص (ص 108) وفى نيل الأوطار (ج 2 ص 48 و 50) وفى السنن الكبرى للبيهقي (ج 2 ص 227 و 232) * 214 وذكر الحديث وفيه: (ان حمزة صعد النظر إلى ركبتي رسول الله صلى الله وسلم ثم صعد النظر إلى سرته) وذكر باقي الحديث (1) فلو كانت السرة عورة لما أطلق الله حمزة ولا غيره على النظر إليها * وقد روينا من طريق أبي داود: حدثني مسلم بن إبراهيم ثنا هشام هو الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: (احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على وركه من وثء كان به) (2) فلو كانت الورك (3) عورة ما كشفها عليه السلام إلى الحجام وهذا اسناد أعظم آمالهم أن يظفروا بمثله لأنفسهم وأما نحن فغانون بالصحيح على ما لا نراه حجة، (4) ومعاذ الله من أن نحتج في مكان بما لا نراه حجة (5) في كل مكان، تعصبا للتقليد، واستهانة بالشريعة. * وهذا الذي قلنا به هو قول جمهور السلف، كما روينا من طريق محمد ابن المثنى: ثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر سمع سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع (6) يخبر عن جبير بن الحويرث (7) قال: رأيت أبا بكر الصديق واقفا على قزح (8) يقول يا أيها الناس أصبحوا، واني
(1) في صحيح مسلم (ج 2 ص 123) (2) الوثء بفتح الواو واسكان الثاء المثلثة: وجع يصيب العضو من غير كسر. والحديث في أبى داود (ج 4 ص 3 و 4) (3) في الأصل (فلو كان الورك) وهو خطأ، لان الورك مؤنث كما نص عليه الفراء في كتاب (المذكر والمؤنث ص 14) واللسان والمصباح. (4) في الأصل (فعانون؟) بدون نقط، فإذا كانت صحتها (عانون) بالعين المهملة فذلك جائز، يقال (هو معنى بأمره وعان بأمره وعن بأمره) والتركيب غير جيد اذن. وإذا كانت صحتها (غانون) بالغين المعجمة - وهو الذي نختاره - فكان الأحسن في التركيب (عما لا نراه) يقال (رجل غان عن كذا أي مستغن) (5) في الأصل (في مكان لا نراه حجة) بحذف (بما) وهو خطأ ظاهر (6) ويقال في اسمه (عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع) ولعله الأرجح. وانظر التهذيب وتعجيل المنفعة وابن سعد (ج 5 ص 111) (7) رجح ابن حجر في الإصابة وتعجيل المنفعة أن له صحبة (8) بضم القاف وفتح الزاي: جبل بمزدلفة * 215 لأنظر إلى فخذه قد انكشف (1) * ومن طريق البخاري: ثنا عبد الله بن عبد الوهاب هو الجمحي ثنا خالد ابن الحارث ثنا ابن عون هو عبد الله عن موسي بن أنس بن مالك فذكر يوم اليمامة فقال: أتي أنس إلى ثابت بن قيس بن الشماس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط، يعنى من الحنوط للموت. قال البخاري: ورواه حماد عن ثابت عن أنس * ومن طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب قال: دخلت على أبي جعفر هو محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب وهو محموم، وقد كشف عن فخذيه، وذكر الخبر * فهؤلاء أبو بكر بحضرة أهل الموسم وثابت بن قيس وأنس وغيرهم. وهو قول ابن أبي ذئب وسفيان الثوري وأبي سليمان. وبه نأخذ * وأما المرأة فان الله تعالى يقول: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) إلى قوله (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن). فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب، وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر، وفيه نص على إباحة كشف الوجه، لا يمكن غير ذلك أصلا، وهو قوله
(1) هذا الأثر رمز له ابن حجر في تعجيل المنفعة برمز مسند أحمد - في ترجمة سعيد ابن عبد الرحمن - ولم أجده فيه. ورمز له برمز مسند الشافعي في ترجمة جبير بن الحويرث - ووجدته فيه (ص 120) قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن ابن يربوع عن جبير - وهناك جويبر خطأ - ابن حويرث قال رأيت أبا بكر واقفا على قزح وهو يقول: (يا أيها الناس أسفروا، ثم دفع فكأني أنظر إلى فخذه مما يخرش بعيره بمحجنه). وخرش البعير - من باب ضرب - بالمحجن ضربه بطرفه في عرض رقبته أو في جلده حتى يحت عنه وبره، وخرشت البعير إذا اجذبته إليك بالمخراش وهو المحجن. والخرف بالخاء المعجمة وربما جاء بالحاء المهملة. * 216 تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا عمرو الناقد ثنا عيسى ابن يونس ثنا هشام عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور. قالت: قلت، يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتلبسها أختها من جلبابها) (1) * قال علي: وهذا أمر بلبسهن (2) الجلابيب للصلاة. والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه فصحح (3) ما قلناه نصا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى. هو ابن سعيد القطان. عن سفيان. هو الثوري أخبرني عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس يذكر: (أنه شهد العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام خطب بعد أن صلى، ثم أتي النساء ومعه بلال، فوعظهن وذكرهن وأمرهن أن يتصدقن، فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال (4) فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن، فصح ان اليد من المرأة والوجه ليسا عورة، وما عداهما ففرض عليها ستره *
(1) في مسلم (ج 1 ص 242) (2) في الأصل (بلساهن) وهو غير مفهوم، والظاهر ما صححناه إليه (3) كذا في الأصل ولعله (فصح) (4) هذا الحديث رواه البخاري في خمسة عشر موضعا من صحيحه. ولم أره فيه بهذا الاسناد فلعله رواه أيضا به في موضع آخر غيرها * 217 حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا سليمان ابن سيف (1) ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ثنا أبي عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب: أن سليمان بن يسار اخبره ان ابن عباس أخبره: (ان امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذكر الحديث، وفيه: (فأخذ الفضل يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، واخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحول وجه الفضل من الشق الآخر (2) فلو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها عليه السلام على كشفه بحضرة الناس، ولامرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء؟ فصح كل ما قلناه يقينا. والحمد لله كثيرا * وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد، والخلقة والطبيعة واحدة، كل ذلك في الحرائر والإماء سواء، حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شئ. فيوقف عنده * فان قيل: إن قول الله تعالى: (ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن، أو آبائهن) الآية: يدل على أنه تعالى أراد الحرائر فقلنا: هذا هو الكذب بلا شك، لان البعل في لغة العرب السيد والزوج، وأيضا فالأمة قد تتزوج، وما علمنا قط أن الإماء لا يكون لهن أبناء وآباء وأخوال وأعمام، كما للحرائر * وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين) إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لان الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق، فامر الحرائر بان يلبسن
(1) في النسائي (ج 2 ص 5) (أخبرنا أبو داود) وهو هو، لان سليمان بن سيف يكنى أبا داود (2) لفظ النسائي (وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل فحول وجهه من الشق الآخر) * 218 الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن * قال على: ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم ووهلة فاضل عاقل، أو افتراء كاذب فاسق لان فيه ان الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين، وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الاسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق، وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق. ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا ابن الاعرابي ثنا محمد ابن الجارود القطان (1) ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن زيد ثنا قتادة عن محمد ابن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (2) * قال علي: وروينا من طريق مالك عن محمد بن أبي بكر عن أمه (3):
(1) ابن الجارود هذا غير صاحب كتاب (المنتقى) المطبوع في الهند، ذاك اسمه (عبد الله بن علي بن الجارود) (2) رواه أيضا أبو داود (ج 1 ص 244) والحاكم (ج 1 ص 251) والبيهقي (ج 2 ص 233) من طريق حجاج بن المنهال، ورواه الترمذي (ج 1 ص 76) من طريق قبيصة، ورواه ابن الجارود - عبد الله بن علي - (ص 91) من طريق أبى النعمان وأبى الوليد، ورواه البيهقي من طريق أبى الوليد -: كلهم عن حماد بن سلمة عن قتادة. وحسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم، وأشار أبو داود إلى تعليله برواية سعيد بن أبي عروبة إياه عن قتادة عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما هذه بعلة. والحديث صحيح (3) كذا في الأصل، وهو خطأ يخالف ما في الموطأ (ص 50) وصوابه (مالك عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه) وهو محمد ابن زيد بن المهاجر بن قنفذ، وأمه هي (أم حرام) لها ترجمة في التهذيب ونقل عنها هذا الأثر وكذلك رواه البيهقي (ج 2 ص 232 و 233) من طريق مالك وعبد الرحمن ابن عبد الله 219 انها سألت أم سلمة أم المؤمنين: في كم تصلى المرأة؟ قالت: في الدرع السابغ الذي يواري ظهور قدميها وفى الخمار * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن جابر عن أم ثور عن زوجها بشر (1) قال قلت لابن عباس: في كم تصلى المرأة من الثياب؟ قال: في درع وخمار * ومن طريق عبد الرزاق عن الأوزاعي عن مكحول عمن سأل عائشة أم المؤمنين: في كم تصلى المرأة من الثياب؟ فقالت له: سل علي بن أبي طالب ثم ارجع إلى فأخبرني، فأتي عليا فسأله، فقال: في الخمار والدرع السابغ، فرجع إلى عائشة فأخبرها، فقالت: صدق * ومن طريق محمد بن المثنى ثنا عبد الله بن إدريس أنا قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه (2): أن جارية (3) كانت تخرج على عهد عائشة بعد ما تحرك ثدياها، فقيل لعائشة في ذلك، فقالت: انها لم تحض بعد * فمن ادعى انهم رضي الله عنهم أرادوا الحرائر دون الإماء كان كاذبا ولم يكن بينه فرق وبين من قال: بل ما أرادوا إلا القرشيات خاصة، أو المضريات خاصة، أو العربيات خاصة! وكل ذلك كذب * ومن طريق ابن المثني ثنا ابن فضيل ثنا خصيف (4) سمعت مجاهدا يقول: أيما امرأة صلت ولم تغط شعرها لم يقبل الله لها صلاة *
(1) لم أجد لبشر ولا لامرأته ترجمة الا قول ابن سعد (ج 8 ص 365) (أم ثور: روى عنها جابر الجعفي، وروت عن زوجها بشر أنه سأل ابن عباس: في كم تصلى المرأة (2) أبو ظبيان - بفتح الظاء المشالة - هو حصين بن جندب الجنبي - بفتح الجيم واسكان النون نسبة إلى جنب - (3) في الأصل (حارثة) بالحاء المهملة والثاء المثلثة. وهو تصحيف، وما وجدنا في التراجم من تسمى هكذا، ولم نر هذا الاسم في أسماء النساء بل هو من أسماء الرجال (4) بضم الخاء المعجمة - وفتح الصاد المهملة وهو ابن عبد الرحمن الجزري وهو ثقة كثير الوهم والخطأ. رحمه الله * 220 ومن طريق ابن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء قال: تقنع الأمة رأسها في الصلاة * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن سليمان بن موسى قال: إذا حاضت المرأة لم تقبل لها صلاة حتى تختمر وتوارى رأسها * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: إذا صلت الأمة غطت رأسها وغيبته بخرقة أو خمار، كذلك كن (1) يضعن علي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحسن يأمر الأمة إذا تزوجت عبدا أو حرا أن تختمر * قال علي: لم يخف علينا ما روى عن عمر رضي الله عنه في خلاف هذا وعن غيره، ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا تنازع السلف رضي الله عنهم وجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه، من القرآن والسنة، وليس في القرآن ولا في السنة فرق في الصلاة بين حرة ولا أمة، والعجب أنهم لا يبالون بخلاف عمر رضي الله عنه حيث لا يحل خلافه، وحيث لا مخالف له من الصحابة رضي الله عنهم وحيث معه القرآن والسنة: إذا خالفه رأى أبي حنيفة ومالك والشافعي، كقضائه في الأرنب يقتلها المحرم بعناق، وفى الضب بجدي، وكقوله: كل نكاح فاسد فلا صداق فيه، وقوله بالمسح على العمامة، إلى مئين من القضايا! فإذا وافق ما روى عنه رأى أبي حنيفة ومالك والشافعي صار حينئذ حجة لا يجوز مخالفته وان خالفه غيره من الصحابة، وان خالفوا القرآن والسنة في ذلك! مع أن الذي عن عمر في ذلك إنما هو في خروجهن لا في الصلاة، فبطل تمويههم بعمر * وقد روى عن مالك: ان صلت أم الولد بلا خمار أعادت في الوقت وقد روينا عن ابن عباس في: (ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها) قال:
(1) في الأصل (كان) وهو خطأ 221 الكف والخاتم والوجه. وعن ابن عمر: الوجه والكفان. وعن انس الكف والخاتم. وكل هذا عنهم في غاية الصحة. وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين * قال علي: فان قالوا: قد جاء الفرق في الحدود بين الحرة والأمة. قلنا: نعم، وبين الحر والعبد، فلم ساويتم بين الحر والعبد فيما هو منهما عورة في الصلاة، وفرقتم بين الحرة والأمة فيما هو منهما عورة في الصلاة؟ وقد صح الاجماع والنص على وجوب الصلاة على الأمة كوجوبها على الحرة في جميع أحكامها، من الطهارة والقبلة وعدد الركوع وغير ذلك؟! فمن أين وقع لكم الفرق بينهما في العورة؟! وهم أصحاب قياس بزعمهم! وهذا مقدار قياسهم الذي لا شئ أسقط منه ولا أشد تخاذلا! فلا النص اتبعوا ولا القياس عرفوا! وبالله تعالى التوفيق * قال علي: فان قيل: فلم فرقتم أنتم بين من اضطر المرء إليه بعدم أو اكراه في الصلاة مكشوف العورة وفي مكان فيه ما افترض عليه اجتنابه أو في ثيابه أو في جسده فأجزتم صلاته كذلك: وبين صلاته كذلك ناسيا فلم يجيزوها؟ * قلنا: نعم فان النصوص قد جاءت بأن كل ما نسيه المرء من أعمال صلاته فإنه لا تجزئه صلاته دونها، وأنه لابد له من إتيانها، كمن نسي الطهارة أو التكبير أو القيام أو السجود أو الركوع أو الجلوس، ولا خلاف في أن من نسي فعوض القعود مكان القيام في الصلاة، أو القيام مكان القعود، أو الركوع مكان السجود: فإنه لا يجزئه ذلك، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي صلاة أو نام عنها أن يصليها، وبعض الصلاة صلاة بلا خلاف، فمن لم يأت بها كما أمر ناسيا فقد نسي من صلاته جزءا وأتي بما ليس صلاة، إذ صلى بخلاف ما أمر، فمن ههنا أوجبنا على
222 الناسي أن يأتي بما نسي كما أمر، وأجزنا صلاته كذلك في الاكراه بغلبة أو عدم، للنصوص الواردة بجواز كل ما ذكرنا في عدم القوة * فان قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل في الصلاة فأتاه جبريل عليه السلام فاعلمه ان في نعليه قذرا فخلعهما وتمادى في صلاته. قلنا: نعم، وإنما حرم ذلك عليه حين أخبره جبريل عليه السلام، لا قبل ذلك، فكان ابتداؤه الصلاة كذلك جائزا، وقال عليه السلام في آخر ذلك الحديث إذ سلم كلاما معناه: (إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فلينظر نعليه. أو قال خفيه. فان رأى فيها شيئا فليحكه وليصل فيهما) وكان هذا الحكم واردا بعد تلك الصلاة، فمن صلى ولم يتأمل نعليه أو خفيه وكان فيهما أذى فقد صلى بخلاف ما امر به. وبالله تعالى التوفيق * وقال أبو حنيفة: العورة تختلف، فهي من الرجال ما بين السرة إلى الركبة والركبة عورة، والسرة ليست عورة. وهي من الحرة جميع جسدها، حاشا الوجه والكفين والقدمين. وهي من الأمة كالرجل سواء سواء، فتصلى الأمة وأم الولد والمدبرة عندهم عريانة الرأس والجسد كله، حاشا مئزرا يستر ما بين سرتها وركبتها فقط، لا كراهة عندهم في ذلك. قال: وأحكام العورات تختلف، فإذا انكشف من الرجل أكثر من قدر الدرهم البغلي من ذكره أو من المرأة من فرجها في حال استقبالهما الافتتاح للصلاة، أوفي حال استقبالهما الركوع، أو في حال استقبالهما القيام: بطلت صلاتهما فان انكشف هذا المقدار من ذكره أو من فرجها في حال القيام أو في حال الركوع أو في حال السجود، فسترا ذلك حين انكشافه: لم يضر ذلك صلاتهما شيئا، فان انكشف من ذكره أو من فرجها في كل ما ذكرنا قدر الدرهم البغلي فأقل لم يضر ذلك صلاتهما شيئا طال ذلك أم قصر. فان انكشف من فخذ الرجل أو الأمة أو الحرة أو مقاعدهما أو وركيهما أو
223 من جميع أعضاء الحرة الصدر أو البطن أو الظهر أو الشعر أو العنق مقدار ربع العضو فأكثر: بطلت الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد. فان انكشف من كل ذلك أقل من الربع لم يضر الصلاة شيئا * وقال أبو يوسف: لا تبطل الصلاة إلا أن ينكشف مما عدا الفرج أكثر من نصف العضو * قال أبو حنيفة: فان أعتقت أمة في الصلاة فإنها تأخذ قناعها وتستتر، وتبنى على ما مضى من صلاتها. فان بدأ الرجل الصلاة عريانا لضرورة ثم وجد ثوبا فان صلاته تبطل، ويلزمه أن يبتدئها ولابد، وسواء كان وجوده الثوب في أول صلاته أو في آخرها، ولو قعد مقدار التشهد، ما لم يسلم. هذا مع قوله: إن المصلى إذا قعد مقدار التشهد ثم أحدث عامدا أو ناسيا فقد تمت صلاته ولا شئ عليه، فصار وجود الثوب أعظم عنده من البول أو الغائط! * قال: فلو زحم المأموم حتى وقع ازاره وبدا فرجه كله فبقي واقفا كما هو حتى تمت صلاة الامام: فصلاة ذلك المأموم تامة، فلو ركع بركوع الامام أو سجد بسجوده بطلت صلاته * قال علي: فهل لهذه الأقوال دواء أو معارضة إلا حمد الله تعالى على السلامة منها؟!! وهل يحصى ما فيها من التخليط إلا بكلفة؟! * وقال مالك: الأمة عورة كالحرة، حاشا شعرها فقط، فليس عورة، فان انكشف شعر الحرة أو صدرها أو ساقها في الصلاة لم تعد إلا في الوقت * قال علي: ولا ندري قوله في الفرج، وما نراه يرى الإعادة من ذلك إلا في الوقت، وقد تقدم افسادنا لقوله بالإعادة في الوقت فيما سلف من كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته، ولا فرق عنده بين نسيان وعمد في ذلك * وقال الشافعي: إن انكشف من عورة الرجل وهي ما بين سرته
224 إلى ركبته أو عورة المرأة وهو جميع جسد الحرة والأمة حاشا شعر الأمة ووجهها ووجه الحرة وكفيها وكفى الأمة (1): شئ قل أو كثر، فان ستر في الوقت لم يضر شيئا والصلاة تامة، وان بقي مقدار ما، قل أو كثر ولم يغط بطلت الصلاة، النسيان والعمد سواء * قال علي: وهذا تقسيم لا دليل عليه * وقال أبو سليمان النسيان في ذلك مرفوع، فان انكشف شئ من العورة عمدا بطلت الصلاة * 350 مسألة والعراة بعطب أو سلب أو فقر يصلون كما هم في جماعة في صف خلف إمامهم، يركعون ويسجدون ويقومون، ويغضون أبصارهم، ومن تعمد في صلاته تأمل عورة رجل أو امرأة محرمة عليه بطلت صلاته، فان تأملها ناسيا لم تبطل صلاته ولزمه سجود السهو، فان تأمل عورة امرأته فان ترك الاقبال على صلاته عامدا لذلك بطلت صلاته، كما لو فعل ذلك لسائر الأشياء ولا فرق، وان لم يترك لذلك الاقبال على صلاته فصلاته تامة ولا شئ عليه * برهان ذلك قول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقوله: تعالى (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) فإذ هم غير مكلفين ما لا يقدرون عليه من ستر العورة فهم مخاطبون بالصلاة كما يقدرون، وبالإمامة فيها في جماعة، فسقط عنهم ما لا يقدرون عليه وما ليس في وسعهم، وبقى عليهم ما يستطيعون عليه، (2) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * وأما من تأمل في صلاته عورة لا يحل له النظر إليها فان صلاته تبطل
(1) في الأصل (وكفى الحرة) وهو خطأ واضح (2) هذه الزيادة من رقم (45) * 225 لأنه عمل فيها عملا لا يحل له، فلم يصل كما أمر، ومن لم يصل كما أمر فلم يأت بالصلاة التي أمره الله تعالى بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * فان فعل ذلك ناسيا فعليه سجود السهو، لأنه زاد في صلاته نسيانا ما لو عمده لبطلت صلاته * وأما إذا تأمل عورة أبيح له النظر إليها فهي من جملة الأشياء التي لابد له من وقوع النظر على بعضها في الصلاة، ولافرق بين مباح ومباح، فان اشتغل بشئ من ذلك كله عن صلاته عمدا فقد عصى الله تعالى ولم يصل كما أمر. وبالله تعالى التوفيق * وقال أبو حنيفة:! يصلى العراة فرادى قعودا يومؤن للسجود والركوع فان صلوا جماعة أجزأهم إلا أنهم يقعدون ويقعد الامام في وسطهم، وقال بعض العلماء بقوله. أنهم إن صلوا قياما أجزأهم عند أبي حنيفة وأصحابه * وقال مالك: يصلون فرادى، يتباعد بعضهم عن بعض قياما، فإن كانوا في ليل مظلم صلوا في جماعة قياما، يقف إمامهم أمامهم * وقال الشافعي: يصلى العراة فرادى أو جماعة قياما يركعون ويسجدون، ويقوم إمامهم وسطهم، ويغضون أبصارهم، ويصرف الرجال وجوههم عن النساء، والنساء وجوههن عن الرجال، ولا إعادة على أحد منهم * وقال زفر بن الهذيل: يصلون قياما يركعون ويسجدون ولا يجزيهم غير ذلك. وقال أبو سليمان كقولنا * قال علي: قول أبي حنيفة ومالك والشافعي خطأ لأنها أقوال لم تخل من إسقاط أن يصلوا جماعة وهذا لا يجوز، أو من إسقاط القيام والركوع والسجود، وهذا باطل، أو من إسقاط حق الامام في تقدمه، وهذا لا يجوز، وغض البصر يسقط كل ما شغبوا به في هذه الفتيا، وقول
226 أبي حنيفة أكثرها تناقضا. والعجب أنهم بكل ذلك لا يوارون جميع عوراتهم من الأفخاذ وغيرها! فكيف والنص قد ورد بما قلنا * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد ابن شاذان ثنا زكريا بن عدي ثنا عبيد الله بن عمرو هو الرقي - عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا معشر النساء، إذا سجدتن فاحفظوا أبصاركم، لا ترين عورات الرجال، من ضيق الأزر) * قال علي: هكذا في كتابي عن حمام، وبالله ما لحن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا أن ممكنا أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء، ومن معهن من صغار أولادهن لما كتبناه إلا (فاخفضن أبصاركن (1) فهذا نص على أن الفقراء من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه، وليس معهم من اللباس ما يواري عورتهم، ولا يتركون القعود ولا الركوع ولا السجود، إلا أن الامر بغض البصر لازم في كل ذلك. وبالله تعالى التوفيق * 351 مسألة واستقبال جهة الكعبة بالوجه والجسد فرض على المصلى حاشا المتطوع راكبا، فمن كان مغلوبا بمرض أو بجهد أو بخوف أو باكراه فتجزيه صلاته كما يقدر، وينوى في كل ذلك التوجه إلى الكعبة *
(1) حديث أبي سعيد رواه أحمد في المسند (ج 3 ص 16) (حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله : خير صفوف الرجال الصف المقدم وشرها الصف المؤخر) وخير صفوف النساء المؤخر وشرها المقدم وقال يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن إذا سجدتن لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر). ونسبه في مجمع الزوائد لأبي يعلى أيضا. ونسب ابن حجر في الفتح (ج 1 ص 399) معنى القسم الأخير منه إلى احمد وأبى داود من حديث أسماء بنت أبي بكر. وروى نحوه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد * 227 برهان ذلك قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)، والمسجد الحرام في المبدأ إنما هو البيت فقط، ثم زيد فيه الشئ بعد الشئ، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن امرءا لو كان بمكة بحيث يقدر على استقبال الكعبة في صلاته فصرف وجهه عامدا عنها إلى أبعاض المسجد الحرام من خارجه أو من داخله فان صلاته باطل، وأنه إن استجاز ذلك كافر. وقد ذكرنا التطوع على الدابة قبل * وأما المريض والجاهل والخائف والمكره فان الله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * 352 مسألة ويلزم الجاهل أن يصدق في جهة القبلة من أخبره من أهل المعرفة إذا كان يعرفه بالصدق، لان هذا أمر لا سبيل لمن غاب عن موضع القبلة إلى معرفة جهتها إلا بالخبر ولا يمكن غير ذلك، نعم، ومن كان حاضرا فيها فإنه لا يعرف أن هذه هي الكعبة إلا بالخبر ولابد، وهذا من الشريعة التي قد ذكرنا البرهان على وجوب قبول خبر الواحد العدل فيها * 353 مسألة فمن صلى إلى غير القبلة ممن يقدر على معرفة جهتها عامدا أو ناسيا بطلت صلاته، ويعيد ما كان في الوقت، إن كان عامدا، ويعيد أبدا إن كان ناسيا * برهان ذلك أن هذين مخاطبان بالتوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة، فصليا بخلاف ما أمرا به، ولا يجزئ ما نهى الله تعالى عنه عما أمر عز وجل به، فقد ذكرنا الحجة في أمر الناسي قبل * فان ذكر ذاكر حديث أهل قباء رضي الله عنهم وأنهم ابتدؤا الصلاة إلى بيت المقدس فأتاهم الخبر بان القبلة قد حولت إلى الكعبة فاستداروا
228 كما كانوا في صلاتهم إلى الكعبة واجتزؤا بما صلوا إلى بيت المقدس من تلك الصلاة بعينها * قلنا: هذا خبر صحيح، ولا حجة فيه علينا، ولا نخالفه ولله الحمد * أول ذلك: أنه ليس فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك فأقره، ولا حجة الا في القرآن أو في كلامه عليه السلام أو في عمله أو فيما علم عليه السلام من عمل غيره فلم ينكره * وإنما العجب من المالكيين الذين يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم، ثم قد خالفوا ههنا عمل طائفة عظيمة من الصحابة رضي الله عنهم لا يعرف لهم منهم مخالف! * قال على: أهل قباء رضي الله عنهم كان الفرض عليهم أن يصلوا إلى بيت المقدس، فلو أنهم صلوا إلى الكعبة لبطلت صلاتهم بلا خلاف، ولا تلزم الشريعة إلا من بلغته، لا من لم تبلغه، قال الله تعالى: (لأنذركم به ومن بلغ) ولا شك عند أحد من الجن والإنس ولا الملائكة أن من كان من المسلمين بأرض الحبشة أو بمكة من المستضعفين فإنهم تمادوا على الصلاة إلى بيت المقدس مدة طويلة، أما أهل مكة فأياما كثيرة بعد نزول تحويل القبلة، وأما من بالحبشة فلعلهم صلوا عاما أو أعواما حتى بلغهم تحويل القبلة، فحينئذ لزمهم الفرض، لا قبل ذلك، فإنما لزم أهل قباء التحول حين بلغهم لا قبل ذلك فانتقلوا عن فرضهم إلى فرض ناسخ لما كانوا عليه، وهذا هو الحق الذي لا يحل لاحد غيره * وأما من بلغه فرض تحويل الكعبة وعلمه وكان مخاطبا به ولم يسقط تكليفه عنه لعذر مانع: فلم يصل كما أمر، ومن لم يصل كما أمر فلم يصل، لأنه لا يجزئ ما نهى الله عنه عما أمر الله تعالى به * وقال أبو حنيفة: من صلى في غير مكة إلى غير القبلة مجتهدا ولم يعلم إلا
229 بعد أن أسلم أجزأته صلاته. فان صلى في ظلمة متحريا ولم يسأل من بحضرته، ثم علم أنه صلى إلى غير القبلة أعاد. وهو فرق فاسد، لان التحري نوع من الاجتهاد * وقال مالك: من علم أنه صلى إلى غير القبلة، فإن كان مستدبرا لها أعاد وإن كان في الصلاة قطع وابتدأ. وإن كان منحرفا إلى شرق أو غرب لم يعد وبنى على ما صلى وانحرف. وهذا فرق فاسد، لأنه لا فرق عند أحد من الأمة في تعمد الانحراف عن القبلة أنه مبطل الصلاة، وكبيرة من الكبائر كالاستدبار لها ولا فرق. وأهل قباء كانوا مستدبرين إلى القبلة. ولا نعلم هذا التفريق الذي فرقه أبو حنيفة ومالك عن أحد قبلهما * وقال الشافعي: من خفيت عليه الدلائل والمحبوس في الظلمة والأعمى الذي لا دليل له: يصلون إلى أي جهة أمكنهم، ويعيدون إذا قدروا على معرفة القبلة * قال على: وهذا خطأ لأنه إذا أمره بالصلاة لا يخلو من أن يكون أمرهم بصلاة تجزئ عنهم كما أمرهم الله بها، أو أمرهم بصلاة لا تجزئ عنهم ولا أمرهم الله تعالى بها، ولا سبيل إلى قسم ثالث. فإن كان أمرهم بصلاة تجزئ عنهم وبالتي أمرهم الله تعالى بها فلأي معنى يصلونها ثانية؟! وإن كان أمرهم بصلاة لا تجزئ عنهم ولا أمرهم الله تعالى بها فهذا أمر فاسد، ولا يحل لآمره الامر به، ولا للمأمور به الائتمار به * وقال أبو سليمان: تجزئهم على كل حال، ويبنون إذا عرفوا وهم في الصلاة، وقد ذكرنا الفرق آنفا * فان قال قائل: قد روى عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا حياله، فأصبحنا، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى (فأينما تولوا
230 فثم وجه الله) * وعن عطاء عن جابر بن عبد الله (كنا في سرية فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فذكر أنهم خطوا خطوطهم في جهات اختلافهم فلما أصبحوا أصبنا تلك الخطوط لغير القبلة، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) * فان هذين الخبرين لا يصحان، لان حديث عبد الله بن عامر لم يروه إلا عاصم بن عبيد الله، ولم يرو حديث جابر إلا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء، وعاصم وعبد الملك ساقطان (1) ثم لو صحا لكانا حجة لنا، لان هؤلاء جهلوا القبلة، وصلاة الجاهل تامة، وليس الناسي كذلك وبالله تعالى التوفيق * 354 مسألة والنية في الصلاة فرض. إن كانت فريضة نواها باسمها والى الكعبة في نفسه قبل إحرامه بالتكبير متصلة بنية الاحرام) لا فصل بينهما أصلا. وإن كانت تطوعا نوى كذلك أنها تطوع فمن لم ينو كذلك فلا صلاة له * برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) وقد ذكرناه باسناده قبل. وقول الله تعالى: (وما أمروا إلا
(1) أما حديث عبد الله بن عامر فقد وقع للمؤلف كذلك خطأ، وهو حديث أبيه عامر ابن ربيعة، لان عبد الله تابعي ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وما سمع منه حرفا. والحديث رواه الطيالسي (ص 156 رقم 1145) والترمذي وضعفه (ج 1 ص 70) وابن ماجة (ج 1 ص 165) والطبري في التفسير باسنادين (ج 1 ص 401) والدار قطني (ص 101 والبيهقي (ج 2 ص 11) كلهم من طريق عاصم بن عبيد الله بن عبد الله بن عامر بن ربيعة، وعاصم ضعيف جدا مضطرب الحديث. واما حديث جابر فرواه الدارقطني والبيهقي، ورواه الحاكم في المستدرك (ج 1 ص 206) وصححه، وخطأه الذهبي في ذلك في مختصره. وقال البيهقي (ج 2 ص 12) (لم نعلم لهذا الحديث اسنادا صحيحا قويا) وهو كما قال * 231 ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والصلاة عبادة لله تعالى، ولو جاز أن يفصل بين النية وبين الدخول في الصلاة بمدة يسيرة ولو دقيقة أو قدر اللحظة لجاز بمثل ذلك وبأكثر، حتى يجوز الفصل بينهما بسنة أو سنتين، وهذا باطل أو يحد المخالف حدا برأيه لم يأذن به الله تعالى، ولو جاز أن تكون النية مع التكبير غير متقدمة عليه لكان أول جزء من الدخول فيها بلا نية لان معنى النية القصد إلى العمل، والقصد إلى العمل بالإرادة متقدم للعمل * وقال مالك: يجوز تقديم النية قبل الدخول في الصلاة. ولا بد لمن قال بهذا من تحديد مقدار مدة التقدم الذي تجوز به الصلاة، والذي تبطل به الصلاة وإلا فهم على عمى في ذلك * وقال الشافعي: لا تجزئ النية إلا مخالطة للتكبير، لا قبله ولا بعده، وهذا خطأ لما ذكرناه. والذي قلناه هو قول داود وأبي حنيفة. إلا أن أبا حنيفة لم يجز الصلاة إلا بنية لها، وأجاز الوضوء لها بلا نية. وهذا تناقض * 335 مسألة فان انصرفت نيته في الصلاة ناسيا إلى غيرها أو إلى تطوع أو إلى خروج عن الصلاة ألغى ما عمل من فروض صلاته كذلك، وبنى على ما عمل بالنية الصحيحة وأجزأه، ثم سجد للسهو. فإن لم يكن ذلك منه إلا في عمل من صلاته لو تركه لم تبطل بتركه الصلاة (1) لم يلزمه إلا سجود السهو فقط، لأنه قد وفى جميع الاعمال التي أمر بها في الصلاة كما أمره الله تعالى، إلا أنه زاد في صلاته ناسيا عملا لو زاده عمدا بطلت صلاته، وفي هذا يجب سجود السهو * 356 مسألة وللاحرام بالتكبير فرض لا تجزئ الصلاة إلا به * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد هو القطان عن عبيد الله هو
(1) في الأصلين (للصلاة) وهو خطأ 232 ابن عمر حدثني سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى) فذكر الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ارجع فصل فإنك لم تصل، ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قمت إلى الصلاة فكبر) (1) فقد أمر بتكبير الاحرام، فمن تركه فلم يصل كما أمر، ومن لم يصل كما أمر فلم يصل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم * وبايجاب التكبير للاحرام يقول مالك والشافعي. وأحمد. وداود. وقال أبو حنيفة: يجزئ عن التكبير ذكر الله تعالى كيف ذكر، مثل (الله أعظم) ونحو ذلك، وأجازوا ذلك أيضا في الاذان، ولم يجيزوا الصلاة إذا افتتحت ب (الله أعلم) وهذا تخليط وهدم للاسلام، وشرائع جديدة فاسدة * قال علي: واحتج مقلدوه في ذلك بقول الله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * قال علي: ليس في هذه الآية عمل الصلاة وصفتها (2)، والحديث المذكور فيه عمل الصلاة التي لا تجزئ إلا به، فلا يعترض بالآية عليه، بل في الآية دليل أن ذلك الذكر لاسم الله تعالى هو غير الصلاة، لأنه تعالى قال (فصلى) فعطف الصلاة على ذكر اسمه، فصح أنه قبل الصلاة، مثل قوله تعالى: (أقم الصلاة لذكرى) فهذا الذكر لاسم الله تعالى هو القصد إليه تعالى بالنية في أدائها له عز وجل * 357 مسألة ويجزئ في التكبير الله أكبر والله الأكبر والأكبر الله والكبير الله والله الكبير والرحمن أكبر وأي اسم من أسماء الله تعالى ذكر بالتكبير، ولا يجزئ غير هذه الألفاظ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (فكبر) وكل هذا تكبير، ولا يقع على غير هذا لفظ التكبير، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وداود * وقال مالك: لا يجزئ إلا (الله أكبر) وهذا تخصيص للتكبير بلا برهان *
(1) الحديث في البخاري (ج 1 ص 314 - و 315) مطولا (2) في نسخة (وصفته) * 233 وقد ادعى بعضهم أن في الحديث (إذا قمت إلى الصلاة فقل الله أكبر (1) * قال علي: وهذا باطل ما عرف قط، ولو وجدناه صحيحا لقلنا به * فان قالوا: بهذا جرى عمل الناس، قلنا لهم: ما جرى عمل الناس إلا بترتيب الوضوء كما في الآية، وأنتم تجيزون تنكيسه، وما جرى عمل الناس قط في الوضوء الا بالاستنشاق والاستنثار مع صحته (2) من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنتم تقولون: من تركها فوضوؤه تام وصلاته تامة. وما جرى عمل الناس قط إلا بقراءة سورة مع أم القرآن في الصبح والأوليين من الصلوات البواقي، وأنتم تقولون: ان ترك السورة فصلاته تامة. وما جرى عمل الأمة إلا برفع اليدين مع تكبيرة الاحرام، وأنتم تقولون: ان لم يرفع يديه فصلاته تامه. فترى العمل إنما يكون حجة إذا شئتم، لا إذا لم تشاؤا؟! ومثل هذا كثير جدا. وبالله تعالى التوفيق * 358 مسألة ورفع اليدين للتكبير مع الاحرام في أول الصلاة فرض لا تجرئ الصلاة الا به * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ثنا أيوب هو السختياني عن أبي قلابة ثنا مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولمن معه: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو كامل الجحدري ثنا أبو عوانة عن قتادة عن نصر ابن عاصم عن مالك بن الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر رفع
(1) أما بدون برهان فلا، فان التواتر العملي من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم إنما جاء فيه التكبير للافتتاح بلفظ (الله أكبر) وهو مبين للامر بالتكبير، وليس بعده بيان ومع هذا فقد روى الطبراني في الكبير بلفظ (لا تتم صلا لاحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يقول الله أكبر) قال في مجمع الزوائد (ورجاله رجال الصحيح) (2) في نسخة (مع صحة عن النبي) وفى الأخرى (مع صحة من أمر النبي) وكلاهما خطأ في حذف الضمير المضاف إلى (صحة) (3) هو في البخاري مطول (ج 1 ص 258) * 234 يديه حتى حاذى (1) بهما أذنيه) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا محمد بن بكر ثنا سليمان بن الأشعث ثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان هو ابن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه) وذكر الحديث * فان قيل: فهلا أوجبتم بهذا الاستدلال نفسه رفع اليدين عند كل رفع وخفض فرضا؟ قلنا لأنه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع، وأنه كان لا يرفع * حدثنا حمام ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا زهير بن حرب أبو خيثمة ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن ابن الأسود عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: (ألا أريكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فرفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يعد) (2) * فلما صح أنه عليه السلام كان يرفع في كل خفض ورفع بعد تكبيرة الاحرام ولا يرفع، كان كل ذلك مباحا لا فرضا، وكان لنا أن نصلى كذلك، فان رفعنا صلينا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى، وان لم نرفع فقد صلينا كما كان عليه السلام يصلى * وروينا من طريق عبد الرزاق حدثني أحمد بن حنبل (3) عن الوليد بن مسلم عن زيد بن واقد سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول: كان ابن عمر إذا رأى مصليا لا يرفع يديه في الصلاة حصبه وأمره أن يرفع يديه * قال علي: ما كان ابن عمر ليحصب من ترك ما له تركه *
(1) في مسلم (ج 1 ص 114 - و 115) (حتى يحاذي) وكذلك في كل نسخة (2) رواه أبو داود (ج 1 ص 272) عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع بلفظ (فصلى فلم يرفع يديه الا مرة) ثم قال أبو داود: (هذا حديث مختصر من حديث طويل وليس هو بصحيح على هذا اللفظ) (3) كذا هنا، وعبد الرزاق من شيوخ أحمد بن حنبل وقد ذكر ابن حجر في التهذيب في ترجمة احمد ان بعض شيوخه الذي روى عنهم رووا عنه، منهم ابن مهدي والشافعي وعبد الرزاق ووكيع ويحيى بن آدم وغيرهم * 235 وقد روى ايجاب رفع اليدين في الاحرام للصلاة فرضا عن الأوزاعي. وهو قول بعض من تقدم من أصحابنا * 359 مسألة وقراءة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة اماما كان أو مأموما أو منفردا، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان بن عيينة ثنا الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (1) * فان قيل: فمن أين أوجبتموها فرضا في كل ركعة * قلنا: لما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله هو ابن عمر ثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة، فذكر حديث الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة، فأخبره أنه لا يحسن غير ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (2) فوجب بهذا الامر فرضا أن يفعل في باقي صلاته في كل ركعة مثل هذا * 360 مسألة ولا يجوز للمأموم أن يقرأ خلف الامام شيئا غير أم القرآن * لما حدثنا حمام ثنا عبد الله بن محمد بن علي الباجي ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أحمد ابن سلم ثنا أبو ثور إبراهيم بن خالد ثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود ابن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فلما انصرف قال: تقرؤن خلفي؟ قلنا: نعم يا رسول الله هذا، قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة الا بها) *
(1) في البخاري (ج 1 ص 302) بلفظ (بفاتحة الكتاب) فلعل المؤلف رواه من حفظه بالمعنى أو عنده رواية أخرى من صحيح البخاري وهو بعيد فيما أرى (2) في البخاري (ج 1 ص 314 و 315) * 236 وممن قال بايجاب أم القرآن كما ذكرنا جماعة من السلف * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سليمان الشيباني عن جواب (1) عن يزيد ابن شريك أنه قال لعمر بن الخطاب: أقرأ خلف الامام؟ قال له عمر: نعم، قال: وان قرأت يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم وإن قرأت * وعن الحجاج بن المنهال حدثنا أبو عوانة. عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن عباية بن رداد (2) عن عمر بن الخطاب قال: لا تجوز ولا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشئ معها، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كنت خلف امام أو بين يدي إمام؟ قال: اقرأ في نفسك * وعن أبي عوانة عن سليمان عن خيثمة (3) عن عمر قال: لا تجزئ صلاة أو لا تجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب * ومن طريق وكيع عن عبد الله بن عون عن رجاء بن حياة عن محمود بن الربيع قال: صليت صلاة والى جنبي عبادة بن الصامت فقرأ فاتحة الكتاب فلما انصرف قلت: أبا الوليد، ألم أسمعك قرأت فاتحة الكتاب؟ قال أجل إنه لا صلاة الا بها * وعن وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن العيزار (4) بن حريث عن ابن عباس قال: اقرأ خلف الامام فاتحة الكتاب * وعن عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان عن ليث عن عطاء عن ابن عباس قال: لابد أن يقرأ خلف الامام فاتحة الكتاب، جهر أو لم يجهر * وعن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني نافع: أن ابن عمر لم يكن يدع أن يقرأ أم القرآن
(1) جواب، بفتح الجيم وتشديد الواو وآخره باء موحدة، وهو ابن عبيد الله التيمي الكوفي. وفى الأصل (عن جواب بن يريد بن شريك) وهو خطأ بل يزيد شيخ جواب لا أبوه (2) في أحد الأصلين (عباد بن رداد) وفى الآخر (بن يرداد) وكلاهما خطأ والصواب (عباية بن رداد) بفتح الراء وتشديد الدال المهملة وآخره دال مهملة أيضا. وأثره هذا رواه ابن سعد في الطبقات (ج 6 ص 101) من طريق شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر (3) (خيثمة هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة وروايته عن عمر مرسلة، وهو من صغار التابعين (4) العيزار بفتح العين المهملة واسكان الياء المثناة وبعدها زاي وآخره راء * 237 في كل ركعة من المكتوبة. وعن غيرهم أيضا * وعن أبي هريرة: أقرأ بها في نفسك * وعن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: اقرأ بأم القرآن في كل ركعة، أو يقول في كل صلاة * وعن عروة بن الزبير أيضا * وعن معاذ (1) عن عبد الله بن عون عن رجاء بن حياة أنه كأن يقول: إن كان خلف الامام فجهر أو لم يجهر فلا بد من قراءة فاتحة الكتاب * وعن حجاج بن المنهال ثنا أبو هلال الراسبي (2) قال: سأل جار لنا الحسن، قال: أكون خلف الامام يوم الجمعة فلا أسمع قراءته؟ قال: اقرأ بفاتحة الكتاب: قال له الرجل: وسورة؟ قال: يكفيك ذلك الامام * وعن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: للامام سكتتان فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب، حين يكبر الامام إذا دخل في الصلاة، وحين يقول (ولا الضالين) والروايات ههنا تكثر جدا * وقال أبو حنيفة: ليس قراءة أم القرآن فرضا، وان قرأ الامام والمنفرد مثل آية الدين ونحوها ولم يقرأ أم الكتاب أجزأه والقراءة عنده فرض في ركعتين من الصلاة فقط إما الأوليين أو الأخريين، وإما واحدة في الأوليين وواحدة من الأخريين، ولا يقرأ المأموم شيئا أصلا، أجهر الامام أو أسر * وقال مالك: قراءة أم القرآن فرض في جمهور الصلاة على الامام والمنفرد، فان تركاه في ركعة. فقد اختلف قوله، فمرة رأى أن يلغى الركعة ويأتي بأخرى، ومرة رأى أن يجزئ عنه سجود السهو. وأجاز للمأموم ان يقرأ خلف الامام أم القرآن وسورة إذا أسر الامام في الأوليين من الظهر والعصر، وبأم القرآن وحدها في كل ركعة يسر فيها من كل صلاة. واختار له ذلك، ولم ير له ان يقرأ شيئا في كل ركة يجهر فيها الامام *
(1) معاذ هو أبو المثنى معاذ بن معاذ بن نصر التميمي. وشيخه هو أبو عون عبد الله بن عون ابن ارطبان المزني مات سنة 151 (2) هو محمد بن سليم البصري نزل في بنى راسبة فنسب إليهم. وهو لا بأس به وفيه ضعف مات سنة 165 * 238 وقال الشافعي في آخر قوليه (1) كقولنا، وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد واختلف أصحابنا، فقالت طائفة: فرض على المأموم ان يقرأ أم القرآن في كل ركعة أسر الامام أو جهر وقالت طائفة: هذا فرض عليه فيما أسر فيه الامام خاصة، ولا يقرأ فيما جهر فيه الامام. ولم يختلفوا في وجوب قراءة أم القرآن فرضا في كل ركعة على الامام والمنفرد * قال علي: احتج من لم ير أم القرآن فرضا بقول الله تعالى (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) وبتعليم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للذي أمره بالإعادة فقال له (اقرأ ما تيسر معك من القرآن * قال علي: حديث عبادة يبين هذا الخبر الآخر، وأن المراد بايجاب قراءته ما تيسر من القرآن هو أم القرآن فقط. وكأن من غلب حديث عبادة قد أخذ بالآية وبالاخبار كلها، لان أم القرآن مما تيسر من القرآن. وكأن من غلب قوله عليه السلام (فاقرأ ما تيسر معك من القرآن) قد خالف حديث عبادة، وأجاز صلاة أبطلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا لا يجوز، لا سيما تقسيم أبي حنيفة بين اجازته قراءة آية طويلة أو ثلاث آيات ومنعه مما دونها، فهذا قول ما حفظ عن أحد قبله، ولا على صحته دليل، وهو خلاف للقرآن ولجميع الآثار. وله قول آخر: ان ما قرأ من القرآن أجزأه * واحتج من رأى أن لا يقرأ المأموم خلف الامام الجاهر بقول الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * قال علي: وتمام الآية حجة عليهم، لان الله قال (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) * قال علي: فإن كان أول الآية في الصلاة فآخرها في الصلاة، وإن كان آخرها ليس في الصلاة فأولها ليس في الصلاة، وليس فيها الا الامر بالذكر سرا وترك الجهر فقط، وهكذا نقول * وذكروا حديث ابن أكيمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (مالي أنازع (2) القرآن) وفيه من قول الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله تعالى
(1) في نسخة (في أحد قوليه) (2) أي أجاذب في قراءته * 239 عليه وسلم من القراءة * وهذا حديث انفرد به ابن أكيمة (1)، وقالوا: هو مجهول، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة لان الاخبار واجب ان يضم بعضها إلى بعض، وحرام ان يضرب بعضها ببعض، لان كل ما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فهو كله حق يصدق بعضه بعضا، ولا يخالف بعضه بعضا. فالواجب ان يؤخذ. كلامه عليه السلام كله بظاهره كما هو، كما قاله عليه السلام، لا يزاد فيه شئ ولا ينقص منه شئ، فلا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ولا ينازع القرآن وهذا نص قولنا ولله الحمد، وما عدا هذا فزيادة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقصان منه * وذكروا أيضا حديثا صحيحا من طريق ابن عجلان، فيه: (إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون) * فهذا أول من ينبغي أن يستغفر الله تعالى عند ذكره من مخالفة هذا الحديث الحنفيون والمالكيون، لأنهم مخالفون لأكثر ما فيه، فإنهم يرون التكبير إثر تكبير الامام لا معه للاحرام خاصة، ثم يرون سائر التكبير والرفع والخفض مع الامام لا قبله ولا بعده، وهذا خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وفيه (إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا) فخالفوه إلى خبر كاذب لا يصح، والى ظن غير موجود، فمن العجب أن يحتجوا بقضية واحدة من قضاياه لا حجة لهم فيها ويتركون سائر قضاياه التي لا يحل خلافها! * قال علي: وأما نحن فإنه عندنا صحيح، وبه كله نأخذ، لان تأليف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وضم بعضه إلى بعض والاخذ بجميعه: فرض لا يحل سواه. وقد قال عليه السلام: (إذا قرأ الامام فأنصتوا) و (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)
(1) ابن أكيمة الليثي مختلف في اسمه وقيل اسمه عمارة. وهو تابعي ثقة. وحديثه رواه مالك في الموطأ (ص 29 - و 30) عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة. ورواه أبو داود (ج 1 ص 305) والترمذي (ج 1 ص 64) والنسائي (ج 1 ص 146) كلهم من طريق مالك، وحسنه الترمذي. وانظر الكلام عليه في شرح أبى داود وفى نيل الأوطار (ج 2 ص 238) * 240 فلا بد في جميع (1) هذه الأوامر من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون وجه ذلك أن يقول: إذا قرأ فأنصتوا إلا عن أم القرآن كما قلنا نحن، وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن إلا إن قرأ الامام كما يقول بعض القائلين، وإما أن يكون وجه ذلك أن يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن إلا أن يجهر الامام كما يقول آخرون * قال علي: فإذ لابد من لاحد هذه الوجوه، فليس بعضها أولى من بعض إلا ببرهان، وأما بدعوى فلا. فنظرنا في ذلك فوجدنا الحديث الذي قد ذكرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انصرف من صلاة الفجر وهي صلاة جهر فقال: (أتقرأون خلفي؟ قالوا: نعم، هذا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة إلا بها) فكان هذا كافيا في تأليف أوامره عليه السلام، لا يسع أحدا الخروج عنه * وقدموه قوم بأن قالوا: هذا خبر من رواية ابن إسحاق، ورواه مكحول مرة عن محمود بن الربيع عن عبادة، ومرة عن نافع بن محمود بن الربيع عن عبادة * قال علي: وهذا ليس بشئ، لان محمد بن إسحاق أحد الأئمة، وثقة الزهري، وفضله على من بالمدينة في عصره، وشعبة، وسفيان، وسفيان (2) وحماد، وحماد (3) ويزيد ويزيد (4) وإبراهيم بن سعد وعبد الله بن المبارك وغيرهم، قال فيه شعبة: محمد بن إسحاق أمير المحدثين هو أمير المؤمنين في الحديث (5). والعجب أن الطاعنين عليه ههنا هم الذين احتجوا بروايته التي لم يروها غيره في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبى العاصي بالنكاح الأول بعد اسلامه! فإذا روى ما يظنون أنه يوافق تقليدهم صار ثقة وصار حديثه حجة، وإذا روى ما يخالفهم صار مجرحا! وحسبنا الله ونعم الوكيل * وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود ومرة عن نافع بن محمود فهذا قوة للحديث
(1) في الأصلين (فلا بد من جميع) وهو خطأ فيما نرى (2) سفيان الثوري، وسفيان ابن عيينة (3) حماد بن زيد وحماد بن سلمة (4) لعله يريد بهما يزيد بن زريع ويزيد بن هارون وهما ممن روى عن ابن إسحاق (5) الحق ان ابن إسحاق امام ثقة جليل وطعن مالك فيه غير مقبول. وانظر احتجاج البخاري به وذبه عنه في كتابه (القراءة خلف الإمام ص 13 - و 14) * 241 لا وهن، لان كليهما ثقة، وحتى لو لم يأت هذا الخبر لما وجب بقوله عليه السلام (إذا قرأ فأنصتوا) إلا ترك القراءة حين قراءته، ويبقى وجوب قراءتها في سكتات الامام فكيف وهذه اللفظة يعنى (إذا قرأ فأنصتوا) قد أنكرها كثير من أئمة الحديث وقالوا: إن محمد بن غيلان أخطأ في إيرادها، وليست من الحديث، قال ذلك ابن معين وغيره * قال علي: وأما نحن فلا نقول فيما رواه الثقة إنه خطأ إلا ببرهان واضح لكن وجه العمل هو ما أردنا. وبالله تعالى التوفيق * قال علي: وقال بعضهم: معنى قوله عليه السلام (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) إنما معناه لا صلاة كاملة، كما جاء (لا ايمان لمن لا أمانة له) * قال علي: وهذا لا متعلق لهم به، لأنه إذا لم تتم صلاة أو لم تكمل فلا صلاة له أصلا، إذ بعض الصلاة لا ينوب عن جميعها، وكذلك من لا أمانة له، فالأمانة هي الشريعة كلها، قال الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا): فنعم من لا أمانة له فلا إيمان له، ومن لا شريعة له فلا دين له، هذا ظاهر اللفظين الذي لا يحل صرفهما عنه! * وقد أقدم آخرون فقالوا. معنى قوله عليه السلام (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) إنما هو على التغليظ * قال علي: وهذا تكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد ومن كذبه عليه السلام فقد كفر، ولا أعظم من كفر من يقول إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غلظ بهذا القول وليس هو حقا * قال علي: وقد جاءت أحاديث ساقطة كلها فيها (من كان له امام فان قراءة الإمام له قراءة) وفي بعضها (ما أرى الامام إلا قد كفاه) وكلها اما مرسل، واما من رواية جابر الجعفي الكذاب، واما عن مجهول ولو صحت كلها لكان قوله عليه السلام: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) كافيا في تأليف جميعها * فان ذكر ذاكر حديثا رويناه من طريق البزار عن محمد بن بشار عن أبي عامر العقدي ثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعد (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ في صلاتنا بأم القرآن وما تيسر) فإنه عليه السلام لم يقل وما تيسر من القرآن، فإذا لم يقله فهو محمول على سائر
242 الذكر، وهكذا نقول بوجوب الذكر في الركوع والسجود ووجوب التكبير * على أننا روينا عن عمران بن الحصين وعثمان بن أبي العاصي: لا تتم صلاة الا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات فصاعدا * وعن شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن عباية بن رداد سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا تجزئ صلاة الا بآيتين مع أم القرآن فان كنت خلف امام فأقرأ في نفسك (1) * وقد روينا خلاف هذا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب قال وقد صلى المغرب بالناس ولم يقرأ شيئا: أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قالوا: بلى، فلم يعد الصلاة * ومن طريق الحارث عن علي: أن رجلا جاء فقال: إني صليت ولم اقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال له نعم، قال له على: تمت صلاتك، ما كل أحد يحسن أن يقرأ * قال علي بن أحمد: لا حجة في قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم * 361 مسألة فمن دخل خلف امام فبدأ بقراءة أم القرآن فركع الامام قبل ان يتم هذا الداخل أم القرآن فلا يركع حتى يتمها * برهان ذلك ما ذكرناه من وجوب قراءة أم القرآن في كل ركعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت) وسنذكره باسناده في باب وجوب ان لا يرفع المأموم رأسه قبل امامه. ولا معه إن شاء الله تعالى * 362 مسألة فان جاء والامام راكع فليركع معه ولا يعتد بتلك الركعة، لأنه لم يدرك القيام ولا القراءة ولكن يقضيها إذا سلم الامام. فان خاف جاهلا فليتأن حتى يرفع الامام رأسه من الركوع فيكبر حينئذ * وقال قائلون: ان أدرك الركعة مع الامام اعتد بها. واحتجوا بآثار ثابتة، إلا أنهم لا حجة لهم في شئ منها، وهي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة) وقوله عليه السلام (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك السجدة) ومنها حديث أبي بكرة (انه جاء والقوم ركوع، فركع ثم مشى إلى الصف، فلما قضى رسول الله
(1) مر هذا الأثر قريبا * 243 صلى الله عليه وسلم صلاته قال: أيكم الذي ركع ثم جاء إلى الصف؟ فقال أبو بكرة. أنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم. زادك الله حرصا ولا تعد) * قال علي: أما قوله عليه الصلاة والسلام (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة) فحق، وهو حجة عليهم، لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة، هذا ما لا خلاف فيه من أحد، وليس في الخبر انه ان أدرك الركوع فقد أدرك الوقفة * وكذلك قوله عليه السلام (من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة) حق لا شك فيه، ولم يقل انه ان أدرك الركعة فقد أدرك الوقفة التي قبل الركوع، فلا يجوز لاحد ان يقحم في كلامه صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه، فيقول عليه ما لم يقل * وأما حديث أبي بكرة فلا حجة لهم فيه أصلا، لأنه ليس فيه انه اجتزأ بتلك الركعة، وأنه لم يقضها، فسقط تعلقهم به جملة ولله الحمد * فإذ قد سقط كل ما تعلقوا به من الآثار فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ائتوا الصلاة وعليكم السكينة، فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم (1) وصح عنه أيضا عليه السلام: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) * وبيقين يدري كل ذي حس سليم ان من أدرك الامام في أول الركعة الثانية: فقد فاتته الأولى كلها، وان من أدرك سجدة من الأولى فقد فاتته وقفة وركوع ورفع وسجدة وجلوس وان من أدرك الجلسة بين السجدتين فقد فاته الوقفة والركوع والرفع وسجدة، وان من أدرك الرفع فقد فاتته الوقفة والركوع، وان من أدرك السجدتين فقد فاتته الوقفة والركوع وان من أدرك الركوع فقد فاتته الوقفة وقراءة أم القرآن، وكلاهما فرض لا تتم الصلاة الا به * وهو مأمور بنص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء ما سبقه واتمام ما فاته، فلا يجوز تخصيص شئ من ذلك بغير نص آخر، ولا سبيل إلى وجوده * والقوم أصحاب قياس بزعمهم، فكيف وقع لهم التفريق بين فوت ادراك الوقفة وبين فوت ادراك الركوع والوقفة، فلم يروا على أحدهما قضاء ما سبقه، ورأوه على الآخر؟! فلا القياس
(1) رواه أبو داود (ج 1 ص 224) * 244 طردوا، ولا النصوص اتبعوا! وقد أقدم بعضهم على دعوى الاجماع على قولهم، وهو كاذب في ذلك * لأنه قد روى من طريق يحيى بن سعيد القطان عن ابن عجلان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة: إذا أتيت القوم وهم ركوع فلا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف * وروى عنه أيضا ان لا يعتد بالركعة حتى يقرأ بأم القرآن * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن زيد بن وهب قال: دخلت أنا وابن مسعود المسجد والامام راكع فركعنا ثم مضينا حتى استوينا بالصف، فلما فرغ الامام قمت أقضى، فقال ابن مسعود: قد أدركته * قال علي: فهذا إيجاب القضاء عن زيد بن وهب وهو صاحب من الصحابة (1) * فان قيل: فلم ير ابن مسعود ذلك؟ قلنا: نعم، فكان ماذا؟ فإذا تنازع الصاحبان فالواجب الرجوع إلى ما قال الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يحل الرد إلى سوى ذلك، فليس قول ابن مسعود حجة على زيد، ولا قول زيد حجة على ابن مسعود، لكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحجة عليهما وعلى غيرهما من كل إنس وجن، وليس في هذا الخبر رجوع زيد إلى قول ابن مسعود، ولو رجع لما كان في رجوعه حجة. والخلاف لابن مسعود منه قد حصل * وروينا من طريق الحجاج بن المنهال حدثنا الربيع بن حبيب قال سمعت محمد ابن سيرين يقول: إذا انتهيت إلى القوم وهم في الصلاة فأدركت تكبيرة تدخل بها في الصلاة وتكبيرة الركوع فقد أدركت تلك الركعة والا فاركع معهم واسجد ولا تحتسب بها. *
(1) أخطأ في هذا ابن حزم، فزيد بن وهب الجهني أبو سليمان تابعي رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وهو في الطريق كما روى عنه أبو نعيم والبخاري في التاريخ، فليس صحابيا اذن. قال ابن حجر في الإصابة (ج 3 ص 47). (واغرب ابن حزم في المحلى فذكر في صفة الصلاة من المحلى بعد ان ذكر رواية منصور عن زيد بن وهب قال. دخلت انا وابن مسعود المسجد، فذكر قصته، قال ابن حزم. زيد بن وهب صاحب من الصحابة فان خالفه ابن مسعود لم يبق في واحد منهما حجة) * 245 قال علي: وروينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال كلاما معناه: من ادعى الاجماع فقد كذب، وما يدريه والناس قد اختلفوا! هذه أخبار الأصم وبشر المريسي * قال علي: صدق أحمد رضي الله عنه، من ادعى الاجماع فيما لا يقين عنده بأنه قول جميع أهل الاسلام بلا شك في أحد منهم: فقد كذب على الأمة كلها، وقطع بظنه عليهم، وقد قال عليه السلام (الظن أكذب الحديث) * فان قيل: إن قول ابن مسعود هذا لا يقال مثله بالرأي * قيل لهم: فهلا قلتم هذا فيما رويناه آنفا في الباب الذي قبل هذا عن عمر رضي الله عنه: لا صلاة إلا بأم القرآن وآيتين معها؟! ولكن التحكم سهل على من لم يعد كلامه من عمله * فان قيل: هذا قول الجمهور * قلنا: ما أمر الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم باتباع الجمهور، لا في آية ولا في خبر صحيح، وأما الموضوعات فسهل وجودها كل حين على من استحلها * فان قيل: إنه يكبر قائم ثم يركع، فقد صار مدركا للوقوف * قلنا: وهذه معصية أخرى، وما أمره الله قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ان يدخل في الصلاة في غير الحال التي يجد الامام عليها، وأيضا: فلا يجزئ قضاء شئ سبق به من الصلاة الا بعد سلام الامام، لا قبل ذلك * قال علي: وهنا أقوال: نذكر منها طرفا ليلوح كذب من ادعى الاجماع في ذلك * روينا من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطأة عن عبد الله بن يزيد النخعي عن زيد بن أحمد (1) عن ابن مسعود قال. إذا ركع أحدكم فمشى إلى الصف فان دخل في الصف قبل ان يرفعوا رؤسهم فإنه يعتد بها، وان رفعوا رؤسهم قبل ان يصلى إلى الصف فلا يعتد بها. قال الحجاج. والعمل على هذا * وعن حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع مولى ابن عمر قال. كان ابن عمر إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد أخرى ولا يعتد بها. قال أيوب. ودخلت
(1) كذا في الأصل وانا أرجح جدا انه خطأ وان صوابه (زيد بن وهب) وانه هو الأثر الذي مضى قريبا وزعم فيه المؤلف ان زيد بن وهب صحابي. ولم أجد في الرجال من اسمه (زيد بن أحمد) 246 مع أبي قلابة المسجد وقد سجدوا سجدة فسجدنا معهم الأخرى، فلما رفعوا رؤسهم سجدتا الأخرى، فلما قضى أبو قلابة الصلاة سجد سجدتي الوهم. * وعن حماد بن سلمة عن داود هو ابن أبي هند عن الشعبي قال: إذا انتهى إلى الصف الآخر ولم يرفعوا رؤسهم وقد رفع الامام رأسه فإنه يركع وقد أدرك، لان الصف الذي فيه هو إمامه، وإن جاء والقوم سجود فإنه يسجد معهم ولا يعتد بها * وبه إلى داود بن أبي هند عن أبي العالية قال: إذا جاء وهم وسجود سجد معهم، فإذا سلم الامام قام فركع ركعة ولا يسجد ويعتد بها * وبه إلى حماد عن قتادة وحميد وأصحاب الحسن. إذا وضع يديه على ركبتيه قبل ان يرفع الامام رأسه فقد أدرك، وان رفع الامام رأسه قبل ان يضع يديه فإنه لا يعتد بها. قال حماد. وأكثر ظني انه عن الحسن * وقال ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وزفر. إذا كبر قبل ان يرفع الامام رأسه فقد أدرك، وليركع بعد ان يرفع الامام رأسه * 363 مسألة وفرض على كل مصل أن يقول إذا قرأ (1) (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لا بد له في كل ركعة من ذلك، لقول الله تعالى. (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * وقال أبو حنيفة والشافعي. يتعوذ قبل ابتدائه بالقراءة في كل ركعة، ولم يريا ذلك فرضا * وقال مالك. لا يتعوذ في شئ من الفريضة ولا التطوع الا في صلاة القيام في رمضان، فإنه يبدأ في أول ليلة بالتعوذ فقط ثم لا يعود * قال علي. وهذه قولة لا دليل على صحتها، لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة، ولا أثر البتة، ولا من دليل اجماع، ولا من قول صاحب، ولا من قياس. ولا من رأى له وجه. فان أقدم مقدم على ادعاء عمل في ذلك لم يكن أولى من آخر ادعى العمل على خلافه * واما قول أبي حنيفة والشافعي. ان التعوذ ليس فرضا. فخطأ لان الله تعالى يقول. (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ومن الخطأ ان يأمر الله تعالى بأمر ثم يقول قائل بغير برهان من قرآن ولا سنة: هذا الامر ليس فرضا، لا سيما أمره
(1) في بعض النسخ (وفرض على كل مصل إذا قرأ أن يقول) * 247 تعالى بالدعاء في أن يعيذنا من كيد الشيطان، فهذا أمر متيقن، انه فرض، لان اجتناب الشيطان والفرار منه وطلب النجاة منه لا يختلف اثنان في أنه فرض، ثم وضع الله تعالى ذلك علينا عند قراءة القرآن * وقال بعضهم: لو كان التعوذ، فرضا للزم كل من حكى عن أحد أنه ذكر آية من القرآن أن يتعوذ ولا بد. * قال علي: وهذا عليهم لا لهم، لأنهم متفقون على استحباب التعوذ عند قراءة القرآن، ولا يرون التعوذ عند حكاية المرء قول غيره، فصح أن التعوذ الذي اختلفنا فيه فأوجبناه نحن ولم يوجبوه هم إنما هو عند قراءة القرآن، كما جاء في النص، لا عند حكاية لا يقصد بها المرء قراءة القرآن. * قال علي: فلم يبق الا قول من أوجب التعوذ فرضا في قراءة القرآن في الصلاة وغير الصلاة، على عموم الآية المذكورة * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي (1) عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه (2) قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الصلاة قال: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، ثلاثا، الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزة ونفخه ونفثه) * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سعيد الجريري ثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاصي الثقفي (3) قال: (قلت يا رسول الله، حال الشيطان بيني وبين قراءتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك
(1) بفتح العين المهملة والنون وكسر الزاي. وفى بعض نسخ الأصل (العبدي) وهو تصحيف (2) في الأصل (عن ابن جبير بن مطعم عن نافع بن جبير عن أبيه) وهو خطأ وابن جبير هو نافع نفسه وصححنا الاسناد من أبى داود (ج 1 ص 279) (3) من أول قوله (الثقفي) مخروم من النسخة رقم 45 إلى قبيل المسألة (373) * 248 شيطان يقال له خنزب، فإذا حسسته فتعوذ (1) واتفل عن يسارك ثلاثا) (2) * وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال قال عمر بن الخطاب: يخفى الامام أربعا: التعوذ وبسم الله الرحمن الرحيم: وآمين: وربنا لك الحمد. * وعن أبي حمزة (3) عن إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود كلاهما عن عبد الله بن مسعود قال: يخفى الامام ثلاثا: الاستعاذة: وبسم الله الرحمن الرحيم: وآمين. * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لنافع مولى ابن عمر: هل تدرى كيف كان ابن عمر يستعيذ؟ قال: كأن يقول، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم،. * وعن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: خمس يخفين: سبحانك اللهم وبحمدك: والتعوذ: وبسم الله الرحمن الرحيم: وآمين: واللهم ربنا ولك الحمد، * وعن هشام بن حسان عن الحسن البصري: انه كان يستعيذ في الصلاة مرة حين يستفتح صلاته حين يقرأ أم الكتاب يقول، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وكان ابن سيرين يستعيذ في كل ركعة * وعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه: انه كان يستعيذ قبل ان يقرأ أم القرآن *
(1) في الأصل (تعوذ) بدون الفاء وهو خطأ (2) الحديث رواه أحمد في مسنده (ج 4 ص 216) (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير أن عثمان قال: يا رسول الله، حال الشيطان بيني وبين صلاتي وبين قراءتي قال ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا، قال ففعلت ذاك فاذهبه الله عز وجل عنى. حدثنا عبد الرزاق انا سفيان عن سعيد الجريري عن يزيد بن عبد الله ابن الشخير عن عثمان بن أبي العاص الثقفي قال: قلت: يا رسول الله حال الشيطان، فذكر معناه)، ورواه مسلم في صحيحه (ج 2 ص 183 و 184) من طريق عبد الرزاق وغيره، وفيه (فإذا أحسسته) بزيادة الهمزة. واما (خنزب) اسم الشيطان فقد قال النووي (بخاء معجمة مكسورة ثم نون ساكنة ثم زاي مكسورة ومفتوحة، ويقال أيضا بفتح الخاء والزاي، حكاه القاضي، ويقال أيضا بضم الخاء وفتح الزاي حكاه ابن الأثير في النهاية وهو غريب) (3) هو أبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي وهو ضعيف متروك الحديث * 249 ومن طريق معمر عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين: أنه كان يتعوذ من الشيطان في الصلاة قبل أن يقرأ أم القرآن وبعد أن يقرأ أم القرآن * وعن ابن جريج عن عطاء قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة وغيرها (1) ويجزئ عنك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال ابن جريج: فقلت له: من اجل (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)؟ قال: نعم. * وبالتعوذ في الصلاة يقول سفيان الثوري والأوزاعي وداود وغيرهم. * قال علي: هؤلاء جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لا نعلم لهم مخالفا منهم، وهم يشنعون بمثل هذا إذا وافق تقليدهم * قال علي: ومن قال يقول ابن سيرين وأخذ به فيرى التعوذ سنة قبل افتتاح القراءة، لأنه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقل القراء جيلا بعد جيل، وفرضا بعد أن يقرأ ما يقع عليه اسم قرآن، ولو أنه كلمتان، على نص الآية، لأنها توجب التعوذ بعد القراءة بظاهرها، وأما من تعذرت عليه القراءة ففرض عليه التعوذ حين ذلك بالخبر المذكور، ثم إذا قرأ شيئا من القرآن * قال علي: الا أنه قد صح اجماع جميع قراء أهل الاسلام جيلا بعد جيل على الابتداء بالتعوذ متصلا بالقراءة قبل الاخذ في القراءة. مبلغا الينا من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا قاض على كل ذلك، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (إذا توضأ أحدكم فليستنثر) وصح أنه عليه السلام استنثر في أول وضوئه. وبالله تعالى التوفيق * 364 مسألة فمن نسي التعوذ أو شيئا من أم القرآن حتى ركع أعاد متى ذكر فيها وسجد للسهو، إن كان اماما أو فذا فإن كان مأموما ألغى ما قد نسي إلى أن ذكر، وإذا أتم الامام قام يقضى ما كان الغى ثم سجد للسهو، ولقد ذكرنا برهان ذلك فيمن نسي فرضا في صلاته فإنه يعيد ما لم يصل كما أمر، ويعيد ما صلى كما امر. وبالله تعالى التوفيق * 365 مسألة ومن كان لا يحفظ أم القرآن صلى وقرأ ما أمكنه من القرآن إن كان
(1) في الأصل (لكل قراءة في الأرض في الصلاة وغيرها) وزيادة قوله (في الأرض) لا معنى لها فحذفناها واستأنسنا بلفظ لبلثر في الدر المنثور (ج 4 ص 130) ونصه (اخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر عن عطاء قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها من أجل قوله: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * 250 يعلمه لاحد في ذلك، وأجزأه، وليسع في تعلم أم القرآن فان عرف بعضها ولم يعرف البعض قرأ ما عرف منها فأجزأه، وليسع في تعلم الباقي، فإن لم يحفظ شيئا من القرآن صلى كما هو: يقوم ويذكر الله كما يحسن بلغته ويركع ويسجد حتى يتم صلاته، ويجزيه، وليسع في تعلم أم القرآن * وقال بعض القائلين: يقرأ مقدار سبع آيات من القران، أو يذكر الله تعالى مقدار سبع آيات * قال علي: وقصد بذلك قصد التعويض من أم القرآن، والتعويض من الشرائع باطل، إلا أن يوجبه قرآن أو سنة، ولا قرآن ولا سنة فيما ادعى، ولو كان قياس هذا القائل صحيحا لوجب أن لا يجزئ من عليه يوم من رمضان الا يوم بطول اليوم الذي أفطره، وهذا باطل * وبرهان صحة قولنا قول الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها): وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فصح انه يسقط عنه ما عجز عنه، ويلزمه ما استطاع عليه (1)، وقال تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) وعلم رسول الله صلى الله تعالى وسلم المصلى فقال له: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) وقد ذكرناه باسناده: فمن عجز عن أم القرآن وقدر على غيرها من القرآن سقطت عنه، ولزمه ما تيسر له من القرآن ويجزئ من ذلك ما وقع عليه اسم قرآن من كلمتين معروف أنهما من القرآن فصاعدا وان وجد هذا المعنى في كلمة واحدة أجزأته، لان عموم (ما تيسر) يدخل فيه كل ذلك. وبالله تعالى التوفيق * 366 مسألة ومن كان يقرأ برواية من عد من القراء (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من القرآن لم تجزه الصلاة الا بالبسملة، وهم عاصم بن أبي النجود: وحمزة: والكسائي وعبد الله بن كثير وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من أم القرآن فهو مخير بين ان يبسمل وبين ان لا يبسمل، وهم ابن عامر وأبو عمرو (2) ويعقوب، وفي بعض الروايات عن نافع (3) *
(1) كذا في الأصل (استطاع) بعلى ولم أجد ما يؤيده (2) في الأصل (أبو عمر) وهو خطأ (3) هكذا أطلق المؤلف الرواية في قراءة البسملة عن القراء، وهو خطأ، فان الذين قرؤا منهم بترك البسملة إنما قرؤا بذلك عند الوصل فقط أي إذا وصل القارئ سورة بالتي قبلها. على أن كل من روى عنه تركها منهم روى عنه اثباتها، ولم يرد عن واحد منهم حذفها رواية واحدة قط، ثم إن هذا الخلاف بينهم إنما هو في غير الفاتحة، قال امام القراء أبو الخير بن الجزري في كتاب النشر في القراءات العشر (ج 1 ص 262): (ان كلا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدأ سورة من السور بسمل بلا خلاف عن أحد منهم الا إذا ابتدأ براءة) ثم قال: (لم يكن بينهم خلاف في اثبات البسملة أول الفاتحة سواء وصلت بسورة الناس قبلها أو أبتدئ بها، لأنها ولو وصلت لفظا فإنها مبتدأ بها حكما ولذلك كان الواصل هنا حالا مرتحلا) والحق ان قراءة من قرأ بحذفها في الوصل قراءة شاذة غير صحيحة وإن كانت من السبعة أو العشرة لان من شرط صحة القراءة موافقة رسم المصحف كما اتفق عليه عامة القراء بغير خلاف بل هو اتفاق جميع العلماء: وما كان الصحابة رضي الله عنهم ليزيدوا في المصاحف مائة وثلاث عشرة بسملة من غير أن تكون أنزلت في المواضع التي كتبت فيها، ولو شككنا في هذا لفتحنا بابا عريضا للملاحدة اللاعبين بالنار، وقد كان الصحابة احرص على كتاب الله من أن يتطرق إليه شك أو وهم، ولذلك جردوا المصاحف من أسماء السور ولم يكتبوا (آمين) وامتنع عمر من كتابة شهادته هو وبعض كبار الصحابة بالرجم خشية ان يتوهم انها زيادة على الكتاب، وصدع بذلك على المنبر. واما من أجاز قراءة الفاتحة في الصلاة بدون بسملة فإنه لا دليل له أصلا، والأحاديث التي استدلوا بها بعضها ضعيف وبعضها لا يدل صراحة على ذلك، ولا تعارض اتفاق القراء من غير خلاف على البسملة في أول الفاتحة مع تأيد هذا برسم المصحف، وهو الحجة الأولى القاطعة لكل نزاع * وقد حققنا هذا الموضع في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي بما لا تجده في كتاب آخر. والحمد لله رب العالمين. 251 وقال مالك: لا يبسمل المصلى الا في صلاة التراويح في أول ليلة من الشهر * وقال الشافعي: لا تجزئ صلاة الا ببسم الله الرحمن الرحيم * قال علي: وأكثروا من الاحتجاج بما لا يصح من الآثار، مما لا حجة لأي الطائفتين فيه (1) * مثل الرواية عن أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان
(1) في الأصل (بما لا حجة لا من الطائفتين فيه) وهو خطأ وغير مستقيم المعنى * 252 يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا قبلها ولا بعدها وعن أبي هريرة مثل هذا نحو هذا؟ (1) * قال علي: وهذا كله لا حجة فيه لأنه ليس في شئ من هذه الأخبار نهى من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) وإنما فيها: أنه عليه السلام كان لا يقرؤها * وقد عارضت هذه الأخبار أخبار أخر منها ما روينا من طريق أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع ثنا شعبة عن قتادة عن انس قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم:) ورويناه أيضا: (فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم) * فهذا يوجب أنهم كانوا يقرؤنها ويسرون بها، وهذا أيضا الايجاب فيه لقراءتها، وكذلك سائر الأخبار * قال علي: والحق من هذا ان النص قد صح بوجوب قراءة أم القرآن فرضا، ولا يختلف اثنان من أهل الاسلام في أن هذه القراءات حق كلها مقطوع به، مبلغة كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بنقل الملوان (2) فقد وجب إذ كلها حق ان يفعل الانسان في قراءته أي ذلك شاء، وصارت (بسم الله الرحمن الرحيم) في قراءة صحيحة آية من أم القرآن، وفى قراءة صحيحة ليست آية من أم القرآن، مثل لفظة (هو) في قوله تعالى في سورة الحديد (هو الغنى الحميد) وكلفظة (من) في قوله تعالى (من تحتها الأنهار) في سورة براءة على رأس المائة آية، هما من السورتين في قراءة من قرأ بهما وليستا من السورتين في قراءة من لم يقرأ بهما، ومثل هذا في القرآن وارد في ثمانية مواضع، ذكرناها في كتاب القراءات وآيات كثيرة، وسائر ذلك من الحروف يطول ذكرها، كزيادة ميم منها في سورة الكهف (3) وفي (حم عسق): فبما كسبت (4) وهاءات في مواضع كثيرة في (يس) (وما علمناه (5) وفى الزخرف
(1) كذا في الأصل (2) كذا في الأصل ولا معنى له، بل هو خطأ، ولعله يريد (بنقل التواتر) ولئن اراده فهو خطأ أيضا فان في السبعة الشاذ وغيره كما صرح به كثير من الأئمة وانظر فتح الباري (ج 9 ص 18 و 27) والنشر وغيرهما (3) لم اعرف مراده (4) قرأها نافع وابن عمر وأبو جعفر (بما كسبت) بحذف الفاء (5) هكذا قال المؤلف ولم أجد في (وما علمناه) خلافا بين القراء الأربعة عشر * 253 (تشتهيه الأنفس) (1) و (لم يتسنه) (2) وغير ذلك، والقرآن انزل على سبعة أحرف، كلها حق، وهذا كله حق، وهذا كله من تلك الأحرف بصحة الاجماع المتيقن على ذلك وبالله تعالى التوفيق 367 مسألة ومن قرأ أم القرآن أو شيئا منها أو شيئا من القرآن في صلاته مترجما بغير العربية، أو بألفاظ عربية غير الألفاظ التي انزل الله تعالى، عامدا لذلك، أو قدم كلمة أو أخرها عامدا لذلك: بطلت صلاته، وهو فاسق، لان الله تعالى قال: (قرآنا عربيا) وغير العربي ليس عربيا، فليس قرآنا، وإحالة رتبة القرآن تحريف كلام الله تعالى، وقد ذم الله تعالى قوما فعلوا ذلك فقال: (يحرفون الكلم عن مواضعه) * وقال أبو حنيفة: تجزيه صلاته. واحتج له من قلده بقول الله تعالى. (وانه لفي زبر الأولين) * قال علي: لا حجة لهم في هذا، لان القرآن المنزل علينا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم لم ينزل على الأولين، وإنما في زبر الأولين ذكره والاقرار به فقط، ولو أنزل على غيره عليه السلام لما كان آية له، ولا فضيلة له، وهذا لا يقوله مسلم. * ومن كان لا يحسن العربية فليذكر الله تعالى بلغته. لقول الله تعالى. (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ولا يحل له ان يقرأ أم القرآن ولا شيئا من القرآن مترجما على أنه الذي افترض عليه ان يقرأه، لأنه غير الذي افترض عليه كما ذكرنا، فيكون مفتريا على الله تعالى. * 368 مسألة وليس على الامام والمنفرد أن يتعوذا للسورة التي مع أم القرآن لأنهما قد تعوذا إذ قرءا. ومن اتصلت قراءته فقد تعوذ كما امر، ولو لزمه تكرار التعوذ لما كان لذلك غاية الا بدعوى كاذبة، فان قطع القراءة قطع ترك أو أراد (3) أن يبتدئ قراءة في ركعة أخرى تعوذ كما أمر. وبالله تعالى التوفيق. * 369 مسألة والركوع في الصلاة فرض، والطمأنينة في الركوع حتى تعتدل جميع أعضائه ويضع فيه يديه على ركبته: فرض، لا صلاة لمن ترك شيئا من ذلك عامدا.
(1) قرأ نافع وابن عامر وحفص ويعقوب (تشتهيه) باثبات الهاء والباقون بحذفها (2) في سورة البقرة. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف بحذف الهاء وصلا واثباتها وقفا على أنها للسكت وقرأ الباقون باثباتها في الحالين. واعلم أن كل هذا مرجعه إلى اختلاف رسم المصاحف التي أرسلها عثمان إلى البلاد، واما البسملة فلا خلاف في اثباتها في كل المصاحف (3) في الأصل (قطع ترك أراد) بحذف (أو) وهو خطأ من الناسخين * 254 ومن ترك ذلك ناسيا ألغاه وأتم صلاته كما أمر، ثم سجد للسهو. فان عجز عن الطمأنينة والاعتدال لعذر بصلبه أجزأه ما قدر عليه من ذلك، وسقط عنه ما عجز عنه * والتكبير للركوع فرض، وقوله (سبحان ربى العظيم) في الركوع فرض * والقيام اثر الركوع فرض، لمن قدر عليه حتى يعتدل قائما * وقول (سمع الله لمن حمده) عند القيام من الركوع فرض على كل مصل، من إمام أو منفرد أو مأموم لا تجزئ الصلاة إلا به، فإن كان مأموما ففرض عليه أن يقول بعد ذلك (ربنا لك الحمد) أو (ولك الحمد) وليس هذا فرضا على امام ولا فذ. وان قالاه كان حسنا وسنة * وقول المأموم (آمين) إذا قال الامام (ولا الضالين) فرض، وان قاله الامام فهو حسن وسنة * ولا يحل للمأموم أن يركع ولا أن يرفع ولا أن يسجد مع امامه ولا قبله، لكن بعده ولا بد * ومن قرأ القران في ركوعه أو سجوده بطلت صلاته إن تعمد ذلك. فان نسي ألغى تلك المدة من سجوده ثم سجد للسهو * وسجدتان اثر القيام المذكور فرض، والطمأنينة فيهما فرض، والتكبير لكل سجدة منهما فرض وقول (سبحان ربي الأعلى) في كل سجدة فرض * ووضع الجبهة والانف واليدين والركبتين وصدور القدمين على ما هو قائم عليه مما أبيح له التصرف عليه فرض كل ذلك * والجلوس بين السجدتين فرض، والطمأنينة فيه فرض، والتكبير له فرض * لا تجرئ صلاة لاحد بأن يدع من هذا كله عامدا شيئا، فإن لم يأت به ناسيا ألغى ذلك وأتى به كما أمر، ثم سجد للسهو، فان عجز عن شئ منه لجهل أو عذر مانع سقط عنه وتمت صلاته * ولا يجزئ السجود على الجبهة والانف إلا مكشوفين، ويجزئ في سائر الأعضاء مغطاة * ويفعل في كل ركعة من صلاته ما ذكرنا *
255 برهان ذلك: ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد ثنا عبيد الله بن عمر (1) حدثني سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه، وقال له: ارجع (2) فصل فإنك لم تصل، فرجع (3) فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال. ارجع فصل فإنك لم تصل، ثلاثا، قال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز (4) ثنا الحجاج بن المنهال ثنا همام بن يحيى ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع: (كنت جالسا (5) عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل فدخل المسجد فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم (6)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك، ارجع فصله (7) فإنك لم تصل، فرجع (8)، فلما قضى صلاته جاء فسلم، (9) فقال له رسول الله صلى
(1) في البخاري (ج 1 ص 314) منيرية (عن عبيد الله) (2) في البخاري (فرد النبي عليه السلام فقال ارجع) (3) في البخاري بحذف (فرجع) (4) رواه الحاكم في المستدرك (ج 1 ص 241 و 242) عن علي بن حمشاذ العدل عن علي بن عبد العزيز، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (ج 2 ص 345) عن الحاكم باسناده. ورواه أحمد مختصرا (ج 4 ص 340) وانظر شرح ابن داود (ج 1 ص 320 و 322) (5) في المستدرك والبيهقي (أنه كان جالسا) (6) فيهما زيادة (على رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على القوم) (7) فيهما (فصل) بدون الهاء (8) في البيهقي زيادة (فصلى فجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها) (9) في البيهقي زيادة (على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم) * 256 الله عليه وسلم وعليك (1) ارجع فصله فإنك لم تصل، فذكر ذلك مرتين أو ثلاثا، فقال الرجل: لا أدري ما عبت على، (2) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، ويغسل (3) وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده ويمجده، ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيسر، (4) ثم يكبر فيركع فيضع (5) كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، (6) ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويستوي قائما حتى يأخذ كل عضو (7) مأخذه، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد ويمكن جبهته (8) من الأرض حتى تطمئن مفاصلة وتسترخي، (9) ثم يكبر فيرفع رأسه ويستوى قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ، ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك) (10) قال علي: التحميد المذكور والتمجيد المذكور هو قراءة أم القرآن. برهان ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال العبد في صلاته، الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قال، مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا حفص بن عمر ثنا شعبة عن سليمان هو الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود البدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) (11) * قال أبو حنيفة: تجزئ وان لم يقم ظهره في ركوعه وسجوده *
(1) كلمة (وعليك) ليست في البيهقي وأما الحاكم فإنه اختصر التفصيل (2) فيهما (ما أدرى ماعبت على من صلاتي) (3) فيهما (يغسل) بحذف الواو (4) فيهما بحذف (وتيسر) (5) فيهما (ويضع) (6) في المستدرك (ويستوى) وفى البيهقي (فيستوى) وأظن ما هنا أصح (7) هنا يوافق البيهقي. وفى نسخة (كل عظم) وهو يوافق المستدرك (8) في نسخة (وجهه) وما هنا هو الموافق للمستدرك والبيهقي (9) فيهما (ويستوى) (10) الحديث رواه أيضا ابن الجارود في المنتقى (ص 103 و 104) عن محمد بن يحيى عن حجاج بن المنهال (11) رواه أبو داود (ج 1: ص 318) * 257 حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا أحمد بن عمرو بن السرح ويونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين قراءة عليه واللفظ له كلهم عن ابن وهب عن ابن جريج عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت (1) الشعر ولا الثياب: الجبهة والانف واليدين والركبتين والقدمين) * قال أبو حنيفة: إن وضع جبهته في السجود ولم يضع أنفه ولا يديه ولا ركبتيه أجزأه ذلك وكذلك يجزئه أن يضع في السجود أنفه ولا يضع جبهته ولا يديه ولا ركبتيه * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن سعيد القطان ثنا هشام هو الدستوائي عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي (2)، قال لنا أبو موسى الأشعري: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا (3) سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال (4) (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين) يحبكم (5) الله، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فان الامام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فتلك بتلك، وإذا قال (سمع الله لمن حمده) فقولوا ربنا لك الحمد يسمع الله لكم فان الله قال على لسان نبيه (سمع الله لمن حمده) فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فان الامام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، فتلك بتلك) وذكر باقي الحديث (7) * قال علي: من العظائم التي نعوذ بالله عز وجل منها أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل كذا وكذا، وافعلوا كذا وكذا: فيقول قائل بعد
(1) كفت الشئ كفتا إذا ضمه إلى نفسه، يعنى أن لا يضم الشعر ولا الثياب باليدين عند الركوع أو السجود. وفى نسخة (ولا أكف) وهو بمعناه أي لا يمنعهما بل يرسلهما ويتركهما حتى يقعا إلى الأرض فيكون الكل ساجدا. وفى النسائي (ج 1: ص 165) (على سبعة لا أكف) الخ (2) (حطان) بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين، و (الرقاشي) بفتح الراء والقاف المخففة وكسر الشين المعجمة (3) في أبى داود (ج 1: ص 367 و 368) (خطبنا فعلمنا وبين لنا) الخ (4) في أبى داود (قرأ) (5) قال شارح أبى داود: بالحاء المهملة من الحب هكذا في أكثر النسخ وفى بعضها (يجيبكم الله) وهكذا في رواية مسلم اه (6) في أبى داود (اللهم ربنا) (7) اختصره المؤلف من أوله وآخره * 258 أن سمع هذه الأخبار: إن الصلاة تتم دون ذلك، مقلدا لمن أخطأ ممن لم يبلغه الخبر، أو بلغه فتأول غير قاصد لخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم! * وكذلك من الباطل والتلعب بالسنن أن ينص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمور ذكر أن الصلاة لا تتم إلا بها: فيقول قائل من عند نفسه: بعض هذه الأمور هو كذلك، وبعضها ليس كذلك! * فان أقدم كاذب على دعوى الاجماع في شئ من ذلك فقد كذب على جميع الأمة، وادعى ما لا علم له به. ولا يحل لمسلم خلاف اليقين الصادق من أمر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: لظن كاذب افترى فيه الذي ظنه على الأمة كلها، إذ نسب إليها مخالفة أمر الله تعالى * والعجب من قولهم: لا يجزئ تكبير المأموم الا بعد تكبير الامام، ولا يجزئ سلامه إلا بعد سلام الامام: وأما ركوعه ورفعه وسجوده فمع الامام! وهذا تحكم عجيب! وكل ما موهوا به ههنا فهو لازم لهم في التكبير والتسليم * فان قال قائل: قد قال عليه الصلاة والسلام (وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) * قلنا: نعم، وليس في هذا الخبر منع من قول الإمام: ربنا ولك الحمد، ولا منع المأموم من قول: سمع الله لمن حمده. وايجاب هذا مذكور في الخبر الذي أوردناه. ولا سبيل إلى أن توجد جميع الشرائع في خبر واحد، ولا في آية واحدة، ولا في سورة واحدة * حدثنا هشام بن سعيد الخير كتابا إلى قال ثنا عبد الجبار بن أحمد المغربي الطرسوسي ثنا الحسن بن الحسين النجيرمي ثنا جعفر بن محمد بن الحسن بن سعيد الأصبهاني بسيراف ثنا أبو بشر يونس بن حبيب الزبيري (1) ثنا أبو داود الطيالسي ثنا عبد الله بن المبارك عن
(1) بحثت كثيرا عن ترجمة يونس هذا فقد وصفه ابن حجر في التهذيب (ج 4 ص 183) بأنه (الأصبهاني) وابن عابدين في ثبته (ص 128) بأنه (العجلي) والمصنف هنا بأنه (الزبيري) ثم أفادني الأخ العلامة أبو بكر الكتاني فيما كتب إلى من فاس بالمغرب أنه له ترجمة في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ووصفه فيها بأنه (الأصبهاني الماصرى العجلي) وأن الذهبي ذكر وفاته في تذكرة الحفاظ في سنة 267 (ج 2 ص 132) وقد وثقه ابن أبي حاتم. ثم وجدت له ترجمة مطولة في الأنساب للسمعاني (ورقة 502) وفيها أنه ابن بنت حبيب بن الزبير ومنه يعلم صحة نسبته التي هنا (الزبيري) وفى نسخة من الأصل (الزهري) وهو خطأ ظاهر * 259 موسى بن أيوب الغافقي عن عمه إياس بن عامر عن عقبة بن عامر الجهني قال: (لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في الركوع، فلما نزلت (سبح اسم ربك الاعلى) قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم) (1) * قال علي: وبايجاب فرض هذا يقول أحمد بن حنبل وأبو سليمان وغيرهما * فان قيل: قد جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يقول في سجوده (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) وأنه قال عليه السلام ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد ابن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا سفيان عن سليمان بن سحيم (2) عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد (3) بن العباس عن أبيه عن عمه عن عبد الله بن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستارة عن وجهه (4) والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: يا أيها الناس، انه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وإني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه الدعاء (5) فقمن أن يستجاب لكم) * قلنا: نعم، وليس في هذا كله سقوط ما أوجبه عليه السلام في حديث عقبة بن عامر، بل قوله عليه السلام (فعظموا الرب) موافق لقوله (سبحان ربى العظيم) وأما اجتهاد الدعاء في السجود وقول (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) فزيادة خير، وحسنة لمن فعلها مع الذي أمر به من التسبيح * وفرق مالك بين من أسقط تكبيرتين وبين من أسقط ثلاث تكبيرات. وهذا قول بلا دليل أصلا. وقد ذكرنا بطلان قول من فرق بين العمل القليل والكثير في الصلاة برأيه وبينا أنه قول فاسد، لأنه لا كثير إلا وهو قليل بالإضافة إلى ما هو أكثر منه،
(1) الحديث في الطيالسي (ص 135 رقم 1000) (2) بضم السين وفتح الحاء المهملتين (3) في الأصلين (سعيد) وهو خطأ صححناه من أبى داود (ج 1 ص 326 و 327) ومن التهذيب (4) قوله (عن وجهه) ليس في أبى داود (5) في أبى داود (فاجتهدوا في الدعاء) * 260 ولا قليل إلا وهو كثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه، وان العمل الواجب فترك قليله وترك كثيره سواء في مخالفة أمر الله عز وجل، وان العمل المحرم فكثيرة وقليله سواء في ارتكاب المحرم، وان المباح قليله وكثيره مباح، وما عدا هذا فباطل لا خفاء به، إلا أن يأتي نص بالفرق بين المقادير في الاعمال فيوقف عنده * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا سويد بن نصر أنا عبد الله بن المبارك عن مالك بن انس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح (1) الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا كذلك (2)، وقال،، سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد،،) * وروينا أيضا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن مالك باسناده نحوه ومن طريق عبد الله بن أبي أوفي وأبي سعيد الخدري أيضا مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا أبو اليمان أنا شعيب هو ابن أبي حمزة عن الزهري أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن: (أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول،، سمع الله لمن حمده،، ثم يقول،، ربنا ولك الحمد، وذكر الحديث وفيه: ثم يقول أبو هريرة: (والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كانت (3) هذه لصلاته (4) حتى فارق الدنيا) * فهذا آخر عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركه المالكيون برأي لا بخبر أصلا، وما لهم متعلق إلا قوله عليه السلام (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) * قال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، لأنه عليه السلام لم يمنع الامام في هذا الخبر (5)
(1) ماهنا هو الموافق للنسائي (ج 1 ص 162) وفى نسخة (استفتح) (2) في النسائي (رفعهما كذلك أيضا) (3) في البخاري (ج 1 ص 318 منيرية) (إن كانت) بحذف الواو (4) في نسخة (صلاته) وما هنا هو الموافق للبخاري (5) في نسخة (في هذين الخبرين) وهو خطأ * 261 من أن يقول: ربنا ولك الحمد ولا منع المأموم من أن يقول،، سمع الله لمن حمده، فلا حجة في هذا الخبر في قولهما لذلك، ولا في تركهما لقول ذلك، فوجب طلب حكم ذلك من أحاديث أخر. وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن يقول وهو امام، ربنا ولك الحمد، وأنه عمله إلى أن مات. فبطل قول كل من خالف ذلك، وهو أيضا عمل السلف * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا كان إماما قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد كثيرا، ثم يسجد لا يخطئه * وبه إلى ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. أنه سمع أبا هريرة وهو امام للناس في الصلاة يقول، سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد كثيرا، يرفع بذلك صوته ونتابعه معا * وروينا أيضا عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود نحو ذلك * وبالسند المذكور إلى ابن جريج عن عطاء قال: إن كنت مع الامام فقال، سمع الله لمن حمده، فان قلت سمع الله لمن حمده، فحسن، وان لم تقلها فقد أجزأ عنك، وأن تجمعهما مع الامام أحب إلى * قال علي. وهو قول الشافعي * وأما أبو حنيفة فإنه قال: يقول الإمام،، ربنا ولك الحمد،، ولا يقول المأموم، سمع الله لمن حمده،، * قال علي: ففرق بلا دليل، فإن كان تعلق بقوله عليه السلام: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) فقد تناقض، لأنه ليس في هذا الخبر قول الإمام،، ربنا ولك الحمد * فان قال: قد صح أنه عليه السلام كأن يقولها وهو إمام، قلنا: وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم الصلاة. وفيها أن يقال،، سمع الله لمن حمده،، ولم يخص بذلك مأموما من إمام، من منفرد * قال علي: وأما قول،، آمين،، فإنه كما ذكرنا يقوله الامام والمنفرد ندبا وسنة، ويقولها المأموم فرضا ولا بد * حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن
262 علي ثنا مسلم بن الحجاج أنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن الامام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) قال ابن شهاب: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين (1) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا نصر بن علي (هو الجهضمي) ثنا صفوان بن عيسى عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم (2) (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال. آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول * حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن نصر ثنا قاسم بن أصبغ ثنا ابن وضاح ثنا موسى ابن معاوية ثنا وكيع ثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي: (أن بلالا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لا تسبقني بآمين (3) * وبه إلى وكيع: حدثنا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس (4) عن وائل ابن حجر قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ،، ولا الضالين،، فقال،، آمين،، يمد بها صوته (5) * قال علي: فهذه آثار متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كأن يقول،، آمين،، وهو
(1) في صحيح مسلم (ج 1 ص 120) (2) كلمة (عليهم) ليست في أبى داود (ج 1 ص 352) ولا أظنها ثابتة (3) رواه أبو داود (ج 1 ص 353) عن إسحاق بن راهويه عن وكيع عن عاصم عن أبي عثمان عن بلال أنه قال الخ. قال شارحه: (قال الحافظ. رجاله ثقات لكن قيل إن أبا عثمان لم يلق بلالا وقد روى عنه بلفظ. أن بلالا قال، وهو ظاهر الارسال ورجحه الدارقطني وغيره على الموصول) وهذا تعليل غير صحيح فان إسحق بن راهويه امام حافظ، وقد رواه موصولا (عن أبي عثمان عن بلال) وأبو عثمان قديم جدا أدرك الجاهلية وأسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعرف بالتدليس. (4) حجر. بضم الحاء المهملة وإسكان الجيم، وعنبس. بفتح العين المهملة وإسكان النون وفتح الباء الموحدة وحجر يكنى أبا العنبس أيضا (5) رواه أبو داود (ج 1 ص 351) عن محمد بن كثير عن سفيان، ورواه أيضا الترمذي وحسنه وابن ماجة * 263 إمام في الصلاة، يسمعها من وراءه * وهو عمل السلف كما حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أكان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمن من وراءه، حتى أن للمسجد للجة، قال عطاء: وكان أبو هريرة يدخل المسجد وقد قام الامام قبله فيقول ويناديه: لا تسبقني بآمين، قال عطاء: ولقد كنت أسمع الأئمة يقولون هم أنفسهم على اثر أم القرآن،، آمين،، هم ومن وراءهم حتى أن للمسجد للجة * قال علي: اللجة الجلبة * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: أنه كان مؤذنا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين (1) * وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر بن الخطاب قال: يخفى الامام أربعا: (التعوذ) و (بسم الله الرحمن الرحيم) و (آمين) و (ربنا لك الحمد) * وعن علقمة والأسود كليهما عن ابن مسعود قال: يخفى الامام ثلاثا: التعوذ و (بسم الله الرحمن الرحيم) و (آمين) * وعن عكرمة: لقد أدركت الناس ولهم ضجة بآمين * قال علي: فهذا عمل الصحابة رضي الله عنهم * فأنما أحمد وإسحاق وداود وجمهور أصحاب الحديث فيرون الجهر بها للامام والمأموم، وبه نقول، لان الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهر * وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: يقولها الامام سرا. ذهبوا إلى تقليد عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * وذهب مالك إلى أن يقول المأموم (آمين) ولا يقولها الامام *
(1) وكذلك كان يؤذن لمروان فاشترط عليه هذا كما رواه البيهقي (ج 2 ص 58 و 59) وقال ابن حجر: (كأنه كان يشتغل بالإقامة وتعديل الصفوف وكان مروان يبادر إلى الدخول في الصلاة قبل فراغ أبي هريرة وكان أبو هريرة ينهاه عن ذلك * 264 قال على: وهذا قول لا يعلم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم قطعا، نعم، ولا نعرفه عن أحد من التابعين ولا حجة لهم أصلا في المنع من ذلك * إلا أن بعض الممتحنين بتقليده قال: إن سميا مولى أبي بكر وسهيل بن أبي صالح رويا كلاهما عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال القارئ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال من خلفه،، آمين،، فوافق قوله قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه). هذا لفظ سهيل وأما لفظ سمى فإنه قال: (إذا قال الامام،، غير المغضوب عليهم ولا الضالين،، فقولوا، آمين،،) (1) قال: فليس في هذا تأمين الامام * قال علي: وهذا غاية المقت في الاحتجاج، إذ ذكروا حديثا ليس فيه شريعة قد ذكرت في حديث آخر، فراموا إسقاطها بذلك، ولا شئ في اسقاط جميع شرائع الاسلام أقوى من هذا العمل، فإنه لم تذكر كل شريعة في كل آية ولا في كل حديث. * ثم من العجب احتجاجهم بأبي صالح في أنه لم يرو عن أبي هريرة لفظا رواه سعيد بن المسيب وأبو سلمة عن أبي هريرة! ولو انفرد سعيد لكان يعدل جماعة مثل أبي صالح! فكيف وليس في رواية في رواية أبي صالح أن لا يقول الإمام،، آمين،، فبطل تمويههم بهذا الخبر * وقال بعضهم: إن معنى قوله عليه السلام (إذا أمن الامام فأمنوا) إنما معناه إذا قال (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) * قال علي: فيقال له: كذبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلت عليه الباطل الذي لم يقله عليه السلام عن نفسه، وأخبرت عن مراده بالإفك، وحرفت الكلم عن مواضعه بلا برهان، وما قال قط أحد من أهل اللغة إن قول (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) يسمى تأمينا. * فاحتج لقوله الفاسد بطامة أخري وهي: أنه قال: قد جاء أن معنى قول الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: (قد أجيبت دعوتكما) أنه كان موسى يدعو
(1) انظر شرح أبى داود (ج 1 ص 352 و 353) * 265 وهارون يؤمن! (1) * قال علي. وهذا أدهى وأمر! ليت شعري! أين وجد هذه الرواية؟ أو من بلغه إلى موسى وهارون عليهما السلام؟ وإنما هو قول قائل لا يدري من أين قاله. ثم لو صح يقينا لما كان له فيه حجة أصلا، لان المؤمن في اللغة داعى (2) بلا شك، لان معنى (آمين) اللهم افعل ذلك، فالتأمين دعاء صحيح بلا شك، ولا يسمى الداعي مؤمنا أصلا، ولا يسمى الدعاء تأمينا حتى يلفظ بآمين، فكل تأمين دعاء، وليس كل دعاء تأمينا، فكيف وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كأن يقول آمين،، وهو الامام، وهذا مما انفردوا به عن الصحابة رضي الله عنهم وجمهور السلف برأيهم بلا برهان أصلا. وبالله تعالى التوفيق * وأما السجود فان من أجاز السجود على كور العمامة سألناه عن عمامة غلظ كورها إصبع، ثم إصبعان، إلى أن نبلغه إلى ذراعين وثلاث وأكثر فيخرج إلى ما لا يقول به أحد! ثم نحطه من الإصبع إلى طية واحدة من عمامة شرب (3)، وكلفناه الفرق، ولا سبيل له إليه * وبقولنا يقول جمهور السلف، كما روينا من طريق شعبة عن الأعمش قال سمعت زيد بن وهب قال: رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود، فقال له حذيفة. ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا صلى الله عليه وسلم عليها * وعن ابن مسعود: أنه رأى رجلين يصليان أحدهما مسبل (ازاره، والآخر لا يتم ركوعه ولا يتم سجوده، فقال. أما المسبل ازاره فلا ينظر الله إليه، وأما الآخر فلا يقبل الله صلاته * قال علي: من لم ينظر الله تعالى إليه في عمل ما فذلك العمل بلا شك غير مرضى، وإذ هو غير
(1) هذا هو الذي ارتضاه الطبري ونقله باسناده عن بعض التابعين (ج 11 ص 110 و 111) ورواه أبو الشيخ عن أبي هريرة وابن عباس ولا ندري هل اسناده صحيح أو ضعيف؟ انظر الدر المنثور (ج 3 ص 315) ولئن صح فلا حجة فيه لما زعموا كما قال المؤلف. (2) لاحظت أن المؤلف كثيرا ما يثبت الياء في الاسم المنقوص المرفوع المجرد من الألف واللام وكنت أظنه من خطا الناسخين فأصلحته بحذفها في مواضع متعددة من الأحكام والمحلى ولكني أرى أنه يعمد إلى اثباتها وهو جائز وقد ورد في كثير من الأحاديث ومن كلام الفصحاء. * (3) كذا في الأصل، وما عرفته * 266 مرضى فهو يقينا غير مقبول * وعن المسور بن مخرمة. أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال له: يا سارق، أعد الصلاة، والله لتعيدن، فلم يزل حتى أعادها * وعن ابن عباس: إذا سجدت فألصق أنفك بالأرض * وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لمن رآه يصلى: أمس أنفك الأرض * وعن سعيد بن جبير. إذا لم تضع أنفك مع جبهتك لم تقبل منك تلك السجدة * وبه يقول الشافعي وأبو سليمان وأحمد وغيرهم * ومن طريق وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين. أنه كره السجود على كور العمامة * وعن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت. أنه كان إذا قام في الصلاة جر العمامة عن جبهته * وعن نافع عن ابن عمر. كان يكره أن يسجد على كور عمامته حتى يكشفها * وعن أيوب عن ابن سيرين. أصابتني شجة في وجهي فعصبت عليها وسألت عبيدة السلماني. أسجد عليها؟ فقال انزع العصاب (1) * وعن مسروق. أنه رأى رجلا إذا سجد رفع رجليه في السماء، فقال مسروق ما تمت صلاة هذا * 370 مسألة فمن عجز عن الركوع أو عن السجود خفض لذلك قدر طاقته فمن لم يقدر على أكثر من الايماء أومأ. ومن لم يجد للزحام أن يضع جبهته وأنفه للسجود فليسجد على رجل من أمامه أو على ظهر من أمامه. وبه يقول أبو حنيفة وسفيان الثوري والشافعي * وقال مالك: لا يسجد على ظهر أحد * برهان صحة قولنا قول الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * وروينا عن معمر عن الأعمش عن المسيب بن رافع. أن عمر بن الخطاب قال. من آذاه الحر يوم الجمعة فليبسط ثوبه ويسجد عليه، ومن زحمه الناس يوم الجمعة حتى لا يستطيع أن
(1) في اللسان. (العصاب والعصابة ما عصب به) * 267 يسجد على الأرض فليسجد على ظهر رجل * وعن الحسن. إذا اشتد الزحام فان شئت فاسجد على ظهر أخيك، وان شئت فإذا قام الامام فاسجد * وعن طاوس. إذا اشتد الزحام فأوم برأسك مع الامام ثم اسجد على أخيك * وعن مجاهد سئل. أيسجد الرجل في الزحام على رجل الرجل؟ قال. نعم. وعن مكحول والزهري مثل ذلك * وعن معمر عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال. إذا كان المريض لا يقدر على الركوع ولا على السجود أوما برأسه * وعن قتادة عن أم الحسن بن أبي الحسن قالت. رأيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تسجد على مرفقة (1) من رمد كان بها (2). وعن ابن عباس قال سأله أبو فزارة عن المريض: أيسجد على المرفقة الطاهرة؟ قال: لا بأس به. وعن ابن عباس أيضا: لا بأس أن يلف المريض الثوب ويسجد عليه * 371 مسألة ومن كان بين يديه طين لا يفسد ثنابه ولا يلوث وجهه لزمه أن يسجد عليه، فان آذاه لم يلزمه، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه سجد على ماء وطين وانصرف. وعلى جبهته أثر الطين) وقال الله عز وجل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * 372 مسألة والجلوس بعد رفع الرأس من آخر سجدة من الركعة الثانية فرض في كل صلاة مفترضة أو نافلة، حاشا ما ذكرنا قبل من أنواع الوتر، فإن كان في صلاة لا تكون إلا ركعتين فإنه يفضى بمقاعده إلى ما هو عليه قاعد وينصب رجله اليمنى ويفرش اليسرى وإذا كان في صلاة تكون ثلاث ركعات أو أربعا جلس في هذه الجلسة على رجله اليسرى ونصب اليمنى كما قلنا، ويجلس في الجلسة الآخرة التي تلي السلام (3) مفضيا بمقاعده إلى الأرض ناصبا
(1) بكسر الميم وفتح الفاء، قال في اللسان (المرفقة والمرفق المتكأ والمخدة) (2) الأثر رواه البيهقي (ج 2 ص 307) من طريق الشافعي عن الثقة عن يونس عن الحسن عن أمه قالت (رأيت سلمة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تسجد على وسادة من أدم من رمد كان بها) (3) كذا في نسخة، وفى أخرى (التي تلي الثلاثة) وليست هذه الجلسة تالية للسلام ولا خاصة بالثلاثة، والأصح أن يكون (التي يليها السلام) * 268 لرجله اليمنى فارشا لليسرى وفرض عليه، أن يتشهد في كل جلسة من الجلستين اللتين ذكرنا * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الاعرابي ثنا أبو داود ثنا عيسى بن إبراهيم ثنا ابن وهب عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن حلحلة (1) عن محمد بن عمرو بن عطاء: أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوصفوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصفة: (فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، فإذا جلس في الركعة الأخيرة (2) قدم رجله اليسرى وجلس على مقعدته * وبه يقول الشافعي وأبو سليمان * وقال أبو حنيفة ومالك: الجلوس في كلتي الجلستين سواء * قال علي: هذا خلاف الأثر بلا برهان * وحدثنا عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا إسحاق هو ابن راهويه أنا جرير هو ابن عبد الحميد عن منصور هو ابن المعتمر عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات (3) والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله ألا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله * ورواه شعبة وسفيان الثوري وزائدة كلهم عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم حرفا حرفا. ورواه يحيى القطان وأبو معاوية والفضيل (4) ابن عياض وأبو نعيم وعبد الله بن داود الخريبي (5) ووكيع كلهم عن الأعمش عن أبي وائل باسناده ولفظه. ورواه أيضا عن ابن مسعود باسناده ولفظه أبو معمر عبد الله
(1) في نسخة (محمد بن عمر بن طلحة) وهو خطأ (2) في نسخة (الآخرة) وما هنا هو الموافق لأبي داود (ج 1 ص 363 و 364) وهذا الحديث هو عن أبي حميد الساعدي في عشرة من الصحابة وصف لهم صلاة رسول الله فصدقوه وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم (3) في نسخة (الصلاة) بحذف الواو وما هنا هو الموافق لصحيح مسلم (ج 1 ص 118) (4) بالتصغير (5) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء، نسب إلى الخريبة - وهي محلة بالبصرة - لأنه سكنها * 269 ابن سخبرة (1) وعلقمة والأسود وأبو البختري (2) * فان تشهد أمرؤ بما رواه أبو موسى وابن عباس وابن عمر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسن * والذي تخيرنا هو اختيار أبي حنيفة وسفيان الثوري وأحمد وداود واختار الشافعي ما رواه ابن عباس. واختار مالك تشهدا موقوفا على عمر، (3) قد خالفه فيه ابنه وسائر من ذكرنا * وقال بعض المتقدمين: الجلوس في الصلاة ليس فرضا * وقال أبو حنيفة: الجلوس مقدار التشهد فرض، وليس التشهد فرضا * وقال مالك: الجلوس فرض، وذكر الله تعالى فيه فرض، وليس التشهد فرضا * وكل هذه الأقوال خطأ لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتشهد في القعود في الصلاة، فصار التشهد فرضا، وصار القعود الذي لا يكون التشهد الا فيه فرضا، إذ لا يجوز أن يكون غير فرض ما لا يتم الفرض إلا فيه أو به * روينا عن شعبة عن مسلم أبي النضر سمعت حملة بن عبد الرحمن (4) سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا صلاة إلا بتشهد. وعن نافع ابن عمر: من لم يتكلم بالتشهد فلا صلاة له. وهو قول الشافعي وأبي سليمان * وقال بعضهم: لو كان الجلوس الأول فرضا لما أجزأت الصلاة بتركه إذا نسيه المرء *
(1) بفتح السين المهملة واسكان الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة (2) بفتح الباء الموحدة والتاء المثناة بينهما خاء معجمة ساكنة. واسمه سعيد بن فيروز (3) في نسخة (موقوفا على مالك) وهو خطأ (4) أما مسلم فإنه مسلم بن عبد الله. ولم أجد له ترجمة. وقد ذكره الدولابي في الكنى (ج 2 ص 137) فقال (أبو النضر مسلم بن عبد الله يروى عنه شعبة. وذكر ابن حجر في لسان الميزان (مسلم بن النضر عن شعبة ذكره ابن حبان في الذيل، وقال قال ابن خزيمة لا أعرفه وكذلك في الميزان وأظنه هو وأن الخطأ من الناسخين. وأما (حملة) فإنه في الأصل (جبلة) وهو خطأ صححناه من سنن البيهقي (ج 2 ص 139) وذكره ابن حجر في لسان الميزان قال: (حملة بن عبد الرحمن يروى عنه مسلم بن النضر - اقرأها أنو النضر - قال ابن خزيمة: لست أعرفهما انتهى وذكره ابن حبان في الثقات) * 270 قال علي: وهذا ليس بشئ، لان السنة (1) التي جاءت بوجوبه هي التي جاءت بأن الصلاة تجزئ بنسيانه. وهم يقولون: ان الجلوس عمدا في موضع القيام في الصلاة حرام تبطل الصلاة بتعمده، ولا تبطل بنسيانه، وكذلك السلام قبل تمام الصلاة ولا فرق. فعاد نظرهم ظاهر الفساد وبالله تعالى التوفيق * 373 مسألة قال أبو محمد علي بن أحمد: ويلزمه فرض (2) (أن يقول إذا فرغ من التشهد في كلتي الجلستين: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر (3) ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال) وهذا فرض كالتشهد ولا فرق (4) * لما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا نصر بن علي ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب وزهير بن حرب، كلهم عن وكيع بن الجراح ثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية ويحيى بن أبي كثير، قال حسان: عن محمد بن أبي عائشة، وقال يحيى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال (5) * قال علي: فان قال قائل: فقد رويتم هذا الخبر من طريق مسلم قال: حدثنا زهير بن حرب ثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي ثنا حسان بن عطية ثنا محمد بن أبي عائشة أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع) ثم ذكرها نصا كما أوردناها (6)، قال: فهذا خبر واحد، وزيادة الوليد بن مسلم
(1) في نسخة (لان الصلاة) وهو خطأ ليس له معنى (2) كذا في أكثر النسخ، وفى نسخة (فرضا) وكلاهما صحيح (3) في أكثر النسخ (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر) (4) هذا قول لا دليل عليه. والامر ظاهر في هذه الأحاديث أنه للندب فقد علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوات كثيرة يدعون بها بعد التشهد الأخير. ثم لو سلم له انه للوجوب فأين الدليل على بطلان صلاة من تركه؟! وانه لقول شاذ (5) في صحيح مسلم (ج 1 ص 163) * (6) في مسلم (ج 1 ص 164) * 271 زيادة عدل، فهي مقبولة، فإنما يجب ذلك في التشهد الآخر فقط * قلنا: لو لم يكن إلا حديث محمد بن أبي عائشة وحده لكان ما ذكرت، لكنهما حديثان كما أوردنا، أحدهما من طريق أبي سلمة، والثاني من طريق محمد بن أبي عائشة، فإنما زاد الوليد على وكيع بن الجراح، وبقى خبر أبي سلمة على عمومه فيما يقع عليه اسم تشهد، لا يجوز غير هذا (1). وبالله تعالى التوفيق. وقد روى عن طاوس: أنه صلى ابنه بحضرته فقال له: أذكرت هذه الكلمات قال. لا، فأمره بإعادة الصلاة * 374 مسألة ويستحب أن يقول إذا فرغ من التشهد ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن سلمة عن ابن القاسم حدثني مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري و عبد الله بن زيد هو الذي أرى النداء (2) بالصلاة أخبره عن أبي مسعود الأنصاري (3) أنه قال. أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد. أمرنا الله أن نصلى عليك يا رسول الله، فكيف نصلى عليك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال. قولوا، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على (آل) (4) إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على (آل) (5) إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد،، والسلام كما قد علمتم (6) * وما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا إسحاق هو ابن راهويه ثنا روح عن مالك عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليم أنا أبو حميد الساعدي. (أنهم
(1) كلا والله، بل يجوز غير هذا فان الحديث واحد ومخرجه متحد وأطلق راو ذكر التشهد، وقيده آخر ثقة بأنه التشهد الأخير والمطلق يحمل على المقيد إذا اتحد المخرج، وقد يسهو الراوي وقد يختصر كما يعلم من له خبرة بأسانيد الأحاديث وألفاظها. (2) ما هنا هو الموافق للنسائي (ج 1 ص 189 و 190) وفى نسخة (الاذان) (3) في نسخة (ابن مسعود الأنصاري) وهو خطأ (4) كلمة (آل) زيادة من النسائي (5) كلمة (آل) زيادة من النسائي (6) قال النووي. (بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه بضم العين وتشديد اللام أي علمتكموه وكلاهما صحيح) * 272 قالوا: يا رسول الله، كيف نصلى عليك؟ قال. قولوا. اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على (آل) إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على (آل) إبراهيم إنك حميد مجيد) * فان قال قائل: لم تجعلوا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر التشهد فرضا بهذين الخبرين وبقول الله تعالى (صلوا عليه وسلموا تسليما) كما يقول الشافعي؟ * قلنا: لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: ان هذا القول فرض في الصلاة، ولا يحل لاحد أن يزيد في كلامه عليه السلام ما لم يقل، فنحن نقول: إن هذا القول فرض على كل مسلم أن يقوله مرة في الدهر، فإذا فعل ذلك فقد صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمر ثم يستحب له ذلك في الصلاة وغيرها، فهو تزيد (من الاجر، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرا) * فان قيل: من أين اقتصرتم على وجوب هذا مرة في الدهر، ولم توجبوا تكرار ذلك متى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ * قلنا إن قول ذلك مرة واحدة واجب بالنص، لا يمكن الاقتصار على أقل من مرة، وأما الزيادة على المرة فنحن نسألكم: كم من مرة توجبون ذلك في الدهر أو في الحول أو في الشهر أو في اليوم أو في الساعة؟ ولا يقبل منكم تحديد عدد دون عدد إلا ببرهان، ولا سبيل إليه فقد امتنع هذا بضرورة العقل * فان قالوا: نوجب ذلك في الصلاة خاصة. * قلنا: ليس هذا موجود في الآية، ولا في شئ من الأحاديث فهو دعوى منكم بلا برهان * فان قال قائل من غير الشافعيين: نقول بايجاب ذلك متى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة أو غيرها * قلنا: أيضا هذا لا يوجد لا في آية ولا في الصحيح من الاخبار، وإنما جاء هذا في حديث رويناه من طريق أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن هلال عن سعد ابن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه أن كعبا، وهذا سند لا تقوم به حجة، لان أبا بكر متكلم فيه، ومحمد بن هلال مجهول، وسعد بن إسحاق غير مشهور الحال (1). ولقد كان يلزم
(1) الحديث الذي يشير إليه المؤلف لم أعرفه. وأما أبو بكر عبد الحميد بن عبد الله ابن أبي أويس فهو ثقة حجة. وضعفه النسائي ورماه الأزدي بالوضع فأخطأ جدا، أو هو منه زلة قبيحة كما قال الذهبي في الميزان. وأما محمد بن هلال بن أبي هلال المدني فهو ثقة معروف، قال ابن حجر في التهذيب: (وغفل ابن حزم فقال مجهول). وأما سعد بن إسحاق فهو ثقة لا يختلف فيه. وإن كان روى عن جده كعب فهو مرسل لأنه متأخر عن ادراكه 273 من رأى الصيام في الاعتكاف فرضا بدليل ذكره بين آيتي صيام: أن يجعل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرضا للامر بها مع ذكر السلام الذي علموه، وهو إما السلام الذي في التشهد في الصلاة، وإما السلام من الصلاة بلا شك، ولكنهم لا يطردون استدلالهم على ضعفه، ولا يلتزمون الأدلة الواجب قبولها. وبالله تعالى التوفيق * 375 مسألة والتطبيق في الصلاة لا يجوز، لأنه منسوخ. وهو وضع اليدين بين الركبتين عند الركوع في الصلاة وكان ابن مسعود رضي الله عنه يفعله، ويضرب الأيدي على تركه، وكذلك أصحابه كانوا يفعلونه. روينا ذلك من طريق نوح بن حبيب القومسي: ثنا ابن إدريس هو عبد الله عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، فقام فكبر، فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه وركع، فبلغ ذلك سعد بن أبي وقاص، فقال: صدق أخي قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا، يعنى الامساك بالركب) (1) * قال علي: قد ذكرنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الأيدي على الركب في حديث رفاعة بن رافع، فصح أنه هو الامر الآخر الناسخ للتطبيق. وبالله تعالى التوفيق * 376 مسألة فإذا أتم المرء صلاته فليسلم، وهو فرض لا تتم الصلاة الا به. ويجزئه أن يقول: (السلام عليكم) أو (عليكم السلام) أو (سلام عليكم) أو (عليكم سلام) سواء كان إماما أو مأموما أو فذا وأفضل ذلك أن يقول كل من ذكرنا: (السلام عليكم ورحمة الله) عن يمينه (السلام عليكم ورحمة الله) عن يساره * قال علي: برهان ذلك * ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا
(1) حديث سعد في نسخ التطبيق رواه الشيخان وغيرهما مختصرا، ولكن الجمع بينه وبين حديث ابن مسعود بالسياق الذي هنا نسبه الشوكاني (ج 2 ص 271) إلى ابن خزيمة. ثم رأيته كما هنا في المنتقى لابن الجارود (ص 105) رواه عن علي بن خشرم عن عبد الله بن إدريس باسناده * 274 أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ثنا موسى بن داود ثنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد هو الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا؟ (1) فليطرح الشك وليبن علي ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم) * حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني الحسن بن إسماعيل ابن سليمان المجالدي ثنا فضيل هو ابن عياض عن منصور هو ابن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فأيكم نسي شيئا في صلاته؟ (2) فليتحر الذي يرى أنه صواب ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو) * فقد ثبت بهذين الخبرين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتسليم من كل صلاة، وأوامره عليه السلام فرض، ولفظة التسليم تقتضي ما ذكرناه * حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الاعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن سفيان الثوري ومعمر كلاهما عن حماد بن أبي سليمان عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: (ما نسيت فيما نسيت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى يرى بياض خده، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى يرى بياض خده أيضا) * ورواة أيضا عن ابن مسعود مسندا أبو الأحوص وأبو معمر، ورواه أيضا سعد ابن أبي وقاص وابن عمر كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * وهو فعل السلف كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه. ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا زهير هو ابن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقمة عن ابن مسعود قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود
(1) في نسخة (أو أربعا) وهي تخالف كل نسخ صحيح مسلم (2) كذا هنا، وفى نسخة أخرى (ينسى في صلاته شيئا والذي في النسائي (ج 1 ص 184) (فأيكم شك في صلاته شيئا (3) حديث سعد وحديث ابن عمر رواهما النسائي (ج 1 ص 194 و 195) 275 ويسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (1)، حتى يرى بياض خده، ورأيت أبا بكر وعمر يفعلانه) (2) * وروينا أيضا عن عمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من الأنصار رضي الله عنهم، وعن الصحابة جملة رضي الله عنهم بأصح اسناد يكون * ورويناه عن علقمة والأسود وخيثمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي، وهو قول الشافعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة والحسن بن حي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي سليمان. وجمهور أصحاب الحديث * وقال الحسن بن حي: التسليمتان معا فرض * وقال أبو حنيفة: التسليمتان اختيار، وليس السلام من الصلاة فرضا، بل إذا قعد مقدار التشهد فقد تمت صلاته * فان تعمد الحدث أو لم يتعمده أو تعمد القيام أو الكلام أو العمل فذلك مباح، وقد تمت صلاته * والأمة تصلى مكشوفة الرأس ثم تعتق في آخر صلاتها بعد أن جلست مقدار التشهد وقبل أن تسلم فان صلاتها قد تمت * ومن صلى جالسا لمرض ثم صح بعد أن قعد مقدار التشهد في آخر صلاته وقبل أن يسلم فصلاته تامة * ومن صلى متحريا إلى غير القبلة ثم عرف القبلة بعد أن قعد في آخر صلاته مقدار التشهد ولم يسلم فصلاته تامة * إلا في مواضع عشرة، فإنه أوجب السلام فيها فرضا، وأبطل صلاة من وقع له شئ منها وان قعد مقدار التشهد ما لم يسلم * وهي: من صلى بتميم فرأى الماء بعد أن قعد في آخرها مقدار التشهد ولم يسلم * ومن صلى وهو عريان ثم وجد ما يغطى به عورته بعد أن قعد مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم * ومن صلى الصبح ثم طلع أول قرص الشمس بعد أن قعد مقدار التشهد في آخر صلاته
(1) لم يذكر لفظ السلام مرة ثانية في النسائي في هذا الاسناد (ج 1: ص 172) (2) في النسائي (يفعلان ذلك). والحديث رواه النسائي أيضا (ج 1 ص 164) عن عمرو بن علي عن معاذ ويحيى عن زهير، ورواه أيضا (ج 1 ص 194) عن ابن المثنى عن معاذ عن زهير * 276 قبل أن يسلم، فلو قهقه بعد طلوع الشمس وصلاته قد بطلت إلا أنه لم يسلم: انتقض وضوؤه * ومن تم له وقت المسح بعد أن قعد مقدار التشهد في آخر صلاته إلا أنه لم يسلم * ومن صلى الجمعة فخرج وقتها ودخل وقت العصر وقد قعد مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم ومن قعد في آخر صلاته مقدار التشهد ثم ذكر قبل أن يسلم صلاة فائتة بينه وبينها خمس صلوات فأقل. * والمستحاضة خرج وقت الصلاة التي هي فيها بعد أن قعدت في آخرها مقدار التشهد إلا أنها لم تسلم * ومن صلى وهو لا يحسن شيئا من القرآن فتعلم سورة بعد أن قعد في آخر صلاته مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم * ومن مسح على جراحة به فبرئت بعد أن جلس في آخر صلاته مقدار التشهد وقبل أن يسلم (1) فان هؤلاء كلهم تبطل صلاتهم، ويلزمهم ابتداؤها * ومن صلى وهو مسافر فلما جلس في آخر الركعتين مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم فنوى الإقامة فان فرضا عليه أن يأتي بركعتين يصليهما حضرية * لم يختلف قوله في شئ من هذا * واختلف قوله فيمن صلى وهو مريض نائما لا يقدر على أكثر من ذلك ثم صح بعد أن قعد في نيته مقدار التشهد إلا أنه لم يسلم، ومن افتتح الصلاة وهو صحيح ثم عرض له مرض نقله إلى الجلوس أو الايماء بعد أن قعد في آخر صلاته مقدار التشهد ولم يسلم: فمرة قال: تبطل صلاتهم ويبتدئونها، ومرة قال: قد تمت صلاتهم * قال علي: وإنما أوردنا هذه المسائل لنرى تناقض أقوالهم، وأنهم لم يتعلقوا لا بايجاب السلام فرضا ولا بترك إيجابه، ولا ثبتوا على شئ أصلا! وهذه أقوال نحمد الله على السلامة من مثلها! * ومن العجب أن أصحابه لم يخرجوا هذا منه على أنهما قولان له، بل ما زالوا يشغبون بالباطل والهذر في تصحيح اسقاط فرض السلام جملة، إلا في هذه المواضع، فإنهم شغبوا في إيجاب فرض السلام فيها فقط، لم يختلفوا في ذلك * وأما قول الحسن بن حي فلا دليل على صحته *
(1) عد المؤلف تسعا فقط * 277 وقال مالك: السلام فرض تبطل صلاة من عرض له ما يبطل الصلاة ما لم يسلم، إلا أنه قال: الامام والفذ لا يسلمان إلا تسليمة واحدة، وأما المأموم فإنه إن لم يكن عن شماله أحد سلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، والأخرى يرد بها على الامام، فإن كان عن يساره أحد سلم ثالثة ردا على الذي عن يساره * قال علي: وهذا أيضا قول لا دليل على صحته، وتقسيم لم يأت به قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب والامام لم يقصد بسلامه أحدا، ولو فعل ذلك لبطلت صلاته، لأنه كلام مع المسلم عليه، والكلام مع غير الله تعالى وغير رسوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة عمدا مبطل للصلاة * وبرهان هذا أن المصلى كان معه أحد أو لم يكن فإنه يسلم عند جميعهم كما يسلم الامام، فصح أنه خروج عن الصلاة، لا تسليم على أحد من الناس. فسقط هذان القولان سقوطا بينا دون كلفة: ولله الحمد * قال علي: وبقى قول من لم ير التسليم من الصلاة فرضا، وقول من اختار تسليمة واحدة، ممن لم يضطرب قوله في ذلك، فوجدنا من لا يرى التسليم فرضا يحتج بما رويناه من طريق عاصم بن علي: ثنا زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة: (أخذ علقمة بيدي وحدثني أن عبد الله أخذ بيده وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة) فذكر التشهد قال: (فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد) (1) * قال علي: وهذه الزيادة انفرد بها القاسم بن مخيمرة، ولعلها من رأيه وكلامه، أو من كلام علقمة، أو من كلام عبد الله * وقد روى هذا الحديث عن علقمة إبراهيم النخعي وهو أضبط من القاسم فلم يذكر هذه الزيادة (2) *
(1) رواه أبو داود (ج 1 ص 366 و 367) والدار قطني (ص 135) والبيهقي (ج 2 ص 174 و 175) من طريق زهير (2) هذه الزيادة مدرجة باتفاق علماء الحديث، قال الدارقطني: (فأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام عبد الله بن مسعود، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لان ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحر كذلك وجعل آخره من قول ابن مسعود ولاتفاق حسين الجعفي وابن عجلان ومحمد بن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن مسعود على ذلك. والله أعلم) ثم رواه بأسانيد كثيرة بالزيادة وبدونها وكذلك البيهقي 278 كما حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن جبلة قال ثنا العلاء بن هلال الرقى حدثني عبيد الله بن عمرو (1) الرقى عن زيد هو ابن أبي أنيسة عن حماد هو ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود قال: (كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا، فعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فقال لنا: قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) قال علقمة: لقد رأيت ابن مسعود يعلمنا هؤلاء الكلمات كما يعلمنا القرآن (2) * ثم لو صح أن هذه الزيادة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان ما ذكرنا قبل من أمره عليه السلام زيادة حكم لا يجوز تركها، وقد صح عن ابن مسعود ايجاب التسليم فرضا كما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان: ثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال حد الصلاة التكبير وانقضاؤها التسليم * فوضح بهذا أن تلك الزيادة إما أنها ممن بعد ابن مسعود، وإما أنها عند ابن مسعود منسوخة والحجة كلها فيما ذكرنا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلام من الصلاة * وأما من رأى تسليمة واحدة وكره ما زاد، فإنهم احتجوا بأخبار: منها من طريق أبي المصعب عن الدراوردي من طريق سعد. والثابت من طريق سعد أنه عليه السلام كان يسلم تسليمتين. وبآثار واهية، منها من طريق محمد بن الفرج عن محمد بن يونس وكلاهما مجهول، أو مرسل من طريق الحسن، أو من طريق محمد بن زهير، وهو ضعيف، أو من طريق ابن لهيعة، وهو ساقط ولو صحت لكانت أحاديث التسليمتين زيادة يكون الفضل في الاخذ بها *
(1) في نسخة (عمر) وهو خطأ (2) رواه النسائي (ج 1 ص 174) * 279 فان ذكر ذاكر حديث جابر بن سمرة: (كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام علكيم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما تومؤن بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه عن يمينه وشماله) * قال علي: هذا إن كان في السلام الذي يخرج به من الصلاة فهو منسوخ بلا شك، بقوله صلى الله عليه وسلم: (ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس) وهذا أمر لم يختلف أحد من الأمة في أنه محكم، ثم ادعى قوم تخصيصه في بعض الأحوال، فإذ هو كذلك فهو الناسخ لما كانوا عليه قبل من إباحة التسليم ورده في الصلاة. فصح أن ذلك منسوخ. وبالله تعالى التوفيق * (تم الجزء الثالث والحمد لله ويليه الجزء الرابع أوله (مسألة وكل من سها عن شئ) الخ) (تنبيه) تركنا التنويه بذكر النسخ التي قوبلت عليها نسختنا هذه وما لبعضها من المزايا التي تخصها إلى آخر طبع الكتاب لنعطي البيان حقه ولما يظهر لنا في أثناء السير في طبع الكتاب من اختلاف النسخ والاجزاء والمسائل: وقد تفضل حضرة السيد النبيل الغيور على كتب السنة محمد أفندي نصيف كبير أعيان جده بإعارة الجزء الأول من نسخة المحلى جزاه الله خيرا. وهذه النسخة أصلها من اليمن وعليها في أولها تعليقات كثيرة وأكثرها للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني صاحب سبل السلام والمظنون ان هذه التعليقات أو جلها بخط العلامة القاضي محمد بن علي الشوكاني مؤلف نيل الأوطار ، وينتهي بمسألة (ولا يحل لولى المرأة ولا لسيد الأمة منعهما من حضور الصلاة) صحيفة 129 من هذا الجزء وتاريخ كتابتها يوم الخميس 8 شهر جمادى الأولى سنة 1221 وقد أشرنا إليها في الهوامش بالنسخة اليمنية، وقد انتفعنا في مواضع كثيرة منها نرجو الله أن يوفقنا لمكافئة صاحبها في الدارين لما له من الخدمات الجليلة إدارة الطباعة المنيرية