بیشترتوضیحاتافزودن یادداشت جدید
وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة 212 تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ( 1 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الحافظ شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك ابن أحمد بن الحسن الأنماطي (1) قال : أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي (2) بقراءتي عليه في شهر ربيع الآخر من سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، وقال : أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر الوكيل (3) قراءة عليه وأنا أسمع ، في رجب من سنة ثمان وثلاثين ____________ ( 1 ) كان أبو البركات محدث بغداد ، وهو أحد حفاظ الحنابلة ، ولد سنة 462 وقرأ على ابن الطيوري جميع ما عنده . وقال ابن الجوزي : « كنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي ، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته » . وتوفى سنة 538 . انظر المنتظم ( 10 : 108 ـ 109 ) وصفة الصفوة ( 2 : 281 ) وتذكرة الحفاظ ( 4 : 75 ـ 76 ) وشذرات الذهب ( 4 : 116 ـ 117 ) . ( 2 ) هو أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد الصيرفي الطيوري ، ويعرف أيضا بابن الحمامي ، والمحدث البغدادي ، سمع أبا علي بن شاذان ، وأبا الفرج الطناجيري وأبا الحسن العتيقي ، وأبا محمد الخلال . وكان عنده ألف جزء بخط الدارقطني . وأكثر عنه السلفي ، وانتقى عليه مائة جزء تعرف بالطيوريات . وابن الحمامي بتخفيف الميم ، كما في لسان الميزان ( 5 : 11 ) . ولد سنة 411 وتوفى سنة 500 . انظر المنتظم ( 9 : 154 ) ولسان الميزان ( 5 : 9 ـ 11 ) وشذرات الذهب ( 3 : 412 ) . ( 3 ) هو أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وهب ، أبو يعلى ، المعروف بابن زوج الحرة . سمع موسى بن جعفر ، وأبا الحسن الدارقطني . قال الطيب البغدادي : " كتبت عنه ، وكان صدوقا يسكن درب المجوس من نهر طابق . وسألته عن مولده فقال : ولدت بعد أن استخلف القادر بالله بأربعين يوما ، وكان ( 2 ) وأربعمائة ، قال : أخبرنا أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي (1) ، قراءة عليه وأنا أسمع ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد [ ابن محمد (2) ] بن عقبة بن الوليد بن همام بن عبد الله بن الحمار بن سلمة ابن سمير (3) بن أسعد بن همام (4) بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، قراءة عليه في سنة أربعين وثلاثمائة ، قال : أخبرنا أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز (5) ، قال : ____________ استخلاف القادر بالله في يوم السبت الحادي عشر من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلثمائة . ومات أبو يعلى في يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر شوال سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة ، ودفن من يومه بباب الدير قريبا من قبر معروف الكرخي » . انطر تاريخ بغداد ( 4 : 270 ) . ( 1 ) ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد ( 2 : 111 ) وقال : سمع إسماعيل بن محمد الصفار ، وأبا عمرو بن السماك ، وعبد الصمد بن علي الطستي . وذكر أن وفاته في سنة 393 . وهي السنة التي توفى فيها أبو الفتح عثمان بن جني ، والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني . ( 2 ) هذه التكملة ثابتة في سائر أسانيد أجزاء الكتاب ، وكذلك في ترجمته من منتهى المقال ص 225 ، قال : « سمع منه التلعكبري بالكوفة وببغداد ، وله منه إجازة » . والتلعكبري الذي يشير إليه هو أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد الشيباني ، ترجم له صاحب منتهى المقال في ص 320 ـ 321 . ( 3 ) ما بعد « الوليد » إلى هنا لم أجده فيما لدي من المراجع . ( 4 ) ذكر في نهاية الأرب ( 2 : 333 ) : « الأسعد بن همام » . وانظر لإدخال أل على الأعلام التي هي في الأصل صفات ما كتبت في حواشي الحيوان ( 3 : 382 ) ومجلة الثقافة 2152 . ( 5 ) هو أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام بن عزور بن مهلهل ، النهدي الكوفي . قدم بغداد وحدث بها عن حصين بن مخارق ، وهمام بن مسلم الزاهد ، وأبي نعيم الفضل بن دكين ، وروي عنه محمد بن جرير الطبري ، ويحيى بن صاعد ، ومحمد بن مخلد العطار . توفى بالكوفة سنة 274 . انظر تاريخ بغداد ( 9 : 54 ـ 55 ) ولسان الميزان ( 3 : 91 ) . ( 3 ) أنبأنا نصر بن مزاحم التميمي ، قال عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي (1) عن الحارث بن حصيرة (2) عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود وغيره قالوا : لما قدم علي بن أبي طالب من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة ست وثلاثين ، وقد أعز الله نصره وأظهره علي عدوه ، ومعه أشراف الناس وأهل البصرة ، استقبله أهل الكوفة وفيهم قراؤهم وأشرافهم ، فدعوا له بالبركة وقالوا : يا أمير المؤمنين ، أين تنزل ؟ أتنزل القصر ؟ فقال : لا ، ولكني أنزل الرحبة . فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال : " أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم تبدلوا وتغيروا . دعوتكم إلى الحق فأجبتم ، وبدأتم بالمنكر فغيرتم . ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله في الأحكام والقسم . فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه . ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى ، وطول الأمل . فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الأمل فينسي الآخرة . ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، والآخرة ترحلت مقبلة ، ولكل واحدة منها بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة . اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل . ____________ ( 1 ) في ميزان الاعتدال ( 2 : 258 ) : « عمر بن سعد . عن الأعمش . شيعي بغيض . قال أبو حاتم : متروك الحديث » . ( 2 ) هو الحارث بن حصيرة الأزدي ، أبو النعمان الكوفي . روى عن زيد بن وهب وأبي صادق الأزدي ، وجابر الجعفي . وعنه : عبد الواحد بن زياد ، والثوري ، ومالك بن مغول ، وعبد السلام بن حرب . قال ابن عدي : عامة روايات الكوفيين عنه في فضائل أهل البيت . وهو يعد من المحترفين بالكوفة في التشيع . وحصيرة ، بفتح المهملة وكسر المهملة بعدها . وفي الأصل : ( حضيرة ) بالضاد المعجمة ، تحريف . انظر تهذيب التهذيب ( 2 : 140 ) وتقريب التهذيب 87 . ( * ) ( 4 ) الحمد لله الذي نصر وليه ، وخذل عدوه ، وأعز الصادق المحق ، وأذل الناكث المبطل . عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم ، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه ، من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا (1) ، يتفضلون بفضلنا ، ويجاحدونا أمرنا ، وينازعونا حقنا ، ويدافعونا عنه (2) . فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا . ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال فأنا عليهم عاتب زار . فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا (3) ، ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة » . فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي ـ وكان صاحب شرطته ـ فقال : والله إني لأرى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا . والله لئن أمرتنا لنقتلنهم . فقال علي : سبحان الله يا مال ، جزت المدى ، وعدوت الحد ، وأغرقت في النزع ! فقال : يا أمير المؤمنين ، لبعض الغشم أبلغ في أمور تنو بك من مهادنة الأعادي . فقال علي : ليس هكذا قضى الله يا مال ، قتل النفس بالنفس فما بال الغشم (4) . وقال : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) . والإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك ، فقد نهى الله عنه ، وذلك هو الغشم . فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي ـ وكان ممن تخلف عنه ـ فقال : ____________ ( 1 ) في ح ( 1 : 256 ) : ( القائلين إلينا ) . ( 2 ) كذا وردت الأفعال الثلاثة هنا وفي ح بحذف نون الرفع لغير ناصب أو جازم ، وهي لغة صحيحة . انظر خزانة الأدب ( 3 : 525 ـ 526 ) . ( 3 ) الإعتاب : إعطاء العتبى ، وهي الرضا . وأعتبني فلان : ترك ما كنت أجد عليه من أجله . ( 4 ) في ح ( 1 : 257 ) « قال سبحانه النفس بالنفس فما بال ذكر النفس » . ( 5 ) يا أمير المؤمنين ، أرأيت القتلى حول عائشة والزبير وطلحة ، بم قتلوا (1) ؟ قال : « قتلوا شيعتي وعمالي ، وقتلوا أخا ربيعة العبدي ، رحمة الله عليه ، في عصابة من المسلمين قالوا : لا ننكث كما نكثتم ، ولا نغدر كما غدرتم . فوثبوا عليهم فقتلوهم ، فسألتهم أن يدفعوا إلى قتلة إخواني أقتلهم بهم ، ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم ، فأبوا علي ، فقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ، ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي ، فقتلتهم بهم ، أفي شك أنت من ذلك ؟ » . قال : قد كنت في شك ، فأما الآن فقد عرفت ، واستبان لي خطأ القوم ، وأنك أنت المهدي المصيب . وكان أشياخ الحي يذكرون أنه كان عثمانيا ، وقد شهد مع علي على ذلك صفين ، ولكنه بعد ما رجع كان يكاتب معاوية ، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة (2) ، وكان عليه كريما . ثم إن عليا تهيأ لينزل ، وقام رجال ليتكلموا ، فلما رأوه نزل جلسوا وسكتوا . نصر : أبو عبد الله سيف بن عمر ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، أن عليا لما دخل الكوفة قيل له : أي القصرين ننزلك ؟ قال : « قصر الخبال لا تنزلونيه » . فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومي (3) . نصر ، عن الفيض بن محمد ، عن عون بن عبد الله بن عتبة ، قال : لما قدم ____________ ( 1 ) في ح : « علام قتلوا . أو قال : بم قتلوا ؟ » . ( 2 ) الفلوجتان : قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر . ويقال الفلوجة الكبرى والفلوجة الصغرى والفلوجة العليا والفلوجة السفلى أيضا . ( 3 ) قال ابن أبي الحديد : « قلت : جعدة ابن أخت هانئ بنت أبي طالب ، كانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، فأولدها جعدة » . ( 6 ) علي الكوفة نزل على باب المسجد فدخل وصلي ، ثم تحول فجلس إليه الناس ، فسأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة ، فقال قائل : استأثر الله به . فقال : « إن الله لا يستأثر بأحد من خلقه » ، وقرأ : ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) . قال : فلما لحق الثقل قالوا : أي القصرين تنزل ؟ فقال : « قصر الخبال لا تنزلونيه (1) » . نصر ، عن سيف قال : حدثني إسماعيل بن أبي عميرة ، عن عبد الرحمن ابن عبيد بن أبي الكنود ، أن سليمان بن صرد الخزاعي (2) دخل على علي ابن أبي طالب بعد رجعته من البصرة ، فعاتبه وعذله وقال له : « ارتبت وتربصت وراوغت ، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم ـ فيما أظن ـ إلى نصرتي ، فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ، وما زهدك في نصرهم ؟ » . فقال يا أمير المؤمنين ، لا تردن الأمور على أعقابها ، ولا تؤنبني بما مضى منها واستبق مودتي يخلص (3) لك نصيحتي . وقد بقيت أمور تعرف فيها وليك من عدوك . فسكت عنه وجلس سليمان قليلا ، ثم نهض فخرج إلى الحسن بن علي وهو قاعد في المسجد ، فقال : ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت ____________ ( 1 ) ح : « قالوا انزل القصر . فقال : قصر الجبال لا تنزلوا فيه » . ولم أجد ذكرا لهذا القصر برسميه اللذين وردا في الأصل وح . لكن وجدت السيد فرج الله الحسيني قد كتب « أراد منه عليه السلام قصر دار الامارة ؛ فكأنه سماها به لما وقع فيها قبله من أمراء الجور وعمال أهل النفاق والشقاق ، من الهلكة والنقصان » . ( 2 ) هو سليمان بن صرد ، المهملة وفتح الراء ، بن الجون الخزاعي ، أبو مطرف الكوفي . صحابي جليل . قال ابن حجر : وكان خيرا فاضلا شهد صفين مع علي وقتل حوبشا مبارزة ، ثم كان ممن كاتب الحسين ثم تخلف عنه ، ثم قدم هو والمسيب بن نجبة في آخرين فخرجوا في الطلب بدمه وهم أربعة آلاف ، فالتقاهم عبيد الله بن زياد بعين الوردة بعسكر مروان ، فقتل سليمان ومن معه ، وذلك في سنة خمس وستين . انظر الإصابة وتهذيب التهذيب . ( 3 ) ح : « تخلص » . ( 7 ) منه من التبكيت والتوبيخ ؟ فقال له الحسن : إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته . فقال : إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا (1) ، وينتضي فيها السيوف ويحتاج فيها إلى أشباهي ، فلا تستغشوا عتبي (2) ، ولا نتهموا نصيحتي . فقال له الحسن : رحمك الله : ما أنت عندنا بالظنين . نصر ، عن عمر ـ يعني ابن سعد ـ عن نمير بن وعلة (3) عن الشعبي (4) ، أن سعيد بن قيس دخل على علي بن أبي طالب فسلم عليه ، فقال له علي : « وعليك ، وإن كنت من المتربصين » . فقال : حاش لله يا أمير المؤمنين لست من أولئك . قال : فعل الله ذلك » . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن مخنف قال : دخلت مع أبي على علي عليه السلام حين قدم من البصرة ، وهو عام بلغت الحلم ، فإذا بين يديه رجال يؤنبهم ويقول لهم : ما بطأ بكم عني وأنتم أشراف قومكم ؟ والله لئن كان من ضعف النية وتقصير البصيرة ؟ إنكم لبور (5) . والله لئن كان من شك في فضلي ومظاهرة على إنكم لعدو » . قالوا : حاش لله يا أمير المؤمنين ، نحن سلمك وحرب عدوك . ثم اعتذر القوم ، فمنهم من ____________ ( 1 ) القنا : الرماح . والاستيساق : الاجتماع ، وفعله لازم . وفي حديث أحد : « استوسقوا كما يستوسق جرب الغنم » ، أي استجمعوا وانضموا . وبدلها في ح : « سيسرع فيها القتال » . ( 2 ) استغشه واغتشه : ظن به الغش ، وهو خلافه استنصحه . وفي الأصل : « لا تستبشعوا غيبتي » صوابها في ح . ( 3 ) ذكره في لسان الميزان مصحفا برسم نمير بن دعلمة . ( 4 ) هو عامر بن شراحيل الحميري أبو عمرو الكوفي ، ثقة مشهور . روى عن أبي هريرة ، وعائشة ، وابن عباس وغيرهم . أو عنه ابن سيرين ، والأعمش ، وشعبة ، وجابر الجعفي . لسان الميزان ( 6 : 840 ) . ( 5 ) البور بالضم : الهالك ، يقال رجل بور ، ورجلان بور ، وقوم بور ، وكذلك الأنثى . . . . اللسان . ( 8 ) ذكر عذره ، ومنهم من اعتل بمرض ، ومنهم من ذكر غيبة . فنظرت إليهم فإذا عبد الله بن المعتم العبسي (1) ، وإذا حنظلة بن الربيع التميمي ـ وكلاهما كانت له صحبة ـ وإذا أبو بردة بن عوف الأزدي ، وإذا غريب بن شرحبيل الهمداني . قال : ونظر علي إلى أبى فقال : « لكن مخنف بن سليم وقومه لم يتخلفوا ، ولم يكن مثلهم مثل القوم الذين قال الله تعالى : ( وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معكم شهيدا . ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (2) ) » . ثم إن عليا مكث بالكوفة ، فقال الشني في ذلك (3) شن بن عبد القيس : قل لهذا الإمام قـد خبـت الحر *ب وتـمت بـذلك الـنعماء وفرغنا من حرب من نقض العه * د وبـالشـام حيـة صمـاء تنفـث السـم ما لمن نـهشته ، *فارمها قبل أن تـعض ، شفاء إنـه والـذي يـحـج لـه النا *س ومن دون بيتـه البيـداء ____________ ( 1 ) هو عبد الله بن المعتم ، بضم الميم وسكون المهملة وفتح المثناة وتشديد الميم ، قال ابن حجر : « له صحبة ، وهو ممن تخلف عن علي يوم الجمل . . . وقال أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل : هو الذي فتح الموصل » . وفي ح : « عبيد الله » بالتصغير ، محرف . انظر الإصابة 4957 . ( 2 ) الآيتان 72 ، 73 من سورة النساء . ( 3 ) هو الأعور الشني ، بشر بن منقذ ، أحد بني شن بن أفصي بن عبد القيس بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار . قال الآمدي : « شاعر خبيث ، وكان مع علي رضي الله عنه يوم الجمل » . انظر المؤتلف 38 ، 60 . ( 9 ) لضعيف النخـاع إن رمي اليـو * م بخيـل كأنها الأشـلاء (1) جانحـات تحـت العجاج سخالا*مجهضات تخالها الأشلاء (2) تتبـارى بـكـل أصيـد كالفح * ل بكـفيـه صعـدة سمـراء ثـم لا ينـثنـي الحديـد ولمـا * يخضـب العاملين منها الدماء إن تـذره (3) فما معاوية الده *ر بمعطيـك ما أراك تشـاء ولنيـل السمـاك أقرب مـن ذا *ك ونجم العيوق والعواء (4) فاضرب الحد والحديد (5) إليهم *ليـس والله غيـر ذاك دواء حدثنا نصر عن أبي عبد الله سيف بن عمر ، عن الوليد بن عبد الله ، عن أبي طيبة (6) ، عن أبيه قال : أتم على الصلاة يوم دخل الكوفة ، فلما كانت الجمعة وحضرت الصلاة صلى بهم وخطب خطبة . ____________ ( 1 ) أشلاء الانسان : أعضاؤه بعد البلى والتفرق . وقد مثل الخيل في تفرقها للغارة بالأعضاء المتناثرة . ( 2 ) جانحات : أراد أنها تكسر جوانح هذه السخال . والجوانح : الضلوع القصار التي في مقدم الصدر ، والواحدة جانحة ، يقال جنح البعير : انكسرت جوانحه من الحمل الثقيل . والسخال : جمع سخلة ، وهي ولد الشاة من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى . ويقال أيضا في الخيل ، كما هنا وكما في قول عبد الله بن عنمة : يطرحن سخل الخيل في كل منزل * تبين منه شقرها وورادها . انظر المفضلية ( 114 : 9 طبع المعارف ) . وفي الأصل وح : « سحال » محرفة . والمجهضات : التي ألقيت لغير تمام ولما يستبن خلقها . والأسلاء : جمع سلى ، وهو الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد . وفي البيت إقواء . ( 3 ) في الأصل : « أو تذره » ، صوابه من ح . ( 4 ) السماك والعيون والعواء : نجوم في السماء . ح : « ولنيل السماء » . ( 5 ) ح : « فأعد بالجد والحديد » ، صواب هذه : « فاغد بالجد والحديد » . ( 6 ) أبو طيبة ، بفتح المهملة بعدها مثناة تحتة ساكنة ثم باء موحدة ، واسمه عبد الله بن مسلم السلمي المروزي ، كان قاضيا بمرو . ( 10 ) نصر : قال أبو عبد الله ، عن سليمان بن المغيرة ، عن علي بن الحسين : خطبة علي بن أبي طالب في الجمعة بالكوفة والمدينة : « إن الحمد لله ، أحمده (1) وأستعينه وأستهديه ، وأعوذ بالله من الضلالة . من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، انتجبه (2) لأمره ، واختصه بالنبوة ، أكرم خلقه وأحبهم إليه ، فبلغ رسالة ربه ، ونصح لأمته ، وأدى الذي عليه . وأوصيكم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خير ما تواصي به عباد الله وأقربه لرضوان الله ، وخيره في عواقب الأمور عند الله . وبتقوى الله أمرتم ، وللإحسان والطاعة خلقتم . فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فإنه حذر بأسا شديدا . واخشوا الله خشية ليست بتعذير (3) ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإن من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له ، ومن عمل لله مخلصا تولى الله أجره . وأشفقوا من عذاب الله ، فإنه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترك شيئا من أمركم سدى ، قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم . فلا تغروا بالدنيا فإنها غرارة بأهلها ، مغرور من اغتر بها ، وإلى فناء ما هي . وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون . أسأل الله منازل الشهداء ، ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن له وبه » . ثم إن عليا عليه السلام أقام بالكوفة ، واستعمل العمال . ____________ ( 1 ) ح : « الحمد الذي أحمده » . ( 2 ) في اللسان : « انتجب فلان فلانا ، إذا استخلصه واصطفاه اختيارا على غيره » . ح : « انتخبه » . والانتخاب بالخاء : الاختيار . ( 3 ) التعذير : التقصير مع إظهار الاجتهاد . وفي الحديث : « جاء بطعام جشيب فكنا نعذر » ، أي نقصر ونظهر أننا مجتهدون . ( 11 ) نصر ، عن عمر بن سعد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، والصقعب بن زهير عن يوسف وأبي روق ، أن عليا حين قدم من البصرة إلى الكوفة بعث يزيد بن قيس الأرحبي على المدائن وجوخا كلها . وقال أصحابنا : وبعث مخنف بن سليم على أصبهان وهمدان . نصر ، عن محمد بن عبيد الله ، عن الحكم ، قال : لما هرب مخنف بالمال قال علي عليه السلام : « عذرت القردان فما بال الحلم (1) ؟ » . ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد ، قال : وبعث قرظة بن كعب على البهقباذات (2) ، وبعث قدامه بن مظعون الأزدي على كسكر ، وعدى بن الحارث على مدينة بهرسير وأستانها (3) ، وبعث أبا حسان البكري على أستان العالي (4) ، وبعث سعد بن مسعود الثقفي على أستان الزوابي (5) ، ____________ ( 1 ) القردان : جمع قراد ، بالضم . والحلم جنس منه صغار . قال الميداني : « وهذا قريب من قولهم : « استنت الفصال حتى القرعي » . وفي الأصل : « غددت القردان فما بال الحكم » محرف ، وصواب النص من مجمع الأمثال ( 1 : 443 ) ، ولم يذكر نسبته إلى علي . ( 2 ) هن ثلاث بهقباذات ذكرها ياقوت في معجمه . وبهقباذ ، بالكسر ثم السكون وضم القاف وباء موحدة وألف وذال معجمة . ثلاث كور ببغداد منسوبة إلى قباذ بن فيروز والد أنو شروان . وفي الأصل : « البهقياذات » محرفة . ( 3 ) بهرسير ، بالفتح ثم الضم وفتح الراء وكسر السين المهملة : من نواحي سواد بغداد . والأستان ، قال العسكري : مثل الرستاق بالضم : السواد والقرى . انظر معجم البلدان ( 1 : 223 س 12 ) والقاموس ( رزدق ورستق ) . والأستان ، بالضم ، كما في القاموس . ( 4 ) في معجم البلدان : « الأستان العالي » وقال : كورة في غربي بغداد من السواد تشتمل على أربعة طساسيج : وهي الأنبار ، وبادرويا ، وقضربل ، ومسكن . ( 5 ) الزوابي ، بالزاي المعجمة ، قال ياقوت : « في العراق أربعة أنهر ، نهران فوق بغداد ونهران تحتها ، يقال لكل واحد منها الزاب » . وقال في مادة « الزاب » : « وربما قيل لكن واحد زابي والتثنيه زابيان . . . وإذا جمعت قيل لها الزوابي » . وقد تكون : الروابي « ، ففي المعجم : » روابي بني تميم من نواحي الرقة . عن نصر » . ( 12 ) واستعمل ربعي بن كاس على سجستان ـ وكاس أمه يعرف بها ـ وهو من بني تميم . وبعث خليدا إلى خراسان ، فسار خليد حتى إذا دنا من نيسابور بلغه أن أهل خراسان قد كفروا ونزعوا يدهم من الطاعة ، وقدم عليهم عمال كسرى من كابل ، فقاتل أهل نيسابور فهزمهم وحصر أهلها وبعث إلى على بالفتح والسبي ، ثم صمد لبنات كسرى فنزلن على أمان ، فبعث بهن إلى علي عليه السلام ، فلما قدمن عليه قال : أزوجكن ؟ قلن : لا ، إلا أن تزوجنا ابنيك ، فإنا لا نرى لنا كفوا غيرهما . فقال علي عليه السلام : اذهبا حيث شئتما . فقام نرسا فقال : مر لي بهن ، فإنها منك كرامة ، فبيني وبينهن قرابة (1) . ففعل فأنزلهن نرسا معه ، وجعل يطعمهن ويسقيهن في الذهب والفضة ، ويكسوهن كسوة الملوك ، ويبسط لهن الديباج . وبعث علي الأشتر على الموصل ونصيبين ، ودارا ، وسنجار ، وآمد ، وهيت ، وعانات ، وما غلب عليه من تلك الأرضين من أرض الجزيرة . وبعث معاوية بن أبي سفيان الضحاك بن قيس على ما في سلطانه من أرض الجزيرة ، وكان في يديه حران والرقة والرها وقر قيسيا . وكان من كان بالكوفة والبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية ، فخرج الأشتر وهو يريد الضحاك بن قيس بحران ، فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة فأمدوه ، وكان جل أهلها يومئذ عثمانية ، فجاءوا وعليهم سماك بن مخرمة ، وأقبل الضحاك يستقبل الأشتر ، فالتقى الضحاك وسماك بن مخرمة ، بمرج مرينا بين حران والرقة ، فرحل الأشتر حتى نزل عليهم فاقتتلوا اقتتالا شديدا حتى كان عند المساء ، فرجع الضحاك بمن معه فسار ليلته كلها حتى ____________ ( 1 ) أشار ناسخ الأصل إلى أن في بعض النسخ : « لأن بيني وبينهن قرابة » . ( 13 ) صبح بحران فدخلها ، وأصبح الأشتر فرأى ما صنعوا فتبعهم حتى نزل عليهم بحران فحصرهم ، وأتى الخبر معاوية فبعث إليهم عبد الرحمن بن خالد في خيل يغيثهم ، فلما بلغ ذلك الأشتر كتب كتائبه ، وعبى جنوده وخيله ، ثم ناداهم الأشتر : ألا إن الحي عزيز ، ألا إن الذمار منيع ، ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة ؟ احتجرتم احتجار الضباب . فنادوا : يا عباد الله أقيموا قليلا ، علمتم والله أن قد أتيتم . فمضى الأشتر حتى مر على أهل الرقة فتحرزوا منه ، ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسيا فتحرزوا منه ، وبلغ عبد الرحمن بن خالد انصراف الأشتر فانصرف . فلما كان بعد ذلك عاتب أيمن بن خريم الأسدي معاوية ، وذكر بلاء قومه بني أسد [ في مرج (1) ] مرينا . وفي ذلك يقول : أبلغ أمير المؤمنـين رسالـة * من عـاتبين مسـاعر أنجـاد منيـتهم ، أن آثروك ، مثوبة * فرشـدت إذ لم تـوف بالميعاد أنسيـت إذ في كـل عام غارة *في كل ناحية كرجل جراد (2) غارات أشتر في الخيول يريدكم *بمـعـرة ومـضـرة وفسـاد وضع المسالح مرصدا لهلاككم*ما بين عانـات إلى زيداد (3) وحوى رسـاتيق الجزيرة كلها* غصبـا بكل طمـرة وجـواد لمـا رأى نيران قومي أوقدت * وأبـو أنيـس فـاتر الإيقـاد أمضـى إلينا خيـله ورجاله*وأغـذ لا يجـرى لأمر رشاد ____________ ( 1 ) الكلمتان ساقطتان من الأصل . ( 2 ) الرجل ، بالكسر : الجراد الكثير ، وجمعه أرجال . ( 3 ) زيداد ، لم أجد لها ذكرا في كتب البلدان ، ولعلها « سنداد » . ( 14 ) ثرنـا إليهـم عند ذلـك بالـقنا * وبكل أبيض كالعقيقة صاد (1) في مرج مرينا (2) ألم تسمع بنا * نبغـي الإمام بـه وفيه نعادي لو لا مقام عشيـرتي وطعانهـم *وجـلادهم بالمـرج أي جـلاد لأتاك أشتـر مذحـج لا ينثـني *بالجيش ذا حنق عليك وآد (3) نصر : عبد الله بن كردم بن مرثد ، قال : لما قدم علي عليه السلام حشر أهل السواد ، فلما اجتمعوا أذن لهم ، فلما رأى كثرتهم قال : إني لا أطيق كلامكم ، ولا أفقه عنكم ، فأسندوا أمركم إلى أرضاكم في أنفسكم ، وأعمه نصيحة لكم . قالوا : نرسا ، ما رضى فقد رضيناه ، وما سخط فقد سخطناه . فتقدم فجلس إليه فقال : أخبرني عن ملوك فارس كم كانوا ؟ قال : كانت ملوكهم في هذه المملكة الآخرة اثنين وثلاثين ملكا (4) . قال : فكيف كانت سيرتهم ؟ قال : ما زالت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة (5) ، حتى ملكنا كسرى بن هرمز ، فاستأثر بالمال والأعمال ، وخالف أولينا ، وأخرب الذي للناس ، وعمر الذي له ، واستخف بالناس ، فأوغر نفوس فارس ، حتى ثاروا عليه فقتلوه ، فأرملت نساؤه ويتم أولاده . فقال : يا نرسا ، إن الله عز وجل خلق الخلق بالحق ، ولا يرضى من أحد إلا بالحق ، وفي سلطان الله ____________ ( 1 ) العقيقة : البرق إذا رأيته في وسط السحاب كأنه سيف مسلول . ( 2 ) شدد راء « مرينا » للشعر ، وأصلها التخفيف كما في القاموس . ومرينا : فوم من أهل الحيرة من العباد . قال الجواليقي : « وليس مرينا بكلمة عربية » . وأنشد لامرئ القيس : فلو في يوم معركة أصيبوا * ولكن في ديار بني مرينا ( 3 ) الآد والأيد : القوة ( 4 ) جعلهم المسعودي في التنبيه والإشراف 87 ـ 90 ثلاثين ملكا . وهم الساسانيون . ( 5 ) عظم الأمر بالضم والفتح : معظمه . ( 15 ) تذكرة مما خول الله ، وإنها لا تقوم مملكة إلا بتدبير ، ولا بد من إمارة ، ولا يزال أمرنا متماسكا ما لم يشتم آخرنا أولنا ، فإذا خالف آخرنا أولنا وأفسدوا ، هلكوا وأهلكوا . ثم أمر عليهم أمراءهم . ثم إن عليا عليه السلام بعث إلى العمال في الآفاق ، وكان أهم الوجوه إليه الشام . نصر ، عن محمد بن عبيد الله القرشي ، عن الجرجاني قال : لما بويع علي وكتب إلى العمال في الآفاق كتب إلى جرير بن عبد الله البجلي ، وكان جرير عاملا لعثمان على ثغر همدان (1) ، فكتب إليه مع زحر بن قيس الجعفي (2) : " أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال . وإني أخبرك عن نبأ (3) من سرنا إليه من جموع طلحة والزبير ، عند نكثهم بيعتهم (4) ، وما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف (5) . إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار ، حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن علي ، وعبد الله بن عباس ، وعمار بن ياسر ، وقيس بن سعد بن عبادة ، فاستنفروهم ____________ ( 1 ) همدان ، كذا وردت في الأصل وفي ح ( 1 : 246 ) . وهما لغتان في همذان . ولغة الإهمال هي الفارسية ، وبالإعجام معربة . انظر معجم استينجاس 1509 . ( 2 ) زحر ، بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة . وهو زحر بن قيس الكوفي الجعفي ، أحد أصحاب علي بن أبي طالب ، أنزله المدائن في جماعة جعلهم هناك رابطة ، روي عنه عامر الشعبي ، وحصين بن عبد الرحمن . انظر تاريخ بغداد 4605 . ح : « زجر » محرف . ( 3 ) ح : « عن أنباء » . ( 4 ) ح : « بيعتي » . ( 5 ) حنيف ، بهيئة التصغير . وعثمان بن حنيف صحابي أنصاري ، شهد أحدا ، وكان علي استعمله على البصرة قبل أن يقدم عليها فغلبه عليها طلحة والزبير . ومات في خلافة معاوية . الاصابة 5427 . ****************** فأجابوا ، فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في الدعاء ، وأقلت العثرة ، وناشدتهم عقد بيعتهم (1) فأبوا إلا قتالي ، فاستعنت بالله عليهم ، فقتل من قتل وولوا مدبرين إلى مصرهم ، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء ، فقبلت العافية ، ورفعت السيف ، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس ، وسرت إلى الكوفة . وقد بعثت إليكم زحر (2) بن قيس ، فاسأل (3) عما بدا لك». قال : فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال : أيها الناس ، هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهو المأمون على الدين والدنيا ، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه . وقد بايعه السابقون الأولون (4) من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان . ولو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها . ألا وإن البقاء في الجماعة ، والفناء في الفرقة . وعلى (5) حاملكم على الحق ما استقمتم ، فإن ملتم أقام ميلكم . فقال الناس : سمعا وطاعة ، رضينا رضينا . فأجاب جرير وكتب جواب كتابه بالطاعة . وكان مع علي رجل من طيئ ، ابن أخت لجرير ، فحمل زحر بن قيس شعرا له إلى خاله جرير ، وهو : جرير بن عبد الله لا تردد الهدى*وبايـع علينا إنني لـك ناصح فإن عليا خير من وطئ الحصى * سوى أحمد والموت غاد ورائح ____________ ( 1 ) ح :«عهد بيعتهم». ( 2 ) في الأصل وح :«زجر»بالجيم ، محرفة . ( 3 ) في ح : « فاسأله » ، وفي الإمامة والسياسة ( 1 : 78 ) : « فاسأله عنا وعنهم » . ( 4 ) ح : « الناس الأولون » . ( 5 ) ح : « وإن عليا » . ( 17 ) ودع عـنـك قـول الناكثـين فإنما * اك ، أبــا عـمـرو ، كـلاب نوابح بـايـــعـه إن بايعـته بنـصيحة* ولا يـك معها في ضمـيرك قادح (1) فإنك إن تطــلب بـه الـدين تعطه * وإن تطـلب الدنيـا فبيعــك رابـح وإن قـلت عـثمـان بـن عفان حقه *على عـظيم والشـكور منــاصـح فـحـق علـى إذ ولـيـك كـحقه ، * وشكرك ما أوليت في الناس صالح (2) وإن قلـت لا نـرضى عليـا إمامنـا * فدع عنـك بـحرا ضـل فيه السوائح أبـى الله إلا أنـه خـيــر دهـره *وأفضــل من ضمـت عليه الأباطح ثم قام زحر بن قيس خطيبا (3) ، فكان مما حفظ من كلامه أن قال : « الحمد لله الذي اختار الحمد لنفسه وتولاه دون خلقه ، لا شريك له في الحمد ، ولا نظير له في المجد ، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له ، القائم الدائم ، إله السماء والأرض ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالنور الواضح (4) والحق الناطق ، داعيا إلى الخير ، وقائدا إلى الهدى » . ثم قال : « أيها الناس ، إن عليا قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول ، ولكن لا بد من رد الكلام . إن الناس بايعوا عليا بالمدينة من غير محاباة له بيعتهم ، ____________ ( 1 ) القادح ، بالتاف : أصله الاكل يقع في الشجر والأسنان ، والمراد به الغش والدخل . وفي اللسان : « قدح في ساق أخيه : غشه وعمل في شيء يكرهه » . وفي الأصل : « فادح » بالفاء ، وهو الحمل الثقيل 0والنازلة تنزل بالمرء . والوجه ما أثبت من ح . ( 2 ) وليه ، كرضيه : صار وليا له . وسكن الياء للشعر . ( 3 ) كذا في الأصل . وفي ح : « قال نصر : ثم إن جرير قام في أهل همدان خطيبا » . وعقب ابن أبي الحديد على هذه الخطبة والشعر الذي بعدها بقوله : « قال نصر : فسر الناس بخطبة جرير وشعره » . انظر ح ( 1 : 247 ) . وقد مضت خطبة لجرير في الصفحة السابقة فيصح ما هنا إن كان قد أشار إلى تلك الخطبة . ( 4 ) في الأصل : « بالحق الواضح » وأثبت ما في ح . ( 18 ) لعلمه بكتاب الله وسنن الحق ، وإن طلحة والزبير نقضا بيعته علي غير حدث ، وألبا عليه الناس ، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب ، وأخرجا أم المؤمنين ، فلقيهما فأعذر في الدعاء ، وأحسن في البقية ، وحمل الناس على ما يعرفون . هذا عيان ما غاب عنكم . ولئن سألتم الزيادة زدناكم ، ولا قوة إلا بالله " . وقال جرير في ذلك : أتانـا كتـاب عـلي فـلم*نرد الـكتاب ، بأرض العجم ولـم نعص مـا فيه لما أتى * ولمـا نـذم (1) ولمـا نلم نحـن ولاة عـلى ثغـرها *نضيم العزيز ونحمـي الذمم نساقيهـم الموت عند اللقاء * بكأس المـنايا ونشفي القرم طـحـنـاهم طـحنة بالقنا * وضرب سيوف تطير اللمم مضينا يقـينـا على ديننـا *ودين النبي مـجلى الظـلم أميـن الإلـه وبـرهـانه * وعدل البرية والـمـعتصم رسـول المليك ، ومن بعده* خليفتنا القـائم الـمـدعـم عليا عنيـت وصي النبـي *نجالد عنــه غـواة الأمم له الفضل والسبق والمكرمات *وبيت النبوة لا يهتضم (2) وقال رجل (3) : لعمر أبيك والأنباء تنمى * لقد جلى بخطبته جرير ____________ ( 1 ) في الأصل : « ولما نضام » ، صوابه من ح . ( 2 ) بعد هذا في ح ، كما سبق : « قال نصر : فسر الناس بخطبة جرير وشعره » . ( 3 ) ح : « وقال ابن الازور القسري في جرير يمدحه بذلك » . ( 19 ) وقـال مقـالة جدعت رجالا* من الحييـن خطبـهم كبيـر بدا بك قـبل أمتـه عـلى * ومخك إن رددت الحق رير (1) أتاك بأمـره زحر بن قيس * وزحر بالـتي حدثـت خبير فكنت بما أتـاك به سـميعا * وكدت إليه مـن فرح تـطير فأنـت بما سعـدت بـه ولي*وأنـت لما تعد لـه نصير (2) ونعم المرء أنت لـه وزيـر* ونعم المرء أنـت لـه أميـر فأحرزت الثواب ، ورب حاد* حدا بـالركب ليـس له بعير ليهنك ما سبـقت به رجـالا *من العلياء والفـضل الكبير (3 ) وقال النهدي في ذلك : أتـانا بالنبا زحـر بن قيـس * عظيم الخطب من جعف بن سعد (4 ) تخـيره أبـو حسـن عـلي *ولم يك زنـده فيـهـا بـصـلد رمى أعـراض حاجته بقول * أخـوذ لـلقلـوب بـلا تـعـد فسر الحي من يمن وأرضـى * ذوي العليـاء من سلـفى مـعد (5) ____________ ( 1 ) مخ رير : ذائب فاسد من الهزال . يقال مخ رار ، ورير بالكسر ، ورير بالفتح . وفي الأصل : « يزير » وفي ح : « وتفخر إن رددت الحق زير » كلاهما محرف ، والصواب ما أثبت . ( 2 ) في الأصل : « بصير » بالباء ، صوابه من ح . ( 3 ) تقرأ بالرفع عطفا على : « ما سبقت » ، وبالجر عطفا على « العلياء » ، وفي القراءة الأخيرة إقواء . ( 4 ) جعف ، أراد « جعفي » وحقها أن تنتهي في الرسم بالياء ، لكن كذا وردت في الأصل وح . وجعفي ، بتشديد الياء ، هم بنو سعد العشيرة بن مذحج ، حي من اليمن . ( 5 ) يعني ربيعة ومضر ابني نزار بن عدنان . ( 20 ) ولم يـك قبله فـينا خطيـب * مضى قبلى ولا أرجـوه بعـدي متـى يشـهد فنحن بـه كثير * وإن غاب ابن قيس غاب جدي (1) وليس بموحـشي أمـر إذا ما *دنا منـي وإن أفـردت وحدي له دنيـا يعـاش بهـا وديـن *وفي الهيجا كـذي شبلـين ورد قال : ثم أقبل جرير سائرا من ثغر همدان (2) حتى ورد على علي عليه السلام بالكوفة ، فبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس ، من طاعة علي ، واللزوم لأمره . ثم بعث إلى الأشعث بن قيس الكندي . نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : لما بويع علي وكتب إلى العمال ، كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني ، والأشعث على أذربيجان عامل لعثمان ، وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك ، فكتب إليه علي : « أما بعد ، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس ، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وسارا إلى البصرة ، فسرت إليهما فالتقينا ، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا ، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية . وإن عملك ليس لك بطعمة ، ولكنه أمانة . وفي يديك ____________ ( 1 ) الجد ، ها هنا : الحظ . ( 2 ) كذا وردت بإهمال الدال ، كما هو أصلها الفارسي . انظر التنبيه 1 ص 15 . ( 21 ) مال من مال الله ، وأنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إلى ، ولعلي ألا أكون شر ولاتك لك إن استقمت . ولا قوة إلا بالله " . فلما قرأ الكتاب قام زياد بن مرحب (1) فحمد الله وأثني عليه ثم قال : " أيها الناس ، إن من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير ، إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان ، ولا يشفي منه الخبر ، غير أن من سمع به ليس كمن عاينه . إن الناس بايعوا عليا راضين به ، وأن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث ، ثم أذنا بحرب فأخرجا أم المؤمنين ، فسار إليهما فلم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة ، فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين » . ثم قام الأشعث بن قيس ، فحمد الله وأثني عليه ثم قال : « أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان ولاني أذربيجان ، فهلك وهي في يدي ، وقد بايع الناس عليا ، وطاعتنا له كطاعة من كان قبله . وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم . وعلي المأمون علي ما غاب عنا وعنكم من ذلك الأمر » . فلما أتى منزله دعا أصحابه فقال : إن كتاب علي قد أوحشني ، وهو آخذ بمال أذربيجان (2) ، وأنا لاحق بمعاوية . فقال القوم : الموت خير لك من ذلك . أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنبا لأهل الشام ؟ ! فاستحيا فسار حتى قدم على علي ، فقال السكوني ـ وقد خاف أن يلحق بمعاوية : إني أعيذك بالذي هو مالك * بمعـاذة الآبـاء والأجـداد ____________ ( 1 ) في الإمامة والسياسة 1 : 79 : « زياد بن كعب » . ( 2 ) في الإمامة والسياسة : « وهو آخذي بمال أذربيجان » . ( 22 ) ممـا يظن بك الرجال ، وإنما * سـاموك خـطة معشـر أوغـاد إن اذربـيـجـان التي مزقتها *ليـست لجدك فاشنـها ببـلاد (1) كانت بـلاد خـليفـة ولا كها * وقـضـاء ربـك رائـح أو غـاد فدع البلاد فليس فيها مـطمـع * ضربت عليك الأرض بالأسداد (2) فـادفـع بمالك دون نفسك إننا * فـادوك بـالأمـــوال والأولاد أنت الذي تثني الخناصر دونه *وبكبش كندة يـستهـل الــوادي ومعصب بالتـاج مفرق رأسه * ملك لـعمـرك راسـخ الأوتـاد وأطـع زيـادا إنه لك ناصح *لا شـك في قول النصيـح زيـاد وانـظـر عليا إنـه لك جنة *ترشد ويهدك لـلسعادة هـاد (3) ومما كتب به إلى الأشعث : أبلغ الأشعث الـمعصب بالتـا*ج غلاما حتى علاه القتير (4) يا ابن آل المـرار من قبل الأ*م وقيـس أبوه غيث مطير(5) قد يصيـب الضـعيف ما أمر *الله ويخطـي المدرب النحرير قد أتى قبـلك الـرسول جريرا *فتـلقـاه بـالسـرور جـرير وله الفضل في الجهاد وفي الهج *رة والـدين ، كـل ذاك كـثير إن يكن حظـك الذى أنـت فيه *فحقير مـن الحـظوظ صغير ____________ ( 1 ) اشنها ، أراد اشنأها ثم حذف الهمزة وعامله معاملة المعتل . والشناءة والشنآن : البغض ( 2 ) أي سد عليه الطريق فعميت مذاهبه ، وواحد الأسداد سد . ( 3 ) في الأصل : « يرشد ويهديك للسعادة » محرف . ( 4 ) القتير : الشيب ، أو أول ما يظهر منه . يقول : كان ملكا من صباه إلى مشيبه . ( 5 ) أبوه ، على الالتفات . ولو لم يلتفت لقال : « أبوك » . ( 23 ) يا ابن ذي التاج والمبجل من كن * دة ، تـرضى بأن يقال أمير ؟ أذربــيجان حــسرة فذرنها * وابغين الـــذي إليه تصير واقبل اليــوم ما يـقول علي* ليس فيما يــــقوله تخيير واقبل البيعة التــي ليس للنا*س سواها من أمرهـم قطمير عمرك اليوم قد تركــت عليا * هل له في الذي كرهـت نظير ومما قيل على لسان الأشعث : أتـانا الرسول رسول علي*فســر بمــقدمه المسلمونا رسول الوصي وصي النبي * له الفضل والسبق في المؤمنينا بما نصـح الله والمصطفى * رســول الإله الـنبي الأمينا يجاهد في الله ، لا يـنثني ،*جميع الطغاة مع الجاحدينا (1) وزير النبي وذو صــهره* وسيف المنية في الظـالـمينا وكم بطل ماجد قــد أذاق* منية حتف ، من الــكافرينا وكم فارس كان سال النزال * فآب إلى النار في الآئبينا ( 2) فذاك عـلى إمـام الهـدى *وغيث البرية والمقحمينا (3) وكان إذا مـا دعـا للنزال * كليث عرين يزين العرينا (4) ____________ ( 1 ) جاهد العدو : قاتله . وفي الكتاب : ( جاهد الكفار والمنافقين ) . ( 2 ) سال : مخفف سأل . قال حسان ( انظر ديوانه 67 والكامل 288 ليبسك ) : سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب ( 3 ) المقحمون : الذين أصابتهم السنة والجدب ، فأخرجتهم من البادية وأقحمتهم الحضر . وفي الأصل : « المفخمينا » محرفة . ( 4 ) في الأصل : « بن ليث العرينا » وهو تحريف . ( 24 ) أجاب السؤال بنصح ونصر*وخالـص ود على العالمينا فمــا زال ذلك مـن شأنه * ففاز وربـي مـع الفائزينا ومما قيل على لسان الأشعث أيضا : أتـانا الرسول رسول الوصي *علــي المهـذب من هاشم رسـول الوصي وصي النبي* وخيـر البريـة مــن قائم وزيـر النبي وذو صــهره *وخـير البرية في العــالم له الفضل والسبق بالصالحات * لهدى النبي به يأتمـى (1) محــمدا اعني رسول الإله *وغـــيث البرية والخاتم أجبنــا عـليا بفضـل له* وطاعة نــصح لـه دائم فقيه حليـم لـه صـولــة *كليث عريـن بها سائــم حليم عفيــف وذو نـجدة * بعيد من الغــدر والـماثم وأنه قدم على علي بن أبي طالب عليه السلام بعد قدومه الكوفة ، الأحنف بن قيس ، وجارية بن قدامة ، وحارثة بن بدر ، وزيد بن جبلة ، وأعين بن ضبيعة ، وعظيم الناس بنو تميم ، وكان فيهم أشراف ، ولم يقدم هؤلاء على عشيرة من أهل الكوفة ، فقام الأحنف بن قيس ، وجارية بن قدامة ، وحارثة بن بدر ، فتكلم الأحنف فقال : « يا أمير المؤمنين ، إنه إن تك سعد لم تنصرك يوم الجمل فإنها لم تنصر عليك . وقد عجبوا أمس ممن نصرك وعجبوا اليوم ممن خذلك ، لأنهم شكوا في طلحة والزبير ، ولم يشكوا في معاوية . وعشيرتنا بالبصرة ، فلو بعثنا إليهم فقدموا إلينا فقاتلنا بهم العدو ____________ ( 1 ) يأتمي ، أراد يأتمم أي يأتم ، فقلب إحدى الميمين ياء ، وكذلك يفعلون ، كما قالوا في التظنن التظني ، وفي التنصص التقصي . وفي الأصل : « يأتم » محرفة . ( 25 ) وانتصفنا بهم ، وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس ! » . قال علي لجارية بن قدامة ـ وكان رجل تميم بعد الأحنف ـ : ما تقول يا جارية ؟ قال : « أقول هذا جمع حشره الله لك بالتقوى ، ولم تستكره فيه شاخصا ، ولم تشخص فيه مقيما . والله لو لا ما حضرك فيه من الله لغمك سياسته ، وليس (1) كل من كان معك نافعك ، ورب مقيم خير من شاخص ، ومصراك خير لك ، وأنت أعلم » . فكأنه [ بقوله ] : « كان معك » ربما كره إشخاص قومه عن البصرة (2) . وكان حارثة بن بدر أسد الناس رأيا عند الأحنف (3) ، وكان شاعر بني تميم وفارسهم ، فقال علي : ما تقول يا حارثة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا نشوب الرجاء بالمخافة . والله لوددت أن أمواتنا (4) رجعوا إلينا فاستعنا بهم على عدونا . ولسنا نلقى القوم بأكثر من عددهم ، وليس لك إلا من كان معك ، وإن لنا في قومنا عددا لا نلقى بهم عدوا أعدى من معاوية ، ولا نسد بهم ثغرا أشد من الشام ، وليس بالبصرة بطانة نرصدهم لها ، ولا عدو نعدهم له . ووافق الأحنف في رأيه ، فقال علي للأحنف : اكتب إلى قومك . فكتب الأحنف إلى بني سعد : ____________ ( 1 ) في الأصل : « وليس كل من كان معك » والتكملة من الإمامة والسياسة لابن تتيبة 1 : 75 ، وقد سقطت منها كلمة « ليس » . ( 2 ) في الأصل : « فكأنه كان معك وربما كره . . . الخ » ، والوجه فيما أثبت . ( 3 ) أسد ، من سداد الرأى ، وهو استتامته وصحته . وفي الأصل : « أشد » بالمعجمة ، تحريف . ( 4 ) في الأصل : « أمراءنا » وصوابه من الإمامة والسياسة . ( 26 ) « أما بعد فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا وقد شقوا برأي سيدهم غيركم شقيت سعد بن خرشة برأي ابن يثربي ، وشقيت حنظلة برأي لحيان (1) ، وشقيت عدي برأي زفر ومطر ، وشقيت بنو عمرو بن تميم برأي عاصم بن الدلف ، وعصمكم الله برأيي لكم حتى نلتم ما رجوتم ، وأمنتم ما خفتم ، وأصبحتم منقطعين من أهل البلاء ، لاحقين بأهل العافية . وإني أخبركم أنا قدمنا على تميم الكوفة فأخذوا علينا بفضلهم مرتين : بمسيرهم إلينا مع علي ، وميلهم إلى المسير إلى الشام . ثم أخمروا (2) حتى صرنا كأنا لا نعرف إلا بهم ، فأقبلوا إلينا ولا تتكلوا عليهم ، فإن لهم أعدادنا من رؤسائهم ، وحنانا أن تلحق (3) فلا تبطئوا ، فإن من العطاء حرمانا ، ومن النصر خذلانا . فحرمان العطاء القلة ، وخذلان النصر الإبطاء ، ولا تقضي الحقوق إلا بالرضا ، وقد يرضي المضطر بدون الأمل » . وكتب معاوية بن صعصعة ، وهو ابن أخي الأحنف : تمــيم بن مـر إن أحنف نعمة * من الله لم يخصص بها دونكم سعدا وعم بها من بعدكم أهل مصركم *ليالي ذم النــاس كلـهم الوفـدا سواه لقطع الحبل عن أهل مصره *فأمسوا جمـيعا آكلـين بن رغـدا وإعظامه الصاع الصغير وحذفه *من الـدرهم الوافي يجوز له النقدا وكــان لسعد رأيه أمس عصمة*فلم يخط لا الإصدار فيهم ولا الوردا ____________ ( 1 ) في الأصل : « الحيان » . ( 2 ) أخمروا ، من الإخمار ، وهو الستر . أي غلبوا عليهم . وفي الأصل : « ثم أحمسوا » ، وفي الإمامة والسياسة : « ثم انحشرنا معهم » . ( 3 ) كذا . ولعلها : « وجنانا لن نلحق » . جعلهم كالجن . والجنان : جمع جان . ( 27 ) وفي هذه الأخرى له مخض زبدة * سيخرجها عفوا فلا تعجلوا الزبدا ولا تبطئوا عنه وعيشوا برأيـه* ولا تجعلوا مما يقول لكم بــدا أليس خطيب القوم في كل وفدة *وأقربهم قربا وأبـعدهم بعــدا وإن عليا خير حـاف وناعـل * فلا تمنعوه اليـوم جهدا ولا جدا يحارب من لا يحرجون بحربه *ومن لا يساوي دينه كله ردا (1) ومن نزلت فيــه ثلاثون آية*تسمية فيها مؤمنا مخلصا فردا سوى موجبات جئن فيه وغيرها *بها أوجب الله الـولاية والودا فلما انتهى كتاب الأحنف وشعر معاوية بن صعصعة إلى بني سعد ساروا بجماعتهم حتى نزلوا الكوفة ، فعزت بالكوفة وكثرت ، ثم قدمت عليهم ربيعة ـ ولهم حديث ـ وابتدأ خروج جرير إلى معاوية . نصر : عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي ، أن عليا عليه السلام حين قدم من البصرة نزع جريرا همدان ، فجاء حتى نزل الكوفة ، فأراد علي أن يبعث إلى معاوية رسولا فقال له جرير : ابعثني إلى معاوية ، فإنه لم يزل لي مستنصحا وودا (2) ، فآتيه (3) فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر ، ويجامعك على الحق ، على أن يكون أميرا من أمرائك ، وعاملا من عمالك ، ما عمل بطاعة الله ، واتبع ما في كتاب الله ، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك ____________ ( 1 ) الرد : الزائف من الدراهم . وفي الأصل : « ريدا » ، ولا وجه له . ( 2 ) الود ، بكسر الواو : الصديق ، كالحب بمعنى المحبوب . والود ، بضم الواو : الصديق ، على حذف المضاف . وجاء في اللسان : « وفي حديث ابن عمر : إن أبا هذا كان ودا لعمر . هو على حذف المضاف ، تقديره كان ذا ود لعمر ، أي صديقا » . ( 3 ) في الأصل : « نأتيه » ، تحريف . وفي ح ( 1 : 247 ) : « آتيه » . ( 28 ) وولايتك ، وجلهم (1) قومي وأهل بلادي ، وقد رجوت ألا يعصوني . فقال له الأشتر : لا تبعثه ودعه ، ولا تصدقه ، فو الله إني لأظن هواه هواهم ، ونيته نيتهم . فقال له علي : دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا . فبعثه على عليه السلام وقال له حين أراد أن يبعثه : إن حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الدين والرأي من قد رأيت ، وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك : « إنك من خير ذي يمن (2) » . ايت معاوية بكتابي ، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه (3) ، وأعلمه أني لا أرضى به أميرا ، وأن العامة لا ترضى به خليفة » . فانطلق جرير حتى أتى الشام ونزل بمعاوية ، فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه وقال : « أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين (4) وأهل الحجاز ، وأهل اليمن ، وأهل مصر ، وأهل العروض وعمان ، وأهل البحرين واليمامة ، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ، لو سال عليها سيل من أوديته غرقها . وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل » . ودفع إليه كتاب علي بن أبي طالب ، وفيه : ____________ ( 1 ) ح : « فجلهم » بالفاء . ( 2 ) من خير ذي يمن : أي من خير اليمن . وفي اللسان ( 20 : 349 ) : « ويقال أتينا ذا يمن ، أي أتينا اليمن » . ( 3 ) النبذ : أن يكون بينه وبين قوم هدنة فيخاف منهم نقض العهد ، فيلقي إليهم أنه قد نقض ما بينه وبينهم قبل أن يفجأهم بالقتال . ومنه قول الله : ( وإما تخافن من قوم خيانة فانيذ إليهم على سواء ) . ( 4 ) الحرمان : مكة والمدينة . والمصران : البصرة والكوفة . ( 29 ) بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام (1) ؛ لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان علي ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد . وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما (2) كان ذلك لله رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه (3) الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي ، وكان نقضهما كردهما ، فجاهدتهما . على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإن أحب الأمور إلى فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء . فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله (4) عليك . وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله . فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن . ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان . واعلم أنك من الطلقاء (5) الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم الشورى . وقد أرسلت إليك ____________ ( 1 ) في الأصل : « . . بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام » ، والوجه ما أثبت من ح . ( 1 : 248 ) . ( 2 ) ح : « إذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما » . ( 3 ) في الأصل : « ووليه » ، وأثبت الصواب من ح . ( 4 ) ح : « بالله » . ( 5 ) الطلقاء : جمع طليق ، وهو الأسير الذي أطلق عنه إساره وخلى سبيله . ويراد بهم الذين خلى عنهم رسول الله يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم . ( 30 ) وإلى من قبلك (1) جرير بن عبد الله ، وهو من أهل الإيمان والهجرة . فبايع ولا قوة إلا بالله » . فلما قرأ الكتاب قام جرير فقال : الحمد لله المحمود بالعوائد (2) ، المأمول منه الزوائد ، المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب . أحمده وأستعينه في الأمور التي تخير دونها الألباب ، وتضمحل عندها الأسباب (3) . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كل شئ هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بعد الفترة ، وبعد الرسل الماضية (4) والقرون الخالية (5) ، والأبدان البالية ، والجبلة الطاغية ، فبلغ الرسالة ، ونصح الأمة ، وأدى الحق الذي استودعه الله وأمره بأدائه إلى أمته . صلى الله عليه وسلم من مبتعث ومنتجب (6) . ثم قال : أيها الناس ، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده ، فما ظنكم بمن غاب عنه . وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور ، وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث . ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن ____________ ( 1 ) كلمة : « وإلى من قبلك » ساقطة من ح . ( 2 ) العوائد : جمع عائدة ، وهي المعروف ، والصلة ، والفضل . ( 3 ) الأسباب : جمع سبب ، وهو كل ما يتوصل به إلى غيره . وفي الأصل : « الأرباب » ولا وجه له . وهذه الجملة ساقطة من ح . ( 4 ) ح : « بعد فترة من الرسل الماضية » . ( 5 ) الكلام بعد هذه الكلمة إلى : « الطاغية » ليس في ح . ( 6 ) منتجب ، بالجيم : مختار . وانظر ما سبق في ص 10 . ح : « من رسول ومبتعث ومنتخب » . ****************** ألا وإن العرب لا تحتمل السيف (1) . وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس . وقد بايعت العامة (2) عليا . ولو ملكنا الله أمورنا (3) لم نختر لها غيره ، ومن خالف هذا استعتب (4) . فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس . فإن قلت : استعملني عثمان ثم لم يعزلني ، فإن هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين ، وكان لكل امرئ ما في يديه . ولكن الله لم يجعل للآخر من الولاة حق الأول ، وجعل تلك أمورا موطأة ، وحقوقا ينسخ بعضها بعضا . [ ثم قعد ] ، فقال معاوية : انظر وننظر ، واستطلع رأي أهل الشام . فلما فرغ جرير من خطبته أمر معاوية (5) مناديا فنادى : الصلاة جامعة . فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم قال : الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا ، والشرائع للإيمان برهانا ، يتوقد قبسه (6) في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده ، فأحلها أهل الشام (7) ، ورضيهم لها ورضيها لهم ، لما سبق من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه والقوام بأمره ، والذابين عن دينه ____________ ( 1 ) ما بعد : « الفتن » إلى هنا ليس في ح . ( 2 ) ح : « الأمة » . ( 3 ) ح : « ولو ملكنا الله الأمور » . ( 4 ) استعتب : استقال مما فرط منه . ( 5 ) بدلها في ح : « فمضت أيام وأمر معاوية » . ( 6 ) القبس : النار ، أو الشعلة منها . وفي الأصل : « قابسه » صوابه من ح . ( 7 ) أي أحل الأرض المقدسة أهل الشام . وفي ح : « فأحلهم أرض الشام » . وما في الأصل أولى وأقوى . ( 32 ) وحرماته . ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما ، وفي سبيل الخيرات أعلاما ، يردع الله بهم الناكثين ، ويجمع بهم ألفة المؤمنين . والله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام ، وتباعد بعد القرب . اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا ، ويخيفون آمننا ، ويريدون هراقة دمائنا (1) ، وإخافة سبيلنا وقد يعلم الله أنا لم نرد بهم عقابا (2) ، ولا نهتك لهم حجابا ، ولا نوطئهم زلقا . غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى ، وسقط الندى ، وعرف الهدى . حملهم على خلافنا البغي والحسد ، فالله نستعين عليهم (3) . أيها الناس ، قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأني خليفة عثمان بن عفان عليكم (4) ، وأني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط (5) ، وأني ولي عثمان وقد قتل مظلوما . والله يقول : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) . وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان » . فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان (6) ، وبايعوه على ذلك ، وأوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا بثأره ، أو يفني الله أرواحهم (7) . فلما أمسى معاوية وكان قد اغتم بما هو فيه ، قال نصر : ____________ ( 1 ) الهراقة ، بكسر الهاء : الإراقة ، كما في نص القاموس . وضبطت في اللسان ضبط قلم مرة بالكسر ومرة بالفتح ، والأخيرة ليست من الصواب . ( 2 ) ح : « لا نريد لهم عقابا » . ( 3 ) ح : « حملهم على ذلك البغي والحسد فتستعين الله عليهم » . ( 4 ) ح : « وأمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم » . ( 5 ) الخزاية ، بالفتح : الاستحياء . أراد عمل ما يستحيا منه . ( 6 ) في الأصل : « إلى دم عثمان » وأنبت ما في ح . ( 7 ) في الأصل : « يغني » ، بالغين المعجمة ، تحريف . وفي ح : « أو تلحق أرواحهم بالله » . ( 33 ) فحدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال : لما جن معاوية الليل واغتم وعنده أهل بيته ، قال : تطاول ليلى واعترتني وسـاوسي * لات أتى بـالـترهات البسابس (1) أتانا جريــر والحوادث جمــة* بتلك التي فيها اجتداع المعاطس (2) أكابده والســيف بــيني وبينه *ولســت لأثواب الدني بلابس (3) إن الشــام أعطـت طاعة يمنية* تواصـفها أشياخها فـي المجـالس فإن يجمعوا أصدم عليا بجبهة (4) * تفت علـيه كـل رطب ويابــس وإنــي لأرجو خير ما نال نائل * وما أنا مــن ملك العــراق بآيس وإلا يـكونوا عند ظني بنصرهم* وإن يخــلفوا ظني كف عابس (5) نصر ، قال : حدثني محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : واستحثه جرير بالبيعة ، فقال : يا جرير ، إنها ليست بخلسة ، وإنه أمر له ما بعده ، فأبلعني ريقي حتى أنظر . ودعا ثقاته فقال له عتبة بن أبي سفيان ـ وكان نظيره ـ : اجتمعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص ، وأثمن له بدينه فإنه من قد عرفت ، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته وهو لأمرك أشد اعتزالا إن ير فرصة (6) . ____________ ( 1 ) الترهات البسابس : الباطل . وربما قالوا ترهات البسابس ، بالإضافة . ( 2 ) اجتداع المعاطس : أي قطع الأنوف ، وذاك علامة الإذلال . ( 3 ) أكابده : من قولهم كابد الأمر مكابدة وكبادا : قاساه . ح : « أكايده » بالمثناة التحتية . وفي اللسان : « وكل شيء تعالجه فأنت تكيده » . ( 4 ) قال ابن أبي الحديد : « الجبهة ههنا الخيل » . وقال ابن منظور : « الجبهة الخيل لا يفرد لها واحد » . ( 5 ) كذا ورد البيت في الأصل . وهو ساقط من ح . ( 6 ) ح : « أشد اعتزالا إلا أن يثمن له دينه » . ( 34 ) مبتدأ حديث عمرو بن العاص نصر ، عن عمر بن سعد ومحمد بن عبيد الله قالا : كتب معاوية إلى عمرو وهو بالبيع (1) من فلسطين : « أما بعد فإنه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك . وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة (2) ، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي ، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني . أقبل أذاكرك أمرا (3) » . قال : فلما قرئ الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبد الله ومحمدا فقال : ابني ، ما تريان ؟ فقال عبد الله : أرى أن نبي الله صلى الله عليه وآله قبض وهو عنك راض ، والخليفتان من بعده ، وقتل عثمان وأنت عنه غائب . فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة ، ولا تريد أن تكون (4) حاشية لمعاوية على دنيا قليلة ، أوشك أن تهلك فتشقى فيها (5) . وقال محمد : أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وإن تصرم هذا الأمر وأنت فيه خامل (6) تصاغر أمرك ، فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أياديها ، واطلب بدم عثمان ، فإنك قد استنمت فيه إلى بني أمية (7) . فقال عمرو : أما أنت ____________ ( 1 ) كذا في الأصل . ( 2 ) ح ( 1 : 136 ) : « في نفر من أهل البصرة » . ( 3 ) ح : « أذا كرك أمورا لا تعدم صلاح مغبتها إن شاء الله » . ( 4 ) ح : « ولا تزيد على أن تكون حاشية » . ( 5 ) ح : « أوشكتما أن تهلكا فتساويا في عقابها » . ( 6 ) ح : « غافل » . ( 7 ) استنام : سكن . وفي الأصل : « استلمت » ، وفي ح : « فإنه سيقوم بذلك بنو أمية » . ( 35 ) يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني ، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي ، وأنا ناظر فيه ، فلما جنة الليل رفع صوته وأهله ينظرون (1) إليه فقال : تطاول ليلى للهموم الطـوارق* وخول التي تجلو وجوه العواتق (2) وإن ابن هند سائلي أن أزوره*وتلك التي فيها بنــات البوائق (3) أتاه جرير من عــلى بخطة* مرت عليه العيش ذات مضــائق فإن نال مني ما يؤمـل رده* وإن لم ينله ذل ذل المــطابق (4) فوالله ما أدري وما كنت هكذا *أكون ، ومهما قادني فهو سابقي (5) أخادعه إن الـخداع دنــية* أم اعطـيه من نفسي نصيحة وامق أو اقعد في بيتي وفي ذاك راحة* لشيخ يخـاف الموت في كل شارق وقد قال عـبد الله قولا تعلقت *به النفس إن لم يعتلقني عوائقي (6) وخــالفه فيه أخوه محمــد *وإني لصلب العود عند الحقائق (7) فقال عبد الله : ترحل الشيخ (8) . قال : ودعا عمرو غلاما له يقال له وردان ، وكان داهيا ماردا ، فقال : ارحل يا وردان . ثم قال : حط يا وردان ____________ ( 1 ) ح : « وأهله يسمعون » . ( 2 ) خول : ترخيم خولة لغير نداء ، وهي من أعلامهن . والعانق : الشابة أول ما تدرك . ( 3 ) البوائق : الدواهي ، جمع بائقة . ح : « سألني أن أزوره » . ( 4 ) المطابق من المطابقة ، وهي المشى في القيد . ( 5 ) ح : « فهو سابقي » . ( 6 ) ح : « تقتطعني عوائقي » . ( 7 ) الحقيقة : ما يحق على المرء أن يحميه . ( 8 ) ترحل : ارتحل . أراد أنه استعد للرحيل إلي الدار الآخرة . ح : « رحل الشيخ » . ( 36 ) [ ثم قال : ارحل يا وردان ، احطط يا وردان (1) ] . فقال له وردان : خلطت أبا عبد الله ، أما إنك إن شئت أنبأتك بما نفسك . قال : هات ويحك . قال : اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : علي معه الآخرة في غير دنيا ، وفي الآخرة عوض الدنيا ، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة ، وليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقف بينهما . قال : فإنك والله (2) ما أخطأت ، فما ترى يا وردان ؟ قال : أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت [ في ] عفو دينهم (3) وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك . قال : الآن لما شهدت العرب مسيري إلى معاوية (4) ؟ فارتحل وهو يقول : يا قاتـــل الله وردانـــا وقدحـته * أبدى لعمرك ما في النـفس وردان (5) لما تعرضــت الدنيا عرضــت لها * بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان (6) نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها ؟ (7) * والمرء يـــأكل تبـنا وهو غرثـان أمـــا علي فدين ليس يــشـركه*دنيـــا وذاك له دنيــــا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا عــلى بصر *وما معـي بــالذي أختار برهــان إنـي لأعــرف ما فيهــا وأبصره *وفي أيضا لمــا أهــواه ألــوان لـكن نفسي تـحب العيش في شرف *وليس يرضــى بذل العيش إنسـان أمر لعمـر أبيكم غيـر مــشـتبـه *والمرء يعطس والــوســن وسنان ____________ ( 1 ) التكملة من ح والإمامة والسياسة ( 1 : 83 ) . ( 2 ) ح : « قاتلك الله » . ,لق. ( 3 ) العفو : الفضل . وكلمة : « في » ليست في الأصل ، وهي ثابتة في ح . ( 4 ) في الإمامة والسياسة : « الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية » . ( 5 ) في الأصل : « ومزحته » ، صوابه من ح واللسان « قدح » . والقدحة ، بالكسر . من قولهم اقتدح الأمر : دبره ونظر فيه . ( 6 ) الإدهان : المصانعة والغش واللين . ( 7 ) في الأصل : « يقلبها » ، والصواب من ح . ( 37 ) فسار حتى قدم إلى معاوية وعرف حاجة معاوية إليه ، فباعد [ ه من نفسه ] وكايد كل واحد منهما صاحبه ، فلما دخل عليه قال : يا أبا عبد الله ، طرقتنا في ليلتنا هذه ثلاثة أخبار ليس منها ورد ولا صدر . قال : وما ذاك ؟ قال : ذاك أن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه ، وهو من آفات هذا الدين . ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم إلى ليتغلب على الشام . ومنها أن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا . قال : ليس كل ما ذكرت عظيما . أما ابن أبي حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه خيلا تقتله أو تأتيك به ، وإن فاتك لا يضرك . وأما قيصر فأهد له من وصفاء الروم ووصائفها ، وآنية الذهب والفضة ، وسله الموادعة ، فإنه إليها سريع . وأما على فلا والله يا معاوية ما تسوي (1) العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء ، وإن له في الحرب لحظا (2) ما هو لأحد من قريش ، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه . نصر : عمر بن سعد بإسناده قال : قال معاوية لعمرو : يا أبا عبد الله ، إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وقتل الخليفة (3) ، وأظهر الفتنة ، وفرق الجماعة ، وقطع الرحم . قال عمرو : إلى من ؟ قال : إلى جهاد علي ، قال : فقال عمرو : والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير (4) ، مالك هجرته ____________ ( 1 ) في الأصل : « تستوي » والوجه ما أثبت . ( 2 ) وقد تقرأ : « لحظا » باللام الداخلة على : « حظا » ، وانظر ما سيأتي في كلام عمرو لمعاوية ص 38 س 2 . ( 3 ) يعني عثمان بن عفان . ( 4 ) يقال : هما كعكمي البعير ، للرجلين يتساويان في الشرف . والعكمان : عدلان يشدان على جانبي الهودج بثوب . وفي اللسان ( 15 : 309 ) وأمثال الميداني ( 2 : 289 ) والحيوان ( 3 : 10 ) : « كعكمي بعير » . ( 38 ) ولا سابقته ، ولا صحبته ولا جهاده ، ولا فقهه وعلمه . . والله إن له مع ذلك حدا وجدا (1) ، وحظا وحظوة ، وبلاء من الله حسنا ، فما تجعل لي إن شايعنك على حربه ، وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر ؟ قال : حكمك . قال : مصر طعمة . قال : فتلكأ عليه معاوية . قال نصر : وفي حديث غير عمر قال : قال له معاوية : يا أبا عبد الله ، إني أكره أن يتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا . قال : دعني عنك . قال معاوية : إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت . قال عمرو : لالعمر الله ، ما مثلي يخدع ، لأنا أكيس من ذلك . قال له معاوية : ادن مني برأسك أسارك . قال : فدنا منه عمرو يساره ، فعض معاوية أذنه وقال : هذه خدعة ، هل ترى في بيتك أحدا غيري وغيرك ؟ (2) ثم رجع إلى حديث عمر (3) ، قال : فأنشأ عمرو يقول (4) : ____________ ( 1 ) الحد : الحدة والنشاط والسرعة في الأمور والمضاء فيها . والجد ، بفتح الجيم : الحظ . وبالكسر : الاجتهاد . وفي الأصل : « وحدودا » ولا وجه له . وفي ح : « ووالله إن له مع ذلك لحظا في الحرب ليس لأحد من غيره ، ولكني قد تعودت من الله تعالى إحسانا وبلاء جميلا » . ( 2 ) قال ابن أبي الحديد بعد هذا : « قلت : قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى : قول عمرو له : دعنا عنك ، كناية عن الإلحاد بل تصريح به . أي دع هذا الكلام الذي لا أصل له فإن اعتقاد الآخرة وأنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات . قال رحمه الله : وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط في الإلحاد والزندقة ، وكان معاوية مثله . ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروي ، وأن معاوية عض أذن عمرو . أين هذا من أخلاق علي عليه السلام وشدته في ذات الله ، وهما مع ذلك يعيبانه بالدعابة » . ( 3 ) يعني عمر بن سعد الراوي . ( 4 ) في الأصل : « فأنشأ وهو يقول » ، صوابه في ح . ( 39 ) مــعاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * بذلك دنيا (1) فانظرن كيف تصنع فــان تعطني مصرا فأربح بصفقة* أخذت بها شيخا يضـر وينــفع وما الدين والدنـيا ســواء وإنني *لآخذ ما تـعـطــي ورأسي مقنع ولكني أغضـى الجــفون وإنني * لأخدع نفـسي والمخــادع يخدع وأعطيك أمـرا فيه للمــلك قوة* وإني به إن زلت النعل أضرع (2) وتمنعني مصرا وليست برغبة (3) * وإني بـذا المــمنوع قدما لمولع قال : أبا عبد الله ، ألم تعلم أن مصرا مثل العراق ؟ قال : بلى ، ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك ، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي . قال : فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال : أما ترضى أن نشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك . فليتك لا تغلب على الشام . فقال معاوية : يا عتبة ، بت عندنا الليلة . قال : فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية ، وقال : أيها المانع سيفا لم يهز * إنما ملت علي خز وقز (4) ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 137 ) : « ولم أنل به منك دنيا » . ( 2 ) ح : « وألفي به أن زلت النعل أصرع » . ( 3 ) في الأصل : « ولست نزعته » والصواب من ح . قال ابن أبي الحديد تعليقا على هذا البيت : « قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ : كانت مصر في نفس عمرو بن العاص لأنه هو الذي فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر ، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا لا يستعظم أن يجعلها ثمنا من دينه » . ( 4 ) القز من الثياب أعجمي معرب ، وهو الذي يسوى منه الإبريسم . وفي الأصل : ( بز ) ، والبز : الثياب ، أو ضرب منها . وأثبت ما في ح . ( 40 ) إنما أنت خروف مــاثل (1)*بين ضــرعين وصوف لم يجز أعط عـمرا إن عمــرا تارك* دينه اليـوم لــدنيا لم تحز (2) يا لــك الخـير فخذ من دره* شخبــه الأولـى وأبعد ما غرز واسحب الذيل وبادر فوقها (3)* وانتهــزها إن عمــرا ينتهز أعطه مصــرا وزده مثلهــا *إنما مصـر لمــن عز وبــز واترك الحرص عليها ضــلة*واشبب النـار لمقرور يكز (4) إن مـصـــرا لعلى أو لـنا* يغلب اليوم عليها من عجز (5) فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو وأعطاها إياه . قال : فقال له عمرو : ولي الله عليك بذلك شاهد ؟ قال له معاوية : نعم لك الله على بذلك ، لئن فتح الله علينا الكوفة . قال عمرو : ( والله على ما نقول وكيل ) . قال : فخرج عمرو ومن عنده فقال له ابناه : ما صنعت ؟ قال : أعطانا مصر [ طعمة ] . قالا : وما مصر في ملك العرب ؟ قال : لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر . قال : فأعطاها إياه ، وكتب له كتابا ، وكتب معاوية : « على أن لا ينقض شرط طاعة » ، وكتب عمرو : « على ألا تنقض طاعة شرطا (6) » . وكايد كل ____________ ( 1 ) ماثل : قائم . وفي الأصل وح : « مائل » . ( 2 ) في الأصل : « لم تجز » والصواب من ح . ( 3 ) الفوق ، بالضم ، هنا : الطريق الأول . ( 4 ) الكزاز : داء يأخذ من شدة البرد وتعتري منه رعدة . وفي الأصل : « يكن » محرفة . ( 5 ) في الأصل : " ولنا " وأثبت ما في ح . وفي الأصل : « من عجن » تحريف . ( 6 ) في الأصل : « ولا ينقض طاعة شرطا » وأثبت ما في ح . وانظر الكامل للمبرد 184 ليبسك . ( 41 ) واحد منهما صاحبه (1) . وكان مع عمرو ابن عم له فتي شاب ، وكان داهيا حليما (2) ، فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا عجب الفتي وقال : ألا تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش ؟ أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك . أترى أهل مصر ـ وهم قتلة عثمان ـ يدفعونها إلى معاوية وعلي حي ؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب ؟ فقال عمرو : يا ابن الأخ ، إن الأمر لله دون علي ومعاوية . فقال الفتى في ذلك شعرا : ألا يا هند أخت بني زياد *دهى عمرو بداهية البلاد (3) رمى عمرو بأعور عبشمي * بعيد القعر مخشى الكياد (4) له خدع يحار العقل فـيها * مزخرفة صـوائد للــفؤاد ____________ ( 1 ) قال ابن أبي الحديد ( 1 : 138 ) : " تفسيره أن معاوية قال للكاتب اكتب على ألا ينتقض شرط طاعة ، يريد أخذ إقرار عمرو له أنه قد بايعه على الطاعة بيعة مطلقة غير مشروطة بشيء . وهذه مكايدة له ، لأنه لو كتب ذلك لكان لمعاوية أن يرجع في إعطائه مصرا ولم يكن لعمرو أن يرجع عن طاعته ويحتج عليه برجوعه عن إعطائه مصرا ، لأن مقتضى المشارطة المذكورة أن طاعة معاوية واجبة عليه مطلقا سواء كانت مصر مسلمة إليه أو لا . فلما انتبه عمرو على هذه المكيدة منع الكاتب من أن يكتب ذلك وقال : بل اكتب : على أن لا تنقض طاعة شرطا يريد أخذ إقرار معاوية له بأنه إذا كان أطاعه لا تقض طاعته إياه ما شارطه عليه من تسليم مصر إليه . وهذا أيضا مكايدة من عمرو لمعاوية ، ومنع له من أن يغدر بما أعطاه من مصر " . ( 2 ) الحليم : ذو الأناة والعقل . وفي ح : « وكان لعمرو بن العاص ابن عم من بني سهم أريب » . وفي الإمامة والسياسة : « وكان مع عمرو بن العاص ابن أخ له جاءه من مصر » . وانظر ما سيأتي في س 5 هذه الصفحة من قوله : « يا ابن الأخ » وما سيأتي بعد القصيدة في الصفحة التالية . ( 3 ) أراد : دهي ، فسكن آخره للشعر . وفي ح : « رمى » وكلاهما بالبناء للمفعول . ( 4 ) في الأصح وح : « محش الكباد » ، وإنما يريد أنه يخشى كيده . ( 42 ) فشرط فـي الكتاب عليه حرفا * يناديـه بــخدعته المنـادي وأثبت مثـــله عمرو عليه * كـلا المـرأين حية بطن واد ألا يا عمرو ما أحرزت مصرا * وما ملــت الغداة إلى الرشاد وبعت الدين بــالدنيا خسارا * فـأنت بــذاك من شر العباد فلو كنت الغـداة أخذت مصرا *ولكـــن دونها خرط القتاد وفدت إلى مـعاوية بن حرب * فكـــنت بها كوافد قوم عاد وأعطيت الذي أعـطيت منه *بطرس فيه نضح من مــداد ألم تعرف أبـا حســن عليا * وما نالت يداه من الأعــادي عدلت به معـاوية بن حرب * فيا بعد البياض من الســواد ويا بعد الأصـابع من سهيل*ويا بعد الصلاح من الفــساد أتأمن أن تراه عــلى خدب* يحث الخيل بالأسل الحداد (1) ينـادي بالنزال وأنـت منه * بعيد فانظرن من ذا تــعادي فقال عمرو : يا ابن أخي ، لو كنت مع علي وسعني بيتي ، ولكني الآن مع معاوية (2) . فقال له الفتى : إنك إن لم ترد معاوية لم يردك ، ولكنك تريد دنياه و [ هو ] يريد دينك . وبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب فلحق بعلي فحدثه بأمر عمرو ومعاوية . قال : فسر ذلك عليا وقر به . قال : وغضب مروان وقال : ما بالي لا أشتري كما اشترى عمرو ؟ قال : فقال له معاوية : إنما تبتاع الرجال لك . قال : فلما بلغ عليا ما صنعه معاوية وعمرو قال : ____________ ( 1 ) الخدب : الضخم من كل شيء . ( 2 ) ح : « لو كنت عند علي لوسعني ، ولكني الآن عنده » . ( 43 ) يا عجبا لقد سمعـــت منـكرا* كذبـا علـى الله يشـيب الشــعرا يسترق السمع ويغــشى البصرا * ما كــان يرضــى أحمد لو خبرا أن يقرنوا وصيـــه والأبتـرا *شاني الرسول واللعين الأخزرا (1) كلاهمــا فـي جنـده قد عسكرا * قد باع هــذا دينـه فأفجرا (2) من ذا بدنيـا بيعــه قـد خسرا *بملك مصر أن أصاب الظفرا (3) إني إذا الموت دنــا وحضــرا * شمرت ثوبي ودعوت قـنبرا (4) قـدم لوائي لا تـؤخـر حــذرا * لن يدفع الحذار ما قد قــدرا (5) لما رأيت المـــوت موتا أحمرا * عبأت همــدان وعبوا حــميـرا حي يمان يعظمـون الخطـــرا*قرن إذا نــاطح قرنا كـــسرا قل لابن حرب لا تدب الخمرا (6) *أرود قــليلا أبد مـنك الضـجرا لا تحسبني يا ابن حرب غمرا (7) * وسل بنا بـدرا مـعـا وخيــبرا ____________ ( 1 ) يعني بالأبتر العاص بن وائل ، والد عمرو بن العاص ، وفيه نزل قول الله : ( إن شانئك هو الأبتر ) . وبالأخزر عمرو بن العاص ، وكأنه كان أخزر ينظر بمؤخر عينيه . ( 2 ) أفجر : كذب ، أو عصى ، أو كفر . ومثله فجر . ( 3 ) ح : « بيعة قد خسرا » . ( 4 ) قنبر بفتح القاف والباء : مولى علي . وإليه ينسب المحدثان العباس بن الحسن وأحمد ابن بشر القنبريان . ( 5 ) الحذار : الحذر . وفي الأصل : « لن ينفع » صوابه في ح . ( 6 ) الخمر ، بفتح الخاء المعجمة والميم : ما واراك من الشجر والجبال ونحوها . والدبيب : المشى على هينة . يقال للرجل إذا ختل صاحبه : هو يدب له الضراء ، ويمشي له الخمر . وفي الأصل : « لا ندب الحمرا » والكلمتان محرفتان ، والصواب في ح . والإرواد : الإمهال . ( 7 ) الغمر ، بتثليث أوله وبفتح أوله وثانيه : من لم يجرب الأمور . وفي الأصل : « عمرا » محرف . ( 44 ) كانت قريش يوم بدر جزرا (1) * إذ وردوا الأمر فذموا الصدرا لو أن عندي يابـن حرب جعفرا * أو حمزة القرم الهمام الأزهرا رأت قريش نجم ليل ظهرا نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : لما بات عمرو عند معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة له ، وكتب له بها كتابا وقال : ما ترى ؟ قال : أمض الرأي الأول . فبعث مالك بن هبيرة الكندي في طلب [ محمد ] بن أبي حذيفة فأدركه فقتله ، وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه . ثم قال : ما ترى في علي ؟ قال : أرى فيه خيرا ، أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق ، ومن عند خير الناس في أنفس الناس ، ودعواك أهل الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد ، ورأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي ، وهو عدو لجرير المرسل إليك ، فأرسل إليه ووطن له ثقاتك فليفشوا في الناس أن عليا قتل عثمان ، وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل ؛ فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب ، وإن تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبدا (2) . فكتب إلى شرحبيل : « إن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند علي ابن أبي طالب بأمر فظيع ، فاقدم » . ودعا معاوية يزيد بن أسد ، وبسر بن أرطاة ، وعمرو بن سفيان ، ومخارق بن الحارث الزبيدي ، وحمزة بن مالك ، وحابس بن سعد الطائي ـ وهؤلاء رءوس قحطان واليمن ، وكانوا ثقات معاوية وخاصته ـ وبني عم شرحبيل بن السمط ، فأمرهم أن يلقوه ويخبروه أن عليا قتل عثمان . فلما قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار أهل ____________ ( 1 ) الجزر بفتحتين : اللحم الذي تأكله السباع ، يقال تركوهم جزرا إذا قتلوهم . ( 2 ) في الأصل : « وإن تعلق يقلبه لم يخرجه شيء أبدا » ، وأثبت الصواب من ح . ( 45 ) اليمن فاختلفوا عليه ، فقام إليه عبد الرحمن بن غنم الأزدي ، وهو صاحب معاذ بن جبل وختنه (1) ، وكان أفقه أهل الشام ، فقال : يا شرحبيل بن السمط ، إن الله لم يزل يزيدك خيرا مذ هاجرت إلى اليوم ، وإنه لا ينقطع المزيد من الله حت ينقطع الشكر من الناس ، ولا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . إنه قد ألقى إلينا قتل عثمان ، وأن عليا قتل عثمان (2) ، فإن يك قتله فقد بايعه المهاجرون والأنصار ، وهم الحكام على الناس ، وإن لم يكن قتله فعلام تصدق معاوية عليه ؟ لا تهلك نفسك وقومك . فإن كرهت أن يذهب بحظها جرير فسر إلى علي فبايعه على شامك وقومك (3) . فأبى شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية ، فبعث إليه عياض الثمالي (4) ، وكان ناسكا : يا شرح يا ابـن السمط إنك بالغ * بود علي ما تـريد من الأمر (5) ويا شرح إن الشام شامك ما بها *سواك فدع قــول المظل من فهر فإن ابن حرب ناصب لك خدعة *تكون علينا مثل راغية البكر (6) ____________ ( 1 ) عبد الرحمن بن غنم ، أحد الرجال المختلف في صحبتهم للرسول . ومات سنة 78 . انظر الإصابة 5173 و 6371 . في الأصل : « وحنثه » وإنما هي « وختنه » كما جاء في ح . ( 2 ) بدلها في ح : « إنه قد ألقى إلى معاوية أن عليا قتل عثمان ، ولهذا يريدك » . ( 3 ) ح : « عن شامك وقومك » . ( 4 ) الثمالي : نسبة إلى ثمالة ، بطن من بطونهم . وفي الأصل : « اليماني » صوابه في ح ومعجم المرزباني 269 . قال المرزباني : « شامي . يقول لشرحبيل بن السمط لما بويع معاوية . . . » وأنشد بعض أبيات القصيدة التالية . ( 5 ) شرح : مرخم شرحبيل ، وهذا بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء ، ولكنه سكن الراء للشعر . وفي الأصل : « شرخ » بالخاء صوابه في ح . ( 6 ) الراغية : الرغاء . والبكر ، بالفتح : ولد الناقة . انظر أمثال الميداني ( 2 : 78 ) . وهذا مثل يضرب في التشاؤم ، يشار به إلى ما كان من رغاء بكر ثمود حين عقر قدار ناقة صالح فأصاب ثمود ما أصاب . انظر ثمار الفلوب 282 والمفضليات ( 2 : 195 طبع المعارف ) . ****************** فإن نـال ما يرجو بنا كان ملكنا *هنيئا له ، والحرب قاصمة الظهر فلا تــبغين حرب العراق فإنها* تحــرم أطهار النساء من الذعر وإن عليا خير من وطئ الحصى * من الهاشميين المداريك للوتر (1) له فـي رقاب الناس عهد وذمة * كعهد أبـي حفص وعهد أبي بكر فبايع ولا ترجع على العقب كافرا * أعيذك بالله العزيز من الكفر (2) ولا تسمـعن قـول الطغام فإنما *يريـدون أن يلقوك في لجة البحر وماذا عليهـم أن تطـاعن دونهم * عليـا بأطراف المثـقفة الســمر فإن غلبوا كانـوا علينــا أئمة *وكنا بحمد الله من ولد الظهر (3) وإن غلبوا لم يصل بالحرب غيرنا * وكان على حـــربنا آخر الدهر يهون على عليـا لؤي بن غالب * دماء بني قحطان في ملكهم تجري فدع عنك عثمان بن عفان إننا ، * لك الخير ، لا ندري وإنك لا تدري على أي حال كان مصرع جنبه * فلا تسمعن قول الأعيور أو عمرو نصر بن مزاحم ، في حديث محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : لما قدم شرحبيل على معاوية تلقاه الناس فأعظموه ، ودخل على معاوية فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا شرحبيل ، إن جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة علي ، وعلى خير الناس لولا أنه قتل عثمان بن عفان ، و [ قد ] حبست نفسي ____________ ( 1 ) المداريك : المدركون ، جمع مدراك . والوتر ، بالكسر : الثأر والذحل . ( 2 ) على العقب ، فيه إشارة إلى قول الله : ( يردوكم على أعقابكم ) . وفي الأصل : « العقد » بالدال ، صوابه في ح . ( 3 ) يقال فلان من ولد الظهر ، بالفتح : أي ليس منها . وقيل معناه أنه لا يلتفت إليه ، قال أرطاة بن سهية : فمن مـبلغ أبناء مـرة أننا * وجدنا بني البرصاء من ولد الظهر ( 47 ) عليك ، وإنما أنا رجل من أهل الشام ، أرضى ما رضوا ، وأكره ما كرهوا . فقال شرحبيل : أخرج فانظر . فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطؤون له ، فكلهم يخبره بأن عليا قتل عثمان بن عفان . فخرج مغضبا إلى معاوية فقال : يا معاوية ، أبى الناس إلا أن عليا قتل عثمان ، ووالله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك . قال معاوية : ما كنت لأخالف عليكم ، وما أنا إلا رجل من أهل الشام . قال : فرد هذا الرجل إلى صاحبه إذا . قال : فعرف معاوية أن شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق ، وأن الشام كله مع شرحبيل (1) . فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال : ابعث إلى جرير [ فليأتنا ] . فبعث إليه حصين : أن زرنا ، فإن عندنا شرحبيل بن السمط . فاجتمعا عنده ، فتكلم شرحبيل فقال : يا جرير ، أتيتنا بأمر ملفف (2) لنلقينا في لهوات الأسد ، وأردت أن تخلط الشام بالعراق ، وأطرأت عليا (3) وهو قاتل عثمان ، والله سائلك عما قلت يوم القيامة . فأقبل عليه جرير فقال : يا شرحبيل ، أما قولك إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون أمرا ملففا (4) وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار ، وقوتل على رده طلحة والزبير . وأما قولك إني ألقيتك في لهوات الأسد ففي لهواتها ألقيت نفسك . وأما خلط العراق بالشام فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل . وأما قولك إن عليا قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف ____________ ( 1 ) إلى هنا ينتهي اقتباس ح في ( 1 : 140 ) وينتقل إلى ( 1 : 249 ) . ( 2 ) في اللسان : « اللفف : ما لففوا من ها هنا وها هنا ، كما يلفف الرجل شهادة الزور » . وفي اللسان أيضا : « أحاديث ملففة : أي أكاذيب مزخرفة » . ح : « ملفق » بالقاف في آخره ، وهما وجهان صالحان كما رأيت . ( 3 ) قال ابن منظور : « أطرأ القوم : مدحهم ، نادرة ، والأعرف بالياء » ، ح : « أطريت » بالياء . ( 4 ) ح : « ملفقا » بقاف بعد الفاء ، وانظر الحاشية الثانية من هذه الصفحة . ( 48 ) بالغيب من مكان بعيد (1 ) ، ولكنك ملت إلي الدنيا ، وشئ كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص . فبلغ معاوية قول الرجلين ، فبعث إلى جرير فزجره (2) ولم يدر ما أجابه أهل الشام ، وكتب جرير إلى شرحبيل (3 ) : شرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى *فمـا لك في الدنيا من الدين من بدل وقل لابـ ن حرب مالك اليوم حرمة * تروم بها ما رمت ، فاقطع له الأمل (4) شرحبــيل إن الحق قد جد جــده *وإنك مأمــون الأديم من النغــل فأرود ولا تـفرط بشــئ نخـافه*عليك ، ولا تعجل فلا خير في العجل (5) ولا تك كالمجرى إلى شــر غاية * فقد خـرق السربال واستنوق الجمل وقال ابن هند في علي عضــيهة *ولله فـي صدر ابن أبي طالب أجل وما لعلي في ابن عفان سـقــطة* بــأمر ، ولا جلب عليه ، ولا قتل (6) ____________ ( 1 ) انظر الآية 53 من سورة سبأ وأقوال أصحاب التفسير فيها . ( 2 ) في الأصل : « فزجوه » صوابه في ح . ( 3 ) ح : « وكتب كتاب لا يعرف كاتبه إلى شرحبيل يقول » . ( 4 ) ح : « مالك اليوم . . . فاقطع » . ( 5 ) الإرواد : الإمهال . والفرط : السبق . ( 6 ) خ : « ولا مالا عليه ولا قتل » . والممالاة : المساعدة والمعاونة . ( 49 ) وما كـان إلا لازما قــعـر بيتــه *إلى أن أتــى عثمان فـي بيتـه الأجل فمــن قال قــولا غير هذا فحسبه * من الزور والبهتان قول الذي احتمل (1) وصي رسـول الله مــن دون أهله *وفارســه الأولى به يضرب المثل (2) فلما قرأ شرحبيل الكتاب ذعر وفكر ، وقال : هذه نصيحة لي في ديني ودنياي . [ و ] لا والله لا أعجل في هذا الأمر بشئ وفي نفسي منه حاجة . فاستتر له القوم ، ولفف له معاوية الرجال يدخلون إليه ويخرجون ، ويعظمون عنده قتل عثمان ويرمون به عليا ، ويقيمون الشهادة الباطلة والكتب المختلفة ، حتى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه ، وبلغ ذلك قومه فبعث ابن أخت له من بارق ـ وكان يرأى رأي علي بن أبي طالب فبايعه بعد ، وكان ممن لحق من أهل الشام ، وكان ناسكا ـ فقال : لعمر أبي الأشقى ابن هند لقد رمى* شرحبيل بالسـهم الذي هـو قاتله ولفف قوما يسحـبون ذيولــهم* جميعا وأولى النـاس بالذنب فاعله فألفى يمانيا ضعيفــا نـخاعـه *إلى كل ما يهوون تحدي رواحـله فطاطا لها لمـا رمـوه بثقــلها * ولا يرزق التقــوى من الله خاذله ليأكل دنيا لابن هنــد بدينه(3) *ألا وابن هـند قـبل ذلـك آكلـه ____________ ( 1 ) أي الذي احتمله . ح : « بعض الذي احتمل » . ( 2 ) ح : « ومن باسمه في فضله يضرب المثل » . ( 3 ) في الأصل : « ليأكل به دنيا ابن هند » . ( 50 ) وقالوا علي في ابن عفان ، خدعة* ودبت إليه بالشنان غوائله (1) ولا والذي أرسى ثبيرا مكانه *لقد كف عنه كفه ووسائله وما كان إلا من صحاب محمد * وكلهم تغلي عليه مراجله فلما بلغ شرحبيل هذا القول قال : هذا بعيث الشيطان ، الآن امتحن الله قلبي . والله لأسيرن صاحب هذا الشعر أو ليفوتنني . فهرب الفتى إلى الكوفة وكان ـ أصله منها ـ وكاد أهل الشام أن يرتابوا . نصر : محمد بن عبيد الله ، وعمر بن سعد بإسناده قال : وبعث معاوية إلى شرحبيل بن السمط فقال : « إنه كان من إجابتك الحق ، وما وقع فيه أجرك على الله وقبله عنك صلحاء الناس ، ما علمت ، وإن هذا الأمر الذي قد عرفته لا يتم إلا برضا العامة ، فسر في مدائن الشام ، وناد فيهم بأن عليا قتل عثمان ، وأنه يجب على المسلمين أن يطلبوا بدمه » . فسار فبدأ بأهل حمص فقام خطيبا ، وكان مأمونا في أهل الشام ناسكا متألها ، فقال : « يا أيها الناس ، إن عليا قتل عثمان بن عفان ، وقد غضب له قوم فقتلهم ، وهزم الجميع وغلب على الأرض فلم يبق إلا الشام . وهو واضع سيفه على عاتقه ثم خائض به غمار الموت (2) حتى يأتيكم (3) أو يحدث الله أمرا ، ولا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية ، فجدوا [ وانهضوا ] » . فأجابه الناس إلا نساك أهل حمص (4) ، فإنهم قاموا إليه فقالوا : بيوتنا قبورنا ومساجدنا ، وأنت أعلم بما ترى . وجعل ____________ ( 1 ) الشنان ، كسحاب : لغة في الشنآن ، وهو البغض . وأنشد للأحوص : وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي * وإن لام فيه ذو الشنان وفندا ( 2 ) ح : « غمرات الموت » . ( 3 ) في الأصل : « بيكم » وإعجامه وإكماله من ح . ( 4 ) ح : « إلا نساكا من أهل حمص » . ( 51 ) شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها ، لا يأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به ، فبعث إليه النجاشي بن الحارث (1) ، وكان صديقا له : شرحبيل ما للدين فارقت أمرنا *ولكن لبغض المالكي جـريـر وشحناء دبت بين سعـد وبينه* فأصبحت كالحادي بغير بعيـر وما أنت ، إذ كانت بجيلة عاتبت *قريشــا فيــالله بعد نصيـر أتفصل أمرا غبت عنـه بشبهة*وقد حار فيها عقل كل بصيـر بقول رجال لم يكونوا أئــمة *ولا للتي لقوكها بحضـــور (2) وما قــول قوم غائبين تقاذفوا*من الغيــب ما دلاهم بـغرور وتترك أن الناس أعطوا عهودهم *عليا على أنس به وســـرور إذا قيل هاتوا واحــدا تقتدونه *نظيرا له لم يفصحوا بنظيـر (3) لعلك أن تشقى الغــداة بحربه * شرحبيل ما ما جئته بصغيـر (4) نصر : عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي ، أن شرحبيل ابن السمط بن جبلة الكندي دخل على معاوية فقال : أنت عامل أمير المؤمنين وابن عمه ، ونحن المؤمنون ، فإن كنت رجلا تجاهد عليا وقتلة عثمان حتى ندرك بثأرنا أو تفنى أرواحنا استعملناك علينا ، وإلا عزلناك واستعملنا غيرك ____________ ( 1 ) وكذا ورد في ح . والمعروف في شعرائهم النجاشي الحارثي ، واسمه قيس بن عمرو ابن مالك ، من بني الحارث بن كعب . وهو ممن حده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لشربه الخمر . انظر الشعراء 68 والخزانة ( 4 : 368 ) . ( 2 ) في الأصل : « ولا بالتي لقوكها » ، والصواب من ح ( 1 : 250 ) . ( 3 ) تقتدونه ، المعروف تعديته بالباء ، فقد عداه بتضمينه معنى تتبعونه ، وفي ح : « يقتدي به » . ( 4 ) أي ليس الذي جئته بصغير . وفي ح : « فليس الذي قد جئته بصغير » . ( 52 ) ممن نريد ، ثم جاهدنا معه حتى ندرك بدم عثمان أو نهلك . فقال جرير : يا شرحبيل ، مهلا فإن الله قد حقن الدماء ، ولم الشعث ، وجمع أمر الأمة ، ودنا من هذه الأمة سكون ، فإياك أن تفسد بين الناس ، وأمسك عن هذا القول قبل أن يظهر منك قول لا تستطيع رده . قال : لا والله لا أسره أبدا . ثم قام فتكلم ، فقال الناس : صدق صدق ، القول ما قال ، والرأي ما رأى . فأيس جرير عند ذلك عن معاوية وعن عوام أهل الشام . نصر ، عن محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : كان معاوية أتى جريرا في منزله فقال : يا جرير ، إني قد رأيت رأيا . قال : هاته . قال : اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية ، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي ، وأسلم له هذا الأمر ، وأكتب إليه بالخلافة . فقال جرير : اكتب بما أردت ، وأكتب معك . فكتب معاوية بذلك إلى علي فكتب علي إلى جرير : « أما بعد فإنما أراد معاوية ألا يكون لي في عنقه بيعة ، وأن يختار من أمره ما أحب ، وأراد أن يريثك حتى يذوق أهل الشام ، وإن المغيرة بن شعبة قد كان أشار على أن أستعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة ، فأبيت ذلك عليه ، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا . فإن بايعك الرجل ، وإلا فأقبل » . وفشا كتاب معاوية في العرب فبعث إليه الوليد بن عقبة : معاوي إن الشام شامك فاعتصم * بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا وحام عليها بالقنابل والقنــا * ولا تك محشوش الذراعين وانيا (1) ____________ ( 1 ) حام : أمر من المحاماة . والقنابل : الجماعة من الناس ، الواحدة قنبلة وقنبل بفتح = ( 53 ) وإن عليـا ناظــر مـا تجيبه *فأهد له حربا تشيـــب النواصيــا وإلا فسلم إن في السلــم راحة *لمن لا يريد الحــرب فاختر معاويـا وإن كتابا يا ابن حــرب كتبته *على طمع ، يزجى إليــك الدواهيــا سألت عليا فيــه ما لن تناله * ولو نلته لـــم يبــق إلا لياليــا وسوف ترى منه الذي ليس بعده *بقاء فلا تكثر عليــك الأمانيــــا أمثل علي تعتريـه بخدعــة * وقد كان ما جربت مـــن قبل كافيا ولو نشبت أظفاره فيــك مرة *حذاك ، ابن هند ، منه ما كنت حاذيا (1) قال : وكتب إليه أيضا : معاوي إن الملك قد جب غاربـه *وأنت بما في كفك اليوم صاحبـه أتاك كتاب مــن علي بخطـة *هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه ولا ترج عنــد الواترين مـودة *ولا تأمن اليوم الذي أنت راهبـه فحاربه إن حاربت حرب ابن حرة *وإلا فسلم لا تـدب عقــاربه (2) فإن عليا غير ساحــب ذيلــه *على خدعة ما سوغ الماء شاربه (3) ولا قابــل ما لا يريد وهــذه *يقوم بها يوما عليــك نوادبـه ____________ = القاف والباء فيهما . ح : « بالصوارم » . محشوش ، في اللسان : « حشت اليد وأحشت وهي محش : يبست ، وأكثر ذلك في الشلل . وحكى عن يونس حشت على صيغة ما لم يسم فاعله » . وفي ح : « موهون الذراعين » . ( 1 ) حذاه حذوا : أعطاه . والبيت لم يرو في ح . وفي الأصل : « حداك » و « حاديا » بالدال المهملة ، تحريف . ( 2 ) في الأصل وح : « حربن حرة » . ( 3 ) يقال ساغ الطعام والشراب وأساغه : إذا ألفاه سائغا سهل المدخل في الحلق . ولم أجد هذه الصيغة من التضعيف في المعاجم . ( 54 ) ولا تدعن الملك والأمـر مقبل *وتطلب ما أعيت عليك مذاهبه فإن كنت تنوي أن تجيب كتابه * فقبــــح ممليه وقبح كاتبه فألق إلى الحي اليمانين كلمـة * تنال بها الأمر الذي أنت طالبه تقول : أمير المؤمنين أصابـه *عدو ومالاهم عليــه أقاربه (1) أفانين منهم قاتل ومحضـض *بـلا ترة كانت وآخر سالبه وكنت أميرا قبل بالشام فيكم * فحسبي وإياكم من الحق واجبه (2) فجيئوا ، ومن أرسى ثبيرا مكانه *ندافع بحرا لا تردد غواربه (3) فأقلل وأكثر مالها اليوم صاحب *سواك فصرح لست ممن تواربه قال : فخرج جرير يتجسس الأخبار ، فإذا هو بغلام يتغنى على قعود له وهو يقول : حكيم وعمار الشجا ومحمد * وأشترو المكشوح جروا الدواهيا (4) وقد كان فيها للزبير عجاجة * وصاحبه الأدنى أشاب النواصيا (5) ____________ ( 1 ) الممالاة : المعاونة والمساعدة . ويعني بأمير المؤمنين عثمان . ( 2 ) في الأصل : « فحبلي » صوابه في ح . ( 3 ) في الأصل وح : « تجيبوا » تحريف . والغوارب : أعالي الموج . يستحلفهم بمن أرسى جبل ثبير في مكانه أن ينهضوا لمعاونته على عدوه لكثير العدد . ( 4 ) حكيم ، بهيئة التصغير ، هو ابن جبلة بن حصن العبدي ، وكان من عمال عثمان على السند ثم البصرة . انظر مروج الذهب ( 1 : 440 ) والإصابة 1991 . وعمار ، هو عمار ابن ياسر الصحابي . ومحمد ، هو ان أبي بكر الصديق . انظر مروج الذهب ( 1 : 440 ـ 442 ) . والأشتر : لقب مالك بن الحارث الشاعر التابعي ، وكان قد قدم في نفر من أهل الكوفة . انظر المعارف 84 . والمكشوح ، هو المرادي . وقد اختلف في اسمه . انظر الإصابة 7307 . ( 5 ) يعني بصاحبه الأدنى « الزبير بن العوام » . وقد قتل طلحة والزبير يوم الجمل . ( 55 ) فأمــا علي فاستغاث ببيتـــه*فلا آمــر فيها ولم يك نــاهيا وقل في جميع الناس ما شئت بعده *وإن قلت أخطا الناس لم تك خاطيا وإن قلت عم القوم فيـه بفتنــة *فحسبك من ذاك الذي كـان كافيا فقولا لأصحاب النبي محمـــد *وخصا الرجال الأقربين المواليـا أيقتل عثمان بن عفان وسطكـم *على غير شيء ليس إلا تماديا (1) فلا نوم حتى نستبيح حريمكـم *ونخضب من أهل الشنان العواليا (2) قال جرير : يا ابن أخي ، من أنت ؟ قال : أنا غلام من قريش وأصلى من ثقيف ، أنا ابن المغيرة بن الأخنس [ بن شريق ] ، قتل أبي مع عثمان يوم الدار . فعجب جرير من قوله وكتب بشعره إلى علي (3) ، فقال علي : والله ما أخطأ الغلام شيئا . وفي حديث صالح بن صدقة قال : أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس وقال علي : وقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا ! وأبطأ على علي حتى أيس منه . وفي حديث محمد وصالح بن صدقة قالا : وكتب علي إلى جرير بعد ذلك : « أما بعد فإذا أتاك ـ كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ، وخذه بالأمر الجزم ، ثم خيره بين حرب مجلية ، أو سلم محظية (4) . فإن اختار الحرب فانبذ له (5) ، وإن اختار السلم فخذ بيعته » . ____________ ( 2 ) الشان لغة في الشنآن وهو البغض . انظر ما سبق في ص 50 . والعوالي : عوالي الرماح . ( 3 ) ح : « من شعره وقوله وكتب بذلك إلى على عليه السلام » . ( 4 ) ح : « مخزبة » . ( 5 ) انظر التنبيه الثالث من ص 28 . ( 56 ) فلما انته الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب ، فقال : [ له ] يا معاوية ، إنه لا يطبع علي قلب إلا بذنب ، ولا يشرح [ صدر ] إلا بتوبة (1) ، ولا أظن قلبك إلا مطبوعا . أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي غيرك » . فقال معاوية : « ألقاك بالفيصل أول مجلس إن شاء الله » . فلما بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال : « يا جرير الحق بصاحبك » . وكتب إليه بالحرب (2) ، وكتب في أسفل كتابه بقول كعب بن جعيل : أرى الشام تكره ملك العراق * وأهل العراق لها كارهونا (3) وكل لصاحبـه مبغــض * يرى كل ما كان من ذاك دينا ____________ ( 1 ) في الأصل : « ولا ينشرح إلا بتوبة » وأثبت ما في ح . ( 2 ) لم يذكر لنا نصر نص رسالة معاوية ، وهي كما جاءت في كامل المبرد 184 : « بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب . أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ، ولكن أغريت بعثمان المهاجرين ، وخذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف . وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حت تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين . ولعمري ما حجتك على كحجتك على طلحة والزبير ، لأنهما بايعاك ولم أبايعك . وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة ، لأن أهل البصرة أطاعوك ولم يطعك أهل الشام . وأما شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه » . وقد روى هذه الرسالة صاحب الإمامة والسياسة ( 1 : 87 ) وزاد بعد قوله : « كانت شورى بين المسلمين » هذا الكلام : « وقد كان أهل الحجاز أعلى الناس وفي أيديهم الحق ، فلما تركوه صار الحق في أيدى أهل الشام » . وهذه العبارة الأخيرة توضح لنا السر في ارتياب ابن أبي الحديد في آخر الصفحة 252 من الجزء الأول ، في تمام الرواية التي رواها المبرد . وقال في أول 253 : « وما وجدنا هذا الكلام في كتابه » . وما هو ذا الكلام بتمامه بين يدي القارئ . ( 3 ) ح ( 1 : 158 ) : « تكره أهل العراق * وأهل العراق لهم » . وفي كامل المبرد 184 : « تكره ملك العراق * وأهل العراق لهم » . ( 57 ) إذا مــا رمونــا رمينــــاهم *ودناهم مثـل مـــا يقرضونــا (1) وقالــوا علــي إمــام لنــا * فقلنــا رضينا ابن هنــد رضينـا وقلنـــا نري أن تدينـوا لنــا *فقالــــوا لنــــا لا نــري (2) أن ندينا ومن دون ذلك خرط القتاد * وضرب وطعـــن يقر العيونــا (3) وكل يســـر بمــا عنـــده *يرى غث ما في يديـه سمينــــا ومـــا في علــــي لمستعتب * مقال سوى ضمــــه المحدثينــا وإيثاره اليـــوم أهل الذنـــوب * ورفع القصــاص عـــن القاتلينا إذا سيل عنه حــــدا شبهـــة * وعمى الجــــواب على السائلينـا (4) فليس بــــراض ولا ساخـــط * ولا في النهــــاة ولا الآمرينــا ولا هو ســـــاء ولا ســـره * ولا بد مــن بعض ذا أن يكونـــا قال : فكتب إليه : « من علي إلى معاوية بن صخر . أما بعد فقد أتاني كتاب امرئ ليس له نظر يهديه ، ولا قائد يرشده ، دعاه الهوى فأجابه ، وقاده فاتبعه . زعمت أنه أفسد عليك بيعة خطيئتي في عثمان . ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا ، وأصدرت كما أصدروا . وما كان الله ليجمعهم ____________ ( 1 ) دناهم ، من الدين ، وهو القرض ، وفي قول الحماسي : « دناهم كما دانوا » . يقرضونا ، من الإقراض . وقد حذف نون الرفع ، وهو وجه جائز في العربية . انظر التنبيه رقم 2 ص 4 . وفي الأصل : « يعرضونا » صوابه في ح والكامل . ( 2 ) ح : « ألا لا نرى » . ( 3 ) قال المبرد : « وأحسن الروايتين : يفض الشؤونا . وفي آخر هذا الشعر ذم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أمكنا عن ذكره » . ( 4 ) سيل : سئل . حدا شبهة : ساقها في الأصل : « عن السائلينا » صوابه في ح . ( 58 ) على ضلالة ، ولا ليضربهم بالعمى ، وما أمرت (1) فيلزمني خطيئة الآمر ، ولا قتلت فيجب على القصاص . وأما قولك أن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة . فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والأنصار ، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز . وأما قولك : ادفع إلينا قتلة عثمان ، فما أنت وعثمان ؟ إنما أنت رجل من بني أمية ، وبنو عثمان أولى بذلك منك . فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على المحجة . وأما تمييزك بين الشام والبصرة وبين طلحة والزبير فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا واحد (2) ؛ لأنها بيعة عامة لا يثني فيها النظر ، ولا يستأنف فيها الخيار (3) . وأما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان ، ولا يقين الخبر (4) . وأما فضلى في الإسلام وقرابتي من النبي صلى الله عليه وسلم وشرفي في قريش فلعمري لو استطعت دفع ذلك لدفعته » . وأمر النجاشي فاجابه في الشعر فقال (5) : دعن يا معاوى ما لن يكونا * فقد حقق الله ما تحذرونا أتاكم علي بأهل الحجـاز * وأهل العراق فما تصنعونا (6) ____________ ( 1 ) ح : « وما ألبت » . والتأليب : التحريض . ( 2 ) ح والكامل : « إلا سواء » . وما في ح هنا نقل عن الكامل لا عن كتاب نصر . ( 3 ) ح والكامل : « لأنها بيعة شاملة لا يستثني فيها الخيار ولا يستأنف فيها النظر » . ( 4 ) الخبر : العلم ، والاختبار . وفي الأصل : « ولا بعين الخير » والصواب من ح . ( 5 ) ح والكامل : « ثم دعا النجاشي أحد بني الحارث بن كعب فقال له : إن ابن جعيل شاعر أهل الشام ، وأنت شاعر أهل العراق ، فأجب الرجل . فقال : يا أمير المؤمنين ، أسمعني قوله . قال : إذا أسمعك شعر شاعر . فقال النجاشي يجيبه » . ( 6 ) روي المبرد هذين البيتين ، وقال في إثرهما : « وبعد هذا ما نمسك عنه » . ( 59 ) علي كل جـــرداء خيفانــــة * وأشعث نهـــد يسر العيونـــا (1) عليهــا فــوارس مخشيـــة (2) * كأسد العرين حميــن العرينـــا يرون الطعــان خلال العجـــاج * وضرب الفوارس في النقع دينــا هم هزموا الجمع جمـــع الزبيـر *وطلحة والمعــشر النـاكثينـــا وقالوا يمينــا علـــي حلفــة * لنهـدي إلى الشام حربا زبونــا (3) تشيب النواصي قبــل المشيــب * وتلقى الحوامـل منهـا الجنينــا (4) فإن تكرهوا المـلك ملك العــراق* فقـد رضي القوم ما تكرهــونـا فقل للمضلــل مــن وائـــل * ومـــن جعل الغث يوما سمينــا جعلتـم عليــــا وأشياعـــه * نظيــــر ابن هند ألا تستحونـا إلى أول النــاس بعــد الرسول * وصنو الرســـول من العالمينــا وصهـــر الرسول ومــن مثله * إذا كـــان يوم يشيــب القرونا (5) نصر : صالح بن صدقة بإسناده قال : لما رجع جرير إلي على كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية ، فاجتمع جرير والأشتر عند علي فقال الأشتر : أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى من خناقه ، وأقام [ عنده ] ، حتى لم يدع بابا يرجو ____________ ( 1 ) الجرداء : الفرس القصيرة الشعر . والخيفانة : الخفيفة الوثابة . والنهد ، من الخيل : الجسيم المشرف . ( 2 ) مخشية : مخوفة . وفي الأصل : « تحسبهم » ، صوابه في ح ( 1 : 252 ) . ( 3 ) ح : « آلوا » ، أي حلفوا . ( 4 ) ح : « تشيب النواهد » . ( 5 ) قال ابن أبي الحديد : « أبيات كعب بن جعيل خير من هذه الأبيات ، وأخبث مقصدا وأدمى وأحسن » . ( 60 ) روحه إلا فتحه (1) ، أو يخاف غمه إلا سده . فقال جرير : « والله لو أتيتهم لقتلوك ـ وخوفه بعمرو ، وذي الكلاع ، وحوشب ذي ظليم (2) ـ وقد زعموا أنك من قتلة عثمان » . فقال الأشتر : « لو أتيته والله يا جرير لم يعيني جوابها ، ولم يثقل على محملها ، ولحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر » . قال : فائتهم إذا . قال : الآن وقد أفسدتهم ووقع بينهم الشر ؟ نصر : عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي قال : اجتمع جرير والأشتر عند علي فقال الأشتر : أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا ، وأخبرتك بعداوته وغشه ؟ وأقبل الأشتر يشتمه ويقول : يا أخا بجيلة ، إن عثمان اشتري منك دينك بهمدان . والله ما أنت بأهل أن تمشي فوق الأرض حيا (3) . إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم ، ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم . وأنت والله منهم ، ولا أري سعيك إلا لهم ، ولئن أطاعني فيك أمير المؤمنين ليحبسنك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه ، ، حتى تستبين هذه الأمور ويهلك الله الظالمين . قال جرير : وددت والله أنك كنت مكاني بعثت ، إذا والله لم ترجع . قال : فلما سمع جرير ذلك لحق بقرقيسيا ، ولحق به أناس من قسر من قومه (4) ، ولم يشهد صفين من قسر (5) غير تسعة عشر ، ولكن ____________ ( 1 ) روحه ، أي ما فيه من روح . والروح ، بالفتح : الراحة . وفي ح ( 1 : 260 ) : « يرجو فتحه » . ( 2 ) ظليم ، بهيئة التصغير ، كما في القاموس . وهو حوشب بن طخمة . ( 3 ) ح : « بأهل أن تترك تمشى فوق الأرض » . ( 4 ) قسر ، بفتح القاف ، هم بنو بجيلة رهط جرير بن عبد الله البجلي . وفي الأصل : « ولحق به أناس من قيس فسر من قومه » ، صوابه في ح . ( 5 ) في الأصل : « قيس » والكلام يقتضي ما أثبت من ح . ****************** أحمس (1) شهدها منهم سبعمائة رجل ، وخرج عليٌّ إلى دار جرير فشعث منها وحرق مجلسه ، وخرج أبو زرعة بن عمر بن جرير فقال : أصلحك الله ، إن فيها أرضا لغير جرير . فخرج علي منها إلي دار ثوير بن عامر فحرقها وهدم منها ، وكان ثوير رجلا شريفا ، وكان قد لحق بجرير . وقال الأشتر فيما كان من تخويف جرير إياه بعمرو ، وحوشب ذي ظليم ، وذي الكلاع (2) : لعمرك يــا جرير لقول عمـرو * وصاحبه معاويــة الشامــي وذي كلع وحوشـــب ذي ظليم*أخف على مـــن زف النعـام (3) ذا اجتمعوا علي فخـــل عنهم * وعن بـاز مخالبـــــه دوام (4) فلست بخائــف ما خوفونــي *وكيف أخــاف أحلام النيــام وهمهم الذين حاموا عليــــه *من الدنيا وهمــــي ما أمامي (5) فإن أسلم أعمهـــم بحــرب *يشيب لهولها رأس الغــــلام وإن أهلك فقد قدمـت أمـــرا * أفوز بفلجه يـــوم الخصـام (6) وقد زأروا إلى وأوعدونــــي* ومن ذا مات من خــوف الكلام ____________ ( 1 ) بنو أحمس ، هم من بطون بجيلة بن أنمار بن نزار . وكانت بجيلة في اليمن . انظر المعارف 29 ، 46 . ( 2 ) انظر ما سبق في ص 60 . ( 3 ) أي قول هؤلاء أخف من زف النعام . والزف ، بالكسر : صغار ريش النعام . ( 4 ) دوام : داميات . وقد عني بالبازي نفسه . ( 5 ) حاموا ، من الحوم ، وهو الدوران ، يقال لكل من رام أمرا : حام عليه حوما وحياما وحؤوما وحومانا . وحاموا ، بفتح الميم ، من المحاماة والمدامعة . ( 6 ) الفلج : الظفر والنصر . وعني بيوم الخصام اليوم الآخر . ( 62 ) وقال السكوني : تطاول ليلى يا لحــب السكاسك * لقول أتانا عن جريـــر ومالك (1) أجر عليه ذيل عمرو عــداوة * وما هكذا فعل الرجال الحـأوانك (2) فأعظم بها حري عليك مصيبـة * وهل يهلك الأقوام غير التماحـك (3) فإن تبقيا تبق العراق بغبطــة * وفي الناس مأوى للرجال الصعالك وإلا فليت الأرض يوما بأهلهـا * تميل إذا ما أصبحا في الهوالــك فإن جريرا ناصح لإمامـــه * حريص على غسل الوجوه الحوالك ولكن أمر الله في الناس بالــغ * يحل منايا بالنفوس الشـــوارك قال نصر : وفي حديث صالح بن صدقة قال : لما أراد معاوية السير إلى صفين قال لعمرو بن العاص : إني قد رأيت أن نلقى إلى أهل مكة وأهل ____________ ( 1 ) السكاسك : حي من اليمن ، أبوهم سكسك بن أشرس بن ثور بن كندي . انظر اللسان ( 12 : 327 ) والاشتقاق 221 . ( 2 ) الحوانك : جمع حانك على غير قياس ، فهو من إخوان الفوارس . واشتقاق الحانك من قولهم : « حنكت الشيء فهمته » . انظر اللسان ( 12 : 299 س 19 ـ 20 ) . ( 3 ) أراد : أعظم بها مصيبة حري . والحري : الحارة . والتماحك : اللجاج والمشارة . ( 63 ) المدينة كتابا نذكر لهم فيه أمر عثمان ، فاما أن ندرك حاجتنا ، وإما أن يكف القوم عنا . قال عمرو : إنما نكتب إلى ثلاثة نفر : راض بعلي فلا يزيده ذلك إلا بصيرة ، أو رجل يهوى عثمان فلن نزيده على ما هو عليه ، أو رجل معتزل فلست بأوثق في نفسه من علي . قال : على ذلك . فكتبا : « أما بعد فإنه مهما غابت عنا من الأمور فلن يغيب عنا أن عليا قتل عثمان . والدليل على ذلك مكان قتلنه منه . وإنما نطلب بدمه حتى يدفعوا إلينا قتلته فنقتلهم بكتاب الله ، فإن دفعهم على إلينا كففنا عنه ، وجعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عليه عمر بن الخطاب . وأما الخلافة فلسنا نطلبها ، فأعينونا على أمرنا هذا وانهضوا من ناحيتكم ، فإن أيدينا وأيديكم إذا اجتمعت على أمر واحد ، هاب على ما هو فيه . قال : فكتب إليهما عبد الله بن عمر (1) : أما بعد فلعمري لقد أخطأتما موضع البصيرة ، وتناولتماها من مكان بعيد وما زاد الله من شاك في هذا الأمر بكتابكما إلا شكا . وما أنتما والخلافة ؟ وأما أنت يا معاوية فطليق (2) ، وأما أنت يا عمرو فظنون (3) . ألا فكفا عني أنفسكما ، فليس لكما ولا لي نصير . وكتب رجل من الأنصار مع كتاب عبد الله بن عمر : معاوي إن الحق أبلج واضح * وليس بما ربصت أنت ولا عمرو ____________ ( 1 ) في الإمامة والسياسة ( 1 : 85 ) أن صاحب الكتاب هو المسور بن مخرمة . ( 2 ) الطليق : واحد الطلقاء ، وهم « اللين » ؟ أطلقهم الرسول يوم الفتح . انظر ص 29 . وزاد في الإمامة والسياسة : « وأبوك من الأحزاب » . ( 3 ) الظنون ، بالفتح : المتهم ومن لا يوثق به . ومثله الظنين . ح : « فظنين » . ( 64 ) نصبت ابن عفــان لنا اليوم خدعة * كما نصب الشيخـان إذ زخرف الأمر (1) فهذا كهذاك البـــلا حذو نعلــه * سواء كرقراق يغـر بـه السفـــر (2) رميتم عليا بالــذي لا يضــره (3) * وإن عظمت فيـه المكيدة والمـكــر وما ذنبه أن نال عثمــان معشـر * أتوه مــن الأحياء يجمعهـم مصـر فصار إليه المسلمــون ببيتـــه * علانية ما كان فيهـا لهــم قســر فبايعه الشيخان ثـــم تحمـــلا * إلى العمرة العظمـى وباطنها الغــدر فكان الذي قد كان مما اقتصاصــه * رجيع فيالله ما أحـدث الدهــــر (4) فمــا أنتما والنصر منــا وأنتما * بعيثا حروب ما يبوخ لهـــا الجمر (5) وما أنتمــا لله در أبيكمـــــا * وذكر كما الشورى وقد فلج الفجــر قال : وقال نصر : وفي حديث صالح بن صدقة بإسناده قال : قام عدي بن حاتم إلى علي عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، إن عندي رجلا من قومي لا يجاري به (6) ، وهو يريد أن يزور ابن عم له ، حابس بن سعد (7) الطائي ، بالشام ـ فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسر أهل ____________ ( 1 ) يعني بالشيخين طلحة والزبير . انظر ح ( 1 : 258 ) . ( 2 ) يعني بالرقراق السراب ، ترقرق : تلألأ ، وجاء وذهب . ( 3 ) ح : « لا يضيره » . ( 4 ) اقتصاصه : روايته وحكايته . والرجيع : المكرر المعاد من القول . ح : « مما اقتصاصه يطول » . ( 5 ) فما أنتما والنصر ، يجوز في نحو هذا التركيب الرفع على العطف ، والنصب على أنه مفعول معه انظر همع الهوامع ( 1 : 221 ) . ( 6 ) ح : « لا يوازي به رجل » . ( 7 ) حابس بن سعد ، قيل كانت له صحبة ، وقتل بصفين . انظر تهذيب التهذيب ( 2 : 127 ) . وقال ابن دريد في الاشتقاق 235 : « كان علي طيئ الشام مع معاوية ، وقتل . وكان عمر رضي الله عنه ولاه قضاء مصر ثم عزله » . ح : « حابس بن سعيد » محرف . ( 65 ) الشام . فقال له علي : نعم ، فمره بذلك ـ وكان اسم الرجل خفاف بن عبد الله ـ فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام ، وكان حابس سيد طيئ فحدث خفاف حابسا أنه شهد عثمان بالمدينة ، وسار مع علي إلى الكوفة . وكان لخفاف لسان وهيئة وشعر . فغدا حابس وخفاف إلى معاوية فقال حابس : هذا ابن عمي قدم الكوفة مع علي ، وشهد عثمان بالمدينة ، وهو ثقة . فقال له معاوية : هات يا أخا طيئ ، حدثنا عن عثمان . قال : حصره المكشوح ، وحكم فيه حكيم ، ووليه محمد وعمار (1) ، وتجرد في أمره ثلاثة نفر : عدي بن حاتم ، والأشتر النخعي ، وعمرو بن الحمق ؛ وجد في أمره رجلان ، طلحة والزبير (2) وأبرأ الناس منه علي . قال : ثم مه ؟ قال : ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش ، حتى ضلت النعل (3) وسقط الرداء ، ووطئ الشيخ ، ولم يذكر عثمان ولم يذكر له ، ثم تهيأ للمسير وخف معه المهاجرون والأنصار ، وكره القتال معه ثلاثة نفر : سعد بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، ومحمد بن مسلمة . فلم يستكره أحدا ، واستغنى بمن خف معه عمن ثقل . ثم سار حتى أتى جبل طيئ ، فأتاه منا جماعة كان ضاربا بهم الناس ، حتى إذا كان في بعض الطريق أتاه مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة ، فسرح رجالا إلى الكوفة فأجابوا دعوته ، فسار إلى البصرة فهي في كفه (4) ، ثم قدم إلى الكوفة ، فحمل إليه الصبي ، ودبت (5) ____________ ( 1 ) انظر التنبيه الرابع من ص 54 . ( 2 ) ح : « حصره المكشوح والأشتر النخعي وعمرو بن الحمق ، وجد في أمره طلحة والزبير » . وفيه سقط كما ترى . ( 3 ) ح : « ضاعت النعل » . ( 4 ) ح : « فإذا هي في كفه » . ( 5 ) في الأصل : « دنت » والوجه ما أثبت من ح . والدبيب : المشى على هينة . ( 66 ) إليه العجوز ، وخرجت إليه العروس فرحا به ، وشوقا إليه ، فتركته وليس همه إلا الشام " . فذعر معاوية من قوله ، وقال حابس : أيها الأمير لقد أسمعني شعرا غير به حالى في عثمان ، وعظم به عليا عندي . قال معاوية : أسمعنيه يا خفاف . فأسمعه قوله شعرا : قلت والليل ساقـــط الأكنــاف * ولجنبـــي عن الفراش تجـاف أرقب النجم مائلا ومتــى العمـ * ـض بعين طويلـــة التـذارف ليت شعري وإننـي لســـؤول * هل لي اليوم بالمدينــة شــاف من صحاب النبي إذ عظم الخــط * ـب وفيهم من البرية كــــاف أحلال دم الإمــــام بذنــب * أم حــــرام بسنة الوقــاف (2) قال لي القوم لا سبيــل إلى مـا * تطلب اليوم قلت حسب خفــاف عند قوم ليسوا بأوعيــة العلــ * ـم ولا أهــل صحة وعفــاف قلت لما سمعت قولا دعونـــي * إن قلبي من القلوب الضعـــاف قد مضى مــا مضى ومر به الده * ـر كمــا مر ذاهـب الأسلاف إننــي والذي يحج له النـــا * س على لحق البطــون العجاف (3) ____________ ( 1 ) مائلا ، أي إلى الغيب . والغمض ، بالضم : النوم . في الأصل : « راقب الليل » تحريف . هذا والبيت والستة الأبيات التي بعده لم ترو في ح . ( 2 ) الوقاف : المتأني الذي لا يعجل . وفي حديث الحسن : « إن المؤمن وقاف متأن ، وليس كحاطب الليل » . والوقاف أيضا : المحجم عن القتال . ( 3 ) لحق البطون ، عني بها الإبل . ولحق : جمع لاحق ولاحقة ، واللاحق : الضامر . وفي ح : « لحق البطون عجاف » . ( 67 ) تتبارى مثـل القسى مــن النبـ * ـع بشعث مثل الرصـاف نحـاف (1) ارهب اليــوم ، إن أتاك علـي ، * صيحة مثـــل صيحــة الأحقاف (2) إنه الليث عــــاديــا وشجـاع * مطرق نافــث بســم زعـــاف (3) فارس الخيـــل كل يـوم نـزال * ونزال الفتي مــن الإنصــــاف واضع السيف فوق عاتقـــه الأيـ * مــن يذرى بـــه شؤون القحاف (4) لا يــرى القتل في الخلاف عليـه * ألف ألف كانــوا مـــن الإسراف ســوم الخيل ثــم قال لقـــوم * تابعوه إلى الطعــــان خفـــاف : استعدوا لحــرب طاغيه الشـــا * م ، فلبـــوه كالبنيـــن اللطـاف ثم قالوا أنــت الجنــاح لك الريـ * ش القدامى ونحــــن منـه الخوافى أنت وال وأنــت والدنــا البــ * ر ونحـــن الغداة كالأضيـــاف وقرى الضيف فـي الديار قليـــل * قد تركنا العــــراق للإتحــاف (5) ____________ ( 1 ) شبه الإبل بالقسى في تقوسها . والشعث ، عنى بهم الحجاج الذين قد شعثت رؤوسهم أي تلبد شعرها واغبر . والرصاف : العقبة التي تلوى فوق رعظ السهم إذا انكسر . ورعظ السهم : مدخل سنخ النصل . وفي ح : « مثل السهام » . ( 2 ) الصيحة : العذاب والهلكة . وقوم الأحقاف هم عاد قوم هود . انظر الآيات 21 ـ 26 من سورة الأحقاف . والأحقاف : رمل فيما بين عمان إلى حضر موت . ح : « إن أتاكم علي * صبحة مثل صبحة » . والصبحة : المرة من صبح القوم شرا : جاءهم به صباحا . ( 3 ) عاديا ، ينظر فيه إلى قوم عبد يغوث بن وقاص في المفضليات ( 1 : 156 ) : « أنا الليث معدوا عليه وعاديا » . وعدا الليث : وثب . وفي الأصل : « غازيا » وفي ح : « غاديا » . والشجاع ، بالضم والكسر : الحية الذكر . ( 4 ) يذرى : يطيح ويلقي ويطير . والشؤون : مواصل قبائل الرأس . ح : « يفري به » . ( 5 ) الإتحاف : أن يتحفه بتحفة ، وهي ما تتحف به الرجل من البر واللطف . في الأصل : « للانحاف » ، تحريف . والبيت لم يرو في ح . ( 68 ) وهم ما هم إذا نشب البأ * س ذووالفضل والأمور الكوافي وانظر اليوم قبل نادية القوم * بسلم أردت أم بخلاف (1) إن هذا رأي الشفيق على الشا * م ولولاه ما خشيت مشاف فانكسر معاوية وقال : يا حابس ، إني لا أظن هذا إلا عينا لعلي ، أخرجه عنك لا يفسد أهل الشام ـ وكنى معاوية بقوله ـ ثم بعث إليه بعد فقال : يا خفاف ، أخبرني عن أمور الناس . فأعاد عليه الحديث ، فعجب معاوية من عقله وحسن وصفه للامور . ـــــــــــــــ آخر الجزء الأول من الأصل ، والحمد لله وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وآله وسلم ويتلوه الجزء الثاني ____________ ( 1 ) نادية القوم : دعوتهم . وفي الحديث : « فبينما هم كذلك إذ نودوا نادية » . في الأصل : « نادبة » بالباء الموحدة ، تحريف . وفي ح : « قبل بادرة القوم » . والبادرة : ما يبدر حين النضب من قول أو فعل . ح : « بسلم تهم » . ( 69 ) الجزء الثاني من كتـاب صفــين لنصر بن مزاحم رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي رواية أبي البركات عبد الواهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن علي بن محمد المعروف بابن المعجم ـ غفر الله له ( 70 ) ( 71 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي ، قال : أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه في ربيع الآخر من سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، قال أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر قال : أخبرنا أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي ، قال أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة ، قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز ، قال أبو الفضل نصر بن مزاحم ، عن عطية بن غنى (1) ، عن زياد بن رسم قال : كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب خاصة ، وإلى سعد بن أبي وقاص ، ومحمد بن مسلمة ، دون كتابه إلى أهل المدينة ، فكان في كتابه إلي ابن عمر : أما بعد فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلى أن يجتمع عليه الأمة (2) بعد قتل عثمان منك . ثم ذكرت خذلك إياه وطعنك على أنصاره فتغيرت لك ، وقد هون ذلك علي خلافك على علي ، ومحا عنك بعض ما كان منك (3) فأعنا ـ رحمك الله ـ على حق هذا الخليفة المظلوم ، فإني لست أريد ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 259 ) : « عطية بن غناء » . ( 2 ) ح : « الناس » . ( 3 ) في الأصل : « وجزني إليك بعض ما كانت منك » ، وأثبت ما في ح . ( 72 ) الإمارة عليك ، ولكني أريدها لك . فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين " . وكتب في أسفل كتابه : ألا قل لعبد الله واخصص محمــدا * وفارسنا المأمون سعد بن مـــالك (1) ثلاثة رهط مــن صحاب مـحمد * نجوم ومأوى للرجـــال الصعالك (2) ألا تخبرونـــا والحوادث جمــة * وما الناس إلا بين نـاج وهالـــك أحل لكم قتل الإمـــام بذنبـــه * فلستم لأهل الجور أول تــــارك وإلا يكن ذنبا أحــــاط بقتلــه * ففي تركه والله إحـــدى المهالـك وإما وقفتم بيــن حـــق وباطل * توقف نســــوان إمـاء عوارك (3) وما القول إلا نصـــره أو قتـاله * أمانة قوم بدلت غيـــر ذلــك فإن تنصرونا تنصروا أهـل حرمة * وفي خذلنا يا قوم جب الحــوارك (4) قال : فأجابه ابن عمر : « أما بعد فإن الرأي الذي أطمعك في هو الذي صيرك إلى ما صيرك إليه . أني تركت عليا في المهاجرين والأنصار ، وطلحة والزبير ، وعائشة أم المؤمنين ، واتبعتك (5) . أما زعمك أني طعنت علي على فلعمري ما أنا ____________ ( 1 ) هو الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ، واسمه سعد بن مالك بن أهيب ـ وقيل وهيب ـ بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري . وهو أحد الستة أهل الشورى ، و ولي الكوفة لعمر ، وهو الذي بناها ، ثم عزل ووليها لعثمان . توفى سنة 55 . الإصابة 3187 . ( 2 ) الصعالك : جمع صعلوك . وحذف الياء في مثله جائز . والصعلوك : الفقير الذي لا مال له . ( 3 ) العوارك : الحوائض من النساء ، جمع عارك . ( 4 ) الحوارك : جمع حارك ، وهو أعلى الكاهل . ( 5 ) ح : « أترك » مع إسقاط كلمة : « أني » قبلها . وفي ح أيضا « وأتبعك » بدل : « واتبعتك » . ( 73 ) كعلي في الإيمان والهجرة ، ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونكايته في المشركين . ولكن حدث أمر لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فيه عهد ، ففزعت فيه إلى الوقوف (1) ، وقلت : إن كان هدى ففضل تركته ، وإن كان ضلالة فشر نجوت منه . فأغن عنا نفسك (2) ) . ثم قال لابن أبي غزية : أجب الرجل ـ وكان أبوه ناسكا ، وكان أشعر قريش ـ فقال : معاوي لا ترج الذي لست نائلا * وحاول نصيرا غير سعد بن مالك (3) ولا ترج عبد الله واترك محمدا * ففي ما تريد اليوم جب الحوارك تركنا عليا في صحاب محمد * وكان لما يرجى له غير تارك نصير رسول الله في كل موطن * وفارسه المامون عند المعارك وقد خفت الأنصار معه وعصبة * مهاجرة مثل الليوث الشوابك (4) ____________ ( 1 ) ح : « ولكن عهد إلى في هذا الأمر عهد ففرغت فيه الوقوف » ، تحريف ونقص . ( 2 ) أغن نفسك : اصرفها وكفها . ومنه قول الله : « لن يغنوا عنك من الله شيئا » . وفي الأصل : « فاعزل عنا نفسك » ، صوابه من ح . ( 3 ) انظر ما مضى في الصفحة السابقة . ( 4 ) أسد شابك : مشتبك الأنياب مختلفها . والشابك أيضا من أسماء الأسد . وفي الأصل : « الشوائك » تحريف . ( 74 ) وطلحة يدعـــو والزبيــر وأمنا * فقلنا لها قولي لنــا ما بـــدا لك حذار أمور شبهـــت ولعلهـــا * موانع في الأخطار إحــدى المهالك وتطمع فينا يا ابن هنـد سفاهــة * عليك بعليا حمير والسكـــاسك (1) وقوم يمانيون يعطوك نصــرهم * بصم العوالي والسيــوف البواتك قال : وكان من كتاب معاوية إلى سعد : « أما بعد فإن أحق الناس بنصر عثمان أهل الشورى من قريش ، الذين أثبتوا حقه واختاروه على غيره ، وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الأمر ، ونظيراك في الإسلام ، وخفت لذلك أم المؤمنين . فلا تكرهن ما رضوا ، ولا تردن ما قبلوا ، فإنا نردها شورى بين المسلمين » . وقال شعرا : يا سعد قــــد أظهرت شكــــا * وشك المــرء في الأحـــداث داء على أي الأمور وقفـــت حقـــا * يرى أو بــاطلا فلـــــه دواء وقد قال النبي وحـــد حـــدا * يحل به من النــاس الدمـــاء ثلاث : قاتـــل نفســا ، وزان * ومرتد مضـــــى فيه القضاء فإن يكــن الإمام يلم منهــــا * بواحدة فليـــس لــــه ولاء ____________ ( 1 ) انظر ما سبق في ص 62 . ( 75 ) وإلا فالتــــي جئتـــم حـرام (1) * وقاتله وخـــاذلــــه ســواء وهذا حكمــــه لا شــك فيــه * كما أن السماء هـــي السمـــاء وخير القول ما أوجـــزت فيـــه * وفي إكثارك الـــداء العيــــاء أبا عمرو دعوتك فـــي رجــال * فجاز عراقي الدلــو الرشـــاء (2) فأمـا إذ أبيت فليــس بينــــي * وبينــك حرمة ، ذهب الرجـــاء سوى قولــي ، إذا اجتمعت قريش : * على سعد مـــن الله العفـــــاء فأجابه سعد : « أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من يحل له الخلافة من قريش ، فلم يكن أحد منا أحق بها (3) من صاحبه [ إلا ] باجتماعنا عليه ، غير أن عليا قد كان فيه ما فينا ولم يك فينا ما فيه . وهذا أمر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره (4) . فأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما كان خيرا لهما . والله يغفر لأم المؤمنين ما أتت » . ثم أجابه في الشعر : معاوي داؤك الــداء العياء * فليس لما تجئ بــه دواء طمعت اليوم في يا ابن هند * فلا تطمع فقد ذهب الرجاء عليك اليوم ما أصبحت فيه * فما يكفيك من مثلي الإباء (5 ) ____________ ( 1 ) في الأصل : « حراما » . ( 2 ) أراد انقطع الأمل . وعراقي الدلو : جمع عرقوة ، قال الأصمعي : يقال للخشبتين اللتين تعترضان على الدلو كالصليب : العرقوتان ، وهي العراقي . وفي الأصل : « عوالي الدلو » ولا وجه له . وهذه القصيدة وسابقتها لم أجدهما في كتاب ابن أبي الحديد . ( 3 ) في الأصل : « به » صوابه في ح ( 1 : 260 ) . ( 4 ) ح : « قد كرهت أوله وكرهت آخره » . ( 5 ) أي الذي يكفيك مني الإباء . ( 76 ) فما الدنيا بباقيــــة لحـــــي * ولا حــــي له فيها بقـــــاء وكل سرورهــــا فيها غـــرور * وكل متاعها فيهــــا هبــــاء أيدعوني أبو حســـن علـــــي * فلم أردد عليه بمـــا يشـــــاء وقلت له اعطني سيفــا بصيـــرا * تمر بـــه العـــداوة والــولاء فإن الشر أصغــــره كبيــــر * وإن الظهر تثقلـــــه الدمــاء أتطمع في الذي أعيـــا عليـــا * على ما قــد طمعت بـــه العفاء ليوم منه خيــــر منك حيـــا * وميتا ، أنت للمـــرء الفـــداء فأما أمــــر عثمان فدعـــه * فإن الرأي أذهبـــه البــــلاء وكان كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة : « أما بعد فإني لم أكتب إليك وأنا أرجو متابعتك (1) ، ولكني أردت أن أذكرك النعمة التي خرجت منها والشك الذي صرت إليه . إنك فارس الأنصار ، وعدة المهاجرين ، ادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لم تستطع إلا أن تمضي عليه ، فهذا نهاك عن قتال أهل الصلاة ، فهلا نهيت أهل الصلاة عن قتال بعضهم بعضا . وقد كان عليك أن تكره لهم ما كره لك رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو لم تر عثمان وأهل الدار من أهل الصلاة (2) ؟ فأما قومك فقد عصوا الله وخذلوا عثمان ، والله سائلك وسائلهم عن الذي كان ، يوم القيامة » . فكتب إليه محمد [ بن مسلمة ] : « أما بعد فقد اعتزل هذا الأمر من ليس في يده من رسول الله صلى الله ____________ ( 1 ) ح : « مبايعتك » . ( 2 ) ح : « أهل القبلة » في المواضع الثلاثة . ( 77 ) عليه وآله وسلم مثل الذي في يدي . فقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن قبل أن يكون ، فلما كان كسرت سيفي ، وجلست في بيتي (1) واتهمت الرأي على الدين ، إذ لم يصح لي معروف آمر به ، ولا منكر أنهى عنه . وأما أنت فلعمري ما طلبت إلا الدنيا ، ولا اتبعت إلا الهوى . فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا (2) . فما أخرجني الله من نعمة ولا صيرني إلى شك . إن كنت أبصرت خلاف ما تحبني به ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار ، فنحن أولى بالصواب منك » . ثم دعا محمد بن مسلمة رجلا من الأنصار ، وكان فيمن يرى رأي محمد في الوقوف ، فقال : أجب يا مروان بجوابه فقد تركت الشعر . فقال مروان . لم يكن عند ابن عقبة الشعر (3) . وفي حديث صالح بن صدقة بإسناده قال : ضربت الركبان إلى الشام بقتل عثمان ، فبينما معاوية [ يوما ] إذ أقبل رجل متلفف ، فكشف عن وجهه فقال : يا أمير المؤمنين ، أتعرفني ؟ قال : نعم ، أنت الحجاج بن خزيمة بن الصمة فأين تريد ؟ قال : إليك القربان (4) ، أنعى إليك ابن عفان . ثم قال : إن بني عمك عبد المطلـــب * هم قتلوا شيخكم غيــر الكذب وأنت أولى الناس بالوثب فثب * واغضب معاوي للإله واحتسب ____________ ( 1 ) يروى عن محمد بن مسلمة أنه قال : « أعطاني رسول الله صلى الله عليه وآله سيفا فقال : قاتل به المشركين ما قوتلوا ، فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضا فائت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر ، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية خاطئة . انظر الإصابة 7800 . ( 2 ) ح : « فقد خذلته حيا . والسلام » وبذلك تنتهي هذه الرسالة في ح . ( 3 ) يفهم من هذا أن اسم هذا الأنصاري مروان بن عقبة . ( 4 ) القربان ، بالضم والكسر : الدنو . ( 78 ) وسر بنا سير الجرئ المتلئب (1) * وانهض بأهل الشام ترشد وتصب (2) ثم اهزز الصعدة للشأس الكلب (3) يعني « عليا » . فقال له : عندك مهز (4) ؟ قال : نعم . ثم أقبل الحجاج بن الصمة على معاوية فقال : يا أمير المؤمنين (5) ، إني كنت فيمن خرج مع يزيد بن أسد [ القسري ] مغيثا لعثمان ، فقدمنا أنا وزفر بن الحارث فلقينا رجلا زعم أنه ممن قتل عثمان ، فقتلناه . وإني أخبرك يا أمير المؤمنين أنك تقوي على علي بدون ما يقوي به عليك ، لأن معك قوما لا يقولون إذا قلت ، ولا يسألون إذا أمرت . وإن مع علي قوما يقولون إذا قال ، ويسألون إذا أمر ؛ فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه . واعلم أنه لا يرضى علي إلا بالرضا ، وإن رضاه سخطك . ولست وعلي سواء (6) : لا يرضى علي بالعراق دون الشام ، ورضاك الشام دون العراق . ____________ ( 1 ) قال ابن أبي الحديد في ( 1 : 253 ) : « المتلئب : المستقيم المطرد » . وفي اللسان أيضا : اتلأب : أقام صدره ورأسه . وفي الأصل : « الملتبب » ولا وجه له . ( 2 ) في الأصل : « وجمع أهل الشام » ، صوابه من ح . ( 3 ) الصعدة ، بالفتح : القناة المستوية . والشأس ، أصل معناه المكان الغليظ الخشن . قال ابن أبي الحديد : « ومن رواه : للشاسي ، بالياء فأصله الشاصي بالصاد ، وهو المرتفع ، يقال شصا السحاب إذا ارتفع ، فأبدل الصاد سينا . ومراده هنا نسبة علي عليه السلام إلى التيه والرفع عن الناس » . قلت : قد أبعد ابن أبي الحديد في التخريج ، إنما يكون : « الشاسي » مخفف « الشاسيء » وهو من المقلوب . وفي اللسان ( مادة شأس ) : « ويقال مقلوبا : مكان شاسيء وجاسيء : غليظ » . ( 4 ) مهز : مصدر ميمي من الهز . يقال هززت فلانا لخير فاهتز . ح : « أفيك مهز » . ( 5 ) زاد ابن أبي الحديد : « ولم يخاطب معاوية بأمير المؤمنين قبلها » أي قبل هذه الزيارة . وهذه العبارة تعليق من ابن أبي الحديد . وتقرأ بفتح الطاء من " يخاطب " وإلا فإن الحجاج خاطبه قبلها بأمير المؤمنين في أول الحديث . وانظر ص 80 س 6 . ( 6 ) كذا وردت العبارة في الأصل ، وح . وهو وجه ضعيف في العربية ، إذ لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد توكيده بالضمير المنفصل ، أو وجود فاصل بين المتبوع والتابع . ( 79 ) فضاق معاوية [ صدرا ] بما أتاه ، وندم على خذلانه عثمان (1) . وقال معاوية حين أتاه قتل عثمان : أتاني أمر فيه للنفــــس غمـــة * وفيه بكاء للعيــــون طويــــل وفيه فنـــاء شامـــل وخزايــة * وفيه اجتــداع للأنــــوف أصيــل مصاب أمير المؤمنيـــن وهــدة * تكاد لها صــم الجبــال تـــزول (2) فلله عينا من رأي مثـــل هالــك * أصيــب بلا ذنـــب وذاك جليــل تداعـت عليه بالمدينــة عصبــة * فريقان منهــا قاتـــل وخـــذول (3) دعاهـم فصموا عنه عنـــد جوابه * وذاكم على مــا في النفوس دليـــل (4) ندمــت على ما كان من تبعي الهوى * وقصري فيـــه حسرة وعويـــل (5) سأنعى أبا عمــرو بكـــل مثقف * وبيض لهـــا في الدار عيـن صليل (6) تركتـــك للقوم الذين هــم هـم * شجاك فماذا بعـــد ذاك أقـــول فلست مقيما مـــا حييت ببلـــدة * أجر بها ذيلـــي وأنت قتيــــل ____________ ( 1 ) في الأصل : « وهذه » ، صوابها من ح . ( 2 ) ح : « على خذلان عثمان » . ( 3 ) ح : « منهم قاتل » . ( 4 ) أي عند طلبه الجواب . وفي ح : « عند دعائه » . ( 5 ) يقال : قصرك أن تفعل كذا ، أي حسبك وكفايتك وغايتك ، كما تقول : قصارك وقصاراك . الأولى بفتح القاف والأخريان بضمها . ( 6 ) أبو عمرو : كنية عثمان بن عفان . وفي رثائه تقول زوجه نائلة بنت الفرافصة : ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي * وقد غيبوا عنا فضول أبي عمرو ح : « سأبغي » أي سأطلب ثاره . والبيض ، بالكسر : السيوف ، جمع أبيض . والدارع : لابس الدرع . ( 80 ) فلا نوم حتى تشجر الخيــل بالقنــا * ويشفى من القوم الغــواة غليــــل (1) ونطحنهم طحن الرحـــى بثفالهــا * وذاك بما أسدوا إليـــك قليــــل (2) فأما التي فيهــا مــودة بيننـــا * فليس إليها مــا حييــت سبيــل سألقحها حربا عوانــــا ملحــة * وإني بها مـــن عامنا لكفيـــل (3) نصر : وافتخر الحجاج على أهل الشام بما كان من تسليمه على معاوية بإمرة المؤمنين . نصر : صالح بن صدقة ، عن إسماعيل بن زياد ، عن الشعبي ، أن عليا قدم من البصرة مستهل رجب الكوفة ، وأقام بها سبعة عشر شهرا يجري الكتب فيما بينه وبين معاوية وعمرو بن العاص . قال : وفي حديث عثمان بن عبيد الله الجرجاني قال : بويع معاوية على الخلاف ، فبايعه الناس على كتاب الله وسنة نبيه ، فأقبل مالك بن هبيرة الكندي ـ وهو يومئذ رجل من أهل الشام ـ فقام خطيبا وكان غائبا من البيعة ، فقال : « يا أمير المؤمنين ، أخدجت هذا الملك (4) ، وأفسدت الناس ، وجعلت للسفهاء مقالا . وقد علمت العرب أنا حي فعال ، ولسنا بحي مقال ، وإنا نأتي بعظيم فعالنا على قليل مقالنا . فابسط ____________ ( 1 ) الشجر : الطعن بالرمح . وفي حديث الشراة : « فشجرناهم بالرماح ، أي طعناهم بها حتى اشتبكت فيهم » . وعنى بالخيل الفرسان . ( 2 ) الثفال ، بالكسر ، جلد يبسط تحت الرحى ليقي الطحين من التراب ، ولا تثفل الرحى إلا عند الطحن . في الأصل : « وأطحنهم » وأثبت ما في ح ، وفي الأصل أيضا : « بما أسدى إلي » ، والوجه ما أثبت من ح . ( 3 ) في الأصل : « من عامها » . ( 4 ) الإخداج : النقص ، وفي الأصل : « أخرجت » بالراء ، تحريف . ****************** يدك أبايعك على ما أحببنا وكرهنا » . فكان أول العرب بايع عليها مالك ابن هبيرة . وقال الزبرقان بن عبد الله السكوني : معاوي أخدجت الخلافــــة بالتــي * شرطت فقد بوالـــك الملـــــك مالك ببيعة فصل ليس فيهـــا غميزة * ألا كل ملك ضمــــه الشـرط هالك وكان كبيــت العنكبــوت مذبذبــا * فأصبح محجوبــا عليـــه الأرائك وأصبح لا يرجــــوه راج لعلــة * ولا تنتحي فيـــه الرجال الصعالـك وما خير ملك يا معــاوي مخــدج * تجرع فيه الغيظ والوجـــه حالــك إذا شاء ردته السكـــون وحميــر * وهمدان والحي الخفــاف السكاسـك نصر : صالح بن صدقة ، عن ابن إسحاق ، عن خالد الخزاعي وغيره عمن لا يتهم (1) ، أن عثمان لما قتل وأتى معاوية كتاب علي بعزله عن الشام خرج حتى صعد المنبر ثم نادى في الناس أن يحضروا ، فحضروا المسجد فخطب الناس معاوية فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : « يا أهل الشام ، قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وخليفة عثمان وقتل مظلوما ، وقد تعلمون أني وليه (2) ، والله يقول في كتابه : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) : وأنا أحب أن تعلموني ما في أنفسكم من قتل عثمان » . قال : فقام كعب بن مرة السلمي وفي المسجد يومئذ أربعمائة رجل ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 253 ) : « ممن لا يتهم » . ( 2 ) ح : « وخليفة عثمان وقد قتل وأنا ابن عمه ووليه » . ( 82 ) أو نحو ذلك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ـ فقال : « والله لقد قمت مقامي هذا وإني لأعلم أن فيكم من هو أقدم صحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله مني ، ولكني قد شهدت من رسول الله مشهدا لعل كثيرا منكم لم يشهده . وإنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار في يوم شديد الحر فقال : « لتكونن فتنة حاضرة » . فمر رجل مقنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا المقنع يومئذ على الهدى قال : فقمت فأخذت بمنكبيه (1) وحسرت عن رأسه فإذا عثمان ، فأقبلت بوجهه إلى رسول الله فقلت : هذا يارسول الله ؟ قال : « نعم » . فأصفق أهل الشام على معاوية ، وبايعوه على الطلب بدم عثمان أميرا لا يطمع في الخلافة ، ثم الأمر شورى . وفي حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال : لما قدم عبيد الله بن عمر بن الخطاب على معاوية بالشام ، أرسل معاوية إلى عمرو بن العاص فقال : « يا عمرو ، إن الله قد أحيا لك عمر بن الخطاب بالشام بقدوم عبيد الله ابن عمر ، وقد رأيت أن أقيمه خطيبا فيشهد على علي بقتل عثمان ، وينال منه » . فقال : الرأي ما رأيت . فبعث إليه فأتى ، فقال له معاوية : يا ابن أخي ، إن لك اسم أبيك ، فانظر بملء عينيك ، وتكلم بكل فيك (2) فأنت المأمون المصدق ! فا [ صعد المنبر ، وا ] شتم عليا واشهد عليه أنه قتل عثمان . فقال : يا أمير المؤمنين (3) أما شتميه فإنه علي بن أبي طالب ، وأمه فاطمة بنت أسد بن ____________ ( 1 ) ح : « بمنكبه » . ( 2 ) ح ( 1 : 256 ) : « وانطق بملء فيك » . ( 3 ) ح : « أيها الأمير » . ( 83 ) هاشم ، فما عسى أن أقول في حسبه . وأما بأسه فهو الشجاع المطرق . وأما أيامه فما قدمت عرفت : ولكني ملزمه دم عثمان . فقال عمرو [ بن العاص ] : إذا والله قد نكأت القرحة (1) . فلما خرج عبيد الله قال معاوية : أما والله لولا قتله الهرمزان ، ومخافة علي على نفسه (2) ما أتانا أبدا . ألم تر إلى تقريظه عليا ؟ ! فقال عمرو : « يا معاوية ، إن لم تغلب فاخلب " . فخرج حديث إلى عبيد الله ، فلما قام خطيبا تكلم بحاجته ، حتى إذا أتى إلى أمر علي أمسك [ ولم يقل شيئا ] ، فقال له معاوية (3) : ابن أخي (4) ، إنك بين عي أو خيانة ! فبعث إليه : » كرهت أن أقطع الشهادة على رجل لم يقتل عثمان ، وعرفت أن الناس محتملوها عني [ فتركتها ] « . فهجره معاوية ، واستخف بحقه ، وفسقه فقال عبيد الله : معاوي لم أخرص بخطبة خاطب * ولم أك عيا في لؤى بن غالب (5) ولكنني زاولت نفســــا أبية * على قذف شيخ بالعراقين غائب ____________ ( 1 ) ح : « قد وأبيك إذن نكأت القرحة » . ( 2 ) ح : « ومخافته عليا على نفسه » . ( 3 ) ح : « فلما نزل بعث إليه معاوية » . ( 4 ) في الأصل : « ابن أخ » تحريف ، والمنادي إذا كان مضافا إلى مضاف إلى الياء فالياء ثابتة لا غير كقولك : « يا ابن أخي » و « يا ابن خالي » إلى إن كان « ابن أم » أو « ابن عم » ففيهما مذاهب . ( 5 ) لم أخرص : لم أكذب . وفي الأصل وح : « لم أحرص » تحريف . ( 84 ) وقذفي عليا بابن عفـــان جهــرة * يجدع بالشحنـــا أنوف الأقــارب (1) فأما انتقافي أشهد اليــوم وثبـــة * فلست لكم فيها ابن حـرب بصاحـب (2) ولكنه قــد قرب القــوم جهــده * ودبوا حواليه دبيـــب العقــارب (3) فما قال أحسنتم ولا قـــد أسأتــم * وأطرق إطراق الشجــــاع المواثب فأما ابن عفان فأشهــــد أنـــه * أصيـــب بريئا لابسا ثــوب تائب حرام على آهالــه نتــف شعـره * فكيف وقــد جازوه ضربــة لازب (4) وقد كان فيها للزبيـــر عجاجــة * وطلحة فيهـــا جاهد غيــر لاعب وقد أظهرا من بعــد ذلــك توبــة * فياليت شعري مـــا هما في العواقـب ____________ ( 1 ) الشحناء : البغض والعداوة ، وفي الأصل : « أجدع بالشحناء » : وفي ح : « كذاب وما طبعي سجايا المكاذب » ، وجه هذه « وما طبي » . ( 2 ) البيت لم يرو في ح ، وفي صدره تحريف . ( 3 ) ح : « ولكنه قد حزب القوم حوله » . ( 4 ) الآهال : جمع أهل ، وأنشد الجوهري : * وبلدة ما الجن من آهالها * ( 85 ) فلما بلغ معاوية شعره بعث إليه فأرضاه وقربه وقال : « حسبي هذا منك » . نصر ، عن عمر بن سعد عن أبي ورق ، أن ابن عمر بن مسلمة الأرحبي أعطاه كتابا في إمارة الحجاج بكتاب من معاوية إلى علي . قال : وإن أبا مسلم الخولاني (1) قدم إلى معاوية في أناس من قراء أهل الشام ، [ قبل مسير أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفين ، ] فقالوا [ له ] : يا معاوية علام تقاتل عليا ، وليس لك مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ؟ قال لهم : ما أقاتل عليا وأنا أدعى أن لي في الإسلام مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ، ولكن خبروني عنكم ، ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟ قالوا : بلى . قال : فليدع إلينا (2) قتلته فنقتلهم به ، ولا قتال بيننا وبينه . قالوا : فاكتب [ إليه ] كتابا يأتيه [ به ] بعضنا . فكتب إلى علي هذا الكتاب مع أبي مسلم الخولاني ، فقدم به على علي ، ثم قام أبو مسلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد فإنك قد قمت بأمر وتوليته (3) ، والله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك ، إن عثمان قتل مسلما محرما (4) مظلوما ، فادفع ____________ ( 1 ) أبو مسلم الخولاني الزاهد الشامي هو عبد الله بن ثوب ، بضم المثلثة وفتح الواو ، وقيل بإشباع الواو ، وقيل ابن أثوب بوزن أحمر ، ويقال ابن عوف وابن مشكم ، ويقال اسمه يعقوب بن عوف ، وكان ممن رحل إلى النبي فلم يدركه ، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية . انظر تقريب التهذيب 612 والمعارف 194 . وفي الأصل : « الحولاني » بالمهملة ، صوابه بالخاء المعجمة ، كما في ح ( 3 : 407 ) نسبة إلى خولان ، بالفتح ، إحدى قبائل اليمن . ( 2 ) ح ( 3 : 407 ) : « فليدفع إلينا » . ( 3 ) ح : ( 3 : 408 ) : « وليته » . ( 4 ) محرما : أي له حرمة وذمة ، أو أراد أنهم قتلوه في آخر ذي الحجة ، وقال أبو عمرو : = ( 86 ) إلينا قتلته ، وأنت أميرنا ، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة ، وألسنتنا لك شاهدة ، وكنت ذا عذر وحجة » . فقال له على : اغد على غدا ، فخذ جواب كتابك . فانصرف ثم رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه ، فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملؤوا المسجد وأخذوا ينادون : كلنا قتل ابن عفان [ وأكثروا من النداء بذلك ] ، وأذن لأبي مسلم فدخل على علي أمير المؤمنين فدفع إليه جواب كتابه معاوية ، فقال له أبو مسلم : قد رأيت قوما ما لك معهم أمر . قال : وما ذاك ؟ قال : بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا واجتمعوا ولبسوا السلاح وزعموا أنهم كلهم قتلة عثمان . فقال علي : « والله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين ، لقد ضربت هذا الأمر أنفه وعينيه ما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك » . فخرج بالكتاب وهو يقول : الآن طاب الضراب . وكان كتاب معاوية إلى علي عليه السلام (1) : بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب . سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم ، ____________ = أي صائما ، ويقال أراد لم يحل بنفسه شيئا يوقع به ، فهو محرم . وبكل هذه التأويلات فسر بيت الراعي ، الذي أنشده صاحب اللسان ( 15 : 13 ) : قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * ودعا فلم أر مثله مقتولا وانظر خزانة الأدب ( 1 : 503 ـ 504 ) . ( 1 ) انظر هذا الكتاب أيضا في العقد ( 3 : 107 ) . ( 87 ) فكانوا في منار لهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام . فكان أفضلهم في إسلامه ، وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة من بعده ، وخليفة خليفته ، والثالث الخليفة المظلوم عثمان ، فكلهم حسدت ، وعلى كلهم بغيت . عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وفي قولك الهجر ، وفي تنفسك الصعداء ، وفي إبطائك عن الخلفاء ، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش (1) حتى تبايع وأنت كاره . ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان ، وكان أحقهم ألا تفعل به ذلك في قرابته وصهره ، فقطعت رحمه ، وقبحت محاسنه ، وألبت الناس عليه ، وبطنت وظهرت ، حتى ضربت إليه آباط الإبل ، وقيدت إليه الخيل العراب ، وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله ، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة (2) ، لا تردع الظن والتهمة عن نفسك فيه بقول ولا فعل . فأقسم صادقا أن لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ، ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغي عليه . وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين : إيواؤك قتلة عثمان ، فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك (3) . وقد ذكر لي أنك تنصل من دمه ، فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم به ، ونحن أسرع [ الناس ] إليك . وإلا فإنه فليس لك ولا لأصحابك إلا السيف . والذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال ، والبر والبحر ، حتى يقتلهم الله ، أو لتلحقن أرواحنا بالله . والسلام . ____________ ( 1 ) المخشوش : الذي جعل في عظم أنفه الخشاش ، وهو بالكسر ، عويد يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع في انقياده . ( 2 ) الهائعة : الصوت الشديد . ( 3 ) بطانة الرجل : خاصته وصاحب سره . وفي الأصل : « بطاشك » صوابه في ح . ( 88 ) فكتب إليه علي عليه السلام : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد فإن أخا خولان قدم على بكتاب منك تذكر فيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما أنعم الله عليه به من الهدى والوحي . والحمد لله الذي صدقه الوعد ، وتمم له النصر (1) ، ومكن له في البلاد ، وأظهره على أهل العداء (2) والشنآن ، من قومه الذين وثبوا به ، وشنفوا له (3) ، وأظهروا له التكذيب ، وبارزوه بالعداوة ، وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه [ وأهله ] ، وألبوا عليه العرب ، وجامعوهم على حربه ، وجهدوا في أمره كل الجهد ، وقلبوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم كارهون . وكان أشد الناس عليه ألبة (4) أسرته والأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصمه الله (5) يا ابن هند . فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ، ولقد قدمت فأفحشت ، إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعالى في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وفينا ، فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر ، أو كداعي مسدده إلى النضال (6) . وذكرت أن الله اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم ، فكانوا في منازلهم عنده عل قدر فضائلهم في الإسلام ، ____________ ( 1 ) ح : « وأيده بالنصر » . ( 2 ) في الأصل : « العدى » تحريف . وفي ح : « العداوة » . ( 3 ) شنف له يشنف شنفا ، من باب تعب : أبغضه . وفي الحديث في إسلام أبي ذر : « فإنهم قد شنفوا له » ، أي أبغضوه . ( 4 ) الألبة : المرة من الألب ، وهو التحريض . والذي في ح : « تأليبا وتحريضا » . ( 5 ) الكلام بعد هذه إلى كلمة : « النضال » لم يرد في ح . ( 6 ) التسديد : التعليم . أي كمن يدعو من علمه النضال إلى النضال . ( 89 ) فكان أفضلهم ـ زعمت ـ في الإسلام ، وأنصحهم لله ورسوله الخليفة ، وخليفة الخليفة . ولعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم ، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد . رحمهما الله وجزاهما بأحسن الجزاء (1) . وذكرت أن عثمان كان في الفضل ثالثا (2) ، فإن يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه ، وإن يك مسيئا فسيلقي ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره . ولعمر الله إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الإسلام ونصيحتهم لله ورسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر . إن محمدا صلى الله عليه وسلم لما دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد كنا ـ أهل البيت ـ أول من آمن به ، وصدق بما جاء به ، فلبثنا أحوالا مجرمة (3) وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا ، فأراد قومنا قتل نبينا ، واجتياح أصلنا ، وهموا بنا الهموم ، وفعلوا بنا الأفاعيل ، فمنعونا الميرة ، وأمسكوا عنا العذب (4) ، وأحلسونا الخوف (5) ، وجعلوا علينا الأرصاد والعيون ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، وكتبوا علينا بينهم كتابا لا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يناكحونا ولا يبايعونا ولا نأمن فيهم حتى ندفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقتلوه ويمثلوا به . فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم ، فعزم الله لنا على منعه ، والذب عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته ، والقيام ____________ ( 1 ) ح : « وجزاهما أحسن ما عملا » . ( 2 ) ح : « تاليا » : ( 3 ) أي سنين كاملة . والمجرمة ، بتشديد الراء المفتوحة . ( 4 ) الميرة ، بالكسر : ما يجلب من الطعام . والعذب ، عنى به الماء العذب . ( 5 ) أي ألزموناه . انظر ح ( 3 : 304 ) . وفي الأصل : « وأحلسوا » صوابه في ح ( 3 : 303 ، 408 ) . ( 90 ) بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار (1) ، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب ، وكافرنا يحامي به عن الأصل . فأما من أسلم من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء ، فمنهم حليف ممنوع ، أو ذو عشيرة تدافع عنه فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف ، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن . فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ، ثم أمر الله رسوله بالهجرة ، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين ، فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا ، فوقى بهم أصحابه حر الأسنة والسيوف ، فقتل عبيدة (2) يوم بدر ، وحمزة يوم أحد ، وجعفر وزيد يوم مؤتة ، وأراد لله من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مرة ، إلا أن آجالهم عجلت ، ومنيته أخرت . والله مولى الإحسان إليهم ، والمنان عليهم ، بما قد أسلفوا من الصالحات . فما سمعت بأحد ولا رأيت فيهم من هو أنصح لله في طاعة رسوله ، ولا أطوع لرسوله في طاعة ربه ، ولا أصبر على اللأواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء النفر الذين سميت لك . وفي المهاجرين خير كثير نعرفه (3 ) ، جزاهم الله بأحسن أعمالهم . وذكرت (4) حسدي الخلفاء ، وإبطائي عنهم ، وبغيي عليهم . فأما البغي فمعاذ الله أن يكون ، وأما الإبطاء عنهم والكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس ، لأن الله جل ذكره لما قبض نبيه ____________ ( 1 ) في الأصل : « والليل والنهار » ، وأثبت ما في ح . ( 2 ) هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف . وهو أول من عقدت له راية في الإسلام . انظر الإصابة 5367 . وقد تزوج الرسول الكريم زوجته زينب بنت خزيمة بعده . انظر المعارف 59 . ( 3 ) ح ( 3 : 409 ) : « خير كثير يعرف » . ( 4 ) في الأصل : « فذكرت » صوابه بالواو ، كما في ح . ( 91 ) صلى الله عليه وسلم قالت قريش : منا أمير ، وقالت الأنصار : منا أمير . فقالت قريش : منا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحن أحق بذلك الأمر . فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية والسلطان . فإذا استحقوها بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أحق بها منهم . وإلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا ، أو الأنصار ظلموا . [ بل ] عرفت أن حقي هو المأخوذ ، وقد تركته لهم تجاوز الله عنهم . وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه ، وتأليبي عليه فإن عثمان عمل ما [ قد ] بلغك ، فصنع الناس [ به ] ما قد رأيت وقد علمت . إني كنت في عزلة عنه ، إلا أن تتجني ، فتجن ما بدا لك . وأما ما ذكرت من أمر قتله عثمان فإني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينيه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك . ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك ، ولا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر ، ولا جبل ولا سهل . وقد كان أبوك أتاني حين ولي الناس أبا بكر فقال : أنت أحق بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر ، وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك . ابسط يدك أبايعك . فلم أفعل . وأنت تعلم أن أباك قد كان قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي أبيت ؛ لقرب عهد الناس بالكفر ، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام . فأبوك كان أعرف بحقي منك . فإن تعرف من حقي ما كان يعرف أبوك تصب رشدك ، وإن لم تفعل فسيغني الله عنك والسلام . آخر الجزء الثاني من أصل عبد الوهاب ( 92 ) نصر بن مزاحم ، عن عمر بن سعد ، عن إسماعيل بن يزيد ، والحارث بن حصيرة ، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود قال : لما أراد علي المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : « أما بعد فإنكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل والأمر . وقد أردنا المسير إلى عدونا ، وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم » . فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : « أما بعد يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير ، هم لك ولأشياعك أعداء ، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء ، وهم مقاتلوك ومجاهدوك (1) لا يبقون (2) جهدا ، مشاحة على الدنيا ، وضنا بما في أيديهم منها . وليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان (3) . كذبوا ليسوا بدمه يثأرون (4) ولكن الدنيا يطلبون . فسر بنا إليهم (5) ، فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال . وإن أبو إلا الشقاق فذلك الظن بهم (6) . والله ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ، و [ لا ] يسمع إذا أمر » . نصر : عمر بن سعد ، عن الحارث بن حصيرة ، عن عبد الرحمن بن عبيد ابن أبي الكنود ، أن عمار بن ياسر قام فذكر الله بما هو أهله ، وحمده وقال : يا أمير المؤمنين ، إن استطعت ألا تقيم يوما واحدا فا [ فعل . ا ] شخص بنا ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 278 ) : « ومجادلوك » لعل هذه : « ومجالدوك » . ( 2 ) ح : « لا يبغون » تحريف . ( 3 ) ح : « من طلب دم ابن عفان » . ( 4 ) ح : « ليسوا لدمه ينفرون » . ( 5 ) ح : « انهض بنا إليهم » . ( 6 ) ح : « فذاك ظني بهم » . ( 93 ) قبل استعار نار الفجرة ، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة ، وادعهم إلى رشدهم وحظهم . فإن قبلوا سعدوا ، وإن أبوا إلا حربنا فوالله إن سفك دمائهم ، والجد في جهادهم ، لقربة عند الله ، وهو كرامة منه " . وفي هذا الحديث : ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " يا أمير المؤمنين ، انكمش بنا إلى عدونا ولا تعرد (1) ، فوالله لجهادهم أحب إلى من جهاد الترك والروم ؛ لإدهانهم في دين الله (2 ) ، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان . إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه (3) . وفيئنا لهم في أنفسهم حلال ، ونحن لهم ـ فيما يزعمون ـ قطعين (4) . قال : يعني رقيق . فقال أشياخ الأنصار ، منهم خزيمة بن ثابت ، وأبو أيوب الأنصاري وغيرهما : لم تقدمت أشياخ قومك وبدأتهم يا قيس بالكلام ؟ فقال : أما إني عارف بفضلكم ، معظم لشأنكم ، ولكني وجدت في نفسي الضغن الذي جاش في صدوركم حين ذكرت الأحزاب . فقال بعضهم لبعض : ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عن جماعتكم . فقالوا : قم يا سهل بن حنيف . فقام سهل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « يا أمير المؤمنين ، نحن سلم لمن سالمت ، وحرب لمن حاربت ، ورأينا رأيك ونحن كف يمينك . وقد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة ، فتأمرهم بالشخوص ، وتخبرهم بما صنع الله لهم في ذلك من الفضل ؛ فإنهم هم أهل البلد ____________ ( 1 ) الانكماش : الإسراع والجد . والتعريد : الفرار والإحجام والانهزام . ح : « ولا تعرج » . ( 2 ) الإدهان : الغش والمصانعة . وفي التنزيل العزيز : « ودوا لو تدهن فيدهنون » . ( 3 ) في اللسان : « سيره من بلده : أخرجه وأجلاه » . ( 4 ) القطين : الخدم والأتباع والحشم والمماليك . ( 94 ) وهم الناس . فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد وتطلب . وأما نحن فليس عليك منا خلاف ، متى دعوتنا أجبناك ، ومتى أمرتنا أطعناك » . نصر : عمر بن سعد ، عن أبي مخنف ، عن زكريا بن الحارث ، عن أبي حشيش (1) ، عن معبد قال : قام علي خطيبا على منبره ، فكنت تحت المنبر حين حرض الناس وأمرهم بالمسير إلى صفين لقتال أهل الشام . فبدأ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « سيروا إلى أعداء [ الله . سيروا إلى أعداء ] السنن والقرآن ، سيروا إلى بقية الأحزاب ، قتلة المهاجرين والأنصار » . فقام رجل من بني فزارة يقال له أربد فقال : أتريد أن تسيرنا إلى إخواننا من أهل الشام فنقتلهم لك ، كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة فقتلناهم . كلا ، ها الله إذا لا نفعل ذلك (2) . فقام الأشتر فقال : من لهذا إيها الناس (3) ؟ وهرب الفزاري واشتد الناس على أثره ، فلحق بمكان من السوق تباع فيه البراذين ، فوطئوه بأرجلهم وضربوه بأيديهم ونعال سيوفهم (4) حتى قتل ، فأتى علي فقيل : يا أمير المؤمنين ، قتل الرجل . قال : ومن قتله ؟ قالوا : قتلته همدان وفيهم شوبة من الناس (5) . فقال : قتيل عمية لا يدري ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 279 ) : « أبي خشيش » . ( 2 ) ها التنبيه ، قد يقسم بها ، كما هنا . قال ابن منظور : « إن شئت حذفت الألف التي بعد الهاء ، وإن شئت أثبت » . ( 3 ) ح : « من هذا المأزق » . ( 4 ) نعل السيف : ما يكون في أسفل جفنه من حديدة أو فضة . ( 5 ) ح : « ومعهم شوب من الناس » . ( 95 ) من قتله (1) ، ديته من بيت مال المسلمين . وقال علاقة التيمي (2) : أعوذ بربي أن تكون منيتي * كما مات في سوق البراذين أربد تعاوره همدان خفق نعالهم * إذا رفعت عنه يد وضعت يد قال : وقام الأشتر فحمد الله وأثنى عليه فقال : « يا أمير المؤمنين ، لا يهدنك ما رأيت ، ولا يؤيسنك من نصرنا ما سمعت من مقالة هذا الشقي الخائن . جميع من ترى من الناس شيعتك ، وليسوا يرغبون بأنفسهم عن نفسك ، ولا يحبون بقاء بعدك . فإن شئت فسر بنا إلى عدوك . والله ما ينجو من الموت من خافه ، ولا يعطى البقاء من أحبه ، وما يعيش بالآمال إلا شقى . وإنا لعلى بينة من ربنا أن نفسا لن تموت حتى يأتي أجلها ، فكيف لا نقاتل قوما هم كما وصف أمير المؤمنين ، وقد وثبت عصابة منهم على طائفة من المسلمين [ بالأمس ] فأسخطوا الله ، وأظلمت بأعمالهم الأرض ، وباعوا خلاقهم (3) بعرض من الدنيا يسير » . فقال علي عليه السلام : « الطريق مشترك ، والناس في الحق سواء ، ومن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فله ما نوى وقد قضى ما عليه » . ثم نزل فدخل منزله . نصر : عمر بن سعد قال : حدثني أبو زهير العبسي ، عن النضر بن صالح ، أن عبد الله بن المعتم العبسي ، وحنظلة بن الربيع التميمي ، لما أمر علي عليه السلام الناس بالمسير إلى الشام ، دخلا في رجال كثير من غطفان وبني تميم على ____________ ( 1 ) العمية ، بكسر العين وتشديد الميم المكسورة والياء المفتوحة المشددة ، ويقال أيضا « عميا » بوزنه مع القصر ، أي ميتة فتنة وجهالة . ( 2 ) بدلها في ح : « فقال بعض بني تيم اللات بن ثعلبة » . ( 3 ) الخلاق ، بالفتح : الحظ والنصيب من الخير . ( 96 ) أمير المؤمنين ، فقال له التميمي : " يا أمير المؤمنين ، إنا قد مشينا إليك بنصيحة فاقبلها منا ، ورأينا لك رأيا فلا ترده علينا ، فإنا نظرنا لك ولمن معك . أقم وكاتب هذا الرجل ، ولا تعجل إلى قتال أهل الشام ، فإني والله ما أدري ولا تدري لمن تكون إذا التقيتم الغلبة ، وعلى من تكون الدبرة " . وقام ابن المعتم فتكلم ، وتكلم القوم الذين دخلوا معهما بمثل ما تكلم به ، فحمد على الله وأثنى عليه ، وقال : " أما بعد فإن الله وارث العباد والبلاد ، ورب السموات السبع والأرضين السبع ، وإليه ترجعون . يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء . أما الدبرة فإنها على [ الضالين ] العاصين ، ظفروا أو ظفر بهم . وايم الله إني لأسمع كلام قوم ما أراهم يريدون أن يعرفوا معروفا ، ولا ينكروا منكرا " . فقام إليه معقل بن قيس اليربوعي ثم الرياحي فقال : " يا أمير المؤمنين ، إن هؤلاء والله ما أتوك بنصح ، ولا دخلوا عليك إلا بغش ، فاحذرهم فإنهم أدنى العدو " . فقال له مالك بن حبيب : يا أمير المؤمنين ، إنه بلغني أن حنظلة هذا يكاتب معاوية ، فادفعه إلينا نحبسه حتى تنقضي غزاتك ثم تنصرف . وقام إلى علي عياش بن ربيعة ، وقائد بن بكير العبسيان ، فقالا : يا أمير المؤمنين ، إن صاحبنا عبد الله بن المعتم قد بلغنا أنه يكاتب معاوية ، فأحبسه أو أمكنا منه نحبسه حتى تنقضي غزاتك وتنصرف . فأخذا يقولان : هذا جزاء من نظر لكم (1) وأشار عليكم بالرأي فيما بينكم وبين عدوكم . فقال ____________ ( 1 ) في الأصل : « من نصركم » صوابه من ح ( 1 : 280 ) . ( 97 ) لهما علي : " الله بيني وبينكم ، وإليه أكلكم ، وبه أستظهر عليكم . اذهبوا حيث شئتم " . ثم بعث علي إلى حنظلة بن الربيع ، المعروف بحنظلة الكاتب (1) ، وهو من الصحابة ، فقال : يا حنظلة ، أعلي أم لي ؟ قال : لا عليك ولا لك . قال : فما تريد ؟ قال : اشخص إلى الرها (2) ، فإنه فرج من الفروج ، اصمد له حتى ينقضى هذا الأمر . فغضب من ذلك خيار بني عمرو بن تميم ـ وهم رهطه ـ فقال : إنكم والله لا تغروني من ديني . دعوني فأنا أعلم منكم . فقالوا : والله لئن لم تخرج مع هذا الرجل لا ندع فلانة تخرج معك ـ لأم ولده ـ ولا ولدها . ولئن أردت ذلك لنقتلنك . فأعانه ناس من قومه فاخترطوا سيوفهم ، فقال : أجلوني [ حتى ] أنظر . فدخل منزله وأغلق بابه حتى إذا أمسى هرب إلى معاوية ، وخرج من بعده إليه من قومه رجال كثير ، ولحق ابن المعتم أيضا حتى أتى معاوية ، وخرج معه أحد عشر رجلا من قومه . وأما حنظلة فخرج بثلاثة وعشرين رجلا من قومه ، ولكنهما لم يقاتلا مع معاوية واعتزلا الفريقين جميعا ، فقال حنظلة حين خرج إلى معاوية : يسل غواة عند بابي سيوفها * ونادى مناد في الهجيم لأقبلا سأترككم عودا لأصعب فرقة * إذا قلتم كلا يقول لكم بلى قال : فلما هرب حنظلة أمر علي بداره فهدمت ، هدمها عريفهم بكر بن تميم ، وشبث بن ربعي ، فقال في ذلك : ____________ ( 1 ) هو حنظلة بن الربيع ـ ويقال ابن ربيعة ـ بن صيفي ، ابن أخي أكثم بن صيفي حكيم العرب . وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم مرة كتابا فسمى بذلك « الكاتب » . وكانت الكتابة قليلة في العرب . وكان ممن تخف عن علي عليه السلام يوم الجمل . وهو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : « لليهود يوم وللنصارى يوم ، فلو كان لنا يوم » فنزلت سورة الجمعة . انظر الإسابة 1855 والمعارف 130 . ( 2 ) الرها ، بضم أوله والمد والقصر : مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام ( 98 ) أيا راكبا إما عرضــت فبلغـــن * مغلغلة عني سراة بنــي عمــرو فأوصيكم بالله والبــر والتقـــي * ولا تنظروا في النائبات إلى بكــر ولا شبث ذي المنخريـن كأنـــه * أزب جمال في ملاحيــــة صفر (1) وقال أيضا يحرض معاوية بن أبي سفيان : أبلغ معاوية بن حــرب خطــة * ولكل سائلة تسيــل قــــرار انقبلن دنيـــــة تعطونهـــا * في الأمر حتـــى تقتل الأنصار وكما تبوء دماؤهــم بدمائكــم * وكما تهدم بالديــــار ديــار (2) وترى نساؤهم يجلــن حواسـرا * ولهن من علق الدمــاء خـوار (3) نصر : عمر بن سعد ، عن سعد بن طريف ، عن أبي المجاهد ، عن المحل ابن خليفة قال : قام عدي بن حاتم الطائي [ بين يدي علي عليه السلام ] فحمد الله بما هو أهله وأثنى عليه ثم قال : « يا أمير المؤمنين ، ما قلت إلا بعلم ، ولا دعوت إلا إلى حق ، ولا أمرت إلا برشد . فإن رأيت (4) أن تستأني هؤلاء القوم وتستديمهم حتى تأتيهم كتبك ، ويقدم عليهم ررسلك ـ فعلت . ____________ ( 1 ) الأزب من الإبل : الكثير شعر الوجه والعثنون . والملاحي ، بضم الميم وتخفيف اللام ، هو من الأراك ما فيه بياض وشهبة وحمرة . وفي ح : « قد غار ليلة النفر » ، وفي هامش الأصل : « قد دعا ليلة النفر » إشارة إلى أنه كذلك في نسخة أخرى . صواب هذين : « قد رغا » . ( 2 ) في الأصل : وتجر قتلاهم بقتلى حروب * وكما يقدم بالديار ديار وأثبت ما في ح ( 1 : 280 ) . وكتب في حاشية الأصل : « وكما تبوء دماؤهم بدمائكم » إشارة إلى أن صدره كذلك في نسخة أخر . ( 3 ) أصل الخوار صوت البقر والغنم والظباء . وفي ح : « من ثكل الرجال خوار » . ( 4 ) ح : ( 1 : 280 ) : « ولكن إذا رأيت » . ( 99 ) فإن يقبلوا يصيبوا ويرشدوا (1) ، والعافية أوسع لنا ولهم . وإن يتمادوا في الشقاق ولا ينزعوا عن الغي فسر إليهم . وقد قدمنا إليهم العذر (2) ودعوناهم إلى ما في أيدينا من الحق ، فوالله لهم من الله أبعد ، وعلى الله أهون ، من قوم قاتلناهم بناحية البصرة أمس ، لما أجهد لهم الحق (3) فتركوه ، ناوخناهم براكاء (4) القتال حتى بلغنا منهم ما نحب ، وبلغ الله منهم رضاه فيما يرى » . فقام زيد بن حصين الطائي ـ وكان من أصحاب البرانس (5) المجتهدين فقال : الحمد لله حتى يرضى ، ولا إله إلا الله ربنا ، ومحمد رسول الله نبينا . إما بعد فوالله لئن كنا في شك من قتال من خالفنا ، لا يصلح لنا النية في قتالهم حتى نستديمهم ونستأنيهم . ما الأعمال إلا في تباب ، ولا السعي إلا في ضلال . والله يقول : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) . إنا والله ما ارتبنا طرفة عين فيمن يبتغون دمه (6) ، فكيف بأتباعه القاسية قلوبهم ، القليل في الإسلام حظهم ، أعوان الظلم ومسددي أساس الجور والعدوان (7) . ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ، ولا التابعين بإحسان . ____________ ( 1 ) ح : « يصيبوا رشدهم » . ( 2 ) ح : « بالعذر » . ( 3 ) في اللسان : « أجهد لك الطريق وأجهد لك الحق : برز وظهر ووضح » . وفي الأصل « أجهدنا » والفعل لازم كما رأيت . كما رأيت . وفي ح : « لما دعوناهم إلى الحق » . ( 4 ) البراكاء ، بضم الراء وفتحها : الابتراك في الحرب ، وهو أن يجثو القوم على ركبهم . والمناوخة : مفاعله من النوخ ، وهو البروك . وفي الأصل : « ناوحناهم » بالمهملة ، صوابه في ح . ( 5 ) البرنس ، بالضم : قلنسوة طويلة ، أو كل ثوب رأسه منه . ( 6 ) ح : « فيمن يتبعونه » . ( 7 ) ح : « وأصحاب الجور والعدوان » . ( 100 ) فقام رجل من طيئ فقال : يا زيد بن حصين ، أكلام سيدنا عدي بن حاتم تهجن ؟ قال : فقال زيد : ما أنتم بأعرف بحق عدي مني ، ولكني لا أدع القول بالحق وإن سخط الناس . قال : فقال عدي بن حاتم : الطريق مشترك ، والناس في الحق سواء . فمن اجتهد رأيه في نصيحة العامة فقد قضى الذي عليه (1) . نصر : عمر بن سعد ، عن الحارث بن حصيرة (2) قال : دخل أبو زبيب (3) بن عوف على علي فقال : « يا أمير المؤمنين ، لئن كنا على الحق لأنت أهدانا سبيلا ، وأعظمنا في الخير نصيبا ، ولئن كنا في ضلالة إنك لأثقلنا ظهرا وأعظمنا وزرا : أمرتنا بالمسير إلى هذا العدو وقد قطعنا ما بيننا وبينهم من الولاية ، وأظهرنا لهم العداوة ، نريد بذلك ما يعلم الله [ من طاعتك ] ، وفي أنفسنا من ذلك ما فيها . أليس الذي نحن عليه الحق المبين ، والذي عليه عدونا الغي والحوب الكبير ؟ » . فقال علي : « [ بلى ] ، شهدت أنك إن مضيت معنا ناصرا لدعوتنا ، صحيح النية في نصرتنا ، قد قطعت منهم الولاية ، وأظهرت لهم العداوة كما زعمت ، فإنك ولي الله تسيح (4) في رضوانه ، وتركض في طاعته : فأبشر أبا زبيب » . ____________ ( 1 ) ما بعد : « سخط الناس » ساقط من ح ، فهو إما دخيل على النسخة ، أو تمثل من عدي بقول علي عليه السلام ، الذي سبق في ص 95 . ( 2 ) سبقت ترجمته في ص 3 . وفي الأصل : « حضيرة » بالضاد المعجمة ، تحريف . وفي هامش الأصل « خ : حصين » إشارة إلى أنه « حصين » في نسخة أخرى . وهذه الأخيرة توافق ما ورد في ح ( 1 : 280 ) . وليس بشيء . ( 3 ) ح : « أبو زينب » في جميع المواضع . ( 4 ) ح : « تسبح » من السباحة . ****************** فقال له عمار بن ياسر : اثبت أبا زبيب ولا تشك في الأحزاب عدو الله ورسوله (1) . قال : فقال أبو زبيب : ما أحب أن لي شاهدين من هذه الأمة فيشهدا لي على ما سألت عنه من هذا الأمر الذي أهمني مكانكما . قال : وخرج عمار [ بن ياسر ] وهو يقول : سيروا إلى الأحزاب أعداء النبي * سيروا فخير الناس اتباع علي هذا أوان طاب ســل المشرفي * وقودنا الخيل وهز السمهري عمر بن سعد عن أبي روق قال : دخل يزيد بن قيس الأرحبي على علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن على جهاز وعدة (2) ، وأكثر الناس أهل قوة (3) ومن ليس بمضعف وليس به علة . فمر مناديك فليناد الناس يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة ، فإن أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النؤوم ، ولا من إذا أمكنه الفرص أجلها واستشار فيها ، ولا من يؤخر الحرب في اليوم إلى غد وبعد غد . فقال زياد بن النضر : لقد نصح لك يا أمير المؤمنين يزيد بن قيس ، وقال ما يعرف ، فتوكل على الله وثق به ، واشخص بنا إلى هذا العدو راشدا معانا ، فإن يرد الله بهم خيرا لا يدعوك رغبة عنك إلى من ليس مثلك في السابقة ____________ ( 1 ) عدو ، يقال للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحدا ، ويقال أيضا عدوة وعدوان وأعداء . ( 2 ) الجهاز : ما يحتاج إليه المسافر والغازي . ح : « أولو جهاز وعدة » . ( 3 ) أي أصحاب قوة . وفي الأصل : « القوة » وأثبت ما في ح ( 1 : 281 ) . ( 102 ) مع النبي صلى الله عليه وآله ، والقدم (1) في الإسلام ، والقرابة من محمد صلى الله عليه وآله . وإلا ينيبوا ويقبلوا ويأبوا إلا حربنا نجد حربهم علينا هينا ، ورجونا أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم بالأمس . ثم قام عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي فقال : « يا أمير المؤمنين ، إن القوم لو كانوا الله يريدون أو لله يعملون ، ما خالفونا . ولكن القوم إنما يقاتلون فرارا من الأسوة (2) ، وحبا للأثرة ، وضنا بسلطانهم ، وكرها لفراق دنياهم التي في أيديهم ، وعلي إحن في أنفسهم ، وعداوة يجدونها في صدورهم ، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة ، قتلت فيها أباءهم وإخوانهم (3 ) » . ثم التفت إلى الناس فقال : فكيف يبايع معاوية عليا وقد قتل أخاه حنظلة ، وخاله الوليد ، وجده عتبة في موقف واحد . والله ما أظن أن يفعلوا (4) ، ولن يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المران (5) ، وتقطع على هامهم السيوف ، وتنثر حواجبهم بعمد الحديد ، وتكون أمور جمة بين الفريقين . نصر : عمر بن سعد ، عن عبد الرحمن ، عن الحارث بن حصيرة (6) ، ____________ ( 1 ) القدم ، بفتحتين : السبق والتقدم في الإسلام . ( 2 ) الأسوة ، ها هنا : التسوية بين المسلمين في قسمة المال . انظر ح ( 3 : 4 ) . ( 3 ) ح : « وأعوانهم » . ( 4 ) ح : « ما أظنهم يفعلون » . ( 5 ) تقصد : تكسر . والمران : الرماح الصلبة اللينة . والمران أيضا : نبات الرماح . ح : « دون أن تقصف فيهم قنا ؟ ؟ المران » . ( 6 ) ح : « حصين » وانظر ما سبق في ص 3 . ( 103 ) عن عبد الله بن شريك قال : خرج حجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق ، يظهران البراءة واللعن من أهل الشام ، فأرسل إليهما علي : أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه فقالا : يا أمير المؤمنين ؛ ألسنا محقين ؟ قال : بلى . [ قالا : أو ليسوا مبطلين ؟ قال : بلى ] . قالا : فلم منعتنا من شتمهم ؟ قال : « كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين ، تشتمون وتتبرءون . ولكن لو وصفتم مساوي أعمالهم فقلتم : من سيرتهم كذا وكذا ، ومن عملهم كذا وكذا ، كان أصوب في القول ، وأبلغ في العذر . و [ لو (1) ] قلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ، حتى يعرف الحق منهم من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به ، كان هذا أحب إلى وخيرا لكم » . فقالا : يا أمير المؤمنين ، نقبل عظتك ، ونتأدب بأدبك . وقال عمرو بن الحمق : إني والله يا أمير المؤمنين ما أجبتك ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ، ولا إرادة مال تؤتينيه ، ولا التماس سلطان يرفع ذكرى به ، ولكن أجبتك لخصال خمس : أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأول من آمن به ، وزوج سيدة نساء الأمة فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ، وأبو الذرية التى بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأعظم رجل من المهاجرين سهما في الجهاد . فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي ، ونزح (2) البحور الطوامي حتى يأتي على يومي في أمر أقوى به وليك وأوهن به عدوك ، ما رأيت أنى قد أديت فيه كل الذي يحق على من حقك . فقال أمير المؤمنين علي : اللهم نور قلبه بالتقى ، واهده إلى صراط ____________ ( 1 ) ليست في الأصل ولا في ح ، وبها يلتئم الكلام . ( 2 ) في الأصل : « وأنزح » صوابه في ح ( 1 : 281 ) . ( 104 ) مستقيم (1) ، ليت أن في جندي مائة مثلك ، فقال حجر : إذا والله يا أمير المؤمنين صح جندك ، وقل فيهم من يغشك . ثم قال حجر فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن بنو الحرب وأهلها ، الذين نلقحها وننتجها ، قد ضارستنا وضارسناها (2) ، ولنا أعوان ذو وصلاح ، وعشيرة ذات عدد ، ورأي مجرب وبأس محمود ، وأزمتنا منقادة لك بالسمع والطاعة ؛ فإن شرقت شرقنا ، وإن غربت غربنا ، وما أمرتنا به من أمر فعلناه . فقال علي : « أكل قومك يرى مثل رأيك ؟ » قال : « ما رأيت منهم إلا حسنا ، وهذه يدى عنهم بالسمع والطاعة ، وبحسن الإجابة » . فقال له علي خيرا . قال نصر : وفي حديث عمر بن سعد قال : وكتب علي إلى عماله ، فكتب إلى مخنف بن سليم : سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه ، وهب في نعاس العمي والضلال اختيارا له ـ فريضة على العارفين . إن الله يرضى عمن أرضاه ، ويسخط على من عصاه . وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله ، واستأثروا بالفئ ، وعطلوا الحدود ، وأماتوا الحق ، وأظهروا في الأرض الفساد ، واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين ، فإذا ولي لله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه ، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه فقد أصروا على الظلم ، وأجمعوا على الخلاف . وقديما ما صدوا عن الحق ، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين . فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف علي عملك ____________ ( 1 ) ح : « صراطك المستقيم » . ( 2 ) في اللسان ( 8 : 424 ) : « وضارست الأمور : جربتها وعرفتها » . ( 105 ) أوثق أصحابك في نفسك ، وأقبل إلينا لعلك تلقى هذا العدو المحل فتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ، وتجامع الحق وتباين الباطل ؛ فإنه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد . وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وكتب عبد الله بن أبي رافع سنة سبع وثلاثين . فاستعمل مخنف على أصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع ، واستعمل على همدان سعيد بن وهب ـ وكلاهما من قومه ـ وأقبل حتى شهد مع علي صفين . وكان علي قد استخلف ابن عباس على البصرة ، فكتب عبد الله بن عباس إلى علي يذكر له اختلاف أهل البصرة ، فكتب إليه علي : من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس . أما بعد فالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله . أما بعد (1) فقد قدم على رسولك وذكرت ما رأيت وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي (2) وسأخبرك عن القوم : هم بين مقيم لرغبة يرجوها ، أو عقوبة يخشاها (3) . فأرغب راغبهم بالعدل عليه ، والإنصاف له والإحسان إليه ؛ وحل عقدة الخوف عن قلوبهم ، فإنه ليس لأمراء أهل البصرة في قلوبهم عظم (4) إلا قليل منهم . وانته إلى أمرى ولا تعده ، وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة ، وكل من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت إن شاء الله . والسلام . وكتب عبد الله بن أبي رافع في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين . ____________ ( 1 ) كذا جاءت « أما بعد » مكررة . . وأول الرسالة في ح : « أما بعد فقد قدم على رسولك » بإهمال ما قبلها من الكلام . ( 2 ) ح : « وقرأت كتابك تذكر فيه حال أهل البصرة واختلافهم بعد انصرافي عنهم » . ( 3 ) ح : « أو خائف من عقوبة يخشاها » . ( 4 ) كذا في الأصل وح . ولعلها : « عصم » جمع عصام ، وهو الحبل يشد به . ( 106 ) وكتب : من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأسود بن قطنة . أما بعد فإنه من لم ينتفع بما وعظ لم يحذر ما هو غابر (1) ومن أعجبته الدنيا رضي بها ، وليست بثقة . فاعتبر بما مضى تحذر ما بقى ، واطبخ للمسلمين قبلك من الطلاء ما يذهب ثلثاه (2) ، وأكثر لنا من لطف الجند ، واجعله مكان ما عليهم من أرزاق الجند ، فإن للولدان علينا حقا ، وفي الذرية من يخاف دعاؤه ، وهو لهم صالح . والسلام . وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عامر . أما بعد فإن خير الناس عند الله عز وجل أقومهم لله بالطاعة فيما له وعليه ، وأقولهم بالحق ولو كان مرا ، فإن الحق به قامت السماوات والأرض . ولتكن سريرتك كعلانيتك ، وليكن حكمك واحدا ، وطريقتك مستقيمة ، فإن البصرة مهبط الشيطان . فلا تفتحن على يد أحد منهم بابا لا نطيق سده نحن ولا أنت . والسلام . وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس . أما بعد فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم ، فاقسمه من قبلك حتى تغنيهم ، وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا . والسلام . ____________ ( 1 ) في اللسان : الغابر : الباقي . قال : وقد يقال للماضي غابر . ( 2 ) الطلاء ، بالكسر : ما طبخ من عصير العنب . ( 107 ) وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس . أما بعد فإن الإنسان قد يسره ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه وإن جهد . فليكن سرورك فيما قدمت من حكم أو منطق أو سيرة ، وليكن أسفك على ما فرطت لله فيه من ذلك . ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزنا ، وما أصابك فيها فلا تبغ به سرورا . وليكن همك فيما بعد الموت . والسلام (1) . وكتب إلى أمراء الجنود : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين . أما بعد فإن حق الوالي ألا يغيره على رعيته أمر ناله ولا أمر خص به ، وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من عباده وعطفا عليهم . ألا وإن لكم عندي ألا أحتجز دونكم سرا إلا في حرب ، ولا أطوي عنكم أمرا إلا في حكم ، ولا أؤخر حقا لكم عن محله ، ولا أرزأكم شيئا ، وأن تكونوا عندي في الحق سواء . فإذا فعلت ذلك وجبت عليكم النصيحة والطاعة . فلا تنكصوا عن دعوتي ، ولا تفرطوا في صلاح دينكم من دنياكم ، وأن تنفذوا لما هو لله طاعة ، ولمعيشتكم صلاح ، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ولا يأخذكم في الله لومة لائم . فإن أبيتم أن تستقيموا لي على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممن فعل ذلك منكم ، ثم أعاقبه عقوبة لا يجد عندي فيها هوادة . فخذوا هذا من أمرائكم ، وأعطوهم من أنفسكم ، يصلح الله أمركم . والسلام . ____________ ( 1 ) انظر مجالس ثعلب 186 . ( 108 ) وكتب إلى أمراء الخراج : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أمراء الخراج (1) . أما بعد فإنه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ولم يحرزها . ومن اتبع هواه وانقاد له على ما يعرف نفع عاقبته عما قليل ليصبحن من النادمين . ألا وأن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره ، وإن أشقاهم من اتبع هواه . فاعتبروا واعلموا أن لكم ما قدمتم من خير ، وما سوى ذلك وددتم لو أن بينكم وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف ورحيم بالعباد . وإن عليكم ما فرطتم فيه ، وإن الذي طلبتم ليسير ، وإن ثوابه لكبير . ولو لم يكن فيما نهى عنه من الظلم والعدوان عقاب يخاف ، كان في ثوابه مالا عذر لأحد بترك طلبته (2) فارحموا ترحموا ، ولا تعذبوا خلق الله ولا تكلفوهم فوق طاقتهم ، وأنصفوا الناس من أنفسكم ، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية . لا تتخذن حجابا ، ولا تحجبن أحدا عن حاجته حتى ينهيها إليكم . ولا تأخذوا أحدا بأحد إلا كفيلا عمن كفل عنه ، واصبروا أنفسكم على ما فيه الاغتباط ، وإياكم وتأخير العمل ودفع الخير ، فإن في ذلك الندم . والسلام . وكتب إلى معاوية : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . سلام على من اتبع الهدى ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإنك قد رأيت من الدنيا وتصرفها بأهلها وإلى ما مضى منها ، وخير ما بقى من الدنيا ما أصاب ____________ ( 1 ) في نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد ( 4 : 115 ) : « أصحاب الخراج » . ( 2 ) الطلبة ، بالكسر : الطلب . ( 109 ) العباد الصادقون فيما مضى . ومن نسي الدنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بونا بعيدا . واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمرا لست من أهله لا في القدم ولا في الولاية (1) ، ولست تقول فيه بأمر بين تعرف لك به أثرة ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ، ولا عهد تدعيه من رسول الله ، فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا أبهجت بزينتها (2) وركنت إلى لذتها ، وخلى فيها بينك وبين عدو جاهد ملح ، مع ما عرض في نفسك من دنيا قد دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها . فاقعس عن هذا الأمر (3) ، وخذ أهبة الحساب ، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يجنك منه مجن (4) . ومتى كنتم يا معاوية ساسة للرعية ، أو ولاة لأمر هذه الأمة بغير قدم حسن ، ولا شرف سابق على قومكم . فشمر لما قد نزل بك ، ولا تمكن الشيطان من بغيته فيك ، مع أني أعرف أن الله ورسوله صادقان . فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء . وإلا تفعل أعلمك ما أغفلك من نفسك (5) ، فإنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه ، فجرى منك مجرى الدم في العروق ، واعلم أن هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدونا وامتنوا به علينا ، ولكنه ____________ ( 1 ) انظر ما سبق في التنبيه الأول ص 102 . ( 2 ) في اللسان : « أبهجت الأرض : بهج نباتها » . وفي الأصل : « انتهت » تحريف . وفي ح ( 3 : 410 ) : « تبهجت » قال ابن أبي الحديد : « وتبهجت بزينتها : صارت . ذات بهجة » . ولم أجد هذه الصيغة في المعاجم . ( 3 ) القعس : التأخر والرجوع إلى الخلف ، كما في اللسان . وفي الأصل : « فايس من هذا الأمر » صوابه في ح ( 3 : 409 ) . ( 4 ) رواه ح : « ما لا ينجيك منه منج » ، وقال : « ويروى : ولا ينجيك مجن . وهو الترس : والرواية الأولى أصح » . ( 5 ) ح : « ما أغفلت » . ( 110 ) قضاء ممن امتن به علينا على لسان نبيه الصادق المصدق . لا أفلح من شك بعد العرفان والبينة . اللهم احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين . فكتب معاوية : بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب . أما بعد فدع الحسد فإنك طالما لم تنتفع به ، ولا تفسد سابقة قدمك بشره نخوتك ، فإن الأعمال بخواتيمها ، ولا تمحق سابقتك في حق من لا حق لك في حقه (1) ، فإنك إن تفعل لا تضر بذلك إلا نفسك ، ولا تمحق إلا عملك ، ولا تبطل إلا حجتك . ولعمري ما مضى لك من السابقات لشبيه أن يكون ممحوقا ؛ لما اجترأت عليه من سفك الدماء ، وخلاف أهل الحق . فاقرأ سورة الفلق ، وتعوذ بالله من شر نفسك ، فإنك الحاسد إذا حسد . وكتب إلى عمرو بن العاص : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص . أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، وصاحبها مقهور فيها (2) ، لم يصب منها شيئا قط إلا فتحت له حرصا ، وأدخلت عليه مؤونة تزيده رغبة فيها ، ولن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغه ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع ، والسعيد من وعظ بغيره . فلا تحبط أجرك أبا عبد الله ، ولا تجارين معاوية في باطله (3) فإن معاوية غمص الناس ____________ ( 1 ) حق الرجل وأحقه : إذا غلبه على الحق . ( 2 ) ح ( 4 : 114 ) : « وصاحبها منهوم عليها » . ( 3 ) ح : « ولا تشرك معاوية في باطله » . ( 111 ) وسفه الحق (1) . [ والسلام (2) ] . وكتب إليه عمرو بن العاص : من عمرو بن العاص إلى علي بن أبي طالب . أما بعد فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تنيب إلى الحق (3) ، وأن تجيب إلى ما تدعون إليه من شورى (4) . فصبر الرجل منا نفسه على الحق ، وعذره الناس بالمحاجزة . والسلام . فجاء الكتاب إلى علي قبل أن يرتحل من النخيلة . نصر : عمر بن سعد ، عن أبي روق قال : قال زياد بن النضر الحارثي لعبد الله بن بديل بن ورقاء : إن يومنا ويومهم ليوم عصيب ، ما يصبر عليه إلا كل مشيع القلب (5) ، صادق النية ، رابط الجأش . وايم الله ما أظن ذلك اليوم يبقى منا ومنهم إلا الرذال (6) . قال عبد الله بن بديل : والله أظن ذلك . فقال علي : ليكن هذا الكلام مخزونا في صدوركما ، لا تظهراه ولا يسمعه منكما سامع . إن الله كتب القتل على قوم والموت على آخرين ، وكل آتيه منيته كما كتب الله له . فطوبى للمجاهدين في سبيل الله ، والمقتولين في طاعته . ____________ ( 1 ) غمص الناس : احتقرهم ولم يرهم شيئا . وسفه الحق ، مختلف في تأويله ، قيل معناه سفه الحق تسفيها . وقال الزجاج : سفه في معنى جهل . وهو اقتباس من حديث لرسول الله رواه ابن منظور في اللسان « غمص » . ( 2 ) زاد ان أبي الحديد بعد هذه الكلمة : « قال نصر : وهذا أول كتاب كتبه علي عليه السلام إلى عمرو بن العاص » . ( 3 ) أناب : رجع . ( 4 ) ح : « إلى ما ندعوكم إليه من الشورى » . ( 5 ) المشيع القلب : الشجاع . ( 6 ) الرذل ، والرذال ، والرذيل ، والأرذل : الدون الخسيس . ( 112 ) فلما سمع هاشم بن عتبة (1) مقالتهم [ قام (2) ] فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : سربنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم ، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وعملوا في عباد الله بغير رضا الله ، فأحلوا حرامه وحرموا حلاله ، واستولاهم الشيطان (3) ووعدهم الأباطيل ومناهم الأماني ، حتى أزاغهم عن الهدى وقصد بهم قصد الردى ، وحبب إليهم الدنيا ، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة إنجاز موعود ربنا . وأنت يا أمير المؤمنين أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه رحما ، وأفضل الناس سبقة وقدما . وهم يا أمير المؤمنين منك مثل الذي علمنا . ولكن كتب عليهم الشقاء ، ومالت بهم الأهواء وكانوا ظالمين . فأيدينا مبسوطة لك بالسمع والطاعة ، وقلوبنا منشرحة لك ببذل النصيحة ، وأنفسنا تنصرك (4) جذلة على من خالفك وتولى الأمر دونك . والله ما أحب أن لي ما في الأرض مما أقلت ، وما تحت السماء مما أظلت ، وأني واليت عدوا لك ، أو عاديت وليا لك . فقال علي : اللهم ارزقه الشهادة في سبيلك ، والمرافقة لنبيك صلى الله عليه وآله وسلم . ثم إن عليا صعد المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى الجهاد ، فبدأ بالحمد لله والثناء عليه ثم قال : إن الله قد أكرمكم بدينه ، وخلقكم لعبادته ؛ فانصبوا أنفسكم في أداء ____________ ( 1 ) هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص . وكان معه لواء علي رضي الله عنه يوم صفين ، وقتل في آخر أيامها . انظر الإصابة 8913 والاشتقاق 96 . ( 2 ) ليست في الأصل . وفي ح : « . . . ما قالاه أتى عليا عليه السلام فقال : سر بنا » . ( 3 ) كذا في الأصل . وفي ح ( 1 : 282 ) : « واستهوى بهم الشيطان » وظني بها « استهواهم » . ( 4 ) في الأصل : « بنورك » ، صوابها في ح . ( 113 ) حقه ، وتنجزوا موعوده ، واعلموا أن الله جعل أمراس الإسلام متينة ، وعراه وثيقة ، ثم جعل الطاعة حظ الأنفس برضا الرب ، وغنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة . وقد حملت أمر أسودها وأحمرها (1) ، ولا قوة إلا بالله . ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سفه نفسه ، وتناول ما ليس له وما لا يدركه : معاوية وجنده ، الفئة الباغية الطاغية ، يقودهم إبليس ، ويبرق لهم ببارق تسويفه ، ويدليهم بغروره (2) . وأنتم أعلم الناس بحلاله وحرامه ، فاستغنوا بما علمتم ، واحذروا ما حذركم الله من الشيطان ، وارغبوا فيما أنالكم من الأجر والكرامة ، واعلموا أن المسلوب من سلب دينه وأمانته ، والمغرور من آثر الضلالة على الهدى . فلا أعرف أحدا منكم تقاعس عني وقال : في غيري كفاية ، فإن الذود إلى الذود إبل ، ومن لا يذد عن حوضه يتهدم . ثم إني آمركم بالشدة في الأمر ، والجهاد في سبيل الله ، وألا تغتابوا مسلما . وانتظروا النصر العاجل من الله إن شاء الله . ثم قام الحسن بن علي خطيبا فقال : الحمد لله لا إله غيره ، وحده لا شريك له ، وأثنى عليه بما هو أهله . ثم قال : إن مما عظم الله عليكم من حقه ، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره ، ولا يؤدي شكره ، ولا يبلغه (3) صفة ولا قول . ونحن إنما غضبنا ____________ ( 1 ) يعني العرب والعجم ، ولغالب على ألوان العرب السمرة والأدمة ، وعلى ألوان العجم البياض والحمرة . في الأصل : « أمركم أسودها وأحمرها » ، صوابه في ح . ( 2 ) أي يوقعهم فيما أراد من تغريره . وفي الكتاب : « فدلاهما بغرور » . ( 3 ) في الأصل : « تبلغها » ، والوجه ما أثبت من ح . ( 114 ) لله ولكم ؛ فإنه من علينا بما هو أهله أن نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه قولا (1) يصعد إلى الله فيه الرضا ، وتنتشر فيه عارفة الصدق ، يصدق الله فيه قولنا ، ونستوجب فيه المزيد من ربنا ، قولا يزيد ولا يبيد ؛ فإنه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم ، واستحكمت عقدتهم . فاحتشدوا في قتال عدوكم : معاوية وجنوده ؛ فإنه قد حضر . ولا تخاذلوا ؛ فإن الخذلان يقطع نياط القلوب ؛ وإن الإقدام على الأسنة نجدة وعصمة ؛ لأنه لم يمتنع (2) قوم قط إلا رفع الله عنهم العلة ، وكفاهم جوائح الذلة (3) ، وهداهم إلى معالم الملة . والصلح تأخذ منه ما رضيت [ به ] * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع (4) ثم قام الحسين بن علي خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء ، [ و ] الشعار دون الدثار ؛ جدوا في إحياء ما دثر بينكم ، وإسهال ما توعر عليكم ، وألفة ما ذاع منكم (5) . ____________ ( 1 ) في الأصل : « قوك » . والكلام بعد : « إنما غضبنا لله ولكم » إلى : « ولا يبيد » لم يرد في ح . ( 2 ) الامتناع : العزة والقوة . وفي القاموس : « والممتنع الأسد القوي العزيز في نفسه » . ح : « يتمنع » . وفي اللسان : « منع الشيء مناعة : اعتز وتعسر . وقد تمنع » . ( 3 ) الجوائح : الدواهي والشدائد ، واحدتها جائحة . وفي الأصل : « حوائج » ، والوجه ما أثبت من ح . ( 4 ) البيت للعباس بن مرداس السلمي ، كما في الخزانة ( 2 : 82 ) والرواية . المعروفة : « السلم تأخذ منها » . ويستشهد بهذه الرواية اللغويون على أن « السلم » تؤنث . قال التبريزي : « الجرع : جمع جرعة ، وهي ملء الفم . يخبره أن السلم هو فيها وادع ينال من مطالبه ما يريد فإذا جاءت الحرب قطعته عن لذاته وشغلته بنفسه » . وهو تحريض على الصلح . وأنفاس الحرب ، أراد بها أوائلها . ( 5 ) ليست في ح . وذاع : انتشر وتفرق . وفي الأصل : « أذاع » . ( 115 ) ألا إن الحرب شرها ذريع ، وطعمها فظيع ، وهي جرع متحساة ، فمن أخذ لها أهبتها ، واستعد لها عدتها ، ولم يألم كلومها عند حلولها ، فذاك صاحبها . ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها ، فذاك قمن ألا ينفع قومه : و [ أن ] يهلك نفسه . نسأل الله بعونه أن يدعمكم بألفته (1) . ثم نزل . فأجاب عليا إلى السير (2) والجهاد جل الناس ، إلا أن أصحاب عبد الله بن مسعود أتوه ، وفيهم عبيدة السلماني (3) وأصحابه ، فقالوا له : إنا نخرج معكم ، ولا ننزل عسكركم ، ونعسكر على حدة حتى ننظر في أمركم وأمر أهل الشام ، فمن رأيناه أراد ما لا يحل له ، أو بدا منه بغي ، كنا عليه . فقال علي : مرحبا وأهلا ، هذا هو الفقه في الدين ، والعلم بالسنة ، من لم يرض بهذا فهو جائر خائن . وأتاه آخرون من أصحاب عبد الله بن مسعود ، فيهم ربيع بن خشيم (4) وهم يومئذ أربعمائة رجل ، فقالوا : يا أمير المؤمنين إنا شككنا في هذا القتال على معرفتنا بفضلك ، ولا غناء بنا ولا بك ولا المسلمين عمن يقاتل العدو ، فولنا بعض الثغور نكون به (5) تم نقاتل عن أهله . فوجهه علي (6) على ثغر الرى ، فكان أول لواء عقده بالكوفة لواء ربيع بن خثيم . ____________ ( 1 ) ح : « بالفيئة » . ( 2 ) في الأصل : « فأجابه إلى السير » ، والوجه ما أثبت من ح . ( 3 ) عبيدة ، بفتح أوله . وهو عبيدة بن عمرو ويقال ابن قيس بن عمرو السلماني ، بفتح السين المهملة وسكون اللام ، نسبة إلى سلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد . أسلم قبل وفاة النبي بسنتين ولم يلقه . روى عن ابن مسعود وعلي ، وروى عنه محمد بن سيرين ، وأبو إسحاق السبيعي ، وإبراهيم النخعي وغيرهم . وقال ابن نمير : كان شريح إذا أشكل عليه شئ كتب إلى عبيدة . توفى سنة 72 وقيل ثلاث ، وقيل أربع . الإصابة 6401 والمعارف 188 وتقريب التهذيب ، ومختلف القبائل ومؤتلفها لمحمد بن حبيب ص 30 . ( 4 ) خثيم ، بهيئة التصغير . انظر الاشتقاق 112 وشرح الحيوان ( 4 : 292 ) . ( 5 ) ح ( 1 : 283 ) : « نكمن به » . ( 6 ) ح : « فوجه علي عليه السلام بالربيع بن خثيم » . ( 116 ) نصر : عمر بن سعد ، عن ليث بن سليم قال : دعا علي باهلة فقال : يا معشر باهلة ، أشهد الله أنكم تبغضوني وأبغضكم ، فخذوا عطاءكم واخرجوا إلى الديلم . وكانوا قد كرهوا أن يخرجوا معه إلى صفين . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن يوسف بن يزد عن عبد الله بن عوف ابن الأحمر ، أن عليا لم يبرح النخيلة حتى قدم عليه ابن عباس بأهل البصرة ، وكان كتب علي إلى ابن عباس وإلى أهل البصرة : " أما بعد فأشخص إلي من قبلك من المسلمين والمؤمنين ، وذكرهم بلائي عندهم ، وعفوي عنهم ، واستبقائي لهم ، ورغبهم في الجهاد ، وأعلمهم الذي لهم في ذلك من الفضل " . فقام فيهم ابن عباس فقرأ عليهم كتاب علي ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، استعدوا للمسير إلى إمامكم ، وانفروا في سبيل الله خفافا وثقالا ، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ؛ فإنكم تقاتلون المحلين القاسطين ، الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب ، ولا يدينون دين الحق ، مع أمير المؤمنين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الآمر بالمعروف ، والناهي عن المنكر والصادع بالحق ، والقيم بالهدى ، والحاكم بحكم الكتاب ؛ الذي لا يرتشي في الحكم ، ولا يداهن الفجار ، ولا تأخذه في الله لومة لائم . فقام الأحنف بن قيس فقال : نعم ، والله لنجيبنك ، ولنخرجن معك على العسر واليسر ، والرضا والكره ، نحتسب في ذلك الخير ، ونأمل من الله العظيم من الأجر (1) . ____________ ( 1 ) ح : « نحتسب في ذلك الأجر ، ونأمل به من الله العظيم حسن الثواب » . ( 117 ) وقام إليه خالد بن المعمر السدوسي (1) فقال : سمعنا وأطعنا ، فمتى استنفرتنا نفرنا ، ومتى دعوتنا أجبنا . وقام إليه عمرو بن مرجوم العبدي (2) ، فقال : وفق الله أمير المؤمنين ، وجمع له أمر المسلمين ، ولعن المحلين القاسطين ، الذين لا يقرءون القرآن ، نحن والله عليهم حنقون ، ولهم في الله مفارقون . فمتى أردتنا صحبك خيلنا ورجلنا . وأجاب الناس إلى المسير ، ونشطوا وخفوا ، فاستعمل ابن عباس على البصرة أبا الأسود الدئلي ، وخرج حتى قدم على على ومعه رءوس الأخماس : خالد بن المعمر السدوسي على بكر بن وائل ، وعمرو بن مرجوم العبدي على عبد القيس ، وصبرة بن شيمان الأزدي (3) على الأزد ، والأحنف بن قيس على تميم وضبة والرباب ، وشريك بن الأعور الحارثي على أهل العالية . فقدموا على علي عليه السلام بالنخيلة . وأمر الأسباع من أهل الكوفة : سعد بن مسعود الثقفي على قيس وعبد القيس ، ومعقل بن قيس اليربوعي على تميم وضبة والرباب وقريش وكنانة وأسد ، ومخنف بن سليم على الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة ، وحجر بن عدي الكندي على كندة وحضر موت وقضاعة ومهرة ، وزياد بن النضر على مذحج والأشعريين ، وسعيد بن قيس بن مرة الهمداني على همدان ومن معهم من حمير ، وعدي بن حاتم على طيئ ، ويجمعهم ____________ ( 1 ) ترجم له في الإصابة 2317 فيمن له إدراك . ( 2 ) مرجوم ، بالجيم ، كان من أشراف عبد القيس ورؤسائها في الجاهلية ، وقد مدحه المسيب بن عباس . وكان ابنه عمرو سيدا شريفا في الإسلام . ذكره ابن حجر في الصحابة . انظر الإصابة 5954 . ( 3 ) في الأصل : « سيمان » صوابه بالشين كما في الاشتقاق 299 . ( 118 ) الدعوة مع مذحج وتختلف الرايتان : راية مذحج مع زياد بن النضر ، وراية طيئ مع عدي بن حاتم . وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية . بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي بن صخر . سلام على أهل طاعة الله ممن . هو مسلم لأهل ولاية الله . أما بعد فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عنت (1) ولا ضعف في قوته ، ولا حاجة به إلى خلقهم ، ولكنه خلقهم عبيدا ، وجعل منهم شقيا وسعيدا ، وغويا ورشيدا ، ثم اختارهم على علمه ، فاصطفى وانتخب منهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، فاختصه برسالته ، واختاره لوحيه ، وائتمنه على أمره ، وبعثه رسولا مصدقا لما بين يديه من الكتب ، وذليلا على الشرائع ، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فكان أول من أجاب وأناب ، وصدق ووافق ، وأسلم وسلم ـ أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام ، فصدقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم ، فوقاه كل هول ، وواساه بنفسه في كل خوف ، فحارب حربه ، وسالم سلمه (2) فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات ، الأزل (3) ومقامات الروع ، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده ، ولا مقارب له في فعله . وقد رأيتك تساميه وأنت أنت . وهو هو المبرز السابق في كل خير ، أول الناس إسلاما ، وأصدق الناس نية ، وأطيب الناس ذرية ، وأفضل الناس زوجة ، وخير الناس ابن عم . وأنت اللعين ابن ____________ ( 1 ) العنت : المشقة . ( 2 ) الحرب العدو المحارب . والسلم : المسلم . ( 3 ) الأزل : الضيق والشدة . ( 119 ) اللعين . ثم لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله ، وتجهدان على إطفاء نور الله ، وتجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال ، وتخالفان فيه القبائل . على ذلك مات أبوك ، وعلى ذلك خلفته ، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ، ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والشاهد لعلي مع فضله المبين وسبقه القديم ، أنصاره الذين ذكروا بفضلهم في القرآن فأثنى الله عليهم ، من المهاجرين والأنصار ، فهم معه عصائب وكتائب حوله ، يجالدون بأسيافهم ، ويهريقون دماءهم دونه ، يرون الفضل في اتباعه ، والشقاء في خلافه ، فكيف ـ يا لك الويل ـ تعدل نفسك بعلي ، وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ووصيه وأبو ولده وأول الناس له اتباعا ، وآخرهم به عهدا ، يخبره بسره ويشركه في أمره ؛ وأنت عدوه وابن عدوه ؟ ! فتمتع ما استطعت بباطلك ، وليمدد لك ابن العاص في غوايتك ، فكأن أجلك قد انقضى ، وكيدك قد وهي . وسوف يستبين لمن تكون العاقبة العليا . واعلم أنك [ إنما ] تكايد ربك الذي قد أمنت كيده ، وأيست من روحه . وهو لك بالمرصاد ، وأنت منه في غرور ، وبالله وأهل رسوله عنك الغناء ، والسلام على من اتبع الهدى . فكتب إليه معاوية : بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر . سلام على أهل طاعة الله . أما بعد فقد أتاني كتابك ، تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه ، وما أصفى به نبيه (1) ، مع كلام ألفته ووضعته ، لرأيك فيه تضعيف ، ____________ ( 1 ) أصفاه بالشيء : آثره به . وفي الكتاب : ( أفأصفاكم ربكم بالبنين ) وفي الأصل : « وما اصطفاه به نبيه » ، صوابه في ح ( 1 : 284 ) . ****************** ولأبيك فيه تعنيف . ذكرت حق ابن أبي طالب ، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله صلى الله عليه ، ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول ، واحتجاجك علي بفضل غيرك لا بفضلك . فاحمد إلها صرف الفضل عنك وجعله لغيرك . وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا صلى الله عليه ـ نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا ، وفضله مبرزا علينا ، فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده ، وأتم له ما وعده ، وأظهر دعوته وأفلج حجته . قبضه الله إليه ، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه . على ذلك اتفقا واتسقا (1) ، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ، فبايع وسلم لهما ، لا يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما ، حتى قبضا وانقضى أمرهما . ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان ، يهتدي بهديهما ، ويسير بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك ، حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي ، وبطنتما له وأظهرتما (2) ، [ وكشفتما ] عداوتكما وغلكما ، حتى بلغتما منه منا كما . فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك . وقس شبرك بفترك (3) تقصر عن أن تساوي أو توازي من يزن الجبال حلمه ، [ و ] لا تلين على قسر قناته (4) ، ولا يدرك ذو مدى أناته . أبوك مهد مهاده ، وبني ملكه وشاده ، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله ، وإن يك جورا فأبوك أسسه (5) . ونحن شركاؤه ، وبهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا . ____________ ( 1 ) في الأصل : « وانشقا » وأثبت ما في ح . ( 2 ) ح ( 1 : 284 ) : « وظهرتما » . ( 3 ) الشبر ، بالكسر : ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر . والفتر ، بالكسر أيضا : ما بين طرف السبابة والإبهام إذا فتحهما . ( 4 ) القسر : القهر والإ كراه . وفي الأصل « قصر » ، صوابه في ح . ( 5 ) الأسس ، بالتحريك : الأساس ، ومثلها الأس ، بالضم . ح : « أسه » . ( 121 ) ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له ، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله (1) ، واقتدينا بفعاله . فعب أباك ما بدا لك أودع ، والسلام على من أناب ، ورجع عن غوايته وتاب . قال : وأمر على الحارث الأعور ينادي في الناس : أن اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة . فنادى : أيها الناس ، اخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة . وبعث علي إلى مالك بن حبيب اليربوعي صاحب شرطته ، فأمره أن يحشر الناس إلى المعسكر (2 ) . ودعا عقبة بن عمرو الأنصاري فاستخلفه علي الكوفة ، وكان أصغر أصحاب العقبة السبعين . ثم خرج علي وخرج الناس معه . نصر : عمر حدثني عبد الرحمن عن الحارث بن حصيرة ، عن عبد الله ابن شريك ، أن الناس لما توافوا بالنخيلة قام رجال ممن كان سير عثمان (3) فتكلموا ، فقام جندب بن زهير ، والحارث الأعور ، ويزيد بن قيس الأرحبي فقال جندب : قد آن للذين أخرجوا من ديارهم (4) . نصر : عمر بن سعد ، حدثني يزيد بن خالد بن قطن ، أن عليا حين أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر ، وشريح بن هانئ ـ وكانا على مذحج والأشعريين ـ قال : يا زياد ، اتق الله في كل ممسى ومصبح ، وخف (5) على نفسك الدنيا الغرور ، ولا تأمنها على حال من البلاء واعلم أنك إن لم تزع ____________ ( 1 ) ح : « رأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله » . ( 2 ) في الأصل : « العسكر » ، وأثبت ما في ح . ( 3 ) أي سيرهم عثمان . والتسيير : الإجلاء والإخراج من البلد . ( 4 ) كذا وردت العبارة . أي آن لهم أن يقاتلوا . وفي الكتاب : « أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم » . ( 5 ) في الأصل : « خفف » ، صوابه في ح . ( 122 ) نفسك عن كثير مما يحب (1) مخافة مكروهة ، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضر . فكن لنفسك مانعا وازعا (2) من البغي والظلم والعدوان ؛ فإني قد وليتك هذا الجند ، فلا تستطيلن عليهم ، وإن خيركم عند الله أتقاكم . وتعلم من عالمهم ، وعلم جاهلهم ، واحلم عن سفيههم ، فإنك إنما تدرك الخير بالحلم ، وكف الأذى والجهل (3) . فقال زياد : أوصيت يا أمير المؤمنين حافظا لوصيتك ، مؤدبا بأدبك ، يرى الرشد في نفاذ أمرك ، والغي في تضييع عهدك . فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد ولا يختلفا ، وبعثهما في اثني عشر ألفا على مقدمته (4) شريح بن هانئ على طائفة من الجند ، وزياد على جماعة . فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة ، ولا يقرب زياد بن النضر (5) ، فكتب زياد [ إلى علي عليه السلام ] مع غلام له أو مولى يقال له شوذب : لعبد الله علي أمير المؤمنين من زياد بن النضر ، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإنك وليتني أمر الناس ، وإن شريحا لا يرى لي عليه طاعة ولا حقا ، وذلك من فعله بي استخفاف بأمرك ، وترك لعهدك ( 6 ) . [ والسلام ] . ____________ ( 1 ) في الأصل : « يجب » ، صوابه في ح . ( 2 ) في الأصل : « وادعا » صوابه في ح . وجاء في نهج البلاغة ( 4 : 161 ) بشرح ابن أبي الحديد : « رادعا » . ( 3 ) الجهل : نقيض الحلم . وفي الأصل : « الجهد » ، والصواب في ح . ( 4 ) مقدمة الجيش ، بكسر الدال المشددة ، وعن ثعلب فتح داله . ( 5 ) في الأصل : « بزياد » تحريف . وفي ح : « زيادا » فقط . ( 6 ) في الأصل : « استخفافا » و : « تركا » ، صوابه في ح ( 1 : 285 ) . ( 123 ) وكتب شريح بن هانئ : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن زياد ابن النضر حين أشركته في أمرك ، و وليته جندا من جنودك ، تنكر واستكبر ومال به العجب والخيلاء والزهو إلى ما لا يرضاه الرب تبارك وتعالى (1) من القول والفعل . فإن رأي أمير المؤمنين أن يعزله عنا ويبعث مكانه من يحب فليفعل ، فإنا له كارهون . والسلام . فكتب إليهما علي : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ : سلام عليكما ، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإني قد وليت مقدمتي زياد بن النضر وأمرته عليها ، وشريح على طائفة منها أمير ، فإن أنتما جمعكما بأس فزياد بن النضر على الناس ، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير الطائفة (2) التي وليناه أمرها . واعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم ، فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلاتسأما من توجيه الطلائع ، ومن نقض الشعاب والشجر والخمر في كل جانب (3) كي لا يغتر كما عدو ، أو يكون لكم كمين . ولا تسيرن الكتائب [ والقبائل ] من لدن ____________ ( 1 ) ح : « إلى ما لا يرضى الله تعالى به » . ( 2 ) في الأصل : « علي أمير الطائفة » وكلمة : « علي » مقحمة . ( 3 ) النفيضة : الجماعة يبعثون في الأرض متجسسين لينظروا هل فيها عدو أو خوف . والشعاب : جمع شعبة ، وهو ما انشعب من التلعة والوادي ، أي عدل عنه وأخذ في طريق غير طريقه . والخمر ، بالتحريك : ما واراك من الشجر والجبال ونحوها . في الأصل وح : « نقض الشعاب » بالقاف ، صوابه بالفاء . ( 124 ) الصباح إلى المساء إلا على تعبية (1) . فإن دهمكم داهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبية . وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال (2) ، أو أثناء الأنهار ، كي ما يكون ذلك لكم ردءا (3) ، وتكون (4) مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين . واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال ، وبأعالى الأشراف ، ومناكب الهضاب (5) يرون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن . وإياكم والتفرق ، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا ، وإذا رحلتم فارحلوا جميعا ، وإذا غشيكم ليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والأترسة (6) ، ورماتكم يلون ترستكم ورماحكم . وما أقمتم فكذلك فافعلوا كي لا تصاب لكم غفلة ، ولا تلفي منكم غرة ، فما قوم حفوا عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون . واحرسا عسكركما بأنفسسكما ، وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا أو مضمضة (7) ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدوكما . ____________ ( 1 ) في الأصل : « إلا من لدن » الخ . وكلمة : « إلا » مقحمة . ( 2 ) الأشراف : الأماكن العالية ، جمع شرف . وقبلها : ما استقبلك منها . وسفاح الجبال : أسافلها ، حيث يسفح منها الماء . ولم أجد هذا الجمع في المعاجم . والمعروف سفوح . ( 3 ) قال ابن أبي الحديد في ( 3 : 413 ) : « المعنى أنه أمرهم أن ينزلوا مسندين ظهورهم إلى مكان عال كالهضاب العظيمة أو الجبال أو منعطف الأنهار التي تجري مجرى الخنادق على العسكر ، ليأمنوا بذلك من البيات ، وليأمنوا من إتيان العدو لهم من خلفهم » . ( 4 ) في نهج البلاغة : « ولتكن » . ( 5 ) المنكب من الأرض : الموضع المرتفع . في الأصل : « ومناكب الأنهار » ، صوابه من نهج البلاغة بشرح ابن الحديد ( 3 : 412 ) . ( 6 ) الترس من السلاح تلك التي يتوقى بها ، وتجمع على أتراس وتراس وترسة وتروس . وفي اللسان : « قال يعقوب : ولا نقل أترسة » . وفي ح ( 1 : 285 ) : « والترسة » . ( 7 ) في اللسان : « لما جعل للنوم ذوقا أمرهم أن لا ينالوا منه إلا بألسنتهم ولا يسيغوه . فشبهه بالمضمضة بالماء وإلقائه من الفم من غير ابتلاع » . ( 125 ) وليكن عندي كل يوم خبركما ورسول من قبلكما ؛ فإني ـ ولا شيء إلا ما شاء الله ـ حثيث السير في آثاركما . عليكما في حربكما بالتؤدة ، وإياكم والعجلة إلا أن تمكنكم فرصة بعد الإعذار والحجة . وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلا أن تبدأ أو يأتيكما أمري إن شاء الله . والسلام . وفي حديث عمر أيضا بإسناده ، ثم قال : إن عليا كتب إلى أمراء الأجناد : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين ، أما بعد فإني أبرأ إليكم وإلى أهل الذمة من معرة الجيش (1) ، إلا من جوعة إلى شبعة ، ومن فقر إلى غنى ، أو عمى إلى هدى ، فإن ذلك عليهم . فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان ، وخذوا على أيدي سفهائكم ، واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد علينا وعليكم دعاءنا ، فإن الله تعالى يقول : ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم . فسوف يكون لزاما ) . فإن الله إذا مقت قوما من السماء هلكوا في الأرض ، فلا تألوا أنفسكم خيرا (2) ، ولا الجند حسن سيرة ، ولا الرعية معونة ، ولا دين الله قوة ، وأبلوا في سبيله (3) ما استوجب عليكم ، فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم ما [ يجب علينا أن ] نشكره بجهدنا ؛ وأن ننصره ما بلغت قوتنا . ولا قوة إلا بالله . وكتب أبو ثروان . ____________ ( 1 ) معرة الجيش : أن ينزلوا بقوم فيأكلوا من زروعهم شيئا بغير علم . ( 2 ) يقال فلان لا يألو خيرا : أي لا يدعه ولا يزال يفعله . وفي الأصل : « لا تدخروا أنفسكم » ، صوابه في ح . ( 3 ) في الأصل : « وأبلوه » ، صوابه في ح . ( 126 ) قال : وفي كتاب عمر بن سعد أيضا : وكتب إلى جنوده يخبرهم بالذي لهم والذي عليهم : من عبد الله علي أمير المؤمنين . أما بعد فإن الله جعلكم في الحق جميعا سواء ، أسودكم وأحمركم (1) ، وجعلكم من الوالي وجعل الوالي منكم بمنزلة الوالد من الولد ، وبمنزلة الولد من الوالد الذي لا يكفيهم منعه إياهم طلب عدوه والتهمة به ، ما سمعتم وأطعتم وقضيتم الذي عليكم (2) . وإن حقكم عليه إنصافكم والتعديل بينكم ، والكف عن فيئكم . فإذا فعل ذلك معكم وجبت عليكم طاعته بما وافق الحق ، ونصرته على سيرته ، والدفع عن سلطان الله ، فإنكم وزعة الله في الأرض ـ قال عمر : الوزعة الذين يدفعون عن الظلم ـ فكونوا له أعوانا ولدينه أنصارا ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها . إن الله لا يحب المفسدين . قال : ومرت جنازة على علي وهو بالنخيلة . نصر : عمر بن سعد ، حدثني سعد بن طريف عن الأصبغ بن نبانة عن علي قال : قال علي : ما يقول الناس في هذا القبر ؟ ـ وفي النخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله ـ فقال الحسن بن علي : يقولون هذا قبر هود النبي صلى الله عليه وسلم لما أن عصاه قومه جاء فمات هاهنا . قال : كذبوا ، لأنا ، أعلم به منهم ، هذا قبر يهودا (3) بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، بكر يعقوب (4) . ثم قال ____________ ( 1 ) انظر ما مضى ص 113 . ( 2 ) الكلام بعد « الولد » إلى هنا ليس في ح . ( 3 ) في الأصل : « يهود » وفي ح ( 1 : 286 ) : « يهوذا » صوابهما ما أثبت كما في القاموس مادة ( هود ) . وفي شفاء الغليل للخفاجي : « يهودا معرب يهوذا بذال معجمة ، ابن يعقوب عليه السلام » . ( 4 ) الحق أن بكر يعقوب هو « رأوبين » وأمه ليئة . انظر التكوين ( 35 : 23 27 ) . ( 127 ) هاهنا أحد من مهرة (1) ؟ قال : فأتى بشيخ كبير ، فقال : أين منزلك ؟ قال : علي شاطئ البحر . قال : أين من الجبل الأحمر (2) ؟ قال : [ أنا ] قريب منه . قال : فما يقول قومك فيه ؟ قال : يقولون : قبر ساحر . قال : كذبوا ، ذاك قبر هود ، وهذا قبر يهودا (3) بن يعقوب بكره . [ ثم قال عليه السلام ] : يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفا على غرة الشمس (4) يدخلون الجنة بغير حساب . قال نصر : وفي حديث عمر بن سعد قال : بعث قيس بن سعد الأنصاري من الكوفة إلى مصر أميرا عليها . فلما بلغ معاوية بن أبي سفيان مكان على بالنخيلة ومعسكره بها ـ ومعاوية بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان وهو مخضب بالدم ، وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون [ حوله ] لا تجف دموعهم على عثمان ـ خطب معاوية أهل الشام فقال : يا أهل الشام ، قد كنتم تكذبوني في علي ، وقد استبان لكم أمره ، والله ما قتل خليفتكم غيره ، وهو أمر بقتله ، وألب الناس عليه ، وآوى قتلته ، وهم جنده وأنصاره وأعوانه ، وقد خرج بهم قاصدا بلادكم [ ودياركم ] لإبادتكم . يا أهل الشام ، الله الله في عثمان ، فأنا ولي عثمان وأحق من طلب بدمه ، وقد جعل الله لولي المظلوم سلطانا (5) . فانضروا خليفتكم [ المظلوم ] ؛ فقد صنع ____________ ( 1 ) مهرة ، بالفتح ، ابن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة . وهم حي من اليمن . ( 2 ) ح : « أين أنت من الجبل » فقط . ( 3 ) في الأصل : « يهود » وانظر التنبيه رقم 3 من الصفحة السابقة . ( 4 ) أي مطلعها . وغرة كل شيء : أوله . وفي الأصل : « الشمس والقمر » ، وأثبت ما في ح . ( 5 ) ح : « لولى المقتول ظلما سلطانا » . ( 128 ) به القوم ما تعلمون ، قتلوه ظلما وبغيا ، وقد أمر الله بقتال الفئة الباغية حتى تفئ إلى أمر الله . [ ثم نزل ] . فأعطوه الطاعة ، وانقادوا له وجمع إليه أطرافه ، واستعمل على فلسطين ثلاثة رهط فجعلهم بإزاء أهل مصر ليغيروا عليهم من خلفهم ، وكتب إلى معتزلة أهل مصر ، وهم يومئذ يكاتبون معاوية ولا يطيقون مكاثرة أهل مصر ، إن تحرك قيس عامل علي على مصر أن يثبتوا له . وفيها معاوية بن خديج ، وحصين بن نمير . وأمراء فلسطين الذين أمرهم معاوية عليها : حباب بن أسمر ، وسمير بن كعب بن أبي الحميري ، وهيلة بن سحمة . واستعمل على أهل حمص محول بن عمرو بن داعية ، واستخلف على أهل دمشق عمار بن السعر ، واستعمل على أهل قنسرين صيفي بن علية بن شامل (1) . _________ آخر الجزء الثاني من الأصل ، ويتلوه في الجزء الثالث خروج علي رضي الله عنه إلى النخيلة . وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم ____________ (1) ترجم له ابن عساكر في تاريخه ( 18 : 64 ) النسخة التيمورية ، وقيده بالضبط الذي أثبت . وفي الأصل : « صيفي بن عيلة بن سائل » ، تحريف . ( 129 ) الجزء الثالث من كتاب صفين لنصر بن مزاحم رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبي الحسن محمد بن ثابت . رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي رواية أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له ( 130 ) ( 131 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي ، قال : أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه في ربيع الآخر من سنة أربع وثمانين وأربعمائة ، قال أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر ، قال أبو الحسن محمد بن ثابت ابن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي ، قال أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة ، قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز قال أبو الفضل نصر بن مزاحم : خروج علي رضي الله عنه من النخيلة عمرو بن شمر ، وعمر بن سعد ، ومحمد بن عبد الله ، قال عمر : حدثني رجل من الأنصار عن الحارث بن كعب الوالبي ، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود ، قال : لما أراد علي الشخوص من النخيلة قام في الناس لخمس مضين من شوال يوم الأربعاء فقال : الحمد لله غير مفقود النعم (1) ولا مكافأ الإفضال ، وأشهد ألا إله إلا الله ونحن على ذلكم من الشاهدين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم . أما بعد ذلكم فإني قد بعثت مقدماتي ، وأمرتهم بلزوم هذا ____________ ( 1 ) في الأصل : « غير معقود النعم » صوابه في نهج البلاغة ( 1 : 287 ) بشرح ابن أبي الحديد . ( 132 ) الملطاط (1) حتى يأتيهم أمري ، فقد أردت أن أقطع هذه النطفة (2) إلى شرذمة منكم موطنين بأكناف دجلة (3) ، فأنهضهم معكم إلى أعداء الله ، إن شاء الله ، وقد أمرت على المصر عقبة بن عمرو الأنصاري ، ولم الكم (4) ولا نفسي . فإياكم والتخلف والتربص ؛ فإني قد خلفت مالك بن حبيب اليربوعي ، وأمرته ألا يترك متخلفا إلا ألحقه بكم عاجلا إن شاء الله . فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال : يا أمير المؤمنين ، والله لا يتخلف عنك إلا ظنين ، ولا يتربص بك إلا منافق . فأمر مالك بن حبيب أن يضرب أعناق المتخلفين . قال علي : قد أمرته بأمرى ؛ وليس مقصرا في أمري إن شاء الله . وأراد قوم أن يتكلموا فدعا بدابته فجاءته ، فلما أراد أن يركب وضع رجله في الركاب وقال : " بسم الله " . فلما جلس (5) على ظهرها قال : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) . ثم قال : اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب ، والحيرة بعد اليقين ، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد . اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، ولا يجمعهما غيرك ، لأن المستخلف ____________ ( 1 ) قال الرضي في تعليقه على نهج البلاغة : « أقول : يعنى عليه السلام بالملطاط ها هنا : السمت الذي أمرهم بلزومه ، وهو شاطئ الفرات . ويقال ذلك أيضا لشاطئ البحر . وأصله ما استوى من الأرض » . ( 2 ) قال الرضي : « يعني بالنطفة ماء الفرات . وهو من غريب العبارات وعجيبها » . ( 3 ) يقال وطن بالمكان وأوطن والأخيرة أعلى . ( 4 ) يقال ما يألو الشيء : أي ما يتركه . في الأصل : « ولم آلوكم » ، صوابه في ح ( 1 : 287 ) . ( 5 ) في الأصل : « ملس » تحريف . ( 133 ) لا يكون مستصحبا ؛ والمستصحب لا يكون مستخلفا (1) . ثم خرج وخرج أمامه الحر بن سهم بن طريف الربعي ( ربيعة تميم ) وهو يقول : يا فرسي سيري وأمي الشاما * وقطعي الحزون والأعلاما (2) ونابذي مــن خالف الإماما * إنـي لأرجو إن لقينا العاما جمع بني أميـــة الطعاما * أن نقتـل العاصي والهماما وأن نزيل من رجال هاما قال : وقال مالك بن حبيب ـ وهو على شرطة علي ـ وهو آخذ بعنان دابته عليه السلام : يا أمير المؤمنين ، أتخرج بالمسلمين فيصيبوا أجر الجهاد والقتال وتخلفني في حشر الرجال ؟ فقال له علي : إنهم لن يصيبوا من الأجر شيئا إلا كنت شريكهم فيه ، وأنت هاهنا أعظم غناء منك عنهم (3) لو كنت معهم . فقال : سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين . فخرج علي حتى إذا جاز حد الكوفة صلى ركعتين . نصر : إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، أن عليا صلى بين القنطرة والجسر ركعتين . ____________ ( 1 ) قال الرضي في نهج البلاغة : « وابتداء هذا الكلام مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله . وقد قفاه أمير المؤمنين عليه السلام بأبلغ كلام ، وتممه بأحسن تمام ، من قوله : ولا يجمعهما غيرك ، إلى آخر الفصل » . ووعثاء السفر : مشقته . والمنقلب : الرجوع . ( 2 ) انظر الأغاني ( 11 : 130 ) . ( 3 ) ح ( 1 : 277 ) : « عنهم منك » . ( 134 ) نصر : عمرو بن خالد ، عن أبي الحسين زيد بن علي ، عن آبائه عن علي عليه السلام قال . خرج علي وهو يريد صفين حتى إذا قطع النهر أمر مناديه فنادى بالصلاة . قال : فتقدم فصلى ركعتين ، حتى إذا قضى الصلاة أقبل علينا فقال : يأيها الناس ، ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم الصلاة فإنا قوم على سفر (1 ) ، ومن صحبنا فلا يصم المفروض (2) . والصلاة [ المفروضة ] ركعتان . قال : ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد ، قال : ثم خرج حتى أتى دير أبي موسى ، وهو من الكوفة على فرسخين (3) ، فصلى بها العصر (4) ، فلما انصرف من الصلاة قال : « سبحان ذي الطول والنعم ، سبحان ذي القدرة والإفضال . أسأل الله الرضا بقضائه ، والعمل بطاعته ، والإنابة إلى أمره ، فإنه سميع الدعاء » . ثم خرج حتى نزل على شاطئ نرس (5) ، بين موضع حمام أبى بردة وحمام عمر ، فصلى بالناس المغرب فلما انصرف قال : « الحمد لله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، [ و ] الحمد لله كلما وقب ليل وغسق ، والحمد لله كلما لاح نجم وخفق » . ____________ ( 1 ) ح : « قوم سفر » . وسفر ، بالفتح : أي مسافرون . ( 2 ) ح ( 1 : 277 ) : « فلا يصومن المفروض » . ( 3 ) لم يذكره ياقوت . ( 4 ) ح : « به العصر » التذكير للدير ، والتأنيث للبقعة . ( 5 ) نرس ، بفتح النون في أوله : نهر حفره نرسي بن بهرام بنواحي الكوفة ، مأخذه من الفرات . وفي الأصل : « البرس » بالباء . صوابه ما أثبت من ح ومعجم البلدان . ( 135 ) ثم أقام حتى صلى الغداة ، ثم شخص حتى بلغ قبة قبين (1) ، [ و ] فيها نخل طوال إلى جانب البيعة من وراء النهر . فلما رآها قال : ( والنخل باسقات لها طلع نضيد ) . ثم أقحم دابته النهر فعبر إلى تلك البيعة فنزلها فمكث بها قدر الغداة . نصر : عمر ، عن رجل ـ يعني أبا مخنف (2) ـ عن عمه ابن مخنف (3) قال : إني لأنظر إلى أبي ، مخنف بن سليم (4) وهو يساير عليا ببابل ، وهو يقول . إن ببابل أرضا قد خسف بها ، فحرك دابتك لعلنا أن نصلى العصر خارجا منها . قال : فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره ، فلما جاز جسر الصراة (5) نزل فصلى بالناس العصر . نصر : عمر ، حدثني عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي ، عن أبيه ____________ ( 1 ) قبين ، بضم القاف وتشديد الباء المكسورة بعده . وفي ح : « يبين » محرف . ( 2 ) أبو مخنف ، هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي الغامدي ، شيخ من أصحاب الأخبار بالكوفة . روي عن الصعق بن زهير ، وجابر الجعفي ، ومجالد ، وروي عنه المدائني ، وعبد الرحمن بن مغراء . ومات قبل السبعين ومائة . منتهي المقال 248 ولسان الميزان ( 4 : 292 ) وابن النديم 93 ليبسك . ( 3 ) لمخنف أولاد ، أحدهم أبو رملة عامر بن مخنف بن سليم الأزدي . ذكره صاحب منتهى المقال في 299 وقال إنه روى عن أبيه مخنف . والآخر حبيب بن مخنف ذكره الحافظ أبو عمرو . وثالث ذكره صاحب لسان الميزان ( 5 : 375 ) وهو محمد بن مخنف . ( 4 ) مخنف ، بكسر الميم ، وسليم ، بضم السين ، كما في الاشتقاق 289 ومنتهى المقال 299 . وهو صحابي ترجم له في الإصابة 7842 . ( 5 ) الصراة ، بالفتح : نهر يأخذ من نهر عيسى من بلدة يقال لها المحول ، بينها وبين بغداد فرسخ . وهو من أنهار الفرات . وفي الأصل : « الصراط » تحريف . وفي ح : « الفرات » . ( 136 ) عن عبد خير (1) قال : كنت مع علي أسير في أرض بابل . قال : وحضرت الصلاة صلاة العصر . قال : فجعلنا لا نأتي مكانا إلا رأيناه أفيح (2) من الآخر . قال : حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا ، وقد كادت الشمس أن تغيب . قال : فنزل علي ونزلت معه . قال : فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر . قال : فصلينا العصر ، ثم غابت الشمس ، ثم خرج حتى أتى دير كعب ، ثم خرج منها (3) فبات بساباط ، فأتاه دهاقينها يعرضون عليه النزل (4) والطعام ، فقال : لا ، ليس ذلك لنا عليكم . فلما أصبح وهو بمظلم (5) ساباط قال : ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) . قال : وبلغ عمرو بن العاص مسيره فقال : لا تحسبني يا علي غافلا * لأوردن الكوفة القنابلا (6) بجمعي العام وجمعي قابلا فقال علي : لأوردن العاصي بن العاصي * سبعين ألفا عاقدي النواصي ____________ ( 1 ) هو عبد خير بن يزيد الهمداني ، أبي عمارة الكوفي . أدرك الجاهلية وأدرك زمن النبي ولم يسمع منه . الإصابة 6360 وتهذيب التهذيب . ( 2 ) أفيح من الفيح وهو الخصب والسعة . وفي الأصل وح : « أقبح » . ( 3 ) ح ( 1 : 277 ) : « ثم خرج منه » . ( 4 ) النزل ، بضم وبضمتين : ما يهيأ للضيف . وفي الأصل : « النزول » ، وأثبت ما في ح . ( 5 ) قال ياقوت : مضاف إلى ساباط التي قرب المدائن . ( 6 ) القنابل : جمع قنبلة ، بالفتح ، وهي جماعة الخيل . ( 137 ) مستحقبين حلق الدلاص * قد جنبوا الخيل مع القلاص (1) أسود غيل حين لا مناص (2) قال : وكتب علي إلى معاوية : أصبحت منى يا ابن حرب جاهلا * إن لم نرام منكم الكواهلا بالحـــق والحق يزيل الباطلا * هذا لك العام وعام قابلا قال : وبلغ أهل العراق مسير معاوية إلى صفين ونشطوا وجدوا ، غير أنه كان من الأشعث بن قيس شئ عند عزل علي إياه عن الرياسة ، وذلك أن رياسة كندة وربيعة كانت للأشعث ، فدعا علي حسان بن مخدوج ، فجعل له تلك الرياسة ، فتكلم في ذلك أناس من أهل اليمن ، منهم الأشتر ، وعدي الطائي ، وزحر بن قيس (3) وهانئ بن عروة ، فقاموا إلى علي فقالوا : يا أمير المؤمنين ، إن رياسة الأشعث لا تصلح إلا لمثله ، وما حسان بن مخدوج مثل الأشعث . فغضب ربيعة ، فقال حريث بن جابر : يا هؤلاء رجل برجل ، وليس بصاحبنا عجز في شرفه وموضعه ، ونجدته وبأسه ، ولسنا ندفع فضل صاحبكم وشرفه . فقال النجاشي في ذلك : رضينا بما يـرضى علي لنا به * وإن كان فيما يأت جدع المناخر وصي رسول الله من دون أهله * ووارثه بعد العموم الأكابر (4 ) ____________ ( 1 ) كانت العرب إذا أرادت حربا فساروا إليها ركبوا الإبل وقرنوا إليها الخيل لإراحة الخيل وصيانتها . انظر المفضليات الخمس 39 . ( 2 ) انظر لأقوال النحاة في مثل هذه العبارة خزانة البغدادي ( 2 : 90 بولاق ) . ( 3 ) في الأصل : « زجر » بالجيم ، صوابه بالحاء كما سبق في ص 15 . ( 4 ) جمع العم أعمام وعموم وعمومة . ( 138 ) رضى بابن مخدوج فقلنا الرضــا به * رضاك وحســان الرضــا للعشائر وللأشعث الكندي في النــاس فضله * توارثه من كابـر بعــد كابـــر متــــوج آباء كــــرام أعزة * إذ الملك في أولاد عمرو بن عامــر فلولا أميــر المــؤمنين وحقــه * علينا لأشجينا حريث بــن جابــر فلا تطلبنا يا حـــريث فإننــــا * لفومك ؟ ؟ ردء في الأمور الغوامـر وما بابن مخدوج بن ذهل نقيصــة * ولا قومنا في وائــل بعوائـــر (1) وليس لنا إلا الرضا بــابن حـرة * أشم طويل الساعديـــن مهاجـر على أن في تلك النفوس حــزازة * وصدعا يؤتيه أكــف الجوابـر (2) قال : وغضب رجال اليمنية ، فأتاهم سعيد بن قيس الهمداني فقال : ما رأيت قوما أبعد رأيا منكم ، أرأيتم إن عصيتم على علي هل لكم إلي عدوه وسيلة ؟ وهل في معاوية عوض منه ، أو هل لكم بالشام من بدله (3) بالعراق ، أو تجد ربيعة ناصرا من مضر ؟ القول ما قال ، والرأي ما صنع . قال : فتكلم حريث بن جابر فقال : يا هؤلاء ، لا تجزعوا ؛ فإنه إن كان الأشعث ملكا في الجاهلية وسيدا في الإسلام فإن صاحبنا أهل هذه الرياسة وما هو أفضل منها . فقال حسان للأشعث : لك راية كندة ، ولي راية ____________ ( 1 ) العوائر : جمع عائر ، وهو الذي لا يدري من أين أتى ، وأصل ذلك في السهام . ( 2 ) يؤتيه : يهيئه ويصلحه . وفي اللسان : « أتيت الماء : أصلحت مجراه » . وفيه : « وأتاه الله : هيأه » . وفي الأصل : « يأبيه » مع ضبطها بضم الياء وفتح الهمزة . والوجه ما أثبت . ( 3 ) في الأصل : « أو هل لك بالشام من بدلة بالعراق » . ( 139 ) ربيعة . فقال : معاذ الله ، لا يكون هذا أبدا ، ما كان لك (1) فهو لي ، وما كان لي فهو لك . وبلغ معاوية ما صنع بالأشعث فدعا مالك بن هبيرة فقال : اقذفوا إلى الأشعث شيئا تهيجونه على علي . فدعوا شاعرا لهم فقال هذه الأبيات ، فكتب بها مالك بن هبيرة إلى الأشعث ، وكان له صديقا ، وكان كنديا : من كان في القوم مثلوجــا بأسرتـه * فالله يعلم أني غيـــر مثلــــوج زالت عن الأشعث الكندي رياستــه * واستجمع الأمر حسان بن مـخــدوج يا للرجال لعار ليـــس يغسلــه * ماء الفرات وكرب غيــر مفــروج إن ترض كندة حسانــا بصاحبهـا * يرض الدناة وما قحطــان بالهــوج هذا لعمرك عار ليـس ينكــــره * أهل العراق وعــار غيــر ممزوج كان ابن قيس هماما في أرومتـــه * ضخما يبوء بمـلك غيــر مفلــوج ثم استقل بعار فـي ذوي يمـــن * والقوم أعداء يـاجوج وماجــــوج إن الذين تولوا بالعـــراق لـــه * ا يستطيعون طرا ذبـــــح فروج ليست ربيعة أولى بـــالذي حـذيت * من حق كندة ، حق غيـــر محجوج (2) قال : فلما انتهى الشعر إلى أهل اليمن قال شريح بن هانئ : يا أهل اليمن ما يريد صاحبكم إلا أن يفرق بينكم وبين ربيعة . وإن حسان بن مخدوج مشى إلى الأشعث بن قيس برايته حتى ركزها في داره ، فقال الأشعث : إن ____________ ( 1 ) في الأصل : « ذلك » . ( 2 ) حذيت : أعطيت . والحذوة : العطية . ( 140 ) هذه الراية عظمت على علي ، وهو والله أخف علي من زف النعام (1) ، ومعاذ الله أن يغيرني ذلك لكم . قال : فعرض عليه علي بن أبي طالب أن يعيدها عليه فأبي وقال : يا أمير المؤمنين ، إن يكن أولها شرفا فإنه ليس آخرها بعار . فقال له علي : أنا أشركك فيه . فقال له الأشعث : ذلك إليك . فولاه على ميمنته ، وهي ميمنة أهل العراق . وقال : وأخذ مالك بن حبيب رجلا وقد تخلف عن علي فضرب عنقه فبلغ ذلك قومه فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى مالك فنتسقطه (2) لعله أن يقر لنا بقتله ؛ فإنه رجل أهوج . فجاءوا فقالوا : يا مالك ، قتلت الرجل ؟ قال : أخبركم أن الناقة ترأم ولدها . اخرجوا عني قبحكم الله . أخبرتكم أني قتلته . قال : حدثني مصعب بن سلام (3) ، قال أبو حيان التميمي ، عن أبي عبيدة ، عن هرثمة بن سليم قال : غزونا مع علي بن أبي طالب غزوة صفين ، فلما نزلنا بكربلا صلى بنا صلاة ، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال : واها لك أيتها التربة ، ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب . فلما رجع هرثمة من غزوته (4) إلى امرأته ـ وهي جرداء بنت سمير ، وكانت شيعة لعلي ـ فقال لها زوجها هرثمة : ألا أعجبك من صديقك أبي الحسن ؟ لما نزلنا كربلا رفع إليه من تربتها فشمها وقال : واها لك يا تربة ، ليحشرن منك قوم ____________ ( 1 ) زف النعام ، بالكسر : ريشه الصغير . ( 2 ) في اللسان : « وتسقطه واستسقطه : طلب سقطه وعالجه على أن يسقط فيخطئ ، أو يكذب ، أو يبوح بما عنده » . وفي الأصل : « فنسقطه » تحريف : ( 3 ) في الأصل : « سلم » تحريف . وترجمة مصعب في تاريخ بغداد ( 13 : 108 ) ( 4 ) ح ( 1 : 278 ) : « من غزاته » . ****************** يدخلون الجنة بغير حساب وما علمه بالغيب ؟ فقالت : دعنا منك أيها الرجل ، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقا . فلما بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن علي وأصحابه ، قال : كنت فيهم في الخيل التي بعث إليهم ، فلما انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي نزل بنا علي فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها ، والقول الذي قاله ، فكرهت مسيري ، فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين ، فسلمت عليه ، وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل ، فقال الحسين : معنا أنت أو علينا ؟ فقلت : يا ابن رسول الله . لا معك ولا عليك . تركت أهلي وولدي (1) أخاف عليهم من ابن زياد . فقال الحسين : فول هربا حتى لا ترى لنا مقتلا ، فوالذي نفس محمد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا (2) إلا أدخله الله النار . قال : فأقبلت في الأرض هاربا حتى خفي علي مقتله (3) . نصر : مصعب بن سلام قال : حدثنا الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي جحيفة قال جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب . فسأله وأنا أسمع فقال : حديث حدثتنيه (4) عن علي بن أبي طالب . قال : نعم ، بعثني مخنف بن سليم إلى علي . فأتيته بكربلاء : فوجدته يشير بيده ويقول : هاهنا هاهنا . فقال له رجل : وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ثقل لآل محمد ينزل هاهنا فويل لهم منكم ، وويل لكم منهم . فقال له الرجل : ما معنى هذا الكلام ____________ ( 1 ) ح : « ولدي وعيالي » . ( 2 ) ح : « ثم لا يعيننا » . ( 3 ) ح : « مقتلهم » . ( 4 ) في الأصل : « حدثنيه » محرف . وفي ح : « حدثتناه » . ( 142 ) يا أمير المؤمنين ؟ قال : ويل لهم منكم : تقتلونهم ، وويل لكم منهم : يدخلكم الله بقتلهم إلى النار . وقد روى هذا الكلام على وجه آخر : أنه عليه السلام قال : فويل [ لكم منهم ، وويل ] لكم عليهم . قال الرجل : أما ويل لنا منهم فقد عرفت (1) : وويل لنا عليهم ما هو ؟ قال : ترونهم يقتلون ولا تستطيعون نصرهم . نصر : سعيد بن حكيم العبسي : عن الحسن بن كثير عن أبيه : أن عليا أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل يا أمير المؤمنين ، هذه كربلاء . قال : ذات كرب وبلاء . ثم أومأ بيده إلى مكان فقال : هاهنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : هاهنا مهراق دمائهم . ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد ، قال : ثم مضى نحو ساباط حتى انتهى إلى مدينة بهر سير ، وإذا رجل من أصحابه يقال له حر (2) بن سهم بن طريف من بني ربيعة بن مالك (3) ، ينظر إلى آثار كسرى ، وهو يتمثل قول ابن يعفر التميمي (4) : جرت الرياح على مكان ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد ____________ ( 1 ) ح : « عرفناه » . ( 2 ) في الأصل : « حريز » وأثبت ما في ح ( 1 : 288 ) . ( 3 ) ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم . انظر 133 ونهاية الأرب ( 2 : 344 ) . ( 4 ) هو الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن زيد مناة بن تميم . شاعر جاهلي مقدم ، كان ينادم النعمان بن المنذر . والبيت من قصيدة له في المفضليات ( 2 : 15 ـ 20 طبع المعارف ) . وفي الأصل : « ابن يعقوب التميمي » والصواب ما أثبت . وفي ح : « بقول الأسود بن يعفر » . ( 143 ) فقال علي : أفلا قلت : « كم تركوا من جنات وعيون . وزروع ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فاكهين . كذلك وأورثناها قوما آخرين . فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين » . إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين ، إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية . إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم . ثم قال : انزلوا بهذه النجوة (1) . نصر : عمر بن سعد ، حدثني مسلم الأعور ، عن حبة العرني (2) ( رجل من عرينة ) قال : أمر علي بن أبي طالب الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن : من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر . فوافره في تلك الساعة ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم ، وانقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها ، والهالك أكثر سكانها لا معروفا تأمرون به ، ولا منكرا تنهون عنه . قالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا كنا ننتظر أمرك ورأيك ، مرنا بما أحببت . فسار وخلف عليهم عدي بن حاتم ، فأقام عليهم ثلاثا ثم خرج في ثمانمائة ، وخلف ابنه يزيد فلحقه في أربعمائة رجل منهم ، ثم لحق عليا ، وجاء علي حتى مر بالأنبار ، فاستقبله بنو خشنوشك دهاقنتها . ____________ ( 1 ) النجوة : المكان المرتفع . ح : « الفجوة » . والفجوة : ما اتسع من الأرض ، وقيل ما اتسع منها وانخفض . ( 2 ) هو حبة ، بفتح أوله ثم موحدة ثقيلة ، بن جوين بجيم مصغر ، العرني ، أبو قدامة الكوفي ، كان غاليا في التشيع . قال في تقريب التهذيب : « أخطأ من زعم أن له صحبة » . ح : « حية » بالياء ، تحريف . ( 144 ) قال سليمان (1) : « خش : طيب . نوشك : راض . يعني بني الطيب الراضي ، بالفارسية » . فلما استقبلوه نزلوا ثم جاءوا يشتدون معه قال : ما هذه الدواب التي معكم ؟ وما أردتم بهذا الذي صنعتم ؟ قالوا : أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء . وأما هذه البراذين فهدية لك . وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما ، وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا . قال : أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء فوالله ما ينفع هذا الأمراء ، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم ، فلا تعودوا له . وأما دوابكم هذه فإن أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم . وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا إلا بثمن . قالوا : يا أمير المؤمنين ، نحن نقومه ثم نقبل ثمنه . قال : إذا لا تقومونه قيمته ، نحن نكتفي بما دونه . قالوا : يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالي ومعارف ، فتمنعنا أن نهدى لهم وتمنعهم أن يقبلوا منا ؟ قال : كل العرب لكم موال ، وليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يقبل هديتكم . وإن غصبكم أحد فأعلمونا . قالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا . قال لهم : ويحكم ، نحن أغنى منكم . فتركهم ثم سار . نصر : عبد العزيز بن سياه (2) ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال أبو سعيد ____________ ( 1 ) هو أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي ، أحد رواة هذا الكتاب . ( 2 ) عبد العزيز بن سياه ، بكسر المهملة بعدها تحتانية خفيفة ، الأسدي الكوفي . صدوق يتشيع من كبار أتباع التابعين . انظر تهذيب التهذيب والتقريب . وفي ح ( 1 : 288 ) : « بن سباع » تحريف . ( 145 ) التيمي ، المعروف بعقيصا (1) ، قال : كنا مع علي في مسيره إلى الشام ، حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد ـ قال : ـ عطش الناس واحتاجوا إلى الماء ، فانطلق بنا على حي أتى بنا (2) على صخرة ضرس من الأرض (3) ، كأنها ربضة عنز (4) ، فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا ماء ، فشرب الناس منه وارتووا . قال : ثم أمرنا فأكفأناها عليه . قال : وسار الناس حتى إذا مضينا قليلا قال علي : منكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه ؟ قالوا : نعم يا أمير المؤمنين . قال : فانطلقوا إليه . قال : فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة ، فاقتصصنا الطريق [ إليه ] حتى انتهينا إلي المكان الذي نرى أنه فيه . قال : فطلبناها (5) فلم نقدر على شيء ، حثى إذا عيل علينا انطلقنا إلى دير قريب منا فسألناهم : أين الماء الذي هو عندكم ؟ قالوا : ما قربنا ماء . قالوا : بلى ، إنا شربنا منه . قالوا : أنتم شربتم منه ؟ قلنا : نعم : قال [ صاحب الدير ] : ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء (6) ، وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي . ثم رجع إلى الحديث . قال ثم مضى أمير المؤمنين حتى نزل بأرض ____________ ( 1 ) في القاموس : « وعقيصى مقصورا : لقب أبي سعيد التيمي التابعي » . وفي منتهى المقال 132 : « دينار ، يكنى أبا سعيد ، ولقبه عقيصا ، وإنما لقب بذلك لشعر قاله » فجعل اسمه « دينارا » . في الأصل : « التميمي » تحريف . وفي ح : « حدثنا سعيد التيمي المعروف يعقيصاء » ، نقص وتحريف . ( 2 ) في الأصل : « أتانا » وفي ح : « أتى » فقط . ( 3 ) الضرس ، بالكسر : الأرض الخشنة . ( 4 ) ربضة العنز ، بالضم : أي جثتها إذا بركت . وروى في الحديث : « كربضة العنز » بكسر الراء . اللسان ( 9 : 13 ) . ( 5 ) أي الصخرة . وفي ح : « فطلبناه » ، أي الماء . ( 6 ) في الأصل : « لذلك الماء » ، وأثبت ما في ح . ( 146 ) الجزيرة ، فاستقبله بنو تغلب والنمر بن قاسط بالجزيرة (1) . قال : قال علي ليزيد ابن قيس لأرحبي : يا يزيد بن قيس . قال : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : هؤلاء قومك ، من طعامهم فاطعم ، ومن شرابهم فاشرب . نصر : عمر بن سعد ، عن الكلبي ، عن الأصبغ بن نباتة ، أن رجلا سأل عليا بالمدائن عن وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فدعا بمخضب من برام (2) قد نصفه الماء (3) . قال علي : من السائل عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقام الرجل ، فتوضأ علي ثلاثا ثلاثا ، ومسح برأسه واحدة ، وقال : هكذا رأيت رسول الله يتوضأ . ثم رجع إلى الحديث الأول ، حديث يزيد بن قيس الأرحبي . ثم قال : والله إني لشاهد إذ أتاه وفد بني تغلب فصالحوه على أن يقرهم على دينهم ، ولا يضعوا أبناءهم في النصرانية . قال : وقد بلغني أنهم قد تركوا ذلك ، وايم الله لئن ظهرت عليهم لأقتلن مقاتلتهم ، ولأسبين ذراريهم . فلما دخل بلادهم استقبلته مسلمة لهم كثيرة ، فسر بما رأى من ذلك ، وثناه عن رأيه . ثم سار أمير المؤمنين حتى أتى الرقة وجل أهلها العثمانية الذين فروا من الكوفة برأيهم وأهوائهم إلى معاوية فغلقوا أبوابها وتحصنوا فيها ، وكان أميرهم سماك بن مخرمة الأسدي في طاعة معاوية ، وقد كان فارق عليا في نحو من مائة رجل من بني أسد ، ثم أخذ يكاتب قومه حتى لحق به منهم سبعمائة رجل . ____________ ( 1 ) ح : « ابن قاسط بن محرز » تحريف . وهو النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان . ( 2 ) المخضب ، بالكسر : شبه الإجانة يغسل فيها الثياب ، والمركن . والبرام : جمع برمة ، بالضم ، وهي قدر من حجارة . ( 3 ) نصفه الماء : بلغ نصفه . وفي الأصل : « قدر نصفه الماء » . محرف . وهذا الخبر لم يرد في مظنه من ح . ( 147 ) نصر : عمر بن سعد ، حدثني مسلم الملائي (1) عن حبة (2) عن علي قال : لما نزل علي الرقة [ نزل ] بمكان يقال له بليخ على جانب الفرات ، فنزل راهب [ هناك ] من صومعته فقال لعلي : إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا ، كتبه [ أصحاب ] عيسى بن مريم ، أعرضه عليك . قال علي : نعم فما هو ؟ قال الراهب : بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى ، وسطر فيما سطر ، أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ، ويدلهم على سبيل الله ، لا فظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح (3) ، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشز ، وفي كل صعود وهبوط (4) ، تذل ألسنتهم (5) بالتهليل والتكبير [ والتسبيح ] ، وينصره الله على كل من ناواه ، فإذا توفاه الله اختلفت أمته ثم اجتمعت ، فلبثت بذلك ما شاء الله ثم اختلفت ، فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات ، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ، ويقضي بالحق ، ولا يرتشي في الحكم (6) . الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت [ به ] الريح ، والموت أهون عليه من شرب الماء ____________ ( 1 ) هو مسلم بن كيسان الضبي الملائي البراد ، أبو عبد الله الكوفي . انظر تهذيب التهذيب والتقريب . ( 2 ) سبقت ترجمته في ص 143 . ( 3 ) ح ( 1 : 289 ) : « بل يعفو ويصفح » . ( 4 ) النشز ، بالفتح والتحريك : المتن المرتفع من الأرض . والصعود والهبوط ، بفتح أولهما : ما ارتفع وما انخفض من الأرض . ( 5 ) يذل ، من الذل ، بالكسر والضم ، وهو اللين . ( 6 ) ح : « ولا يركس الحكم » . والركس : رد الشيء مقلوبا . ( 148 ) على الظماء (1) ، يخاف الله في السر ، وينصح له في العلانية ، ولا يخاف في الله لومة لائم . من أدرك ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة ، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره ؛ فإن القتل معه شهادة " . [ ثم قال له ] : فأنا مصاحبك غير مفارقك حتى يصيبني ما أصابك . قال : فبكي علي ثم قال : الحمد لله الذي لم يجعلني عنده منسيا (2) ، الحمد لله الذي ذكرني في كتب الأبرار . ومضى الراهب معه ، وكان ـ فيما ذكروا ـ يتغدى مع علي ويتعشى حتى أصيب يوم صفين ، فلما خرج الناس يدفنون قتلاهم قال علي : اطلبوه . فلما وجدوه صلى عليه ودفنه ، وقال : هذا منا أهل البيت . واستغفر له مرارا . نصر : عمر عن رجل ـ وهو أبو مخنف ـ عن نمير بن وعلة ، عن أبي الوداك (3) أن عليا بعث من المدائن معقل بن قيس [ الرياحي ] في ثلاثة آلاف رجل ، وقال له : « خذ على الموصل ، ثم نصيبين ، ثم القني بالرقة ؛ فإني موافيها ، وسكن الناس وأمنهم ، ولا تقاتل إلا من قاتلك ، وسر البردين (4) ، وغور بالناس (5) ، وأقم الليل ، ورفه في السير ، ولا تسر في ____________ ( 1 ) الظمء ، بالفتح ، والظمأ ، بالتحريك ، والظماء والظماءة ، كسحاب وسحابة : العطش : ح : « الظمآن » ( 2 ) ح : « الذي لم أكن عنده منسيا » . ( 3 ) هو جبر بن نوف ـ بفتح النون وآخره فاء ـ الهمداني ـ بسكون الميم ـ البكالي ـ بكسر الباء الموحدة وتخفيف الكاف ـ أبو الوداك ـ بفتح الواو وتشديد الدال . انظر تهذيب التهذيب والتقريب . ( 4 ) البردان : الصبح والعصر ، كالأبردين . انظر جي الجنتين 26 . ( 5 ) التغوير : النزول في القائلة نصف النهار . يقال « غوروا بنا فقد أرمضتمونا » أي انزلوا بنا وقت الهاجرة حتى تبرد . ( 149 ) الليل (1) فإن الله جعله سكنا ، أرح فيك بدنك وجندك وظهرك . فإذا كان السحر أو حين ينبطح الفجر (2) فسر » . فخرج حتى أتى الحديثة ، وهي إذ ذاك منزل الناس ـ إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان ـ فإذا هم بكبشين ينتطحان ، ومع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له شداد بن أبي ربيعة (3) قتل بعد ذلك مع الحرورية (4) ، فأخذ يقول : إيه إيه . فقال معقل : ما تقول : قال : فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا ثم انصرفا ، فقال الخثعمي لمعقل : لا تغلبون ولا تغلبون . قال له : من أين علمت ذلك ؟ قال : أما أبصرت الكبشين ، أحدهما مشرق والآخر مغرب ، التقيا فاقتتلا وانتطحا ، فلم يزل كل واحد منهما من صاحبه منتصفا حي أتى كل واحد منهما صاحبه فانطلق به . فقال له معقل : أو يكون خيرا مما تقول يا أخا خثعم ؟ ثم مضوا حتى أتوا عليا بالرقة . نصر : عمر بن سعد ، عن رجل ، عن أبي الوداك ، أن طائفة من أصحاب علي قالوا له : اكتب إلى معاوية وإلى من قبله من قومك بكتاب تدعوهم فيه إليك ، وتأمرهم بترك ما هم فيه من الخطأ (5) ؛ فإن الحجة لن تزداد عليهم بذلك إلا عظما . فكتب إليهم : ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 290 ) : « اول الليل » . ( 2 ) انبطح الفجر : ذهب هاهنا وهاهنا . وإنما سمي بطن المسيل أبطح لأن الماء ينبطح فيه أي يذهب يمينا وشمالا . ح : « ينبلج الفجر » . ( 3 ) ح : « شرار بن شداد بن أبي ربيعة » . ( 4 ) هنا ضبط ياقوت . وضبط في اللسان والقاموس والوفيات ( 1 : 224 ) بفتح أوله وضم ثانيه . ( 5 ) في الأصل : « وتأمرهم بما لهم فيه من الخطأ » . ( 150 ) بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية وإلى من قبله من قريش سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل ، وعرفوا التأويل ، وفقهوا في الدين ، وبين الله فضلهم في القرآن الحكيم ، وأنتم في ذلك الزمان أعداء لرسول الله صلى الله عليه ، تكذبون بالكتاب ، مجمعون على حرب المسلمين ، من ثقفتم منهم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه ، حتى أراد الله إعزاز دينه وإظهار رسوله (1) ، ودخلت العرب في دينه أفواجا ، وأسلمت [ له ] هذه الأمة طوعا وكرها ، وكنتم ممن دخل في هذا الدين إما رغبة وإما رهبة ، على حين فاز أهل السبق بسبقهم وفاز المهاجرون الأولون بفضلهم . فلا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في الدين ولا فضائلهم في الإسلام ، أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله وأولى به ، فيحوب بظلم (2) . ولا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره ، ولا أن يعدو طوره ، ولا أن يشقي نفسه بالتماس ما ليس له . ثم إن أولى الناس بأمر هذه الأمة قديما وحديثا ، أقربها من رسول الله صلى الله عليه ، وأعلمها بالكتاب وأفقهها في الدين ، وأولها إسلاما وأفضلها جهادا وأشدها بما تحمله الرعية من أمورها اضطلاعا . فاتقوا الله الذي إليه ترجعون ، ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) . واعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون (3) ، وأن شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم ؛ فإن للعالم بعلمه فضلا ، وإن الجاهل لن يزداد بمنازعة العالم إلا جهلا . ألا ____________ ( 1 ) ح : « وإظهار أمره » . ( 2 ) حاب يحوب حوبا : أثم . ( 3 ) في الأصل : « بما يعطون » ، صوابه في ح . ( 151 ) 0 وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه ، وحقن دماء هذه الأمة . فإن قبلتم أصبتم رشدكم ، وأهتديتم لحظكم . وإن أبيتم إلا الفرقة وشق عصا هذه الأمة فلن (1) تزدادوا من الله إلا بعدا ، ولن يزداد الرب عليكم إلا سخطا . والسلام . فكتب إليه معاوية : " أما بعد فإنه : ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب " فقال علي : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) . نصر : عمر ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث أن عليا قال لأهل الرقة : اجسروا لي جسرا لكي أعبر من هذا المكان إلى الشام . فأبوا وقد كانوا ضموا السفن عندهم ، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج ، وخلف عليه الأشتر ، فناداهم فقال : يا أهل هذا الحصن ، إني أقسم بالله لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسروا له عند مدينتكم حتى يعبر منها لأجردن فيكم السيف ، ولأقتلن مقاتلتكم ، ولأخربن أرضكم ، ولآخذن أموالكم . فلقى بعضهم بعضا فقالوا : إن الأشتر يفي بما يقول (2) ، وإن عليا خلفه علينا ليأتينا منه الشر (3) . فبعثوا إليه : إنا ناصبون لكم جسرا ____________ ( 1 ) في الأصل : « لن » والصواب دخول الفاء . وفي ح : « لم » . وهذه لا تطلب الفاء . ( 2 ) ح : « بما حلف عليه » . ( 3 ) ح : « وإنما خلفه علي عندنا ليأتينا بشر » . ( 152 ) فأقبلوا . فأرسل الأشتر إلى علي فجاء ونصبوا له الجسر ، فعبر الأثقال والرجال (1) ، ثم أمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس ، حتى لم يبق أحد من الناس إلا عبر ؛ ثم إنه عبر آخر الناس رجلا . وذكر الحجاج أن الخيل ازدحمت حين عبرت ، وزحم بعضها بعضا وهي تعبر ، فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين (2) فنزل فأخذها وركب ، وسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب ، فقال لصاحبه : إن يك ظن الزاجري الطير صادقا * كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل (3) قال عبد الله بن أبي الحصين : ما شيء أوتاه هو أحب إلى مما ذكرت . فقتلا جميعا يوم صفين . وقال خالد بن قطن : فلما قطع علي الفرات دعا زياد بن النضر ، وشريح بن هانئ ، فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الذي كانا عليه حين خرجا من الكوفة ، في اثني عشر ألفا . وقد كانا حين سرحهما من الكوفة [ مقدمة له ] أخذا على شاطئ الفرات ، من قبل البر مما يلي الكوفة ، حتى بلغا عانات ، فبلغهما أخذ علي على طريق الجزيرة ، وبلغهما أن معاوية أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقبال علي فقالا : لا والله ما هذا لنا برأي : أن ____________ ( 1 ) في الأصل : « فعبر على الأثقال والرحال » بالحاء وبزيادة « علي » ، وأثبت صوابه من ح ( 1 : 290 ) . وفي الطبري ( 5 : 237 ) : « فعبر عليه بالأثقال والرحال » . ( 2 ) في الأصل : « عبد الرحمن بن أبي الحصين » في هذا الموضع وتاليه ، وصوابه في ح والطبري . ( 3 ) رسم في الأصل بصورة النثر ؟ وبلفظ : « الزاجر » و « يزعمون » ، صوابه في الطبري . (153 ) نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر : ما لنا خير أن نلقى جموع أهل الشام بقلة من عددنا منقطعين من العدد والمدد . فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات ، وحبسوا عندهم السفن (1 ) ، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت ثم لحقوا عليا بقرية دون قرقيسيا وقد أرادوا أهل عانات فتحصنوا منهم ، فلما لحقت المقدمة عليا قال : مقدمتي تأتى [ من ] ورائي ؟ فتقدم إليه زياد وشريح فأخبراه [ بالرأي ] الذي رأيا ، فقال : قد أصبتما رشدكما . فلما عبر الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية ، فلما انتهوا إلى معاوية لقيهم أبو الأعور [ السلمى ] في جند أهل الشام ، فدعوهم إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين فأبوا ، فبعثوا إلى علي : إنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه (2) وأصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبوا علينا ، فمرنا بأمرك . فأرسل علي إلى الأشتر فقال : " يا مال ، إن زيادا وشريحا أرسلا إلى يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين (3) . فالنجاء إلى أصحابك النجاء . فإذا أتيتهم فأنت عليهم ، وإياك أن تبدأ القوم بقتال ، إلا أن يبدءوك ، حتى تلقاهم وتسمع منهم ، ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم (4) قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة . واجعل على ميمنتك زيادا ، وعلى ميسرتك شريحا ، وقف بين أصحابك وسطا ، ولا تدن ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 291 ) : « عنهم السفن » . ( 2 ) في الأصل : « فدعوناهم » صوابه من ح . ( 3 ) متواقفين : وقف بعضهم أمام بعض في الحرب . ( 4 ) أي لا يحملنك بغضهم على قتالهم . (154 ) منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس ، حتى أقدم عليك (1) ، فإني حثيث السير إليك إن شاء الله » . وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي (2) . وكتب إليهما : « أما بعد ، فإني قد أمرت عليكما مالكا ، فاسمعا له وأطيعا أمره ؛ فإنه ممن لا يخاف رهقه ولا سقاطه (3) ، ولا بطؤه عن ما الإسراع إليه أحزم ، ولا الإسراع إلى ما البطء عنه أمثل . وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما : ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم (4) [ إن شاء الله ] » . فخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به علي ، وكف عن القتال . فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي فثبتوا [ له ] واضطربوا ساعة . ثم إن أهل الشام انصرفوا ، ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عدتها وعددها ، وخرج إلهيم أبو الأعور السلمي ، فاقتتلوا يومهم ذلك ، تحمل الخيل على الخيل (5) ، والرجال على الرجال ، فصبر القوم بعضهم لبعض ثم انصرفوا . وبكر عليهم الأشتر فقتل منهم (6) عبد الله بن المنذر ____________ ( 1 ) في الأصل : « إليك » وأثبت ما في ح . ( 2 ) ذكره في لسان الميزان ( 2 : 149 ) بدون نسبته ، وقال : « ذكره الطوسي في رجال الشيعة » . وقد ضبط في تاريخ الطبري ( 5 : 238 ) بضم الجيم . ( 3 ) الرهق : الجهل وخفة العقل ، وهو أيضا الكذب ، والعربدة . والسقاط ، بالكسر : الخطأ والعثرة والزلة . ( 4 ) في الأصل : « ألا تبدءوا القوم بقتال حتى تلقاهم فتدعوهم وتعذر إليهم » وأثبت ما في ح . ( 5 ) في الأصل : « فحمل الخيل على الخيل » وأثبت ما في ح والطبري ( 5 : 239 ) . ( 6 ) ح : « فقتل من أهل الشام » . (155 ) التنوخي ، قتله ظبيان بن عمارة التميمي ، وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن . وإن كان الشامي لفارس أهل الشام . وأخذ الأشتر يقول : ويحكم ، أروني أبا الأعور . ثم إن أبا الأعور دعا الناس فرجعوا نحوه ، فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة ، وجاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور أول مرة ، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي : انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة . فقال : إلى مبارزتي أو مبارزتك ؟ فقال : إلى مبارزتي . فقال الأشتر : [ أو ] لو أمرتك بمبارزته فعلت ؟ قال : نعم ، والذي لا إله إلا هو لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي فعلته (1) حتى أضربه بالسيف . فقال : يا ابن أخي ، أطال الله بقاءك ، وقد والله ازددت فيك رغبة ، لا ، ما أمرتك بمبارزته ، إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي ، لأنه لا يبارز ـ إن كان ذلك من شأنه ـ إلا ذوي الأسنان ( 2) والكفاءة والشرف ، وأنت بحمد الله من أهل الكفاءة والشرف ، ولكنك حديث السن ، [ و ] ليس يبارز الأحداث ، فاذهب فادعه إلى مبارزتي . فأتاهم فقال (3) : أمنوني فإني رسول (4) . فأمنوه حتى انتهى إلى أبي الأعور . نصر : عمر بن سعد ، رجل (5) ، عن أبي زهير العبسي ، عن صالح بن سنان بن مالك ، عن أبيه قال : قلت له : إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته . فسكت عني طويلا ثم قال : إن خفة الأشتر وسوء رأيه هو الذي دعاه إلى ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 291 ) : « لفعلت » . ( 2 ) في الأصل : « لذوي الأسنان » والوجه ما أثبت في ح . وانظر الطبري . ( 3 ) في الأصل : « فأتاه فقال » ، صوابه في ح . ( 4 ) ح : « أنا رسول فأمنوني » . ( 5 ) كذا في الأصل ، وليست في ح .ومعناه حدثني رجل . ( 156 ) إجلاء عمال عثمان من العراق ، وافترائه عليه يقبح محاسنه ، ويجهل حقه ، ويظهر عداوته . ومن خفة الأشتر وسوء رأيه أنه سار إلى عثمان في داره وقراره ، فقتله فيمن قتله ، فأصبح مبتغى بدمه (1) . لا حاجة لي في مبارزته . قال : قلت له : قد تكلمت فاستمع مني حتى أخبرك (2) . قال : فقال : لا حاجة لي في جوابك ، ولا الاستماع منك . اذهب عني . وصاح بي أصحابه فانصرفت عنه . ولو سمع مني لأخبرته بعذر صاحبي وحجته . فرجعت إلى الأشتر فأخبرته أنه قد أبي المبارزة ، فقال : لنفسه نظر . قال : فتواقفنا حتى حجز بيننا وبينهم الليل ، وبتنا متحارسين . فلما أن أصبحنا نظرنا فإذا هم قد انصرفوا (3) . قال : وصبحنا (4) على غدوة فسار نحو معاوية ، فإذا أبو الأعور السلمى قد سبق إلى سهولة الأرض ، وسعة المنزل ، وشريعة الماء ، مكان أفيح (5) ، وكان على مقدمة معاوية . نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن محمد بن علي ، وزيد بن حسن ، ومحمد ـ يعني ابن المطلب ـ قالوا : استعمل علي عليه السلام ، على مقدمته الأشتر بن الحارث النخعي ، وسار علي في خمسين ومائة ألف من أهل العراق وقد خنست طائفة من أصحاب علي ، وسار معاوية في نحو من ذلك من أهل الشام ، واستعمل معاوية على مقدمته سفيان بن عمرو : أبا الأعور السلمي . فلما بلغ معاوية أن عليا يتجهز أمر أصحابه بالتهيوء . فلما استتب لعلي أمره ____________ ( 1 ) مبتغى : مطلوبا . وفي ح والطبري : « متبعا » . ( 2 ) ح والطبري : « فاسمع حتى أجيبك » . ( 3 ) في الطبري : « قد انصرفوا من تحت ؟ ؟ ليلتهم » . ( 4 ) في الأصل : « وأصبحنا » تحريف . وفي ح والطبري : « ويصبحنا على غدوة » . ( 5 ) الأفيح : الواسع . ح : « مكانا أفسح » ، محرف . ( 157 ) سار بأصحابه ، فلما بلغ معاوية مسيره إليه سار بقضه وقضيضه نحو علي عليه السلام ، واستعمل على مقدمته سفيان بن عمرو ، وعلى ساقته ابن أرطاة العامري ـ يعني بسرا (1) ـ فساروا حتى توافوا جميعا بقناصرين (2) إلى جنب صفين . فأتى الأشتر صاحب مقدمة معاوية وقد سبقه إلى المعسكر على الماء ، وكان الأشتر في أربعة آلاف من متبصري أهل العراق ، فأزالوا أبا الأعور عن معسكره ، وأقبل معاوية في جميع الفيلق (3) [ بقضه وقضيضه ] ، فلما رأى ذلك الأشتر انحاز إلى علي عليه السلام وغلب معاوية على الماء ، وحال بين أهل العراق وبينه ، وأقبل علي عليه السلام حتى إذا أراد المعسكر إذا القوم قد حالوا بينه وبين الماء . ثم رجع إلى الحديث بإسناده إلى الأول . ثم إن عليا عليه السلام طلب موضعا لعسكره ، وأمر الناس أن يضعوا أثقالهم ـ وهم مائة ألف أو يزيدون ـ فلما نزلوا تسرع فوارس من فوارس علي على خيلهم إلى معاوية وكانوا في ثلاثين ومائة ـ ولم ينزل بعد معاوية ، فناوشوهم القتال واقتتلوا هويا (4) . ____________ ( 1 ) بعده في ح ( 1 : 291 ) : « وعلى الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وجعل على الميمنة حبيب بن مسلمة الفهري ، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعلى الرجالة من الميسرة حابس بن سعيد الطائي وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس الفهري ، وعلى رجالة أهل دمشق يزيد بن أسد بن كرز البجلي ، وعلى أهل حمص ذا الكلاع ، وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مخلد » . وسيأتي هذا الكلام في نهاية هذا الجزء الثالث من الكتاب . ( 2 ) لم يذكره ياقوت . وفي القاموس : « وقناصرين بالضم : موضع بالشام » . ( 3 ) في الأصل : « جمع الفيلق » صوابه في ح ( 1 : 325 ) . ( 4 ) الهوى ، بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء : الحين الطويل من الزمان . وبالضم : السرعة ، يقال هوت الناقة تهوى هويا ، إذا عدت عدوا شديدا أرفع العدو . ( 158 ) نصر : عمر بن سعد ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، قال : كتب معاوية إلى علي عليه السلام : « عافانا الله وإياك . ما أحسن العدل والإنصاف من عمل * وأقبح الطيش ثم النفش في الرجل (1) [ وكتب بعده (2) ] : اربط حمارك لا ينــزع سويتــه * إذا يرد وقيد العيـــر مكــروب (3) ليست ترى السيد زيدا في نفوسهـم * كما تراه بنو كوز ومــرهـــوب إن تسألوا الحق يعطى الحق سائلـه * والدرع محقبــة والسيف مقــروب أو تأنفون فإنـا معشر أنـــــف * لا نطعم الضيم إن السم مشـــروب " قال : وأمر علي عليه السلام الناس ، فوزعوا عن القتال (4) حتى تأخذ ____________ ( 1 ) قال ابن أبي الحديد في ( 1 : 326 ) : « والنفش كثرة الكلام والدعاوى . وأصله من نفش الصوف » . ( 2 ) التكملة من ح ( 1 : 325 ) . ( 3 ) الأبيات لعبد الله بن عنمة الضبي : انظر الشعر وشرحه وترجمة قائله وجو الأبيات في المفضليات ( 2 : 182 طبع المعارف ) . ( 4 ) وزعوا : كفوا . ( 159 ) أهل المصاف مصافهم (1) ، ثم قال : أيها الناس ، هذا موقف من نطف فيه نطف يوم القيامة (2 ) ، ومن فلج فيه فلج يوم القيامة . ثم قال علي ، لما نزل معاوية بصفين : لقد أتاكم كاشرا عن نابه * يهمط الناس على اعتزا به (3) فليأتنا الدهر بما أتى به وكتب علي إلى معاوية : فإن للحرب عرامـا شررا * إن عليهــا قائدا عشنزرا (4) ينصف من أجحر أو تنمرا * على نواحيها مزجا زمجرا (5) ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 326 ) : « حتى أخذ أهل الشام مصافهم » . ( 2 ) يقال نطف ، كعلم ، ونطف بالبناء للمجهول : أي اتهم بريبة . ( 3 ) يهمط الناس ، أي يقهرهم ويخطبهم . والاعتزاب ، قال ابن أبي الحديد في ( 1 : 327 ) : « أي على بعده عن الإمارة والولاية على الناس » . وفي الأصل : « اغترابه » تحريف . ( 4 ) العشنزر : الشديد . ( 5 ) قال ابن أبي الحديد : « أجحر : ظلم الناس حتى ألجأهم إلى أن دخلوا جحرتهم أو بيوتهم . وتنمر : أي تنكر حتى صار كالنمر . يقول : هذا القائد الشديد القوى ينصف من يظلم الناس ويتنكر لهم ، أي ينصف منه . فحذف حرف الجر كقوله ( واختار موسى قومه ) أي من قومه . والمزج ، بكسر الميم : السريع النفوذ ، وأصله الرمح القصير كالمزراق . ورجل زمجر أي مانع حوزته ، والميم زائدة . ومن رواها : زمخرا ، بالخاء ، عني به المرتفع العالي الشأن » . في الأصل : « أحجم » وفي ح : « أحجر » بتقديم الحاء على الجيم في الرجز وفي شرحه ، وصوابهما بتقديم الجيم على الحاء وآخره راء كما أثبت . ( 160 ) إذا ونين ساعة تغشمرا (1) وقال أيضا (2) : ألم تر قومي إذ دعاهـــم أخوهــم * أجابوا وإن يغضب على القوم يغضبوا هم حفظوا غيبي كمـــا كنت حافظا * لقومي أخرى مثلهــــا إذ تغيبـوا بنو الحرب لم يقعد بهــم أمهاتهــم ، * وآباؤهم آبــاء صــدق فأنجبــوا فتراجع الناس إلى معسكرهم ، وذهب شباب من الناس وغلمانهم يستقون ، فمنهم أهل الشام . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف ابن الأحمر قال : لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفين ، وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه ، مستويا (3) بساطا واسعا ، وأخذوا الشريعة فهي في أيديهم ، وقد صف أبو الأعور عليها الخيل والرجالة ، وقدم المرامية ومعهم أصحاب الرماح والدرق ، وعلى رؤوسهم البيض ، وقد أجمعوا أن يمنعونا الماء ، ففزعنا إلى أمير المؤمنين فأخبرناه بذلك ، فدعا صعصعة بن صوحان فقال : ____________ ( 1 ) تغشمر : تنمر وأخذهم بالشدة لا يبالي . ( 2 ) الشعر لربيعة بن مشروم الطائي ، كما في ح ( 1 : 327 ) ( 3 ) في الأصل : « اختار ولا مستويا » ، صوابه في ح . ****************** ائت معاوية فقل : إنا سرنا مسيرنا هذا ، وأنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم ، وإنك قد قدمت بخيلك (1) فقاتلتنا قبل أن نقاتلك ، وبدأتنا بالقتال ، ونحن من رأينا (2) الكف حتى ندعوك ونحتج عليك . وهذه أخرى قد فعلتموها ، حتى حلتم بين الناس وبين الماء ، فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم ، وفيما قدمنا له وقدمتم . وإن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا . فقال معاوية لأصحابه (3) : ما ترون ؟ قال الوليد بن عقبة : امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان : حصروه أربعين يوما يمنعونه برد الماء ولين الطعام ، اقتلهم عطشا قتلهم الله ! قال عمرو : خل بين القوم وبين الماء ؛ فإنهم لن يعطشوا وأنت ريان ، ولكن لغير الماء فانظر فيما بينك وبينهم . فأعاد الوليد مقالته ، وقال عبد الله ابن أبي سرح (4) ـ وهو أخو عثمان من الرضاعة ـ : امنعهم الماء إلى الليل ؛ فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا ، وكان رجوعهم هزيمتهم . امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة . فقال صعصعة بن صوحان : إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر ، ضربك وضرب هذا الفاسق (5) ـ يعني الوليد ابن عقبة ـ فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه . فقال معاوية : كفوا عن الرجل فإنه رسول . نصر : عمر بن سعد ، عن يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف بن ____________ ( 1 ) ح : « قدمت خيلك » . ( 2 ) ح : « ممن رأينا » . ( 3 ) ح : « فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية قال معاوية لأصحابه » . ( 4 ) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب ـ بالتصغير ـ بن حذافة ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي . وهو الذي افتتح إفريقية زمن عثمان وولي مصر بعد ذلك . ومات سنة تسع وخمسين في آخر عهد معاوية . الإصابة 4702 . ح : « بن سعيد » تحريف . ( 5 ) الضرب ، هاهنا : المثل والشبيه . ( 162 ) الأحمر ، أن صعصعة رجع إلينا فحدثنا بما قال معاوية وما كان منه وما رد عليه ، فقلنا : وما رد عليك معاوية ؟ قال : لما أردت الانصراف من عنده قلت : ما ترد علي ؟ قال : سيأتيكم رأيي . قال : فوالله ما راعنا إلا تسوية الرجال والخيل والصفوف ، فأرسل إلى أبي الأعور : امنعهم الماء . فازدلفنا والله إليهم ، فارتمينا واطعنا بالرماح ، واضطربنا بالسيوف فطال ذلك بيننا وبينهم ، فضاربناهم فصار الماء في أيدينا ، فقلنا : والله لا نسقيهم . فأرسل إلينا علي : خذوا من الماء حاجتكم ، وارجعوا إلى عسكركم (1) وخلوا بينهم وبين الماء ؛ فإن الله قد نصركم ببغيهم وظلمهم . نصر : عمر بن سعد ، عن رجل ، عن أبي حرة أن عليا قال : هذا يوم نصرتم فيه بالحمية . نصر ، محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، قال : فبقي أصحاب علي يوما وليلة ـ يوم الفرات ـ بلا ماء . وقال رجل من السكون من أهل الشام ، يعرف بالسليل بن عمرو (2) : يا معاوية : اسمع اليوم ما يقــول السليــل * إن قولي قـــول له تأويـــل امنع الماء من صحـاب علـــي * أن يذوقوه ، والذليـــل ذليــل واقتل القوم مثل ما قتـــل الشي * خ ظما والقصاص أمر جميـــل (3) فوحق الذي يساق لـــه البــد * ن هدايا لنحرهـــا تأجيـــل (4) ____________ ( 1 ) ح : « معسكركم » وهما سيان ، فإن العسكر كما يقال للجيش يقال أيضا لمجتمع الجيش كالمعسكر . ( 2 ) ح : « بالشليل بن عمرو » ، وكذا جاءت في الشعر . ( 3 ) ح : « صدى فالقصاص أمر جميل » . ( 4 ) التأجيل : تحديد الأجل . وفي التنزيل : « كتابا مؤجلا » . ح : « هدايا كأنهن الفيول » . ( 163 ) لو علي وصحبـــه وردوا المــا * ء لمــا ذقتمــوه حتى تقولــوا : (1) قد رضينا بما حكمتـــم علينــا * بعد ذاك الرضا جـــلاد ثقيــل فامنع القوم ماءكــم ، ليس للقـو * م بقـــاء وإن يكــن فقليــل فقال معاوية : الرأي ما تقول ، ولكن عمرو لا يدعني (2) . قال عمرو : خل بينهم وبين الماء ؛ فإن عليا لم يكن ليظمأ وأنت ريان ، وفي يده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت ، وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق (3) ، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز ، وقد سمعته أنا وأنت (4) وهو يقول : لو استمكنت من أربعين رجلا . فذكر أمرا . يعنى لو أن معي أربعين رجلا يوم فتش البيت . يعني بيت فاطمة . وذكروا أنه لما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة فقال معاوية : يا أهل الشام ، هذا والله أول الظفر ، سقاني الله ولا سقى أبا سفيان إن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه . وتباشر أهل الشام ، فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام [ همداني ناسك ] ، يقال له المعري بن الأقبل وكان ناسكا ، وكان له ـ فيما تذكر همدان ـ لسان ، وكان صديقا ومواخيا لعمرو بن العاص ، فقال : يا معاوية ، سبحان الله ، ألان سبقتم القوم (5) إلى الفرات فغلبتموهم عليه تمنعونهم عنه ؟ أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه . أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعونهم الفرات فينزلوا على فرضة أخرى فيجازوكم بما صنعتم ؟ أما تعلمون أن فيهم العبد والأمة والأجير ____________ ( 1 ) هذا البيت ساقط من ح . ( 2 ) ح : « ولكن عمرا يدري » . ( 3 ) انظر ما سبق ص 67 س 3 . ( 4 ) ح ( 1 : 328 ) : وقد سمعته أنا مرارا . ( 5 ) في الأصل : « إن سبقتم القوم » . وأثبت ما في ح . ( 164 ) والضعيف ومن لا ذنب له . هذا والله أول الجور . لقد شجعت الجبان ، وبصرت المرتاب ، وحملت من لا يريد قتالك على كتفيك . فأغلظ له معاوية ، وقال لعمرو : اكفني صديقك . فأتاه عمرو فأغلظ ، فقال الهمداني في ذلك : لعمرو أبي معاوية بــن حــرب * وعمرو مـــا لدائهمــــا دواء سوى طعن يحار العقـــل فيـه * وضرب حين يختلــط الدمـــاء فلست بتابع دين ابـــن هنــد * طوال الدهــر ما أرسى حــراء لقد ذهــب العتاب فلا عتــاب * وقد ذهـــب الولاء فـــلا ولاء وقولي في حوادث كـل أمــري (1) * علي عمرو وصاحبـــه العفـاء ألا لله درك يـا ابـــن هنــد * لقد برح الخفـــاء فلا خفــاء (2) أتحمون الفرات علــى رجــال * وفي أيديهم الأســل الظمـــاء وفي الأعناق أسيــاف حـــداد * كأن القــوم عندهــم نســاء (3) فترجو أن يجــاوركــم علــي * بلا مـاء وللأحـــزاب مــاء دعاهم دعوة فأجـــاب قــوم * كجرب الإبل خالطهــا الهنــاء قال : ثم سار الهمداني في سواد الليل ، فلحق بعلي . قال : ومكث أصحاب علي يوما وليلة بغير ماء ، واغتم علي بما فيه أهل العراق . نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، قال : خرج علي لما اغتم بما فيه أهل العراق من العطش قبل رايات مذحج ، وإذا رجل ينادي : أيمنعنا القوم ماء الفرات * وفينا الرماح وفينا الحجف (4) ____________ ( 1 ) ح : « كل خطب » . ( 2 ) يقال برح الخفاء بكسر الراء وفتحها : أي ظهر ما كان خافيا وانكشف . وفي الأصل : « ذهب الحياء فلا حياء » ، وأثبت ما في ح . ( 3 ) في الأصل : « عندكم » ، والصواب ما أثبت من ح . ( 4 ) الحجف : جمع حجفة ، وهي الترس من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض . وانظر مقاييس اللغة « حجف » . ( 165 ) وفينا الشوازب مثــل الوشيـــج * وفينا السيوف وفينــا الزغـــف (1) وفينا علــي لـــه ســـورة * إذا خوفره الـــردى لم يخـــف فنحـــن الذين غداة الزبيـــر * وطلحة خضنا غمـــار التلـــف (2) فما بالنا أمس أســـد العريــن * وما بالنا اليوم شـــاء النجـــف (3) فما للعــراق ومـــا للحجــاز * سوى اليــوم يوم فصكوا الهـدف (4) فدبوا إليهم كبـــزل الجمـــال * دوين الذميل وفــــوق القطـف (5) فإما تحلوا بشـــط الفـــرات * ومنا ومنهـــم عليـــه الجيــ وإما تموتوا علـــى طاعـــة * تحل الجنان وتحبـــو الشـــرف وإلا فأنتم عبيـــد العصـــا * وعبد العصا مستـــذل نطـــف (6) قال : فحرك ذلك عليا ، ثم مضى إلى راية كندة (7) ، فإذا مناد ينادي إلى جنب منزل الأشعث (8) وهو يقول : ____________ ( 1 ) الشوازب : الخيل الضامرة . وفي الأصل : « الشوارب » وفي ح : « الشواذب » صوابه بالزاي كما أثبت . والوشيج : أراد به الرماح ، وأصل الوشيج شجر الرماح . وشبه الخيل بالرماح في دقتها وضمرها . انظر المفضليات ( 2 : 180 ) . والزغف : جمع زغفة ، وهي الدرع الواسعة الطويلة ، والغين تسكن وتحرك في المفرد والجمع . ( 2 ) يشير إلى وقعة الجمل . ( 3 ) النجف ، بفتح النون والجيم ، قال ابن الأعرابي . « هو الحلب الجيد حتى ينفض الضرع » انظر خزانة البغدادي ( 1 : 529 ) ومروج الذهب ( 2 : 18 ) حيث أنشد بعض هذه الأبيات . ( 4 ) الصك : الضرب . ح : « سوا الشام خصم » . ( 5 ) الذميل والقطف : ضربان من السير . ( 6 ) عبيد العصا ، يقال للقوم إذا استذلوا . قال امرؤ القيس : قولا لدودان عبيد العصا * ما غركم بالأسد الباسل وفي الأصل : « عبيد الرشاء * وعبد الرشا » صوابه في ح ( 1 : 328 ) . والنطف : المريب المعيب . ( 7 ) ح : « رايات كندة » . ( 8 ) في مروج الذهب ( 2 : 18 ) : « وألقى في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها » وأنشد البيتين الأولين . ( 166 ) لئن لم يجــل الأشعث اليــوم كربة * من الموت فيها للنفــوس تعنـــت (1) فنشرب من ماء الفـــرات بسيفـه * فهبنا أناسا قبــل كانوا فموتـــوا فإن أنت لــم تجمع لنـا اليوم أمرنا * وتلق التي فيهـــا عليـك التشتـت (2) فمن ذا الذي تثني الخناصـر باسمه * سواك ومن هذا إليـــه التلفـــت وهل من بقاء بعد يـــوم وليلــة * نظل عطاشا والعـــدو يصــوت (3) هلموا إلى ماء الفــرات ودونــه * صدور العوالي والصفيــح المشتت وأنت امرؤ من عصبــة يمنيــة * وكل امرئ من غصنه حيــن ينبت فلما سمع الأشعث قول الرجل أتى عليا من ليلته ، فقال : يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ، ومعنا السيوف ؟ خل عنا وعن القوم ، فوالله لا نرجع حتى نرده أو نموت . ومر الأشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره (4) . فقال : ذاك إليكم (5) . فرجع الأشعث ، فنادى في الناس : من كان يريد [ الماء أو ] الموت فميعاده الصبح (6) ؛ فإني ناهض إلى الماء . فأتاه من ليلته اثنا عشر ألف رجل (7) وشد عليه سلاحه وهو يقول : ميعادنا اليوم بياض الصبــح * هل يصلـــح الزاد بغير ملح لا لا ، ولا أمــر بغير نصح * دبـــوا إلى القوم بطعن سمح ____________ ( 1 ) التعنت ، من قولهم تعنت فلان فلانا : إذا أدخل عليه الأذى . وفي الأصل : « تفتت » ، وفي مروج الذهب : « تعلت » صوابهما ما أثبت . ( 2 ) ح : « المذلة » . ( 3 ) ح « نظل خفوتا » . ( 4 ) في الأصل : « ومر الأشتر فليعلو بخيله فيقف حين أمره » ، صوابه من ح . ( 5 ) في الأصل : « إليك » وأثبت ما في ح . ( 6 ) ح : « فميعاده موضع كذا » . ( 7 ) ح : « فأتاه اثنا عشر ألفا من كندة وأفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم » . ( 167 ) مثل العزالى بطعــان نفـح (1) * لا صلــح للقــوم وأين صلحي حسبي من الإقحام قــاب رمــح فلما أصبح دب في الناس وسيوفهم على عواتقهم ، وجعل يلقى رمحه ويقول : بأبي أنتم وأمي ، تقدموا قاب رمحي (2) [ هذا ] . فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم وحسر عن رأسه ونادى : أنا الأشعث بن قيس ، خلوا عن الماء . فنادى أبو الأعور السلمي : أما والله لا ، حتى تأخذنا وإياكم السيوف . فقال : قد والله أظنها دنت منا . وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي ، فبعث إليه الأشعث أن أقحم الخيل . فأقحمها حتى وضع سنابكها في الفرات ، وأخذت القوم السيوف فولوا مدبرين . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر ، عن زيد بن حسين (3) قال : نادى الأشعث عمرو بن العاص ، قال : ويحك يا ابن العاص ، خل بيننا وبين الماء ، فوالله لئن لم تفعل ليأخذنا وإياكم السيوف . فقال عمرو : والله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف وإياكم ، فيعلم ربنا أينا اليوم أصبر . فترجل الأشعث والأشتر (4) وذوو البصائر من أصحاب علي ، وترجل معهما اثنا عشر ألفا ، فحملوا على عمرو ومن معه من أهل الشام (5) فأزالوهم عن الماء حتى غمست خيل علي سنابكها في الماء . نصر : روى سعد أن عليا قال ذلك اليوم : هذا يوم نصرتم فيه بالحمية (6) . ثم إن عليا عسكر هناك . وقبل ذاك قال شاعر أهل العراق : ____________ ( 1 ) العزالي : جمع عزلاء ، بالفتح ، وهي فم المزادة . شبه بها اتساع الطعنة واندفاق الدماء منها . والنفح : الدفع . وطعنة نفاحة : دفاعة بالدم . ( 2 ) في الأصل : « قاب رمح » وأثبت ما في ح . قاب رمحي : أي قدره . ( 3 ) ح : « عن أبي جعفر وزيد بن الحسن » . ( 4 ) ح : « فالأشتر » بالفاء . ( 5 ) ح : « على عمرو وأبي الأعور ومن معهما من أهل الشام » . ( 6 ) انظر ما سبق في ص 162 س 9 ـ 10 . ( 168 ) ألا يتقــون الله أن يمنعوننــا الـ * فرات وقــد يروي الفرات الثعالـب وقد وعدونا الأحمرين فلـــم نجـد * لهم أحمرا إلا قـــراع الكتائــب (1) إذا خفقت راياتنا طحنــت لهـــا * رحى تطحن الأرحاء والموت طالب (2) فتعطي إله الناس عهدا نفـي بــه * لصهر رسول الله حتى نضـــارب وكان بلغ [ أهل ] الشام أن عليا جعل للناس إن فتحت الشام أن يقسم بينهم البر والذهب ـ وهما الأحمران (3) ـ وأن يعطيهم خمسمائة كما أعطاهم بالبصرة (4) ، فنادى منادي أهل الشام (5) ؛ يا أهل العراق [ لماذا نزلتم بعجاج من الأرض (6) ؟ نحن أزد شنوءة لا أزد عمان . يا أهل العراق ] : لا خمس إلا جنـــدل الإحريـن (7) * والخمس قـــد يحمـل الأمرين (8 ) ____________ ( 1 ) الأحمران ، سيأتي تفسيرهما بعد الشعر . ( 2 ) الأرحاء ، هاهنا : القبائل المستقلة ، واحدتها رحى . ( 3 ) فسرا في المعاجم بأنهما اللحم والخمر ، أو الذهب والزعفران . أما تفسيرهما بالبر والذهب فلم أجده إلا هاهنا . وفي ح : « التبر والذب » ولا إخال « التبر » إلا تحريفا . ( 4 ) لما فرغ علي من بيعة أهل البصرة بعد وقعة الجمل نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف وزيادة ، فقسمها على من شهد معه ، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة خمسمائة ، وقال : لكم إن أظفركم الله عز وجل بالشام مثلها إلى أعطياتكم ، انظر الطبري ( 4 : 223 ) . ( 5 ) في اللسان ( حرر ) : « أنشد ثعلب لزيد بن عتاهية التميمي ، وكان زيد المذكور لما عظم البلاء بصفين قد انهزم ولحق بالكوفة . . . . فلما قدم زيد على أهله قالت له ابنته : أين خمس المائة ؟ فقال : إن أباك فر يوم صفــــين * لما رأى عكــا والأشعريين وقيس عيلان الهوازنيبن ؟ ؟ * وابن نمر في ســراة الكنديين وذا الكلاع سيد اليمانيـــن * وحابسا يستن فــي الطائيين قال لنفس السوء هل تفريـن * لا خمس إلا جنــدل الإحرين والخمس قد جشمك الأمريـن * جمزا إلى الكوفة من قنسرين » . ( 6 ) العجاج ، أراد به الأرض الخبيثة . وأصل العجاج من الناس الغوغاء والأراذل ومن لا خير فيه . ( 7 ) لا خمس ، أراد لا خمسمائة . والجندل : جمع جندلة ، وهي الحجارة يقلها الرجل . والإحرين بكسر أوله وفتح ثانيه : الحرار من الأرض ، كأنها جمع إحرة ، ولم يتكلموا بهذه . وهي من ملحقات الجمع السالم كالإوزين والأرضين والسنين . والحرار : جمع حرة ، وهي أرض ذات حجارة سود نخرات . والمعنى : ليس لك اليوم إلا الحجارة والخيبة . ( 8 ) الأمرين : الشعر والأمر العظيم ، يقال بكسر الراء وفتحها ، كما في القاموس . ( 169 ) جمزا إلى الكوفة مــن قنسـرين (1) نصر : أبو عبد الرحمن المسعودي ، عن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه ، عن عمرو بن العاص : لا خمس إلا جنــدل الإحريــن * والخمس قــد يجشمك الأمــرين (2) نصر : قال عمرو بن شمرو (4) ، عن جابر قال : سمعت تميما الناجي ( 3) قال سمعت الأشعث بن قيس يقول ـ يوم حال عمرو بن العاص بيننا وبين الفرات ـ : ويحك يا عمرو ، والله إن كنت لأظن لك رأيا فإذا أنت لا عقل لك ، أترانا نخليك والماء ، تربت يداك وفمك ، أما علمت أنا معشر عرب ، ثكلتك أمك وهبلتك ، لقد رمت أمر عظيما . فقال له عمرو : أما والله لتعلمن اليوم أنا سنفي بالعهد ، ونقيم على العقد ، ونلقاك بصبر وجد (5) . فناداه الأشتر : والله لقد نزلنا هذه الفرضة يابن العاص ، والناس تريد القتال ، على البصائر والدين ، وما قتالنا سائر اليوم إلا حمية . ثم كبر الأشعث وكبر الأشتر ، ثم حملا فما ثار الغبار حتى انهزم أهل الشام . ____________ ( 1 ) الجمز : ضرب من السير السريع . وفي الأصل : « حمزك من الكوفة إلى قنسرين » وكتب بجواره : « خ : يجزيك من كوف إلى قنسرين » إشارة إلى أنه كذلك في نسخة أخرى . وصواب هذه الأخيرة : « جمزك » وهذا البيت الأخير ساقط من ح ( 1 : 329 ) . وانظر الاشتقاق لابن دريد 85 جوتنجن 136 من تحقيقنا . ( 2 ) كتب إلى جوارها في الأصل : « خ : قد يحمل الأمرين » . ( 3 ) هو عمرو بن شمر الجعقي الكوفي الشيعي ، أبو عبد الله . يروى عن جعفر بن محمد وجابر الجعفي ، والأعمش . انظر لسان الميزان ( 4 : 366 ) . ح : « عمر بن شمر » تحريف . ( 4 ) هو تميم بن حذلم بالحاء المهملة والذال المعجمة وزان جعفر ـ ويقال حذيم ـ الناجي الضبي . الكوفي ، أبو سلمة ، شهد مع علي وكان من خواصه . قال ابن حجر : « ثقة ، مات سنة مائة » . انظر منتهى المقال 70 والقاموس « حذلم » وتهذيب التهذيب والتقريب . ( 5 ) ح ( 1 : 329 ) : « ونحكم العقد ونلقاهم بصبر وجد » . ( 170 ) [ قالوا ] : فلقى عمرو بن العاص بعد ذلك (1) الأشعث بن قيس فقال : أي أخا كندة ، أما والله لقد أبصرت صواب قولك يوم الماء ، ولكني كنت مقهورا على ذلك الرأي ، فكايدتك بالتهدد ، والحرب خدعة . ثم إن عمرا أرسل إلى معاوية : أن خل بين القوم وبين الماء ، أترى القوم يموتون عطشا وهم ينظرون إلى الماء ؟ فأرسل معاوية إلى يزيد بن أسد [ القسري ] : أن خل بين القوم وبين الماء يا أبا عبد الله . فقال يزيد ـ وكان شديد العثمانية ـ كلا والله (2) ، لنقتلنهم عطشا كما قتلوا أمير المؤمنين . نصر ، عمرو بن شمر ، عن إسماعيل السدي قال : سمعت بكر بن تغلب السدوسي يقول : والله لكأني أسمع الأشتر وهو يحمل على عمرو بن العاص يوم الفرات ، وهو يقول : ويحك يا ابن العاصـــي * تنح فــي القواصـــي واهرب إلى الصياصــي (3) * اليــوم فــي عـراص (4) نـــأخذ بالنواصـــي * لا نحـــذر التناصــي (5) نحــن ذوي الخـمـاص (6) * لا نقــرب المعاصـــي في الأدرع الــــدلاص * في الموضع المصــاص (7) ____________ ( 1 ) ح : « بعد انقضاء صفين » . ( 2 ) في الأصل : « كلا والله يا أم عبد الله » . وهي عبارة تحتمل أن تكون من إقحام الناسخ ، أو من تهكم يزيد بن أسد بمعاوية ، كما أشار إلى ذلك ناشر الأصل . لكن عدم إثباتها في ح يؤيد أنها مقحمة في الكتاب . ( 3 ) الصياصي : الحصون وكل شيء امتنع به . ( 4 ) العراص ، بالكسر : جمع عرصة ، بالفتح ، وهي الساحة . ( 5 ) التناصي : أن يأخذ كل منهما بناصية الآخر . وفي الأصل : « القصاص » تحريف . ( 6 ) الخماص : الضوامر ، أراد بها الخيل . ( 7 ) الدلاص : البراقة الملساء اللينة ، تقال للواحد والجمع . والمصاص ، بالضم : أخلص كل شيء . ( 171 ) فأجابه عمرو بن العاص : ويحك يا ابــن الحــارث (1) * أنت الكــذوب الحانــث أنت الغريــر الناكــث (2) * أعـد مــال الـــوارث وفــي القبــور ماكــث عمرو بن شمر (3) ، عن إسماعيل السدي ، عن بكر بن تغلب (4) قال : حدثني من سمع الأشتر يوم الفرات ، وقد كان له يومئذ غناء عظيم من أهل العراق (5) ، وهو يقول : اليــوم يــوم الحفـــاظ * بيــن الكمــاة الغـــلاظ نحفزهــــا والمظـــاظ (6) قال : ثم قال : وقد قتل من آل ذي لقوة (7) ، وكان يومئذ فارس أهل الأردن ، وقتل رجال من آل ذي يزن . نصر : فحدثني عمرو بن شمر ، عن إسماعيل السدي ، عن بكر بن تغلب قال : حدثني من سمع الأشعث يوم الفرات وقد كان له غناء عظيم من أهل العراق وقتل رجالا من أهل الشام بيده ، وهو يقول : والله إن كنت لكارها قتال أهل الصلاة ، ولكن معي من هو أقدم مني في الإسلام ، وأعلم بالكتاب ____________ ( 1 ) ابن الحارث ، هو الأشتر . واسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة ، تنتهي نسبته إلى النخع . انظر الاشتقاق ص 241 والمعارف 84 . ( 2 ) الغرير : الدي لم يجرب الأمور . وفي الأصل : « العزيز » تحريف . ( 3 ) في الأصل : « عمر بن شمر » تحريف . وقد تقدمت ترجمة عمرو في ص 169 . ( 4 ) في الأصل : « بحر بن تغلب » وأثبت ما اتفق عليه الأصل وح في الموضع التالي . ( 5 ) في الأصل : « من أهل العراق » والوجه ما أثبت من ح ( 1 : 329 ) . ( 6 ) الحفز : الطعن بالرمح . والمظاظ : المخاصمة والمنازعة . ( 7 ) كذا وردت العبارة ناقصة في الأصل ، ولم ترد في مظنها من ح . ( 172 ) والسنة ، وهو الذي يسخي بنفسه (1) . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن رجل من آل خارجة بن الصلت ، أن ظبيان بن عمارة التميمي ، جعل يومئذ يقاتل وهو يقول (2) : مالك يا ظبيان مـــن بقــاء * في ساكن الأرض بغير مـــاء (3) لا ، وإله الأرض والسمـــاء * فاضرب وجوه الغدر الأعــداء بالسيف عند حمـس الوغــاء (4) * حتى يجيبوك إلــى الســواء قال : فضربناهم والله حتى خلونا وإياه . نصر : عمر بن سعد بإسناده قال . طال بيننا وبين أهل الشام القتال ، فما أنسى قول عبد الله بن عوف [ بن ] الأحمر (5) ، يوم الفرات ، وكان من فرسان علي ، وهو يضربهم بالسيف وهو يقول : خلوا لنا عن الفــرات الجاري * أو اثبتــوا للجحفــل الجــرار لكن قــرم مستميــت شـار (6) * مطاعـــن برمحــه كرار ضراب هامات العــدى مغــوار قال : ثم إن الاشتر دعا الحارث بن همام النخعي ثم الصهباني (7) فأعطاه ____________ ( 1 ) السخاء : الجود ، يقال سخي كسعى ودعا ورضى . وفي الأصل : « بنفسي » وأثبت ما في ح (1 : 330 ) . ( 2 ) الرجز في تاريخ الطبري ( 5 : 240 ) مطابق لهذه الرواية . ( 3 ) ح ( 1 : 33 ) : « وحمل ظبيان بن عمارة التيمي على أهل الشام وهو يقول : هل لك يا ظبيان من بقاء * في ساكني الأرض بغير ماء » . ( 4 ) الوغى : الحرب ، مقصور ، وقد مده هنا للشعر . ح : « الهيجاء » . ( 5 ) في الطبري : « عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي » ، والتكملة هاهنا من الطبري ومما سبق في 160 ، 161 . ( 6 ) القرم بالفتح ، هو من الرجال السيد المعظم . وفي الأصل : « قوم » صوابه في الطبري . والشاري : البائع ، أي الذي يبيع نفسه لله ، ومن ذلك سمي الخوارج شراة لأنهم زعموا أنهم باعوا أنفسهم لله بالجنة . ( 7 ) الصهباني ، نسبة إلى صهبان بالضم ، وهم قبيلة من النخع ، منهم كميل بن زياد صاحب علي بن أبي طالب . انظر الاشتقاق 242 . ( 173 ) لواءه ثم قال : يا حارث ، لولا أتى أعلم أنك تصبر عند الموت لأخذت لوائي . منك ولم أحبك بكرامتي (1) . قال : والله يا مالك لأسرنك اليوم أو لأموتن ، فاتبعني فتقدم [ باللواء ] وهو يقول (2) : يا أشتر الخيــر ويا خيــر النخع وصاحب النصر إذا عـم الفزع (3) وكاشف الأمــر إذا الأمــر وقع ما أنت في الحرب العوان بالجذع (4) قد جزع القــوم وعموا بالجزع وجرعوا الغيظ وغصوا بالجرع إن تسقنا الماء فما هي بالبــدع (5) أو نعطش اليوم فجند مقتطــع (6) ما شئت خذ منها وما شئت فدع فقال الأشتر : ادن مني يا حارث . فدنا منه فقبل رأسه وقال : لا يتبع رأسه اليوم إلا خير (7) . ثم قام الأشتر يحرض أصحابه يومئذ ويقول : ____________ ( 1 ) الحباء : ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به ، تقول : حبوته أحبوه حباء . وفي الأصل : « لم أجبك » . وفي ح : « لم أحيك » صوابهما ما أثبت . ( 2 ) القائل هو الحارث بن همام النخعي . وفي مروج الذهب ( 2 : 18 ) : « فصار يؤم الأشعث صاحب رايته ، وهو رجل من النخع ، يرتجز ويقول » . ( 3 ) في مروج الذهب : « إذا عال الفزع » . ( 4 ) الحرب العوان : التي حورب فيها مرة بعد مرة . والجذع : الصغير السن . قال الليث : « الجذع من الدواب والأنعام قبل أن يثني بسنة » . وفي الأصل : « بالخدع » ، والخدع بفتح فكسر : الكثير الخداع . ولا وجه له هنا . وأثبت ما في ح . ( 5 ) في مروج الذهب : « فما هو بالبدع » . ( 6 ) في الأصل : « فجد يقتطع » صوابه في ح . ( 7 ) الخير ، بالفتح وكسيد : الكثير الخير . في الأصل : « لا يتبع هذا اليوم إلا خيرا » وأثبت ما في ح . ( 174 ) فدتكم نفسي ، شدوا شدة المحرج الراجي الفرج ، فإذا نالتكم الرماح فالتووا فيها ، وإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل نواجذه فإنه أشد لشئون الرأس ، ثم استقبلوا القوم بهاماتكم . قال : وكان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب (1) . نصر ، عن عمرو بن شمر (2) ، عن جابر ، عن عامر ، عن الحارث بن أدهم ، عن صعصعة بن صوحان قال : قتل الأشتر في تلك المعركة سبعة ، وقتل الأشعث فيها خمسة ، ولكن أهل الشام لم يثبتوا . فكان الذين قتلهم الأشتر صالح بن فيروز العكي ، ومالك بن أدهم السلماني ، ورياح بن عتيك الغساني (3) ، والأجلح بن منصور الكندي ـ وكان فارس أهل الشام ـ وإبراهيم بن وضاح الجمحي ، وزامل بن عبيد الحزامي ، ومحمد بن روضة الجمحي . نصر : فأول قتيل قتل الأشتر ذلك اليوم بيده من أهل الشام رجل يقال له صالح بن فيروز ، وكان مشهورا بشدة البأس ، فقال وارتجز على الأشتر : يا صاحب الطرف الحصــان الأدهم * أقــدم إذا شئــت علينـــا أقدم أنا ابن ذي العــز وذي التكـــرم * سيـــد عك كل عــك فاعلـــم فبرز إليه الأشتر وهو يقول : آليت لا أرجــع حتى أضربـــا * بسيفي المصقــول ضربــا معجبا أنا ابن خيــر مذحــج مركبــا * مــن خيرها نفسا وأمــا وأبــا (4) قال : ثم شد عليه بالرمح فقتله وفلق ظهره ، ثم رجع إلى مكانه ، ____________ ( 1 ) المحذوف : المقطوع الذنب . وحلك الغراب : شدة سواده . ( 2 ) في الأصل : « عمر بن شمر » تحريف . وانظر ترجمته في ص 169 . ( 3 ) في الأصل : « رماح بن عتيك الغساني » وأثبت ما في ح . ( 4 ) روى هذا البيتان في ح ( 1 : 330 ) مقدمين على البيتين السابقين . ( 175 ) ثم خرج إليه فارس آخر يقال له مالك بن أدهم السلماني ـ وكان من فرسان أهل الشام ـ وهو يقول : إني منحت مالكــا سنانيــا (1) * أجيبه بالرمــح إذ دعانيــا لفارس أمنحـــه طعانيـــا ثم شد على الأشتر فلما رهقه (2) التوى الأشتر على الفرس ، ومار السنان فأخطأه (3) ، ثم استوى على فرسه وشد عليه بالرمح وهو يقول : خانك رمح لم يكــن خوانــا * وكان قدمـا يقتــل الفرسانــا لويته لخيـــر ذي قحطانــا * لفــارس يختــرم الأقرانــا أشهل لا وغـــلا ولا جبانـــا (4) فقتله ثم خرج فارس آخر يقال له رياح بن عتيك (5) وهو يقول : إني زعيم مالـــك بضــرب * بــذي غرارين ، جميـع القلب (6) عبل الذراعيــن شديــد الصلب وقال بعضهم : « شديد العصب » . فخرج إليه الأشتر وهو يقول : رويد لا تجزع مـــن جلادي * جلاد شخص جامــع الفــؤاد (7) يجيب في الروع دعا المنـادي * يشد بالسيف علــى الأعــادي ____________ ( 1 ) في الأصل : « منحت صالحا » تحريف . ومالك ، هو مالك بن الحارث ، المعروف بالأشتر النخعي . الإصابة 8335 وتهذيب التهذيب ومعجم المرزباني 362 . ( 2 ) رهقه : غشيه أو لحقه أو دنا منه . ( 3 ) مار يمور مورا : اضطرب . ( 4 ) الأشهل ، من الشهلة وهي أقل من الزرق في الحدقة وأحسن منه . والوغل : الضعيف النذل الساقط . ( 5 ) في الأصل : « رياح بن عبيدة » ، وفي ح : « رياح بن عقيل » وأثبت ما سبق في ص 174 . ( 6 ) جميع القلب : مجتمعه لم يتفرق عليه . ( 7 ) لا تجزع ، أراد لا تجزعن ، بنون التوكيد الخفيفة . ( 176 ) فشد عليه فقتله . ثم خرج إليه فارس آخر يقال له إبراهيم بن الوضاح وهو يقول : هل لك يا أشتــر في بــرازي * بــراز ذي غشــم وذي اعتزاز مقــاوم لقرنــه لـــزاز (1) فخرج إليه الأشتر وهو يقول : نعــم نعــم أطلبــه شهيدا * معــي حســام يقصــم الحديدا يترك هامــات العدى حصيــدا فقتله . ثم خرج إليه فارس آخر يقال له زامل بن عتيك الحزامي (2) ، وكان من أصحاب الألوية ، فشد عليه وهو يقول : يا صاحب السيف الخضيب المرسب (3) وصاحب الجوشن ذاك المــذهب (4) هل لك في طعن غلام محـــرب (5) يحمل رمحا مستقيــم الثعلــب ليس بحيـــاد ولا مغلــــب ____________ ( 1 ) اللزاز : الشديد الخصومة ، اللزوم لما يطالب . ويقال أيضا لزه لزا : طعنه . ( 2 ) في الأصل : « أزمل » تحريف . وسبق في ص 174 : « زامل بن عبيد » وفي ح : « زامل بن عقيل » . ( 3 ) المرسب ، من قولهم سيف رسب ورسوب : ماض يغيب في الضريبة « وكان سيف خالد بن الوليد يسمى مرسبا » . وفي الأصل : « المرزبي » ولا وجه له . ( 4 ) الجوشن : زرد يلبس على الصدر والحيزوم . ( 5 ) المحرب والمحراب : الشديد الحرب الشجاع . ( 177 ) فطعن الأشتر في موضع الجوشن فصرعه عن فرسه ولم يصب مقتلا ، وشد عليه الأشتر [ راجلا ] فكسف قوائم الفرس بالسيف (1) وهو يقول : لا بد من قتلــي أو مــن قتلكما * قتلــت منكم خمسة مــن قبلكما وكلهم كانــوا حمــاة مثلكــا ثم ضربه بالسيف وهما رجلان (2) ، ثم خرج إليه فارس يقال له الأجلح ، وكان من أعلام العرب وفرسانها ، وكان على فرس يقال له لاحق ، فلما استقبله الأشتر كره لقاءه واستحيا أن يرجع ، فخرج إليه وهو يقول : أقــدم باللاحــق لا تهلــل (3) * على صمــل ظاهــر التسلل (4) كأنما يقشــم مـــر الحنظل (5) * إن سمتــه خسفا أبـي أن يقبل وإن دعــاه القرن لم يعــول (6) * يمشي إليــه بحســام مفصل مشيا رويــدا غير ما مستعجـل * يختــرم الآخـر بعـــد الأول فشد عليه الأشتر وهو يقول : بليت بالأشتــر ذاك المذحجـي * بفــارس في حلــق مدجــج ____________ ( 1 ) الكسف : القطع . وفي الحديث « أن صفوان كسف عرقوب راحلته » ، أي قطعه بالسيف . وفي الأصل : « فكتف » بالتاء ، وفي ح : « فكشف » بالشين ، صوابهما بالسين المهملة كما أثبت . ( 2 ) الرجل ، بالفتح وكمفرح وندس : الراجل ، وهو خلاف الراكب . ح : « وهما راجلان » وكلاهما صحيح . ( 3 ) أقدم : أمر من الإقدام ، وأصله أقدمن بنون التوكيد الخفيفة حذفت للضرورة وبقيت الفتحة ، كما في قول طرفة : اضرب عنــك الهموم طارقهــا * ضربــك بالسيف قونــس الفرس انظر شرح شواهد المغني 315 . والتهليل : النكوص والإحجام . ( 4 ) الصمل ، كعتل : الشديد الخلق العظيم . ( 5 ) القشم ، بالشين المعجمة : الأكل . وفي الأصل : « يقسم » تحريف . وأكل الحنظل مثل في شدة العداوة . انظر البيت 13 من المفضلية 40 طبع المعارف . ( 6 ) التعويل : رفع الصوت بالبكاء والصياح . وفي الأصل : « لم يقول » ولا وجه له . ( 178 ) كالليث ليث الغابـــة المهيــج * إذا دعـــاه القرن لـــم يعرج فضربه . ثم خرج إليه محمد بن روضة ، وهو يضرب في أهل العراق ضربا منكرا ، وهو يقول : يا ساكني الكوفــة يا أهــل الفتن * يــا قاتلي عثمــان ذاك المؤتمن ورث صــدري قتله طول الحزن (1) * أضربكــم ولا أرى أبــا حسن فشد عليه الأشتر وهو يقول : لا يبعد الله ســوى عثمانــا * وأنــزل الله بكــم هوانــا ولا يسلي عنكــم الأحزانــا * مخالــف قد خالف الرحمانـا نصرتموه عابــدا شيطانــا ثم ضربه فقتله . وقالت أخت الأجلح بن منصور الكندي حين أتاها مصابه ، وكان اسمها حبلة بنت منصور : ألا فابكـــي أخـــا ثقــة * فقـــد والله أبـــكينـــا (2) لقتــل الماجــد القمقـــا * م لا مثـــل لـــه فينــا أتـــانا اليـــوم مقتلـــه * فقـــد جـــزت نواصينـا كريــــم ماجــــد الجدي * ن يشفـــي مــن أعادينــا وممــن قــــاد جيشهــم * علــــى والمضـــلونــا (3) شفانـــا الله مـــن أهل ال * عراق فقــــد أبــادونــا (4) أمـــا يخشـــون ربهــم * ولـــم يرعـــوا له دينــا ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 330 ) : « أورث قلبي قتله طول الحزن » . ( 2 ) في الأصل : « أبلينا » صوابه في ح ( 1 : 331 ) . ( 3 ) البيت لم يرو في ح . وفي الأصل : « والمصلونا » وهي إنما تهجو أصحاب علي رضي الله عنه . ( 4 ) في الأصل : « قد أبادونا » ، وأثبت ما في ح . ( 179 ) نصر ، قال : قال عمرو قال جابر : بلغني أنها ماتت حزنا على أخيها . وقال أمير المؤمنين حين بلغه مرثيتها أخاها : أما إنهن ليس بملكهن ما رأيتم من الجزع (1) ، أما إنهم قد أضروا بنسائهم فتركوهن [ أيامي ] خزايا (2) [ بائسات ] ، من قبل ابن آكلة الأكباد (3) . اللهم حمله آثامهم وأوزارهم وأثقالا مع أثقالهم (4) . وأصيب يوم الوقعة العظمى حبيب بن منصور ، أخو الأجلح ـ وكان من أصحاب الرايات ـ وجاء برأسه رجل من بجيلة قد نازعه في سلبه رجل من من همدان ، كل واحد منها يزعم أنه قتله ، فأصلح علي بينهما وقضى بسلبه للبجلي ، وأرضى الهمداني . نصر ، عن عمرو بن [ شمر ، عن ] جابر ، عن الشعبي ، عن الحارث بن أدهم ، عن صعصعة قال : ثم أقبل الأشتر يضرب بسيفه جمهور الناس حتى كشف أهل الشام عن الماء وهو يقول : لا تذكــروا ما قد مضى وفاتــا * والله ربــي باعــث أمواتـــا (5) مــن بعد ما صاروا صدى رفاتـا (6) * لأوردن خيلـــي الفراتــــا شعث النواصــي أو يقـــال ماتـــا (7) ____________ ( 1 ) ليس بملكهن : أي إن ما بدا عليهن من الجزع خارج عن إرادتهن . وفي الأصل : « ليس يملكن » وأثبت ما في ح . ( 2 ) الخزايا : جمع خزيا ، وهي التي عملت قبيحا فاشتد لذلك حياؤها . ح : « حزاني » . ( 3 ) آكلة الأكباد يعني بها هندا بنت عتبة بن ربيعة . وهي أم معاوية . يروى أنها بقرت عن كبد حمزة فلاكتها ، وقالت : شفيت من حمزة نفسي بأحد * حتى بقرت بطنه عن الكبد انظر السيرة 581 جوتنجن . ( 4 ) ح : « مع أثقاله » . ( 5 ) في ح : « باعث الأمواتا » . ( 6 ) الصدى : ما يبقى من الميت في قبره . وفي الأصل : « كذا » . ( 7 ) انظر مروج الذهب ( 2 : 18 ) . ( 180 ) وكان لواء الأشعث مع معاوية بن الحارث ، فقال له الأشعث : لله أنت ! ليس النخع بخير من كندة ، قدم لواءك [ فإن الحظ لمن سبق ] . فتقدم صاحب اللواء ، وهو يقول : أنعطش اليــوم وفينا الأشعــث * والأشعـــث الخير كليــث يعبث فــأبشروا فإنكــم لن تلبثــوا * أن تشربــوا الماء فسبوا وارفثــوا من لا يــرده والرجــال تلهــث وقال الأشعث : إنك لشاعر ، وما أنعمت لي بشرى . وكره أن يخلط الأشتر به ، فنادى الأشعث : أيها الناس ، إنما الحظ لمن سبق . قال : وحمل عمرو العكى من أصحاب معاوية ، وهو يقول : ابرز إلى ذا الكبش يــا نجاشي * اسمى عمــرو وأبـو خراش وفــارس الهيجاء ، بانكمـاشي * تخبر عن بأسي واحـر نفاشي ( 1) فشد عليه النجاشي وهو يقول : أرود قليلا فأنـــا النجـــاشي * من ســرو كعب ليس بالرقـاشي أخو حروب في رباط الجـــاش * ولا أبيع اللهــو بالمعــــاش أنصر خير راكــب ومـــاش * أعني عليـــا بين الريـــاش من خير خلق الله فـي نشنــاش (2) * مبرأ من نــزق الطيــــاش بيت قريش لا مـــن الحواشي * ليت عرين للكبــاش غـــاش (3) ____________ ( 1 ) الاحر نفاش : التقبض والتهيؤ للشر . وفي الأصل : « يخبر باني من أحرناشي » . تحريف . ( 2 ) النشناش : مصدر نشنش الرجل الرجل إذا دفعه وحركه ، ونشنش السلب : أخذه . ولم تذكر هذا المصدر المعاجم ، وهذا الوزن من المصادر سماعي . انظر شرح الشافية ( 1 : 178 ) . ( 3 ) كبش القوم : رئيسهم وسيدهم ، وقائدهم . ( 181 ) يقتل كبش القـــوم بالهــــراش * وذي حــــروب بطــل ونــاش خــف له أخطف في البطــاش (1) * مــن أســد خفان وليث شــاش (2) فضربه ضربة ففلق هامته بالسيف . وحمل أبو الأعور وهو يقول : أنا أبو الأعــور واسمى عمــرو (3) * أضـرب قـدمــا لا أولى الدبــر ليس بمثلي يـــا فتــى يغتـــر * ولا فتــى يلاقينــــي يســـر (4) أحمي ذمـــاري وللحامـي حــر * جــرى إلى الغايـــات فاستمــر (5) فحمل عليه الأشتر وهو يقول : لست ـ وإن يكـــره ـ ذا الخلاط * ليس أخو الحرب بــذي اختــلاط لكن عبـــوس غير مستشـــاط * هذا علي جــاء فـي الاسبـــاط وخلــف النعيـــم بالإفـــراط * بعرصـــة في وســــط البلاط منحل الجســم مـــن الربـــاط (6) * يحكم حكـــم الحــق لا اعتبــاط وحمل شرحبيل بن السمط فقال : أنــا شرحبيل أنا ابـــن السمط * مبيـــن الفعل بهـــذا الشــط بالطعـــن سمحا بقناة الخـــط * أطلـــب ثارات قتيــل القبـط (7) جمعت قومي بــاشتراط الشــرط * على ابــن هند وأنــا الموطــى ____________ ( 1 ) خف له : أسرع . والبطاش : مصدر باطشه ، والبطش : التناول بشدة عند الصولة . وفي الأصل : « كف له يخطف بالنهاس » . ( 2 ) خفان ، ككتان : مأسدة قرب الكوفة . وشاش : مدينة بما وراء النهر . ( 3 ) هذا يؤيد ما قيل من أن اسمه « عمرو بن سفيان السلمي » . ( 4 ) في الأصل : « ولا فتى بلا فتى يسر » . ( 5 ) الغايات : غايات السبق ينتهي إليها . وفي الأصل : « جرى على الغايات » . ( 6 ) الرباط والمرابطة : ملازمة ثغر العدو . ( 7 ) يعني عثمان ، وعني بالقبط أهل مصر . ****************** حتى أناخوا بالمحامي الخـــط * جند يمـــان ليس هم بخلط فأجابه الأشعث بن قيس : إني أنا الأشعث ابــــن قيـس * فارس هيجــــاء قبيل دوس لســت بشكاك ولا ممســوس (1) * كنــدة رمحــي وعلى قوسي وقال حوشب ذو ظليم (2) : يا أيها الفــارس ادن لا تـــرع * أنا أبو مر وهـــذا ذو كلـــع (3) مسود بالشام ما شــاء صنـــع * أبلغ عني أشترا أخــا النخــع (4) والأشعث الغيث إذا المـاء امتنع (5) * قد كثر الغدر لديكم لــو نفــع فأجابه الأشعث : أبلغ عنــي حوشبــا وذا كلــع * وشرحبيـــل ذاك أهلك الطمــع (6) قــوم جفـاة لا حيـــا ولا ورع * يقودهـــم ذاك الشقــي المبتدع إني إذا القرن لقـــرن يختضـع وأبرقوهــــا في عجاج قد سطع (7) أحمي ذمـــاري منهـــم وأمتنع وقال الأشتر أيضا فجال : يا حوشب الجلـــف ويا شيخ كلع * أيكمـــا أراد أشتــر النخع ____________ ( 1 ) الممسوس : الذي به مس من الجنون . وفي هذا البيت سناد الحذو ، وهو اختلاف حركة ما قبل الردف . وفي الأصل : « مملوس » ولا وجه له . ( 2 ) سبقت ترجمته في ص 66 . ( 3 ) ذو كلع ، هو ذو الكلاع . انظر ص 60 ، 61 . ( 4 ) أبلغ : أي أبلغا ، بنون التوكيد الخفيفة ، حذفها وأبقي الحركة قبلها . انظر ما مضى ص 177 . ( 5 ) في الأصل : « منع » . ( 6 ) أي أهلكه الطمع . وقد غير ضبط شرحبيل للشعر . ( 7 ) العجاج ، كسحاب : الغبار . أبرقوها : أي أبرقوا السيوف . وفي اللسان : « وأبرق بسيفه يبرق : إذا لمع به » . ( 183 ) ها أنا ذا وقـــد يهولك الفـــزع * في حومة وســـط قرار قد شـرع ثم تلاقي بطلا غيـــر جـــزع * سائل بنا طلحة وأصحاب البـــدع وسل بنا ذات البعير المضطجــع (1) * كيف رأوا وقع الليوث في النقــع (2) تلقى أمرأ كذاك ما فيــــه خلع * وخالف الحق بديـــــن وابتدع (3) نصر : عمر بن سعد ، عن رجل قد سماه (4) عن أبيه ، عن عمه محمد بن مخنف (5) قال : كنت مع أبي يومئذ وأنا ابن سبع عشرة سنة ، ولست في عطاء ( 6) ، فلما منع الناس الماء قال لي : لا تبرح . فلما رأيت الناس يذهبون نحو الماء لم أصبر ، فأخذت سيفي فقاتلت ، فإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق ، ومعه قربة له ، فلما رأى أهل الشام قد أفرجوا عن الماء شد (7) فملأ قربته ثم أقبل بها ، وشد عليه رجل من أهل الشام (8) فضربه فصرعه ، ووقعت القربة منه ، وشددت على الشامي فضربته وصرعته ، وعدا أصحابه فاستنقذوه . قال : وسمعتهم يقولون : لا بأس عليك . ورجعت إلى المملوك فأجلسته (9) فإذا هو يكلمني وبه جرح رحيب (10) ، فلم يكن أسرع من أن ____________ ( 1 ) ذات البعير ، يعني بها عائشة رضي الله عنها . وقد عرقب بعيرها يوم الجمل وأخذته السيوف حتى سقط واضطجع . ( 2 ) النقع ، بالفتح : الغبار ، وحركه للشعر . ( 3 ) أي وما خالف الحق . ( 4 ) هو أبو مخنف . وقد سبق نظير هذا الصنيع في ص 135 . ( 5 ) ذكره في لسان الميزان ( 5 : 375 ) وقال : « روى يحيى بن سعيد عنه أنه قال : دخلت مع أبي على علي رضي الله عنه عام بلغت الحلم » . وهذا يضم إلى أولاد مخنف . انظر ص 135 . ( 6 ) العطاء : اسم لما يعطي . يقول : لم أكن في الجند فيفرض لي عطاء . وفي الأصل : « في غطاء » بالمعجمة ، تحريف . ( 7 ) شد : أسرع في عدوه ، كاشتد . ( 8 ) شد عليه ، هنا ، بمعنى حمل عليه . ( 9 ) في الطبري ( 5 : 241 ) : « فاحتملته » أي حملته . ( 10 ) في الطبري . « رغيب » وهو الأكثر في كلامهم . انظر المفضليات ( 2 : 55 ) . ( 184 ) جاء مولاه فذهب به ، وأخذت قربته وهي مملوءة ماء ، فجئت بها إلى أبي ، فقال : من أين جئت بها ؟ فقلت : اشتريتها . وكرهت أن أخبره الخبر فيجد علي ، فقال : اسق القوم . فسقيتهم وشربت آخرهم ، ونازعتني نفسي والله القتال ، فانطلقت أتقدم فيمن يقاتل . قال : فقاتلتهم ساعة ، ثم أشهد أنهم خلوا لنا عن الماء . قال : فما أمسيت حتى رأيت سقاتهم وسقاتنا يزدحمون على الماء ، فما يؤذي إنسان إنسانا . قال : وأقبلت راجعا فإذا أنا بمولى صاحب القربة فقلت : هذه قربتك فخذها ، أو ابعث معي من يأخذها ، أو أعلمني مكانك . فقال : رحمك الله ، عندنا ما يكتفي به . فانصرفت وذهب ، فلما كان من الغد مر على أبي ، فوقف فسلم ، ورأني إلى جنبه فقال : من هذا الفتى منك ؟ قال : ابني . قال : أراك الله فيه السرور ، استنقذ والله غلامي أمس ، وحدثني شباب الحي أنه كان من أشجع الناس . قال : فنظر إلى أبي نظرة عرفت [ منها (1) ] الغضب في وجهه ، ثم سكت حتى مضى الرجل ثم قال : هذا ما تقدمت إليك فيه (2) ؟ قال : فحلفني ألا أخرج إلى قتال إلا بإذنه . فما شهدت لهم قتالا حتى كان آخر يوم من أيامهم ، إلا ذلك اليوم . نصر ، عن يونس بن [ أبي (3) ] إسحاق السبيعي ، عن مهران مولى يزيد ابن هانئ السبيعي قال : والله إن مولاي ليقاتل على الماء ، وإن القربة لفي يدي ، فلما انكشف أهل الشام عن الماء شددت حتى أستقي ، وإني فيما بين ذلك لأرمي وأقاتل . ____________ ( 1 ) التكمله من الطيري ( 5 : 241 ) ، وحذف العائد على الموصوف قليل في كلامهم . انظر حواشي الحيوان ( 6 : 241 ) . ( 2 ) تقدم إليه في كذا : أمره وأوصاه به . وفي الأصل : « قدمت » صوابه من الطبري . ( 3 ) التكملة من الطبري . وانظر منتهى المقال 336 . ( 185 ) نصر ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي عمرة (1) عن أبيه سليمان الحضرمي (2) ، قال : لما خرج علي من المدينة خرج معه أبو عمرة بن عمرو بن محصن (3) قال : فشهدنا مع علي الجمل ثم انصرفنا إلى الكوفة ، ثم سرنا إلى أهل الشام ، حتى إذا كان بيننا وبين صفين ليلة دخلني الشك فقلت : والله ما أدري علام أقاتل ؟ وما أدري ما أنا فيه . قال : واشتكى رجل منا بطنه من حوت أكله ، فظن أصحابه أنه طعين (4) فقالوا : نتخلف على هذا الرجل . فقلت : أنا أتخلف عليه . والله ما أقول ذلك إلا مما دخلني من الشك . فأصبح الرجل ليس به بأس ، وأصبحت قد ذهب عني ما كنت أجد ، ونفذت لي بصيرتي ، حتى إذا أدركنا أصحابنا ومضينا مع علي إذا أهل الشام قد سبقونا إلى الماء ، فلما أردناه منعونا ، فصلتنا لهم بالسيف فخلونا وإياه ، وأرسل أبو عمرة إلى أصحابه : قد والله جزناهم فهم يقاتلونا ، وهم في أيدينا ، ونحن دونه إليهم كما كان في أيديهم قبل أن نقاتلهم . فأرسل معاوية إلى أصحابه : لا تقاتلوهم وخلوا بينهم وبينه . فشربوا فقلنا لهم : قد كنا عرضنا عليكم هذا أول مرة فأبيتم حتى أعطانا الله وأنتم غير محمودين . قال : فانصرفوا عنا وانصرفنا عنهم ، ولقد رأيت روايانا ورواياهم بعد ، وخيلنا وخيلهم ترد ذلك الماء جميعا ، حتى ارتووا وارتوينا . نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، أن عمرو بن العاص قال : ____________ ( 1 ) في التقريب 603 : « أبو عمرة عن أبيه ، في سهم الفارس . مجهول من السادسة » . وفي الأصل : « عن أبيه عمرة » تحريف . ( 2 ) في التقريب : « سليمان بن زياد الحضرمي المصري ، ثقة من الخامسة » . ( 3 ) هو أبو عمرة الأنصاري ، قيل اسمه بشر وقيل بشير ، وكان زوج بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم المقوم بن عبد المطلب . انظر قسم الكني من الإصابة 805 ، 801 . وفي الاشتقاق 269 : « وأبو عمرة بشير بن عمرو ، قتل بصفين » . ( 4 ) الطعين ، هنا : الذي أصابه الطاعون . ( 186 ) يا معاوية ما ظنك بالقوم إن منعوك الماء اليوم كما منعتهم أمس ، أتراك تضاربهم عليه (1) كما ضاربوك عليه . وما أغني عنك أن تكشف لهم السوءة . قال : دع عنك ما مضى منه ، ما ظنك بعلي ؟ قال : ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه ، وأن الذي جاء له غير الماء . فقال له معاوية قولا أغضبه . فأنشأ عمرو يقول : أمـرتك أمـــرا فسخفتــــه * وخالفنــي ابـن أبـي سرحــه (2) فأغمضت في الــرأي إغماضـة * ولم تر فـي الحــرب كالفسحـه فكيف رأيت كبــاش العــراق * ألم ينطحوا جمعنــا نطـحـــه أظن لهــا اليوم مــا بعدهــا * وميعاد مــا بيننــا صبـحــه فإن ينطحونا غـــدا مثلهـــا * نكن (3) كالزبيــري أو طلحــه وإن أخروهــــا لما بعدهــا * فقد قدموا الخبــط والنفحـــة (4) وقد شرب القــوم مـاء الفرات * وقلـدك الأشتــر الفضحـــه قال : ومكث علي يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه من قبل معاوية أحد ، وجاء عبيد الله بن عمر فدخل على علي في عسكره فقال : أنت قاتل الهرمزان ، وقد كان أبوك فرض له في الديوان وأدخله في الإسلام ؟ فقال له ابن عمر : الحمد لله الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان وأطلبك بدم عثمان بن عفان . فقال له علي : لا عليك ، سيجمعني وإياك الحرب غدا . ثم مكث علي يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يرسل إليه معاوية (5) . ____________ ( 1 ) في الأصل : « ضاربهم عليه » صوابه من ح ( 1 : 331 ) . ( 2 ) يريد به عبد الله بن سعد بن أبي سرح . وقد تصرف في الاسم للشعر . انظر ما سبق في ص 161 . ( 3 ) ح : « فكن » . ( 4 ) الخبط : الضرب الشديد . والنفحة : الدفعة من العذاب . ح : « الخيط » تحريف . ( 5 ) انظر أول هذا الكلام . ( 187 ) ثم إن عليا دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري (1) ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وشبث بن ربعي التميمي فقال : ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله عز وجل وإلى الطاعة والجماعة ، وإلى اتباع أمر الله تعالى . فقال له شبث : ألا نطمعه (2) في سلطان توليه إياه ومنزلة تكون به له أثرة عندك إن هو بايعك ؟ قال علي : ائتوه الآن فالقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه ـ وهذا في شهر ربيع الآخر ـ فأتوه فدخلوا عليه ، فحمد أبو عمرة بن محصن الله وأثنى عليه وقال : " يا معاوية ، إن الدنيا عنك زائلة ، وإنك راجع إلى الآخرة ، وإن الله عز وجل مجازيك بعملك ، ومحاسبك بما قدمت يداك ، وإني أنشدك بالله أن تفرق جماعة هذه الأمة ، وأن تسفك دماءها بينها " . فقطع معاوية عليه الكلام ، فقال : هلا أوصيت صاحبك ؟ فقال : سبحان الله ، إن صاحبي ليس مثلك ، إن صاحبي أحق البرية في هذا الأمر في الفضل والدين والسابقة والإسلام ، والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال معاوية : فتقول ماذا ؟ قال : أدعوك إلى تقوى ربك وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق ، فإنه أسلم لك في دينك ، وخير لك في عاقبة أمرك . قال : ويطل دم عثمان ؟ لا والرحمن لا أفعل ذلك أبدا . قال : فذهب سعيد يتكلم ، فبدره شبث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا معاوية ، قد فهمت ما رددت على ابن محصن ، إنه لا يخفى علينا ما تقرب وما تطلب ، إنك لا تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا أن قلت لهم قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه ، فاستجاب لك سفهاء طغام رذال ؛ وقد علمنا أنك قد أبطأت عنه بالنصر ، ____________ ( 1 ) هو أبو عمرة بن عمرو بن محصن ، وقد سبقت ترجمته في ص 185 . ( 2 ) في الأصل : « لا نطعمه » . ( 188 ) وأحببت له القتل بهذه المنزلة التي تطلب . ورب مبتغ أمرا وطالبه يحول الله دونه . وربما أوتي المتمنى أمنيته ، وربما لم يؤتها . ووالله مالك في واحدة منها خير . والله لئن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا ، ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النار . فاتق الله يا معاوية ، ودع ما أنت عليه ، ولا تنازع الأمر أهله . قال : فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد فإن أول (1) ما عرفت به سفهك وخفة حلمك ـ قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ، ثم عتبت بعد فيما لا علم لك به . ولقد كذبت ولويت (2) أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما وصفت وذكرت . انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف » . قال : وغضب فخرج القوم وشبث يقول : أفعلينا تهول بالسيف ، أما والله لنعجلنه إليك . فأتوا عليا عليه السلام فأخبروه بالذي كان من قوله ـ وذلك في شهر ربيع الآخر ـ قال : وخرج قراء أهل العراق وقراء أهل الشام ، فعسكروا ناحية صفين في ثلاثين ألفا ، وعسكر علي على الماء ، وعسكر معاوية فوق ذلك ، ومشت القراء فيما بين معاوية وعلي ، فيهم عبيدة السلماني (3) ، وعلقمة بن قيس النخعي ، وعبد الله بن عتبة ، وعامر بن عبد القيس ـ وقد كان في بعض تلك السواحل ـ قال : فانصرفوا من عسكر علي (4) فدخلوا على معاوية فقالوا : ____________ ( 1 ) في الأصل : « فإني أول » تحريف . ( 2 ) وردت هذه الكلمة في الأصل غير واضحة هكذا : « و ـ وت » . ( 3 ) هو عبيدة ـ بفتح أوله ـ بن عمرو ، ويقال ابن قيس بن عمرو السلماني ، بفتح المهملة وسكون اللام ، وفتحها بعضهم . قال ابن الكلبي : أسلم قبل وفاة النبي بسنتين ولم يلقه . وكان شريح إذا أشكل عليه شيء كتب إلى عبيدة . والسلماني نسبة إلى سلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد . انظر مختلف القبائل ومؤتلفها لمحمد بن حبيب ص 30 جوتنجن والإصابة 6401 والمعارف 188 وتهذيب التهذيب والتقريب . ( 4 ) في الأصل : « إلى عسكر علي » . ( 189 ) يا معاوية ، ما الذي تطلب ؟ قال : أطلب بدم عثمان . قالوا : ممن تطلب بدم عثمان . قال : من علي « عليه السلام » . قالوا : وعلي عليه السلام قتله ؟ قال : نعم ، هو قتله وآوى قاتليه . فانصرفوا من عنده فدخلوا على علي فقالوا : إن معاوية يزعم أنك قتلت عثمان . قال : اللهم لكذب فيما قال ، لم أقتله . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال لهم معاوية : إن لم يكن قتله بيده فقد أمر ومالا . فرجعوا إلى علي عليه السلام فقالوا : إن معاوية يزعم أنك إن لم تكن فتلت بيدك فقد أمرت ومالأت على قتل عثمان . فقال : اللهم كذب فيما قال . فرجعوا إلى معاوية فقالوا : إن عليا عليه السلام يزعم أنه لم يفعل . فقال معاوية : إن كان صادقا فليمكنا من قتلة عثمان ، فإنهم في عسكره وجنده وأصحابه وعضده . فرجعوا إلى علي عليه السلام فقالوا : إن معاوية يقول لك إن كنت صادقا فادفع إلينا قتلة عثمان أو أمكنا منهم . قال لهم علي : تأول القوم عليه القرآن ووقعت الفرقة ، وقتلوه في سلطانه وليس على ضربهم قود . فخصم على معاوية (1) . فقال معاوية : إن كان الأمر كما يزعمون فما له ابتز الأمر دوننا على غير مشورة منا ولا ممن هاهنا معنا . فقال علي عليه السلام : إنما الناس تبع المهاجرين والأنصار ، وهم شهود المسلمين في البلاد على ولايتهم وأمر دينهم ، فرضوا بي وبايعوني ، ولست أستحل أن أدع ضرب معاوية (2) يحكم على الأمة ويركبهم ويشق عصاهم . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك فقال : ليس كما يقول ، فما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر فيؤامروه (3) . فانصرفوا إلى علي عليه السلام فقالوا له ذلك وأخبروه . فقال علي عليه السلام : ويحكم ، هذا للبدريين دون الصحابة ، ليس في الأرض ____________ ( 1 ) خصمه : غلبه في الخصومة بالحجة . ( 2 ) أي مثل معاوية . والضرب : المثل والشبيه . ( 3 ) المؤامرة : المشاورة . ( 190 ) بدري إلا قد بايعني وهو معي ، أو قد أقام ورضي ، فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم . فتراسلوا ثلاثة أشهر ، ربيعا الآخر وجماديين ، فيفزعون الفزعة (1) فيما بين ذلك ، فيزحف بعضهم إلى بعض ، وتحجز القراء بينهم . ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين فزعة ، كل فزعة يزحف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم ، ولا يكون بينهم قتال . قال : وخرج أبو أمامة الباهلي ، وأبو الدرداء ؛ فدخلا على معاوية وكانا معه ، فقالا : يا معاوية : علام تقاتل هذا الرجل ، فوالله لهو أقدم منك سلما (2) ، وأحق بهذا الأمر منك ، وأقرب من النبي صلى الله عليه وسلم ، فعلام تقاتله ؟ فقال : أقاتله على دم عثمان ، وأنه آوى قتلته ؛ فقولوا له فليقدنا من قتلته ، فأنا أول من بايعه من أهل الشام . فانطلقوا إلى علي فأخبروه بقول معاوية ، فقال : هم الذين ترون . فخرج عشرون ألفا أو أكثر مسر بلين في الحديد ، لا يرى منهم إلا الحدق ، فقالوا : كلنا قتله ، فإن شاءوا فليروموا ذلك منا . فرجع أبو أمامة ، وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال حتى إذا كان رجب وخشى معاوية أن يبايع القراء عليا على القتال أخذ في المكر ، وأخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا عنه (3) ويكفوا حتى ينظروا . قال : وإن معاوية كتب في سهم : « من عبد الله الناصح ، فإني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم . فخذوا حذركم » . ثم رمى معاوية بالسهم في عسكر علي عليه السلام ، فوقع السهم في يدي رجل من أهل الكوفة ، فقرأه ثم اقرأه صاحبه ، فلما قرأه وأقرأه الناس ـ أقرأه من أقبل وأدبر ـ قالوا : هذا أخر ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية . فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع ____________ ( 1 ) في الأصل : « فيقرعون القرعة » وبنى سائر العبارة على ذلك ، تحريف . ( 2 ) السلم : الإسلام . ( 3 ) في الأصل : « عليه » . ( 191 ) حتى رفع (1) إلى أمير المؤمنين ، وقد بعث معاوية مائتي رجل من الفعلة إلى عاقول من النهر (2) ، بأيديهم المرور والزبل (3) يحفرون فيها بحيال عسكر علي ابن أبي طالب ، فقال علي عليه السلام : ويحكم ، إن الذي يعالج معاوية لا يستقيم له ولا يقوم عليه (4) ، وإنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم ، فالهوا عن ذلك ودعوه . فقالوا له : لا ندعهم (5) والله يحفرون الساعة . فقال علي : يا أهل العراق لا تكونوا ضعفي (6) ، ويحكم لا تغلبوني على رأيي . فقالوا : والله لنرتحلن ، فإن شئت فارتحل ، وإن شئت فأقم . فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم مليا (7) ، وارتحل علي في أخريات الناس ، وهو يقول : ولو أني أطعت عصبــت قومــي * إلى ركــن اليمامــة أو شمــام (8) ولكني إذا أبرمـــت أمـــــرا * منـيــت بخلــف آراء الطغــام وارتحل معاوية حتى نزل على معسكر علي الذي كان فيه ، فدعا على الأشتر ، فقال : ألم تغلبني على رائي (9) أنت والأشعث ؟ فدونكما . فقال الأشعث : أنا أكفيك يا أمير المؤمنين ، سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك . فجمع بني كندة ، وقال : يا معشر كندة ، لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « دفع » بالدال ، وأثبت ما في ح ( 1 : 343 ) . ( 2 ) عاقول النهر والوادي والرمل : ما اعوج منه . ( 3 ) المرور : جمع مر ، بالفتح ، وهو المسحاة . والزبل ، بضمتين : جمع زبيل ، وهو الجراب والقفة . في الأصل : « الزبيل » والوجه الجمع . وفي ح : « المزور والرمل » تحريف . ( 4 ) ح : « ولا يقوى عليه » . ( 5 ) في الأصل : « هم » بدل : « لا ندعهم » صوابه في ح . ( 6 ) كذا في الأصل . ولعلها : « خلفي » وهو بالكسر : المخالف . ( 7 ) مليا : طويلا . ومنه : « واهجرني مليا » وفي الأصل : « عليا » صوابه في ح . ( 8 ) ح : « عصمت قومي » . وشمام : جبل لباهلة . وفي الأصل : « شآم » وجهه في ح . ( 9 ) الراء : الرأي . وفي ح : « رأيي » . ( 192 ) إنما أقارع بكم أهل الشام . فخرجوا معه رجلا يمشون (1) وبيد الأشعث رمح له يلقيه على الأرض ، ويقول : امشوا قيس رمحي [ هذا ] . فيمشون ، فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه ذلك ويمشون معه رجالة قد كسروا جفون سيوفهم حتى لقوا معاوية وسط بني سليم واقفا على الماء ، وقد جاءه أداني عسكره ، فاقتتلوا قتالا شديدا على الماء ساعة ، وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا ، وأقبل الأشتر في خيل من أهل العراق ، فحمل على معاوية حملة ، والأشعث يحارب في ناحية [ أخرى ] ، فانحاز معاوية في بني سليم فردوا وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ . ثم نزل ووضع أهل الشام أثقالهم ، والأشعث يهدر ويقول : أرضيتك يا أمير المؤمنين ! ثم تمثل [ بقول طرفة بن العبد ] : ففداء لبنـــي سعـــد علــى * ما أصاب النـاس مــن خير وشـر (2) ما أقلت قدمـــاي ، إنهــــم * نعم الساعون فـي الحي الشطـــر (3) ولقد كنت عـليكـــم عاتبـــا * فعقبتم بذنـوب غيـــر مـــر (4) كنت فيكـــم كالمغطى رأســه * فانجلى اليـــوم قناعي وخمــر سادرا أحسب غيــي رشـــدا * فتناهيت وقـد صابــت بقـــر (5) ____________ ( 1 ) ح : « رجالة » والرجالة والرجل والراجلون بمعنى . ( 2 ) رواية « فداء » بالرفع ، أي نفسي فداء أو أنا فداء . وفي ديوان طرفة 82 والخزانة ( 4 : 101 بولاق ) : « لبني قيس » وفي الديوان والخزانة : « من سر وضر » وهما بضم أولهما السراء والضراء . ( 3 ) أقلت : حملت أي ما أقلتني قدماي ، أي طول الحياة . ونعم ، بكسرتين ففتح : لغة في نعم . والشطر بضمتين : جمع شطير ، وهو الغريب البعيد ويروى : « خالتي والنفس قدما » على أن تكون « خالتي » مبتدأ خبره « فداء » في البيت السابق . ( 4 ) عقبتم : أي وجدتم عقب ذلك . والذنوب ، بالفتح : النصيب والحظ . وفي الكتاب : « فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم » . والمر : نقيض الحلو . ( 5 ) تناهيت أي انتهيت من سفهي . ويقال للأمر إذا وقع في مستقره : « صابت بقر » بضم القاف ، أي نزل الأمر في مستقره فلا يستطاع له تحويل . وفي الأصل : وقد كادت ثفر ، صوابه في ح والديوان . ( 193 ) قال : وقال الأشعث : يا أمير المؤمنين ، قد غلب الله لك على الماء . قال علي : أنت كما قال الشاعر : تلاقيــن قيســا وأتبــاعــه * فيشعــل للحــرب نــارا فنـارا أخو الحرب إن لقحــت بــازلا * سمـــا للعلي وأجــل الخطــارا (1) فلما غلب علي علي الماء فطرد عنه أهل الشام بعث إلي معاوية : « إنا لا نكافيك بصنعك ، هم إلي الماء فنحن وأنتم فيه سواء » . فأخذ كل واحد منهما بالشريعة مما يليه ، وقال علي عليه السلام لأصحابه : أيها الناس ، إن الخطب أعظم من منع الماء . وقال معاوية : لله در عمرو ، ما عصيته في أمر قط إلا أخطأت الرأي فيه . قال : فمكث معاوية أياما لا يكلم عمرا ، ثم بعث إليه ، فقال : يا عمرو ، كان فلتة من رأي أعقبتني بخطائها (2) وأمت ما كان قبلها من الصواب ، أما والله لو تقايس [ صوابك (3) ] بخطائك لقل صوابك . فقال عمرو : قد كان كذا فرأيت احتجت إلى رأيك ، وما خطاؤك اليوم حين أعذرت إليك أمس ، وكذلك أنالك غدا إن عصيتني اليوم . فعطف عليه معاوية ، ورضي عنه ، وبات على مشق الحيل (4) حتى أصبح ، ثم غاداهم على القتال ، وعلى رايته يومئذ هاشم بن عتبة المرقال . قال : ومعه الحدل التي يقول فيها الأشتر : إنا إذا ما احتسبنـــا الوغــى * أدرنــا الرحى بصنــوف الحـدل (5) ____________ ( 1 ) أي إن لقحت الحرب وهي بازل . والبزول : أقصى أسنان البعير إذا طعن في التاسعة . يقول : إذ تجددت الحرب بعد ما طال عهدها وقوتل فيها مرات دخل في غمارها ولم يتهيب . أجل : أعظم . والخطار : مصدر كالمخاطرة ، يقال خاطر بنفسه : أشفى بها على خطر هلك أو نيل ملك . وفي الأصل : « لحقت بازلا » ، صوابه في ح . ( 2 ) الخطاء : الخطأ . وفي الأصل : « يخطاؤها » تحريف . ( 3 ) تكملة يقتضيها السياق . ( 4 ) كذا في الأصل . ( 5 ) الحدل : جمع حدلاء ، وهي القوس قد حدرت إحدى سيتيها ورفعت الأخرى . وفي الأصل : « الجدل » في هذا الموضع وسابقه ، جمع جدلاء للدرع المجدولة . ولا وجه لها هنا . ( 194 ) وضربا لهامــاتهــم بالسيــوف * وطعنا لهم بالقنـــا والاســــل عرانين من مذحــج وسطهــــا * يخوضــون أغمارهــا بالهبــل (1) ووائــل تسعــر نيرانهـــــا * ينادونهــــم أمرنــا قد كمــل أبو حسن صــوت خيشومهــــا * بأسيافـــه كل حـــام بطــل (2) على الحق فينـــا لــه منهـج * علي واضح القصـــد لا بالميــل قال : وبرز يومئذ عوف من أصحاب معاوية وهو يقول : إني أنا عوف أخـــو الحروب * عند هياج الحـــرب والكروب صاحــب لا الوقاف والهيـوب (3) * عند اشتعال الحـــرب باللهيب ولست بالناجي مـــن الخطوب * ومن رديني مــــارن الكعوب إذ جئت تبغي نصــرة الكـذوب * ولست بالعــف ولا النجيـــب فبرز إليه علقمة بن عمرو ، من أصحاب علي ، وهو يقول : يا عجبــا للعجــب العجيـــب * قد كنــت يا عـوف أخا الحـروب وليس فيها لــك مـــن نصيـب * إنك ، فاعلم ، ظـــاهر العيــوب في طاعـــة كطاعة الصليـــب * في يوم بــــدر عصبة القليــب (4) فدونك الطعنــة فــي المنخـوب (5) * قلبك ذو كفـــر مــن القلـوب فطعنه علقمة فقتله ، فقال علقمه في ذلك : ____________ ( 1 ) الهبل : الثكل ، هبلته أمه ثكلته . ( 2 ) في الأصل : « أبا حسن د . ( 3 ) أي أنا صاحب من ليس بوقاف ولا هيوب . والوقوف : المحجم عن القتال . والهيوب : الجبان . وفي الأصل : « صاحبها الوقاف لا الهيوب » محرف . ( 4 ) القليب : قليب بدر . ( 5 ) المنخوب : الجبان ، أراد به قلبه . وفي الأصل : « النخوب » ولا وجه له . ( 195 ) يا عوف لو كنــت امــرأ حازما * لم تبــرز الدهــر إلى علقمــه لاقيــت ليثــا أســـدا باسـلا * يأخذ بالأنفــــاس والغلصمـــه لاقيته قرنــــا لــه سطـــوة * يفترس الأقـــران فــي الملحمـه ما كان في نصـــر امرئ ظــالم * ما يـــدرك الجنـــة والمرحمـه ما لابن صخــر حرمــة ترتجـى * لها ثــواب الله بــــل مندمــه لاقيت مـــا لاقى غــداة الوغـى * من أدرك الأبطــال يا ابــن الأمه ضيعت حـــق الله فـي نصــرة * للظالم المعــــروف بالمظلمــة إن أبا سفيـــان مــن قبلـــه * لم يك مثـل العصبــة المسلمــه لكنـــه نافــق فـي ديـــنه * من خشية القتل علــى المــرغمة بعدا لصخــر مــع أشياعــه * في جاحـــم النار لدى المضرمه (1) فمكثوا على ذلك حتى كان ذو الحجة ، فجعل علي يأمر هذا الرجل الشريف فيخرج معه جماعة فيقاتل ، ويخرج إليه من أصحاب معاوية رجل معه آخر ، فيقتتلان في خيلها ورجلهما ثم ينصرفان ، وأخذوا يكرهون أن يتراجعوا بجميع الفيلق من العراق وأهل الشام ، مخافة الاستئصال والهلاك . وكان علي عليه السلام يخرج الأشتر مرة في خيله ، وحجر بن عدي مرة ، وشبث بن ربعي التميمي مرة ، ومرة خالد بن المعمر السدوسي ، ومرة زياد بن النضر الحارثي ، ومرة زياد بن جعفر الكندي ، ومرة سعد بن قيس الهمداني ، ومرة معقل بن قيس الرياحي ومرة قيس بن سعد بن عبادة . وكان أكثر القوم حروبا الأشتر . وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي ، ____________ ( 1 ) جاحم النار : معظمها وموضع الشدة فيها . والمضرمة : مصدر ميمي من الضرم ، وهو اشتعال النار والتهابها . ( 196 ) ومرة أبا الأعور السلمي ، ومرة حبيب بن مسلمة الفهري ، ومرة ابن ذي الكلاع ، ومرة عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، ومرة شرحبيل بن السمط ، ومرة حمزة بن مالك الهمداني . فاقتتلوا ذا الحجة ، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين : أوله وآخره . نصر بن مزاحم ، عن عمر بن سعد ، عن عبد الله بن عاصم قال : حدثني رجل من قومي ، أن الأشتر خرج يوما فقاتل بصفين في رجال من القراء ، ورجال من فرسان العرب ، فاشتد قتالهم ، فخرج علينا رجل لقل والله ما رأيت رجلا قط هو أطول ولا أعظم منه ، فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه إنسان ، وخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين ، وضربه الأشتر فقتله . وايم الله لقد كنا أشفقنا عليه ، وسألناه ألا يخرج إليه . فلما قتله نادى مناد من أصحابه : يا سهـــم سهم بــن أبي العيزار * يا خيـــر من نعلمه مــن زار (1) وجاء رجل من الأزد فقال : أقسم بالله لأقتلن قاتلك . فحمل على الأشتر [ وعطف عليه الأشتر (2) ] فضربه فإذا هو بين يدي فرسه ، وحمل أصحابه فاستنقذوه جريحا ، فقال أبو رقيقة السهمي (3) : « كان هذا نارا فصادفت إعصارا » . فاقتتل الناس ذا الحجة كله ، فلما مضى ذو الحجة تداعى الناس أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم ، لعل الله أن يجري صلحا واجتماعا . فكف الناس بعضهم عن بعض . ____________ ( 1 ) زار : مرخم زارة ، وهم بطن من الأزد . انظر الاشتقاق 288 . وقد أنشد الطبري الرجز في ( 5 : 243 ) وعقب عليه بقوله : « وزارة حي من الأزد » . وفي الأصل « من نعلم من نزار » ، صوابه من الطبري . ( 2 ) التكملة من الطبري ( 5 : 243 ) ( 3 ) في الطبري : « أبو رفيقة الفهمي » . ( 197 ) نصر : عمر بن سعد ، عن أبي المجاهد ، عن المحل بن خليفة قال : لما توادع علي عليه السلام ومعاوية بصفين اختلفت الرسل فيما بينهما رجاء الصلح ، فأرسل علي بن أبي طالب إلى معاوية عدي بن حاتم ، وشبث بن ربعي ، ويزيد بن قيس ، وزياد بن خصفة ، فدخلوا على معاوية ، فحمد الله عدي بن حاتم وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ، ويحقن الله به دماء المسلمين (1) ، وندعوك إلى أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام آثارا (2) ، وقد اجتمع له الناس (3) ، وقد أرشدهم الله بالذي رأوا فأتوا ، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل . فقال له معاوية : كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا . هيهات يا عدي . كلا والله إني لابن حرب ، ما يقعقع لي بالشنان (4) . أما والله إنك لمن المجلبين علي ابن عفان ، وإنت لمن قتلته ، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله (5) . هيهات يا عدي ، قد حلبت بالساعد الأشد (6) . وقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة ـ وتنازعا كلاما واحدا (7) ـ : ____________ ( 1 ) زاد الطبري في ( 6 : 2 ) : « ويأمن به السبل ويصلح به البين » . ( 2 ) أفضلها : أي أفضل الناس . وفي تاريخ الطبري : « إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام آثارا » . وفي ح ( 1 : 344 ) : « ندعوك إلى أفضل الناس سابقة وأحسنهم في الإسلام آثارا » . ( 3 ) ح : « إليه الناس » ، الطبري : « استجمع له الناس » . ( 4 ) الشنان : جمع شن ، وهو القربة الخلق . وهم يحركون القربة البالية إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع . انظر الميداني ( 2 : 191 ) . ( 5 ) الطبري : « ممن يقتل الله عز وجل به » . ( 6 ) في الميداني ( 1 : 176 ) : « حلبتها بالساعد الأشد . أي أخذتها بالقوة إذا لم يتأت الرفق » . وفي الأصل : « قد جئت » ، والصواب من الطبري ( 6 : 3 ) . وهذه العبارة لم ترد في ح . ( 7 ) الطبري : « جوابا واحدا » . ( 198 ) أتيناك فيما يصلحنا وإياك ، فأقبلت تضرب الأمثال لنا . دع مالا ينفع من القول والفعل ، وأجبنا فيما يعمنا (1) وإياك نفعه . وتكلم يزيد بن قيس الأرحبي فقال : إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك ، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك ، لن ندع أن ننصح لك ، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة ، أو أنه راجع بك إلى الألفة والجماعة . إن صاحبنا لمن قد عرفت وعرف المسلمون فضله ، ولا أظنه يخفى عليك : أن أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعلي عليه السلام ، ولن يميلوا بينك وبينه (2) . فاتق الله يا معاوية ، ولا تخالف عليا ، فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه . فحمد الله معاوية وأثنى عليه وقال : أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة . فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي . وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها . إن صاحبكم قتل خليفتنا ، وفرق جماعتنا ، وآوى ثأرنا وقتلتنا ، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله ، فنحن لا نرد ذلك عليه ، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة . فقال له شبث بن ربعي : أيسرك بالله يا معاوية أن أمكنت (3) من عمار ين ياسر فقتلته ؟ قال : وما يمنعني من ذلك ؟ والله لو أمكنني صاحبكم ____________ ( 1 ) في الأصل : « يصيبنا » وكتب فوقه : « خ : يعمنا » وهو ما في ح والطبري . ( 2 ) التمييل بين الشيئين : الترجيح بينهما . تقول العرب : إني لأميل بين ذينك الأمرين وأمايل بينهما أيهما آتي . وفي الأصل : « يمثلوا » تحريف . وفي ح : « ولا يميلون » . ( 3 ) في الأصل : « أنك إن أمكنت » صوابه في ح . وفي الطبزي : « أنك أمكنت » . ****************** من ابن سمية (1) ما قتلته بعثمان ، ولكن كنت أقتله بنائل (2) مولى عثمان ابن عفان ، فقال له شبث : وإله السماء ما عدلت معدلا ، لا والله الذي لا إله إلا هو لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها ، فقال له معاوية : إنه لو كان ذلك كانت عليك أضيق (3) . ورجع القوم عن معاوية ، فلما رجعوا من عنده بعث إلى زياد بن خصفة التيمي فدخل عليه ، فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا ، وقتل إمامنا ، وآوى قتلة صاحبنا ، وإني أسألك النصرة عليه (4) بأسرتك وعشيرتك ، ولك علي عهد الله وميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت . قال أبو المجاهد (5) : سمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث . قال : فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت له : « أما بعد فإني لعلى بينة من ربي ، وبما أنعم علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين » . قال : ثم قمت ، فقال معاوية لعمرو بن العاص ـ وكان إلى جانبه جالسا ـ : ليس يكلم رجل ____________ ( 1 ) سمية ، هي سمية بنت خباط ، بمعجمة مضمومة وموحدة ثقلية ، وهي أم عمار بن ياسر ، وكانت أمة لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي ، ثم زوجها ياسرا فولدت له عمارا . وهي أول شهيدة استشهدت في الإسلام ، وجأها أبو جهل بحربة فماتت . المعارف 111 ـ 112 والإصابة 582 . ( 2 ) في الطبري : « بناتل » . ( 3 ) الطبري : « إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق » . ( 4 ) في الأصل : « عليك » صوابه في ح والطبزي . ( 5 ) أبو المجاهد ، هو سعد الطائي الكوفي ، وثقة وكيع وابن حبان ، وقال ابن حجر : « لا بأس به . من السادسة » . انظر التقريب وحواشيه . ( 200 ) منا رجلا منهم بكلمة فيجيب بخير (1) ، ما لهم عضبهم الله (2) ، ما قلوبهم إلا قلب رجل واحد . نصر : حدثنا سليمان بن أبي راشد (3) ، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود ، أن معاوية بعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري ، وشرحبيل بن السمط ، ومعن بن يزيد بن الأخنس السلمي ، فدخلوا على علي عليه السلام وأنا عنده ، فحمد الله حبيب بن مسلمة وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا ، يعمل بكتاب الله ، وينيب إلى أمر الله ، فاستثقلتم حياته ، واستبطأتم وفاته ، فعدوتم عليه فقتلتموه ، فادفع إلينا قتلة عثمان نقتلهم به . فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون أمرهم هذا شورى بينهم ، يولى الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم . فقال له علي عليه السلام : وما أنت لا أم لك والولاية والعزل والدخول في هذا الأمر . اسكت فإنك لست هناك ، ولا بأهل لذاك . فقام حبيب بن مسلمة فقال : أما والله لتريني حيث تكره . فقال له علي : وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك ؟ ! اذهب فصوب وصعد ما بدا لك ، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت . فقال شرحبيل بن السمط : إن كلمتك فلعمري ما كلامي إياك إلا كنحو من كلام صاحبي قبلي ، فهل لي عندك جواب غير الجواب الذي أجبته به ؟ فقال علي عليه السلام : عندي جواب غير الذي أجبته به ، لك ولصاحبك (4) . فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ____________ ( 1 ) في الأصل : « ليس يتكلم رجل منهم بكلمة » بهذا التحريف والنقص . وتصحيحه وإكماله من الطبري . وهذه العبارة لم ترد في ح . ( 2 ) العضب : القطع . وفي اللسان : « وتدعو العرب على الرجل فتقول : ماله عضبه الله . يدعون عليه بقطع يده ورجله » . وفي الأصل : « غصبهم » صوابه في ح والطبري . ( 3 ) وكذا في ح . وفي الطبري : « سليمان بن راشد الأزدي » . ( 4 ) بدل هذه العبارة في ح : « قال نعم » . وفي الطبري ( 6 : 4 ) : « نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به » . ( 201 ) أما بعد فإن الله بعث النبي صلى الله عليه وسلم فأنقذ به من الضلالة ، ونعش به من الهلكة (1) ، وجمع به بعد الفرقة ، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه ، ثم استخلف الناس (2) أبا بكر ، ثم استخلف أبو بكر عمر ، وأحسنا السيرة ، وعدلا في الأمة ، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل الرسول وأحق بالأمر ، فغفرنا ذلك لهما ، ثم ولى أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه ، فسار إليه ناس فقتلوه ، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمرهم فقالوا لي : بايع . فأبيت عليهم ، فقالوا لي : بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك ، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس . فبايعتهم ، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني (3) ، وخلاف معاوية إياك ، الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين ، ولا سلف صدق في الإسلام ، طليق ابن طليق ، وحزب من الأحزاب ، لم يزل لله ولرسوله وللمسلمين عدوا هو وأبوه ، حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين ؛ فعجبنا لكم (4) ولإجلابكم معه ، وانقيادكم له ، وتدعون أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ، الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ، ولا أن تعدلوا بهم أحدا من الناس . إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وإماتة الباطل ، وإحياء معالم الدين . أقول قولي هذا وأستغفر الله لنا ولكل مؤمن ومؤمنة ، ومسلم ومسلمة . فقال له شرحبيل ومعن بن يزيد : أتشهد أن عثمان قتل مظلوما ؟ فقال ____________ ( 1 ) في الأصل : « وأنعش » صوابه في ح . ولا يقال أنعشه فهو من كلام العامة . نعشه : تداركه . وفي الطبري : « وانتاش به من الهلكة » . والانتياش : الاستدراك والاستنقاذ . ( 2 ) ح ( 1 : 345 ) : « فاستخاف الناس » . ( 3 ) ح فقط : « قد بايعا » . ( 4 ) ح : « فيا عجبا لكم » . الطبري : « فلا غرو إلا خلافكم معه » . ( 202 ) لهما : إني لا أقول ذلك . قالا : فمن لم يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن برآء منه . ثم قاما فانصرفا . فقال عليه السلام : ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين . وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) . ثم أقبل على أصحابه فقال : لا يكون هؤلاء بأولى في الجد في ضلالتهم منكم في حقكم وطاعة إمامكم (1) . ثم مكث الناس حتى دنا انسلاخ المحرم . نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر عن أبي الطفيل ، أن حابس بن سعد الطائي (2) كان صاحب لواء طيئ مع معاوية ، فقال : أما بين المنايــا غير سبــع * بقيـــن من المحــرم أو ثمان أما يعجبك أنــا قــد كففنـا * عن اهل الكوفة المــوت العياني (3) أينهانـا كتــاب الله عنهــم * ولا ينهاهـــم السبع المثانــي (4) فقتل بعد ، وكان مع معاوية . فلما انسلخ المحرم واستقبل صفر ، وذلك في سنة سبع وثلاثين ، بعث علي نفرا من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام مرثد بن الحارث الجشمي فنادى عند غروب الشمس : يا أهل الشام ، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لكم : إنا والله ما كففنا عنكم شكا في أمركم ، ولا بقيا عليكم ، وإنما كففنا عنكم لخروج المحرم ، ثم انسلخ ، وإنا ____________ ( 1 ) الطبري فقط : « وطاعة ربكم » . ( 2 ) سبقت ترجمته في ص 64 . وفي الأصل : « بن سعيد » تحريف . ( 3 ) العياني : منسوب إلى العيان . وفي الأصل : « العيان » . ( 4 ) السبع المثاني : السور الطوال من البقرة إلى التوبة ، على أن تحسب التوبة والأنفال سورة واحدة ، ولذلك لم يفصل بينهما في المصحف بالبسملة . ( 203 ) قد نبذنا إليكم على سواء (1) ، إن الله لا يحب الخائنين . قال : فتحاجز الناس (2) وثاروا إلى أمرائهم . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي الزبير قال : كانت وقعة صفين في صفر . قال نصر : في حديث عمر ـ يعني ابن سعد (3) ـ إن عليا عليه السلام لما انسلخ المحرم أمر مرثد بن الحارث الجشمي فنادى عند غروب الشمس : يا أهل الشام ، ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم : إني قد استدمتكم واستأنيت بكم (4) لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه ، واحتججت عليكم بكتاب الله ودعوتكم إليه ، فلم تتناهوا عن طغيان ، ولم تجيبوا إلى حق . وإني قد نبذت إليكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين . فثار الناس إلى أمرائهم ورؤسائهم . قال : وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتبان الكتائب ، ويعبيان العساكر ، وأوقدوا النيران ، وجاءوا بالشموع (5) ، وبات علي عليه السلام ليلته كلها يعبي الناس ، ويكتب الكتائب ، ويدور في الناس يحرضهم . نصر : عمر بن سعد ، وحدثني رجل عن عبد الله بن جندب عن أبيه أن عليا عليه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه يقول : لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم ؛ فإنكم بحمد الله على حجة ، وترككم إياهم ____________ ( 1 ) انظر ما سبق في ص 28 . ( 2 ) تحاجز القوم : أخذ بعضهم بحجز بعض . ( 3 ) خلط ابن أبي الحديد بين هذا الإسناد وسابقه فجعلهما لعمرو بن شمر . ( 4 ) في الأصل : « قد استنبذتكم واستأناتكم » ، صوابه في ح . وفي الطبري ( 6 : 5 ) : « قد استدمتكم » فقط . ( 5 ) وجاءوا بالشموع ، ليست في الطبري . ( 204 ) حتى يبدءوكم حجة أخرى لكم عليهم ، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل . فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تدخلوا دارا إلا بإذني ، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة بأذى (1) ، وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم ؛ إنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول . ولقد كنا وإنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات ، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن إسماعيل بن يزيد [ يعني ابن أبي خالد (2) ] ، عن أبي صادق ، عن الحضرمي قال : سمعت عليا عليه السلام حرض في الناس (3) في ثلاثة مواطن : في يوم الجمل ، ويوم صفين ، ويوم النهروان ، فقال : عباد الله ، اتقوا الله عز وجل ، وغضوا الأبصار ، واخفضوا الأصوات ، وأقلوا الكلام ، ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة ، والمبارزة والمعانقة والمكادمة (4) ، واثبتوا ( واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) . ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) اللهم ألهمهم الصبر ، وأنزل عليهم النصر ، وأعظم لهم الأجر . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن محمد بن علي ، وزيد بن حسن ، ____________ ( 1 ) في الأصل وح ( 1 : 346 ) : « إلا باذني » صوابه من الطبري ( 6 : 6 ) . ( 2 ) إسماعيل بن أبي خالد ، أبو عبد الله ، أحد التابعين ، رأي سعيد من رأي النبي ، منهم أنس بن مالك . توفى بالكوفة سنة 146 . انظر المعارف 211 وتهذيب التهذيب . ( 3 ) في الأصل : « عرض في الناس » صوابه في ح . وفي الطبري : « يحرض الناس » . ( 4 ) المكادمة : مفاعلة من الكدم ، وهو العض ، والتأثير بالحديد ، وهذا هو الأقرب . وفي اللسان : « رجل مكدم : إذا لقى قتالا فأثرت فيه الجراح » . وفي الأصل : « المكارمة » بالراء ، صوابه في الطبري ( 6 : 6 ) . ( 205 ) ومحمد بن المطلب (1) ، أن عليا عليه السلام ومعاوية عقدا الأولوية ، وأمرا الأمراء ، وكتبا الكتائب ، واستعمل علي على الخيل عمار بن ياسر ، وعلى الرجالة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، ودفع اللواء إلى هاشم بن عتبة ابن أبي وقاص الزهري ، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس ، وعلى الميسرة عبد الله بن العباس ، وجعل على رجالة الميمنة سليمان بن صرد الخزاعي ، وجعل على رجالة الميسرة الحارث بن مرة العبدي ، وجعل القلب مضر الكوفة والبصرة ، وجعل الميمنة اليمن ، وجعل الميسرة ربيعة ، وعقد ألوية القبائل فأعطاها قوما منهم بأعيانهم جعلهم رؤساءهم وأمراءهم ، وجعل على قريش وأسد وكنانة عبد الله بن عباس ، وعلى كندة حجر بن عدي ، وعلى بكر البصرة حضين بن المنذر . وعلى تميم البصرة الأحنف بن قيس ، وعلى خزاعة عمرو بن الحمق ، وعلى بكر الكوفة نعيم بن هبيرة ، وعلى سعد ورباب البصرة جارية بن قدامة السعدي ، وعلى بجيلة رفاعة بن شداد ، وعلى ذهل الكوفة يزيد بن رويم الشيباني (2) ، وعلى عمرو وحنظلة البصرة (3) أعين بن ضبيعة ، وعلى قضاعة وطيئ عدي بن حاتم ، وعلى لهازم الكوفة عبد الله بن حجل العجلي ، وعلى تميم الكوفة عمير بن عطارد ، وعلى الأزد واليمن جندب ابن زهير ، وعلى ذهل البصرة خالد بن المعمر السدوسي ، وعلى عمرو وحنظلة الكوفة (4) شبث بن ربعي ، وعلى همدان سعيد بن قيس ، وعلى لهازم البصرة حريث بن جابر الحنفي (5) ، وعلى سعد ورباب الكوفة الطفيل أبا صريمة ، ____________ ( 1 ) ذكره في لسان الميزان ( 5 : 383 ) وقال : « روى عن أبان بن بشير ، وعنه وهب بن كعب . مجهول » . ح : « بن عبد المطلب » تحريف . ( 2 ) ح ( 1 : 346 ) : « رويما الشيباني أو يزيد بن رويم » . ( 3 ) ح : « وعلى عمرو البصرة وحنظلتها » . ( 4 ) ح : « وعلى عمرو الكوفة وحنظلتها » . ( 5 ) ح : « الجعفي » . ( 206 ) وعلى مذحج الأشتر بن الحارث النخعي ، وعلى عبد القيس الكوفة صعصعة بن صوحان ، وعلى قيس الكوفة عبد الله بن الطفيل البكائي (1) ، وعلى عبد القيس البصرة عمرو بن حنظلة ، وعلى قريش البصرة الحارث بن نوفل الهاشمي ، وعلى قيس البصرة (2) قبيصة بن شداد الهلالي ، وعلى اللفيف من القواصي القاسم بن حنظلة الجهني . واستعمل معاوية على الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، وعلى الرجالة مسلم بن عقبة المري (3) ، وعلى الميمنة عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة القهري ، وأعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وعلى أهل دمشق ـ وهم القلب ـ الضحاك بن قيس القهري ، وعلى أهل حمص ـ وهم الميمنة ـ ذا الكلاع الحميري ، وعلى أهل قنسرين ـ وهم [ في ] الميمنة [ أيضا ] زفر بن الحارث ، وعلى أهل الأردن ـ وهم الميسرة ـ سفيان بن عمرو الأعور السلمي ، وعلى أهل فلسطين ـ وهم في الميسرة ـ أيضا مسلمة بن مخلد ، وعلى رجالة أهل حمص حوشبا ذا ظليم (4) ، وعلى رجالة قيس طريف بن حابس الألهاني (5) ، وعلى رجالة أهل الأردن عبد الرحمن بن قيس القيني ، وعلى رجالة ____________ ( 1 ) هو عبد الله بن الطفيل بن ثور بن معاوية بن عبادة بن البكاء ، العامري ثم البكائي ، له إدراك ، وقد شهد مشاهد علي . والعامري : نسبة إلى عامر بن صعصعة . والبكائي ، بفتح الباء وتشديد الكاف : نسبة إلى البكاء ، وبنو البكاء من قبائل ربيعة بن عامر بن صعصعة . انظر الاشتقاق 179 . وفي الأصل : « الكناني » تحريف ، صوابه في ح والإصابة 6328 . ( 2 ) الكلام بعد : « البكائي » إلى هنا ساقط من ح . ( 3 ) المري : نسبة إلى مرة بن عوف . قال ابن دريد في الاشتقاق 174 : « فمن قبائل مرة بن عوف مسلم بن عقبة الدي اعترض أهل المدينة فقتلهم يوم الحرة في طاعة يزيد بن ومعاوية » . انظر المعارف 153 . ح : « المزني » تحريف . ( 4 ) سبقت ترجمته في ص 60 . ( 5 ) الألهاني ، بالفتح : نسبة إلى ألهان ، وهم إخوة همدان بن مالك بن زيد بن كهلان . انظر الاشتقاق 250 . ( 207 ) أهل فلسطين الحارث بن خالد الأزدي ، وعلى رجالة قيس دمشق همام بن قبيصة ، وعلى قيس وإياد حمص (1) بلال بن أبي هبيرة الأزدي وحاتم بن المعتمر الباهلي (2) ، وعلى رجالة الميمنة حابس بن سعد الطائي ، وعلى قضاعة دمشق حسان بن بحدل الكلبي (3) ، وعلى قضاعة الأردن حبيش بن دلجة القيني ، وعلى كنانة فلسطين شريكا الكناني ( 4) ، وعلى مذحج الأردن المخارق بن الحارث الزبيدي ، وعلى لخم وجذام فلسطين (5) ناتل بن قيس الجذامي (6) ، وعلى همدان الأردن حمزة بن مالك الهمداني ، وعلى خثعم اليمن حمل بن عبد الله الخثعمي ( 7) ، وعلى غسان الأردن يزيد بن الحارث ، وعلى جميع القواصى القعقاع بن أبرهة الكلاعى (8) ـ وأصيب في المبارزة أول يوم تراءت فيه الفئتان . ____________ ( 1 ) ح : « وعلى قيس حمص وإيادها » . ( 2 ) ما بعد « الأزدي » ليس في ح . ( 3 ) بحدل ، بالحاء المهملة وزان جعفر . وفي الأصل وح : « بجدل » بالجيم ، تحريف . وهو حسان بن مالك بن بحدل أبو سليمان الكلبي ، زعيم بني كلب ومقدمهم . ويروون أنه سلم عليه بالخلافة أربعين ليلة . انظر تاريخ ابن عساكر ( 9 : 342 ) المخطوطة التيمورية وكذا الأغاني ( 11 : 114 ) . ( 4 ) في الأصل : « شريك البكائي » ، وأثبت ما في ح ( 1 : 346 ) . ( 5 ) ح : « وعلى جذام فلسطين ولخمها » . ( 6 ) ناتل ، بمثناة ، ابن قيس بن زيد الشامي الفلسطيني أحط أمراء معاوية ، قتل سنة ست وستين . وفي الأصل : « نائل » وفي ح : « نابل » صوابهما ما أثبت من تهذيب التهذيب والاشتقاق 225 والمشتبه للذهبي 514 . ( 7 ) ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق ، في حرب الحاء المهملة . قال : « حمل بن عبد الله الخثعمي ، شهد صفين مع معاوية ، وكان يومئذ أميرا على خثعم » . وفي ح : « جمل » بالجيم ، تحريف ، صوابه في ابن عساكر ( 11 . 551 ) مخطوطة التيمورية . ( 8 ) ترجم له ابن عساكر في ( 35 : 369 ) . وفي ح : « الكلابي » تحريف . ( 208 ) نصر : إسماعيل بن أبي عميرة (1) عن الشعبي أن عليا عليه السلام بعث على ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس . وذكر عن فضيل بن خديج (2) أن عليا عليه السلام بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر ، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف ، وعلى رجالة أهل الكوفة عمار بن ياسر ، وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد ـ وكان قد أقبل من مصر إلى صفين ـ وجعل معه هاشم بن عتبة ، وابنه ، و [ جعل ] مسعود بن فدكي التميمي على قراء أهل البصرة . فصار قراء أهل الكوفة إلى ابن بديل وعمار بن ياسر . ــــــــــــــــ آخر الجزء الثالث من أجزاء ابن الطيوري والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلم . ويتلوه الجزء الرابع [ وأوله (3) ] : « نصر ، عن عمر قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم مولى يزد بن معاوية » . ـــــــــــــــ وجدت في الجزء الخامس من نسخة عبد الوهاب بخطه : « سمع جميعه على الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار ، الأجل ____________ ( 1 ) في الأصل : « بن أبي عمرة » ، وأثبت ما في ح ( 1 : 347 ) كما سبق ص 22 . ( 2 ) ذكره الذهبي في المشتبه 151 قال : « وفضيل بن خديج شيخ لأبي مخنف لوط الأخباري » . وترجم له ابن حجر في لسان الميزان . وفي الأصل : « فضل بن خديج » ، صوابه في المراجعين المذكورين . ( 3 ) تكملة يستقيم بها الكلام . وانظر أول الجزء التالي . ( 209 ) السيد الأوحد قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني ، وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد (1) وأبو الحسين أحمد ، وأبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفتح بن البيضاوي ، والشريف أبو الفضل محمد بن علي بن أبي يعلى الحسني ، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمي ، بقراءة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة " . ــــــــــــــ ____________ ( 1 ) ترجم له السمعاني في الورقة 219 وياقوت في معجم البلدان . ولي القضاء ببغداد مدة . وكانت ولادته بالدامغان سنة 400 ووفاته سنة 498 . والدامغاني : نسبة إلى الدامغان ، بفتح الميم ، وهي قصبة بلاد قومس . ( 210 ) ( 211 ) الجزء الرابع من كتـاب صـفـيـن لنصر بن مزاحم رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي رواية الشيخ الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي - سماع مظفر بن على بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له ( 212 ) ( 213 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي ، قال : أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه قال : أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر ، قال أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي ، قال أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة ، قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز ، قال أبو الفضل نصر بن مزاحم : عن عمر قال : عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية ، أن معاوية بعث على ميمنته ذا الكلاع ، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري ، وعلى مقدمته من يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السلمي ، وكان على خيل أهل دمشق ، وعمرو بن العاص على خيول أهل الشام كلها (1) ؛ و [ جعل ] مسلم بن عقبة المري على رجالة أهل دمشق ، والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلهم (2) ، وبايع رجال من أهل الشام على الموت ، فعقلوا أنفسهم بالعمائم (3) ، فكانوا خمسة صفوف معقلين (4) ، وكانوا يخرجون ____________ ( 1 ) وكذا في الطبري ( 6 : 6 ) لكن في ح ( 1 : 347 ) : « أبا الأعور السلمي وكان على خيل دمشق كلها عمرو بن العاص ومعه خيول الشام بأسرها » ، تحريف . ( 2 ) وكذا في الطبري . لكن في ح : « على سائر الرجالة بعد » . ( 3 ) أي جعلوا العمائم لهم بمثابة العقل ـ جمع عقال . وفي الأصل : « فعلقوا » تحريف صوابه في ح والطبري . وسيأتي في هذا الكتاب قوله : « وقد قيدت عك أرجلها بالعمائم » . ( 4 ) في الأصل : « معلقين » ، صوابه في ح والطبري . ( 214 ) فيصطفون أحد عشر صفا (1) ويخرج أهل العراق فيصطفون أحد عشر صفا . فخرجوا أول يوم من صفر ( من سنة سبع وثلاثين ) ، وذلك يوم الأربعاء ، فاقتتلوا ، وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر ، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة ، فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض . ثم خرج ( في اليوم الثاني ) هاشم بن عتبة في خيل ورجال .حسن عددها وعدتها ، وخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك ، تحمل الخيل على الخيل ، والرجال على الرجال ، ثم انصرفوا وقد صبر القوم بعضهم لبعض . وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر ، وخرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد القتال ، وجعل عمار يقول : " يا أهل الإسلام (2) ، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين ، فلما أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله أتى النبي صلى الله عليه ، فأسلم وهو والله فيما يرى (3) راهب غير راغب ، وقبض الله رسوله صلى الله عليه وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم ؟ ألا وإنه معاوية ، فالعنوه لعنه الله ، وقاتلوه فإنه ممن يطفيء نور الله ، ويظاهر أعداء الله » . وكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل ، فأمره أن يحمل في الخيل ، فحمل وصبروا له ، وشد عمار في الرجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه ، وبارز يومئذ زياد بن النضر أخا له [ لأمه (4) ] من بني عامر يقال له معاوية بن عمرو ____________ ( 1 ) الطبري : « وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف » . ( 2 ) في ح : « يا أهل الشام » ، فقد يكون ذلك إغراء لهم بصاحبهم وحثا لهم على الخلاف عليه . وعند الطبري : « يا أهل العراق » يخاطب أصحابه . ( 3 ) الطبري : « نرى » . ( 4 ) هذه التكملة من الطبري . ( 215 ) العقيلي (1) ـ وكانت أمهما هند امرأة من بني زبيد ـ فلما التقيا تساءلا (2) وتواقفا ، ثم انصرف كل واحد منها عن صاحبه ، ورجع الناس يومهم ذاك . نصر : أبو عبد الرحمن المسعودي ، حدثني يونس بن الأرقم بن عوف ، عن شيخ من بكر بن وائل قال : كنا مع علي بصفين ، فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح ، فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا ، فقال : هل تدرون ما أمر هذا اللواء ؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله هذه الشقة فقال : « من يأخذها بما فيها ؟ » ، فقال عمرو : وما فيها يا رسول الله ؟ قال : « فيها أن لا تقاتل به مسلما ، ولا تقربه من كافر (3) » فأخذها ، فقد والله قربه من المشركين ، وقاتل به اليوم المسلمين (4) : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا ، وأسروا الكفر ، فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عدواتهم منا (5) ، إلا أنهم لم يدعوا الصلاة . نصر : أخبرني عبد العزيز بن سياه ؛ عن حبيب بن أبي ثابت قال : لما كان قتال صفين قال رجل لعمار : يا أبا اليقظان : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قاتلوا الناس حتى يسلموا ، فإذا أسلموا عصموا منى دماءهم وأموالهم » ؟ قال : بلى ولكن والله ما أسلموا ولكن استسلموا ، وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا (6) . ____________ ( 1 ) الطبري : « يقال له عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل » . ( 2 ) ليست في ح . وفي الطبري : « تعارفا » وفي الأصل : « تسايلا » ( 3 ) الضمير للواء . وفي ح : « بها » في الموضعين ، أي الشقة . ( 4 ) ح : « قربها » و « قاتل بها » . ( 5 ) ح : « فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه » . ولم يرو سائر هذه الفقرة . ( 6 ) في الأصل : « أهوانا » صوابه في ح . ( 216 ) نصر : عبد العزيز ، قال حبيب بن أبي ثابت قال : حدثني منذر الثوري (1) قال : قال محمد بن الحنفية : لما أتاهم [ رسول ] الله من أعلى الوادي ومن أسفله ، وملأ الأودية كتائب (2) استسلموا حتى وجدوا أعوانا . نصر ، عن فطر بن خليفة (3) ، عن منذر الثوري قال عمار بن ياسر : والله ما أسلم القوم ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا . نصر ، عن الحكم بن ظهير ، عن إسماعيل ، عن الحسن ، و [ قال : وحدثنا ] الحكم [ أيضا ] ، عن عاصم بن أبي النجود (4) ، عن زر بن حبيش (5) ، عن عبد الله بن مسعود قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . " إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه " . قال الحسن : فما فعلوا ولا أفلحوا . نصر : عمرو بن ثابت ، عن إسماعيل ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه " . قال : فحدثني بعضهم قال : قال أبو سعيد الخدري : فلم نفعل ولم نفلح . ____________ ( 1 ) هو المنذر بن يعلى الثوري ، أبو يعلى الكوفي . ترجم له في تهذيب التهذيب . وفي الأصل : « منذر العلوي » لعلها « الكوفي » وأثبت ما في ح . ( 2 ) في الأصل : « وملؤوا » . ح : « وملأ الأودية كتائب ـ يعني يوم فتح مكة » . ( 3 ) فطر بكسر الفاء ، بن خليفة المخزومي مولاهم ، أبو بكر الحناط . انظر تهذيب التهذيب والمعارف ومشارق الأنوار ( 2 : 168 ) . وفي الأصل : « قطرب » تحريف . ( 4 ) هو عاصم بن بهدلة الأسدي مولاهم الكوفي المقرئ ، كان حجة في القراءة ، قرأ على عبد الرحمن السلمي ، وزر بن حبيش . ويعرف بابن أبي النجود ، بفتح النون . وبهدلة أمه كما في القاموس . توفى سنة 128 . انظر تهذيب التهذيب والمعارف 231 . ( 5 ) زر ، بكسر أوله وتشديد الراء ، بن حبيش ، بالتصغير ، بن حباشة ، بالضم ، الأسدي الكوفي ، كان أعرب الناس ، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية . مات سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وعشرين سنة . انظر تهذيب التهذيب والمعارف 188 والإصابة 2965 . ( 217 ) نصر ، عن يحيى بن يعلى ، عن الأعمش ، عن خيثمة قال : قال عبد الله بن عمر (1) : إن معاوية في تابوت في الدرك الأسفل من النار . ولولا كلمة فرعون : ( أنا ربكم الأعلى ) ما كان أحدا أسفل من معاوية . نصر ، عن يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن سالم بن أبي الجعد (2) عن أبي حرب بن أبي الأسود (3) عن رجل من أهل الشام عن أبيه قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « شر خلق الله خمسة : إبليس ، وإبن آدم الذي قتل أخاه ، وفرعون ذو الأوتاد ، ورجل من بني إسرائيل ردهم عن دينهم ، ورجل من هذه الأمة يبايع على كفره عند باب لد (4) » . قال الرجل : إني لما رأيت معاوية بايع عند باب لد ذكرت قول رسول الله ، فلحقت بعلي فكنت معه . نصر ، عن جعفر الأحمر ، عن ليث عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يموت معاوية على غير الإسلام » . عن جعفر الأجمر ، عن ليث ، عن محارب بن زياد ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يموت معاوية على غير ملتي » . نصر ، عن عبد الغفار بن القاسم ، عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال : أقبل أبو سفيان ومعه معاوية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ____________ ( 1 ) في الأصل : « عبد الله بن عمرو » ، تحريف . ( 2 ) هو سالم بن أبي الجعد رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم . مات سنة سبع أو ثمان وتسعين ، وقيل مائة . تهذيب التهذيب . ( 3 ) هو أبو حرب بن أبي الأسود الديلي البصري ، ثقة ، قيل اسمه محجن ، وقيل عطاء . مات سنة 108 . تهذيب التهذيب . ( 4 ) لد ، بالضم والتشديد : قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين . ****************** « اللهم العن التابع والمتبوع . اللهم عليك بالأقيعس » . فقال ابن البراء لأبيه : من الأقيعس ؟ قال معاوية . نصر ، عن قيس بن الربيع وسليمان بن قرم (1) ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سعيد ، عن علي قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فشكوت إليه ما لقيت من أمته من الأود واللدد ، فقال : « انظر ! » ، فإذا عمرو بن العاص ومعاوية معلقين منكسين تشدخ رؤوسهما بالصخر . نصر ، عمر حدثني يحيى بن يعلى بن عبد الجبار بن عباس ، عن عمار الدهني (2) ، عن أبي المثنى ، عن عبد الله بن عمر قال : ما بين تابوت معاوية وتابوت فرعون إلا درجة ؟ وما انخفضت تلك الدرجة إلا أنه قال : ( أنا ربكم الأعلى ) . نصر ، عن أبي عبد الرحمن قال : حدثني العلاء بن يزيد القرشي ، عن جعفر بن محمد قال : دخل زيد بن أرقم على معاوية ، فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير ، فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما ، فقال له عمرو بن العاص : أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين ؟ فقال زيد : إن رسول الله غزا غزوة وأنتما معه ، فرأكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا ، ثم رأكما اليوم الثاني واليوم الثالث ، كل ذلك يديم النظر إليكما ، فقال في اليوم الثالث : « إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص ____________ ( 1 ) هو سليمان بن قرم ـ بفتح القاف وسكون الراء ـ بن معاذ أبو داود البصري . النحوي . قال ابن حجر : « سيء الحفظ ، يتشيع من السابعة » . تقريب التهذيب . وفي الأصل : « بن قوم » تحريف . ( 2 ) هو عمار بن معاوية الدهني ، بضم الدال المهملة وسكون الهاء بعدها نون ، أبو معاوية البجلي الكوفي ، صدوق يتشيع من الخامسة . تقريب التهذيب . ( 219 ) ( مجتمعين ففرقوا بينهما ؛ فإنهما لن يجتمعا على خير (1) " . نصر ، عن محمد بن فضيل (2) ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي قال : أخبرني أبو هلال أنه سمع أبا برزة الأسلمي يقول : إنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعوا غناء فتشرفوا له ، فقام رجل فاستمع له ، وذاك قبل أن تحرم الخمر ، فأتاهم ثم رجع فقال : هذا معاوية وعمرو بن العاص يجيب أحدهما الآخر وهو يقول : يزال حواري تلوح عظامه * زوى الحرب عنه أن يحس فيقبرا (3) فرفع رسول الله يديه فقال : " اللهم أركسهم في الفتنة ركسا . اللهم دعهم إلى النار دعا (4) " . نصر ، عن محمد بن فضيل ، ، عن أبي حمزة الثمالي (5) ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن عبد الله بن عمر قال : إن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون ، وذلك بأن فرعون قال : ( أنا ربكم الأعلى ) . نصر : شريك ، عن ليث ، عن طاوس ، عن عبد الله بن عمر قال : ____________ ( 1 ) الكلام التالي إلى كلمة : « فاقتلوه » التي ستأتي في ص 221 محذوف من طبعة بيروت . ( 2 ) هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم ، أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق رمى بالتشييع . مات سنة خمس وتسعين ومائة . تهذيب التهذيب . ( 3 ) في اللسان : « وحكى بعضهم زلت أفعل ، أي ما زلت » . والحس : القتل الشديد . وفي الكتاب : ( إذ تحسونهم بإذنه ) . ( 4 ) الإركاس والركس : الرد والإرجاع . وفي التنزيل : ( والله أركسهم بما كسبوا ) . والدع : الدفع الشديد . وفي الكتاب : ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ) . وقد ورد الحديث في اللسان ( ركس ) بلفظ : « اللهم أركسهما في الفتنة ركسا » . وجاء في اللسان ( دعع ) : « اللهم دعها إلى النار دعا » صوابه : « دعهما » . ( 5 ) هو ثابت بن أبي صفية الثمالي ، بضم المثلثة ، أبو حمزة . واسم أبيه دينار وقيل سعيد ، كوفي ضعيف رافضي من الخامسة ، مات في خلافة أبي جعفر . تقريب التهذيب . ( 220 ) أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : « يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت وهو على غير سنتي » . فشق علي ذلك وتركت أبي يلبس ثيابه ويجيء ، فطلع معاوية . نصر ، عن بليد بن سليمان (1) ، حدثني الأعمش ، عن علي بن الأقمر (2) قال : وفدنا على معاوية وقضينا حوائجنا ثم قلنا : لو مررنا برجل قد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاينه . فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا : يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدثنا ما شهدت ورأيت . قال : إن هذا أرسل إلي ـ يعني معاوية ـ فقال : لئن بلغني أنك تحدث لأضربن عنقك . فجثوت على ركبتي بين يديه ثم قلت : وددت أن أحد سيف في جندك (3) على عنقي . فقال : والله ما كنت لأقاتلك ولا أقتلك . وأيم الله ما يمنعني أن أحدثكم ما سمعت (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه . رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه يدعوه ـ وكان يكتب بين يديه ـ فجاء الرسول فقال : هو يأكل . فقال : لا أشبع الله بطنه فهل ترونه يشبع ؟ قال : وخرج من فج فنظر رسول الله إلى أبي سفيان وهو راكب ومعاوية وأخوه ، أحدهما قائد والآخر سائق ، فلما نظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « اللهم العن القائد والسائق والراكب » . قلنا : أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، وإلا فصمتا أذناي ، كما عميتا عيناي . ____________ ( 1 ) هو تليد ، بفتح التاء المثناة ، بن سليمان المحاربي ، أبو سليمان أو أبو إدريس الكوفي الأعرج ، رافضي ضعيف . قال صالح جزرة : كانوا يسمونه " بليدا " يعني بالموحدة . مات سنة تسعين ومائة . تقريب التهذيب . وقد ورد « بليد » هاهنا بالموحدة فأثبته كما هو . ( 2 ) هو علي بن الأقمر بن عمرو الهمداني الوادعي ، كوفي ثقة . تقريب التهذيب . ( 3 ) في الأصل : « جسدك » . ( 4 ) في الأصل : « ما سمعت من » وكلمة « من » مقحمة . ( 221 ) نصر ، عن عبد العزيز بن الخطاب ، عن صالح بن أبي الأسود ، عن إسماعيل ، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا رأيتم معاوية على منبري يخطب فاقتلوه » . قال نصر : ثم رجع إلى حديث عمرو بن شمر ، قال : فلما كان من الغد خرج محمد بن علي بن أبي طالب ، وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمعين عظيمين فاقتتلوا كأشد القتال . ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى محمد بن الحنفية (1) : أن اخرج إلى أبارزك . قال له : نعم . ثم خرج إليه يمشي ، فبصر به علي فقال : من هذان المتبارزان ؟ فقيل له : ابن الحنفية وابن عمر . فحرك علي دابته ثم دعا محمدا فوقف له فقال : أمسك دابتي . فأمسكها له ثم مشى إليه فقال : أنا أبارزك فهلم إلى . قال : ليس لي في مبارزتك حاجة . قال : فرجع ابن عمر وأخذ ابن الحنفية يقول لأبيه : منعتني من مبارزته ، فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله . قال : يا بني ، لو بارزته أنا لقتلته ، ولو بارزته أنت لرجوت أن تقتله ، وما كنت آمن أن يقتلك . ثم قال : يا أبه أتبرز بنفسك إلى هذا الفاسق اللئيم عدو الله ؟ والله لو أبوه يسألك المبارزة لرغبت بك عنه . فقال : يا بنى [ لا تذكر أباه ولا ] تقل فيه إلا خيرا (2) . يرحم الله أباه . ثم إن الناس تحاجزوا وتراجعوا . فلما أن كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن العباس والوليد بن عقبة فاقتتلوا قتالا شديدا ، ودنا ابن عباس ____________ ( 1 ) هو محمد بن علي بن أبي طالب ، وهو أخو الحسن والحسين ابني علي ، بيد أن والدة . هذين هي فاطمة الزهراء ، وأم ذاك هي خولة بنت جعفر الحنفية ، فنسب إليها تمييزا له . كان ابن الحنفية أحد أبطال صدر الإسلام ، وكان ورعا واسع العلم . توفى سنة 81 . وفيات الأعيان ( 1 : 449 ) وطبقات ابن سعد ( 5 : 66 ) . ( 2 ) ح ( 1 : 480 ) : « لأبيه إلا خيرا » . ( 222 ) من الوليد بن عقبة ، فأخذ الوليد يسب بني عبد المطلب (1) وأخذ يقول : يا ابن عباس قطعتم أرحامكم ، وقتلتم إمامكم ، فكيف رأيتم صنع الله بكم ، لم تعطوا ما طلبتم ، ولم تدركوا ما أملتم ، والله ـ إن شاء الله ـ مهلككم وناصرنا عليكم (2) . فأرسل إليه ابن عباس : أن ابرز إلى . فأبي أن يفعل ، وقاتل ابن عباس يومئذ قتالا شديدا . ثم انصرفوا عند الظهر وكل غير غالب . وذلك يوم الأحد (3) . نصر ، عن عمر بن سعد ، قال : أبو يحيى عن الزهري قال : وخرج في ذلك اليوم شمر بن أبرهة بن الصباح الحميري ، فلحق بعلي عليه السلام في ناس من قراء أهل الشام ، ففت ذلك في عضد معاوية وعمرو بن العاص ، وقال عمرو : يا معاوية ، إنك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد صلى الله عليه وسلم قرابة قريبة ، ورحم ماسة ، وقدم في الإسلام لا يعتد أحد بمثله ، ونجدة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله (4) ، وإنه قد سار إليك بأصحاب محمد صلى الله عليه المعدودين ، وفرسانهم وقرائهم وأشرافهم وقدمائهم في الإسلام ، ولهم في النفوس مهابة . فبادر بأهل الشام مخاشن الوعر ، ومضايق الغيض (5) ؛ واحملهم على الجهد ، وأتهم من باب الطمع ____________ ( 1 ) ح : « فأكثر من سبب بني عبد المطلب » . ( 2 ) ح : « والله إن شاء أمهلكم وناصر عليكم » . وما في الأصل يوافق ما في الطبري ( 6 : 7 ) . ( 3 ) بعد هذه الكلمة في الأصل كلام ناقص لم يرد في ح وهو : « وخرج شمر بن أبرهة ابن الصباح الحميري فلحق بعلي في ناس من قراء أهل الشام ، فلما رأى ذلك معاوية وعمرو وما خرج إلى علي من قبائل أهل الشام وأشرافهم » . وانظر ما يلي . ( 4 ) النجدة : الشجاعة وشدة البأس . ( 5 ) الغيض : القليل ، ومنه : فلان يعطي غيضا من فيض . ح : ( 1 : 481 ) . « مخاشن الأوعار ومضايق الغياض » . ( 223 ) قبل أن ترفههم فيحدث عندهم طول المقام مللا ، فيظهر فيهم كآبة الخذلان . ومهما نسيت فلا تنس أنك على باطل . فلما قال عمرو لمعاوية ذلك زوق معاوية خطبة ، وأمر بالمنبر فأخرج ، ثم أمر أجناد أهل الشام فحضروا خطبته ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس أعيرونا أنفسكم وجماجمكم ، لا تفشلوا ولا تخاذلوا (1) ؛ فإن اليوم يوم خطار ، ويوم حقيقة وحفاظ ؛ فإنكم على حق وبأيديكم حجة (2) وإنما تقاتلون من نكث البيعة ، وسفك الدم الحرام ، فليس له في السماء عاذر . ثم صعد عمرو بن العاص مرقاتين من المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (3) : أيها الناس ، قدموا المستلئمة ، وأخروا الحاسر ، وأعيروا جماجمكم ساعة ؛ فقد بلغ الحق مقطعه ، وإنما هو ظالم ومظلوم (4) . نصر : عمر بن سعد ، عن أبي يحيى ، عن محمد بن طلحة ، عن أبي سنان الأسلمي قال : لما أخبر علي بخطبة معاوية وعمرو ، وتحريضهما الناس عليه أمر الناس فجمعوا . قال : وكأني أنظر إلى علي متوكئا على قوسه ، وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه عنده ، فهم يلونه . و [ كأنه ] أحب أن يعلم الناس أن أصحاب رسول الله متوافرون عليه (5) ، فحمد الله ثم قال : أيها الناس ، اسمعوا مقالتي ، وعوا كلامي ؛ فإن الخيلاء من التجبر ، ____________ ( 1 ) ح : « لا تقتتلوا ولا تتجادلوا » . ( 2 ) في الأصل : « ولكم حجة » ، وأثبت ما في ح . ( 3 ) الكلام من : « ثم صعد » إلى هنا ، ليس في ح ، فإن ابن أبي الحديد جعل كلام عمرو من بقية خطبة معاوية . والحق أنهما خطبتان كما سيظهر مما يلي . وانظر البيان والتبيين 2 : 285 . ( 4 ) في الأصل : « فإنه هو ظالم أو مظلوم » وأثبت ما في ح . ( 5 ) ح : « متوافرون معه » . ( 224 ) وإن النخوة من التكبر ، وإن الشيطان عدو حاضر ، يعدكم الباطل . ألا إن المسلم أخو المسلم ، [ ف ] لا تنابذوا ولا تخاذلوا ؛ فإن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة ، من أخذ بها لحق ، ومن تركها مرق ، ومن فارقها محق . ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن ولا بالمخلف إذا وعد ، ولا بالكذاب إذا نطق . نحن أهل بيت الرحمة ، وقولنا الصدق ، ومن فعالنا القصد (1) ، ومنا خاتم النبيين ، وفينا قادة الإسلام ، ومنا قراء الكتاب (2) ، ندعوكم إلى الله وإلى رسوله ، وإلى جهاد عدوه ، والشدة في أمره ، وابتغاء رضوانه ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصيام شهر رمضان ، وتوفير الفئ لأهله (3) . ألا وإن من أعجب العجائب أن معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص السهمي ، أصبحا يحرضان الناس على طلب الدين بزعمهما . وقد علمتم أني لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ، ولم أعصه في أمر قط . أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال ، وترعد فيها الفرائص . نجدة (4) أكرمني الله بها ، فله الحمد ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لفي حجري ، ولقد وليت غسله بيدي وحدي ، تقلبه الملائكة المقربون معي . وايم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على [ أهل ] حقها ، إلا ما شاء الله . قال : فقال أبو سنان الأسلمي (5) : فسمعت عمار بن ياسر يقول : أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الأمة لن تستقيم عليه [ أولا ، وأنها لن تستقيم ____________ ( 1 ) ح : « وفعلنا الفضل » . ( 2 ) ح : « وفينا حملة الكتاب » . ( 3 ) ح : « علي أهله » . ( 4 ) ح :« بنجدة » . ( 5 ) في الأصل : « الأسدي » وأثبت ما في ( 1 : 481 ) مطابقا ما مضى في ص 223 . ( 225 ) عليه آخرا ] . ثم تفرق الناس وقد نفذت بصائرهم في قتال عدوهم ، [ فتأهبوا واستعدوا ] . نصر : عمرو بن شمر (1) ، عن مالك بن أعين ، عن يزيد بن وهب ، أن عليا قال في هذه الليلة : « حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا ؟ » . قال : فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء بعد العصر فقال : الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ، ولا ينقض ما أبرم . ولو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمة ولا من خلقه ، ولا تنازعت الأمة (2) في شئ من أمره ، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله . وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار حتى لفت (3) بيننا في هذا المكان ، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع ، فلو شاء لعجل النقمة ولكان منه التغيير (4) حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق (5) أين مصيره ، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة عنده دار [ الجزاء ] والقرار ، ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) . ألا إنكم لاقو العدو غدا إن شاء الله . فأطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا تلاوة القرآن ، واسألوا الله الصبر والنصر ، والقوهم بالجد والحزم ، وكونوا صادقين . ثم انصرف ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها ، فمر عليهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول : أصبحت الأمة في أمر عجب * والملك مجموع غدا لمن غلب ____________ ( 1 ) ح : « عمر بن سعد » . ( 2 ) ح « ولا تنازع البشر » . ( 3 ) في الأصل : « ألفت » وأثبت ما في ح . الطبري ( 6 : 8 ) : « فلفت » . ( 4 ) فيه إشارة إلى قول الله : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وفي ح : « النصر » وأثبت ما في الأصل مطابقا ما في الطبري . ( 5 ) ح فقط : « المحق » . ( 226 ) فقلت قــولا صادقا غير كــذب * إن غــدا يهلك أعـــلام العرب غـــدا نلاقي ربنا فنحتســـب * يا رب لا تشمت بنـــا ولا تصب من خلع الأنداد كـــلا والصلـب * غــــدا يكونون رمادا قـد كثب بعد الجمال والحيـــاء والحســب فلما كان الليل خرج علي فعبأ الناس ليلته كلها حتى أصبح ، وعقد الأولوية وأمر الأمراء ، وكتب الكتائب . وبعث علي مناديا فنادى : يا أهل الشام ، اغدوا على مصافكم . فضج (2) أهل الشام في عسكرهم ، واجتمعوا إلى معاوية ، فعبأ خيله وعقد الألوية وأمر الأمراء ، وكتب الكتائب ، ثم نادى معاوية : أين الجند المقدم ؟ فخرج أهل حمص في رايتهم عليهم ذو الكلاع الحميري (3) . ثم نودي : أين أهل الأردن ؟ فخرجوا في راياتهم عليهم [ أبو الأعور ] سفيان بن عمرو السلمي . ثم نودي : أين أهل قنسرين ؟ فجاءوا في راياتهم عليهم زفر بن الحارث . ثم نودي : أين جند الأمير ؟ فجاء أهل دمشق على راياتهم وهم القلب ، وعليهم الضحاك بن قيس الفهري ، فأطافوا بمعاوية . وسار أبو الأعور وسار عمرو بن العاص [ ومن معهما ] حتى وقفوا قريبا من أهل العراق ، فنظر إليهم عمرو فاستقلهم وطمع فيهم ، وكان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضعف . ثم رجع عمرو بن العاص إلى معاوية فقال : قد عرفت وعلمت ما بيننا من العهد والعقد ، فاعصب هذا الامر برأسي ، وأرسل إلى أبي الأعور [ فنحه عني ودعني والقوم . فأرسل معاوية إلى أبي الأعور ] : إن لأبي عبد الله رأيا ____________ ( 1 ) في الأصل : « لا تعب » صوابه في ح ( 1 : 482 ) . ( 2 ) في الأصل : « فصبح » صوابه في ح ( 1 : 481 ) . ( 3 ) في الأصل : « أبو الأعور السلمي » ، وهو تحريف فإن أبا الأعور السلمي هو سفيان بن عمرو والسلمي الذي سيأتي ذكره . وأما من كان على أهل حمص فهو ذو الكلاع الحميري كما سبق في ص 206 . ( 227 ) وتجربة ليست لي ولا لك ، وقد وليته أعنة الخيل ، فسر حتى تقف أنت وخيلك على تل كذا ، [ ودعه والقوم . فسار أبو الأعور ] ، فأقبل عمرو بن العاص ثم نادى ابنه : يا عبد الله بن عمرو . قال : لبيك . وقال : يا محمد بن عمرو . قال : لبيك . قال : قدما لي هذه الدرع وأخرا عني هذه الحسر ، وأقيما الصف قص الشارب ؛ فإن هؤلاء قد جاءوا بخطة بلغت السماء . فمشيا براياتهما وعدلا الصفوف ، وسار بينهما عمرو حتى عدل الصفوف ، وأحسن الصف ثانية ، ثم حمل قيسا وكلبا وكنانة على الخيول ، ورجل سائر الناس ؛ وقعد على منبره وأحاط به أهل اليمن وقال : لا يقربن هذا المنبر أحد إلا قتلتموه كائنا من كان . نصر ، عن عمر ، عن الحارث بن حصيرة وغيره قال : لما قام أهل الشام وأهل العراق وتواقفوا وأخذوا مصافهم للقتال ، قال معاوية : من هؤلاء في الميسرة ؟ ميسرة أهل العراق . قالوا : ربيعة . فلم يجد في أهل الشام ربيعة . فجاء بحمير فجعلهم بإزاء ربيعة على قرعة أقرعها من حمير وعك ، فقال ذو الكلاع : « باستك من سهم لم تبغ الضراب (1) » . كأنه أنف من أن تكون حمير بإزاء ربيعة ، فبلغ ذلك الخندف الحنفي (2) ، فحلف بالله لئن عاينه ليقتلنه أو ليموتن دونه . فجاءت حمير حتى وقفت بإزاء ربيعة ، وجعل السكون والسكاسك بإزاء كندة وعليها الأشعث ، وجعل بإزاء همدان من أهل العراق الأزد وبجيلة ، وبإزاء مذحج من أهل العراق عكا . فقال راجز من * أهل الشام : ويل لام مذحج مـــن عــك * وأمهـــم قائمــة تبكـــي نصكهم بالسيــف أي صــك * فلا رجــال كرجال عــــك ____________ ( 1 ) ينعي على سهام القرعة التي لم تأت بما أتت به مريدة . ( 2 ) ح ( 1 : 482 ) : « جحدرا الحنفي » . ( 228 ) وجعل بإزاء التيم (1) من أهل العراق هوازن وغطفان وسليما ، وقد قيدت عك أرجلها بالعمائم ، ثم طرحوا حجرا بين أيديهم وقالوا : لا نفر حتى يفر هذا الحكر ( بالكاف ) . وعك تقلب الجيم كافا . وصف القلب خمسة صفوف ، وفعل أهل العراق أيضا كذلك (2) . قال : ثم قال عمرو بن العاص : يأيها الجند الصليـــب الإيمـــان * قومـــوا قياما واستعينوا الرحمــن إنــي أتاني خبـــر فأشجــان (3) * أن عليــــا قتـل ابــــن عفان ردوا علينا شيخنــــا كمــــا كان فرد عليه [ أهل العراق وقالوا (4) ] : أبــت سيوف مذحــــج وهمــدان * بأن نـــرد نعثـــلا كمـا كان (5) خلقا جديدا مثل خلـــق الرحمــــن * [ ذلــــك شأن قـد مضى وذا شأن ] وصاح رجل من أهل الشام (6) : ردوا علينا شيخنا ثم بجل (7) * أولا تكونوا جزرا من الأسل (8) فقال رجل من أهل العراق : ____________ ( 1 ) في الأصل :« التميم » . ( 2 ) في الأصل : « كك » وهو رمز إلى كلمة « كذلك » . وفي ح : « مثل ذلك » . ( 3 ) أي فأشجاني . وفي ح : « ذو ألوان » . ( 4 ) التكملة من ح ( 1 : 482 ) . ( 5 ) نعثل : رجل من أهل مصر كان طويل اللحية . وكان عثمان إذا نيل منه وعيب ، شبه بهذا الرجل المصري لطول لحيته ، ولم يكونوا يجدون فيه عيبا غير هذا . انظر اللسان « نعثل » . ( 6 ) ح : « ثم نادى عمرو بن العاص ثانية يرفع صوته » . ( 7 ) بجل بمعنى حسب . وقبل البيت كما في اللسان ( 14 : 70 ) : نحن بني ضبة أرباب الجمل * الموت أحلى عندنا من العسل ( 8 ) الجزر : قطع اللحم تأكله السباع . والأسل : الرماح . ح : « حرزا » تحريف . ( 229 ) كيف نــرد نعثلا وقـد قحـل (1) * نحن ضربنــا رأســه حتى انجفل ( 2) لما حكى حكــم الطواغيـت الأول * وجــار في الحكـم وجار في العمل (3) وأبدل الله بـــه خيـــر البـدل * أقـــدم للحـــرب وأنكـى للبطل (4) وقال إبراهيم بن أوس بن عبيدة السلمي ، من أهل الشام : لله در كتــائـــب جاءتكـــم * تبكـــي فوارسهــا على عثمان سبعون ألفـــا ليس فيهـــم قاسط * يتلـون كـــل مفصـل ومثــان يسلون حـــق الله لا يعـــدونـه * ومجيئكـــم للملـك والسلطـــان (5) فأتوا ببينة علـــى مـــا جئتـم * أولا فحسبكـــم مــن العــدوان وأتوا بما يمحو قصــاص خليفــة * له ، ليـــس بكـــاذب خــوان قال : وبات على ليلته كلها يعبي الناس ، حتى إذا أصبح زحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام ، فأخذ علي يقول : من هذه القبيلة ؟ ومن هذه القبيلة ؟ يعني قبائل أهل الشام ـ فيسمون له . حتى إذا عرفهم وعرف مراكزهم قال للأزد : اكفوني الأزد . وقال لخثعم : اكفوني خثعما . وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام ، إلا قبيلة ليس منهم بالشام أحد (6) ، مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا عدد يسير ، فصرفهم إلى لخم (7) . ____________ ( 1 ) قحل : أي مات وجف جلده ( 2 ) انجفل : انقلب وسقط . ( 3 ) هذا البيت وسابقة لم يرويا في ح . وفي الأصل : « لما حكم » ( 4 ) أنكى : تفضيل من النكاية ، وهي الهزيمة والغلبة . وفي الأصل : « وألظي » ولا وجه له إلا أن جعل مقلوبا من ألظ ، ومورد هذا السماع . ( 5 ) يسلون : يسألون ، بإسقاط الهمزة وإلقاء حركتها على السين . ( 6 ) ح ( 1 : 283 ) : « إلا قبيلة ليس منهم بالعراق إلا القليل » صوابه « بالشام » . ( 7 ) ح : مثل بجيلة فإن لخما كانت بإزائها » . وفي الطبري ( 6 : 8 ) : « إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام ليس منهم بالعراق واحد ، مثل بجيلة لم يكن منهم بالشام إلا عدد قليل ، فصرفهم إلى لخم » . وفي الأصل : « ففرقهم إلى لخم » ، صوابه من الطبري . ( 230 ) ثم تناهض القوم يوم الأربعاء فاقتتلوا اقتتالا شديدا نهارهم كله ، وانصرفوا عند المساء وكل غير غالب . وكان علي يركب بغلا له يستلذه (1) ، فلما حضرت الحرب قال : ائتوني بفرس . [ فأتوه بفرس ] له ذنوب أدهم (2) يقاد بشطنين (3) يبحث الأرض بيديه جميعا (4) ، له حمحمة وصهيل ، فركبه وقال : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن تميم ، قال : كان علي إذا سار إلي القتال ذكر اسم الله حين يركب ، ثم يقول : الحمد لله على نعمه علينا وفضله العظيم ، ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) . ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه إلى الله ثم يقول : اللهم إليك نقلت الأقدام ، وأتعبت الأبدان ، وأفضت القلوب ، ورفعت الأيدي ، وشخصت الأبصار . ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) . سيروا علي بركة الله . ثم يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر . يا الله يا أحد يا صمد ، يا رب محمد . بسم الله الرحمن الرحيم ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ( [ الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين ] . إياك نعبد وإياك نستعين ) . اللهم كف عنا بأس الظالمين . فكان هذا شعاره بصفين . ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 479 ) : « بغلة له يستلذها » . ( 2 ) الذنوب : الوافر الذنوب الطويلة . ( 3 ) الشطن : الحبل . وفي اللسان : « وفي حديث البراء : وعنده فرس مربوطة بشطنين . الشطن : الحبل ، وقبل هو الطويل منه . وإنما شده بشطنين لقوته وشدته » . ح : « نفار شطين » محرف . ( 4 ) في الأصل : « يبحث بيديه الأرض جميعا » والوجه ما أثبت من ح . ( 231 ) نصر : الأبيض بن الأغر (1 ) عن سعد بن طريف (2) ، عن الأصبغ قال : ما كان علي في قتال قط إلا نادى : كهيعص . نصر : قيس بن الربيع ، عن عبد الواحد بن حسان العجلي ، عمن حدثه عن على أنه سمع يقول يوم صفين : اللهم إليك رفعت الأبصار ، وبسطت الأيدي [ ونقلت الأقدام ] ، ودعت الألسن ، وأفضت القلوب ، وتحوكم إليك في الأعمال ، فاحكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين (3) . اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا ، وقلة عددنا ، وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا ، وشدة الزمان ، وظهور الفتن . أعنا عليهم بفتح تعجله ، ونصر تعز به سلطان الحق وتظهره . نصر : عمرو بن شمر ، عن عمران ، عن سلام بن سويد قال : كان علي إذا أراد أن يسير إلى الحرب قعد على دابته وقال : " الحمد لله رب العالمين على نعمه علينا وفضله العظيم . ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) . ثم يوجه دابته إلى القبيلة ، ثم يرفع يديه إلى السماء ثم يقول : « اللهم إليك نقلت الأقدام ، وأفضت القلوب ورفعت الأيدي ، وشخصت الأبصار . نشكو إليك غيبة نبينا ، وكثرة عدونا ، وتشتت أهوائنا . ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) . سيروا على بركة الله » . ثم [ يحمل ف ] يورد والله من اتبعه [ ومن حاده (4) ] حياض الموت . ____________ ( 1 ) هو الأبيض بن الأغر بن الصباح الكوفي ، ذكره ابن حبان في الثقات . روي عن صالح بن حيان ، ومجالد ، وعبيدة الضبي ، وروى عنه مروان بن معاوية ، ويحيي بن حسان التميمي . لسان الميزان . ( 2 ) سعد بن طريف الإسكاف الحنظلي الكوفي ، كان رافضيا ، وترجم له في تهذيب التهذيب . وفي الأصل . « بن سعد بن ظريف » كأنه تتمة للرجل قبله . والصواب ما أثبت . ( 3 ) الفاتح : القاضي الحاكم . وفي اللسان . « ويقال للقاضي الفتاح لأنه يفتح مواضع الحق . وقوله تعالي : ربنا افتح بيننا : أي اقض بيننا » . ( 4 ) المحادة : المعاداة والمخالفة . ( 232 ) نصر ، عن عمر بن سعد ، عن عبد الرحمن بن جندب ، عن أبيه قال : لما كان غداة الخميس [ لسبع خلوان من صفر من سنة سبع وثلاثين ] صلى علي فغلس بالغداة ، ما رأيت عليا غلس بالغداة أشد من تغليسه يومئذ ، ثم خرج بالناس إلى أهل الشام فزحف إليهم ، وكان هو يبدؤهم فيسير إليهم ، فإذا رأوه وقد زحف استقبلوه بزحوفهم . قال : نصر فحدثني [ عمر بن سعد ، عن ] مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب أن عليا خرج إليهم فاستقبلوه فقال : « اللهم رب [ هذا ] السقف المحفوظ [ المكفوف ] ، الذي جعلته مغيضا لليل والنهار (1) ، وجعلت فيه مجري الشمس والقمر ، ومنازل الكواكب والنجوم ، وجعلت سكانه سبطا (2) من الملائكة لا يسأمون العبادة ؛ ورب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والأنعام وما لا يحصى مما يرى ومما لا يرى من خلقك العظيم ؛ ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ؛ ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض ، ورب البحر المسجور [ المحيط ] بالعالمين ، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا ؛ إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي ، وسددنا للحق ؛ وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة ، واعصم بقية أصحابي من الفتنة » . قال : فلما رأوه وقد أقبل خرجوا إليه بزحوفهم (3) ، وكان على ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعلى ميسرته عبد الله بن العباس وقراء العراق مع ثلاثة نفر : مع عمار بن ياسر ، ومع قيس بن سعد ، ومع عبد الله ____________ ( 1 ) أي يغبض فيه الليل والنهار . في الأصل : « مغيضا الليل » ، صوابه من الطبري ( 6 : 8 ) . وفي ح : « محيطا بالليل والنهار » . ( 2 ) السبط : الأمة . وهذه الكلمة ساقطة من ح ( 3 ) ح : « تقدموا إليه بزحوفهم » . ( 233 ) بن بديل . والناس على راياتهم ومراكزهم ، وعلي في القلب في أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ، وعظم من معه من [ أهل (1) ] المدينة الأنصار ، ومعه من خزاعة عدد حسن ، ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة . وكان علي رجلا دحداحا (2) ، أدعج العينين ، كأن وجهه القمر ليلة البدر حسنا ، ضخم البطن ، عريض المسربة (3) ، شثن الكفين ، ضخم الكسور (4) ، كأن عنقه إبريق فضة ، أصلع ليس في رأسه شعر إلا خفاف من خلفه (5) ؛ لمنكبيه مشاش كمشاش السبع الضاري (6) ، إذا مشى تكفأ به ومار به جسده (7) ؛ له سنام كسنام الثور (8) ، لا تبين عضده من ساعده (9) ، قد أدمجت إدماجا ، لم يمسك بذراع رجل قط إلا أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس . وهو إلى السمرة ، أذلف الأنف (10 ) ، إذا مشى إلى الحرب هرول ، وقد أيده الله بالعز والنصر . ثم زحف علي بالناس إليهم ، ورفع معاوية قبة له عظيمة قد ألقى عليها ____________ ( 1 ) هذه التكملة من الطبري . ( 2 ) الدحداح : القصير السمين . وفي ح : « ربعة » . ( 3 ) المسربة : الشعر وسط الصدر إلى البطن . ( 4 ) شثن : غليظ . والكسور : الأعضاء . ( 5 ) الخفاف ، بالضم : الخفيف ، وبالكسر : جمع خفيف . ( 6 ) المشاش ، بالضم : رءوس العظام ، مثل المنكبين والمرفقين والركبتين . ( 7 ) تكفأ جسده : تمايل . والمور : التحرك والمجئ والذهاب ، كما تتكفأ النخلة العيدانة . ( 8 ) في الأصل : « البعير » والوجه ما أثبت من ح ( 1 : 48 ) . وسنام كل شيء : أعلاه . ( 9 ) العضد : ما بين المرفق إلى الكتف ، يذكر ويؤنث . والساعد : الذراع . ( 10 ) الذلف : قصر الأنف وصغره . ****************** الكرابيس (1) وجلس تحتها ، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة [ وهو على ميسرة أهل الشام ] ، فلم يزل يحوزه (2) ، ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر . نصر ، عن عمر ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، أن عبد الله بن بديل قام في أصحابه فقال : إن معاوية ادعى ما ليس له ، ونازع الأمر أهله ومن ليس مثله ، وجادل بالباطل ليدحض به الحق ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب ، وزين لهم الضلالة (3) ، وزرع في قلوبهم حب الفتنة ، ولبس عليهم الأمر ، وزادهم رجسا إلى رجسهم ، وأنتم والله على نور من ربكم وبرهان مبين . قاتلوا الطغام الجفاة ولا تخشوهم . وكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب من ربكم ظاهر مبروز (4) ؟ ! ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) . وقد قاتلتهم مع النبي صلى الله عليه (5) والله ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبر . قوموا إلى عدو الله وعدوكم (6) . ____________ ( 1 ) الكرابيس : ضرب من الثياب ، فارسي معرب . ( 2 ) حازهم يحوزهم : نحاهم فانحازوا ، أي تركوا مركزهم ومعركه قتالهم ، والحوزاء : الحرب تحوز القوم . في الأصل : « يجوره » . وفي ح ( 1 : 483 ) : « يجوزه » ، صوابه بالحاء والزاي . وقد جاءت على هذا الصواب الذي أثبت ، في الطبري ( 6 : 9 ) . ( 3 ) في الأصل : « الضلال » وأثبت ما في ح والطبري . ( 4 ) المبروز : الظاهر المنشور . انظر اللسان « برز » . وفي الأصل : « مبرور » . وفي الطبري : « طاهرا مبرورا » ح : « ظاهر مبين » . وبعد هذه الكلمة في الأصل وح لفظة : « قوله » وليست في الطبري . ( 5 ) الطبري : « وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة ، وهذه ثانية » . ( 6 ) الطبري : « قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم » . ( 235 ) نصر ، قال : قال عمر بن سعد ، عن عبد الرحيم بن عبد الرحمن (1) ، عن أبيه (2) أن عليا أمير المؤمنين حرض الناس فقال : إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب ، وتشفي بكم على الخير (3) إيمان بالله ورسوله ، وجهاد في سبيله ؛ وجعل ثوابه مغفرة الذنوب ، ومساكن طيبة في جنات عدن ، ورضوان من الله أكبر (4) ، فأخبركم بالذي يحب فقال : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) . فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص ، وقدموا الدارع ، وأخروا الحاسر ، وعضوا على الأضراس ؛ فإنه أنبى للسيوف عن الهام (5) ، وأربط للجأش ، وأسكن للقلوب . وأميتوا الأصوات ؛ فإنه أطرد للفشل ، وأولى بالوقار . والتووا في أطراف الرماح ؛ فإنه أمور للأسنة (6) . وراياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ، ولا تجعلوها إلا في أيدي شجعانكم المانعي الذمار ، والصبر عند نزول الحقائق ، أهل الحفاظ ، الذين يحفون براياتكم ويكتنفونها ، يضربون خلفها وأمامها ، ولا تضيعوها (7) أجزأ كل امرئ منكم ـ رحمه الله ـ [ وقذ (8) ] قرنه ، وواسى أخاه بنفسه ، ولم يكل قرنه إلى أخيه ، فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه ، فيكتسب بذلك لأئمة ، ويأتي به دناءة . وأني هذا ، وكيف يكون هكذا ؟ ! هذا يقاتل اثنين ____________ ( 1 ) هو عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي أبو زياد الكوفي توفى سنة 111 . انظر تهذيب التهذيب . ( 2 ) أبوه هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفي ، توفى سنه 95 . وفي ح : « عن أبي عمرو عن أبيه » . ( 3 ) أشفي على الشيء : أشرف . وفي الحديث : « فأشفوا على المرج » . ( 4 ) كذا في الأصل وح . ورفعه على الاستئناف . وهذه الجملة لم ترد في الطبري . ( 5 ) أنبي : أبعد . والهام : الرؤوس . ( 6 ) أمور : تفضيل من المور ، وهو الاضطراب والمجئ والذهاب . في الطبري : « أصون للأسنة » . ( 7 ) ح : « ولا يضيعوها » تحريف . وفي الطبري : « ولا يضعونها » . ( 8 ) هذه التكملة من الطبري . وقذه : ضربه شديدا . ( 236 ) وهذا ممسك يده ، قد خلى قرنه على أخيه هاربا منه ، وقائما ينظر إليه . من يفعل هذا يمقته الله . فلا تعرضوا لمقت الله ؛ فإنما مردكم إلى الله . قال الله لقوم : ( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) . وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة . استعينوا بالصدق والصبر ؛ فإنه بعد الصبر ينزل النصر . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن مالك بن قدامة الأرحبي (1) قال : قام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين (2) فقال : " الحمد لله الذي هدانا لدينه ، وأورثنا كتابه ، وامتن علينا بنبيه صلى الله عليه فجعله رحمة للعالمين ، وسيدا للمسلمين ، وقائدا للمؤمنين ، وخاتم النبيين ، وحجة الله العظيم على الماضين والغابرين . وصلوات الله عليه ورحمة الله وبركاته . ثم كان مما قضى الله وقدره ـ والحمد لله على ما أحببنا وكرهنا ـ أن ضمنا وعدونا بقناصرين ، فلا يحمد بنا اليوم الحياص (3) . وليس هذا بأوان انصراف ، ولات حين مناص . وقد اختصنا الله منه بنعمة فلا نستطيع أداء شكرها ، ولا نقدر قدرها : أن أصحاب محمد المصطفين الأخيار معنا ، وفي حيزنا . فوالله الذي هو بالعباد بصير أن لو كان قائدنا حبشيا مجدعا (5) إلا أن معنا من البدريين (4) سبعين رجلا ، لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا ____________ ( 1 ) ح : « الأزدي » . ( 2 ) في القاموس : « قناصرين بالضم : موضع بالشام » . ( 3 ) الحياص : العدول والهرب . ح ( 1 : 483 ) : « فلا يجمل بنا » . ( 4 ) ح : « رجلا مخدوعا » محرف . وهو إشارة إلى حديث أبي ذر ، قال : « إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف » . انظر صحيح مسلم ( 2 : 85 ) . ( 5 ) البدريون : الذي حضروا وقعة بدر . وفي الأصل : « البدوبين » ، صوابه في ح . ( 237 ) وتطيب أنفسنا . فكيف وإنما رئيسنا ابن عم نبينا ، بدري صدق ، صلى صغيرا ، وجاهد مع نبيكم كبيرا . ومعاوية طليق من وثاق الإسار ، وابن طليق . ألا إنه أغوى جفاة فأوردهم النار ، وأورثهم العار ، والله محل بهم الذل والصغار . ألا إنكم ستلقون عدوكم غدا ، فعليكم بتقوى الله والجد والحزم ، والصدق والصبر ؛ فإن الله مع الصابرين . ألا إنكم تفوزون بقتلهم ويشقون بقتلكم . والله لا يقتل رجل منكم رجلا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن ، وأدخل المقتول نارا تلظى ، ( لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ) . عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه ، وجعلنا وإياكم ممن أطاعه واتقاه ، وأستغفر الله لنا ولكم وللمؤمنين . ثم قال الشعبي : لعمري لقد صدق بفعله ، وبما قاله في خطبته (1) . نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر وزيد بن حسن قالا : طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوى صفوف أهل الشام ، فقال له عمرو : على أن لي حكمي إن قتل الله ابن أبي طالب ، واستوسقت لك البلاد (2) . قال : أليس حكمك في مصر ؟ قال : وهل مصر تكون عوضا عن الجنة ، وقتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ؟ فقال معاوية : إن لك حكمك أبا عبد الله إن قتل ابن أبي طالب . رويدا لا يسمع الناس كلامك . فقال لهم عمرو : « يا معشر أهل الشام ، سووا صفوفكم ، وأعيروا ربكم جماجمكم ، واستعينوا بالله إلهكم ، وجاهدوا عدو الله وعدوكم ، واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم ، ( واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) » ____________ ( 1 ) ح : « صدق فعله ما قال في خطبته » . ( 2 ) استوسقت البلاد : اجتمعت على الطاعة واستقر فيها الملك . ح : « استوثقت » تحريف . ( 238 ) نصر . عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الفضل بن أدهم قال : حدثني أبي أن الأشتر قام يخطب الناس بقناصرين ، وهو يومئذ على فرس أدهم مثل [ حلك (1) ] الغراب ، فقال : الحمد لله الذي خلق السموات العلى ، ( الرحمن على العرش استوى . له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ) . أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، حمدا كثيرا بكرة وأصيلا . من يهده الله فقد اهتدى ، ومن يظلل الله فقد غوى . أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالصواب والهدى ، وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون . صلى الله عليه وسلم . ثم كان مما قضى الله وقدر أن ساقتنا المقادير إلى هذه البلدة من الأرض (2) ، ولف بيننا وبين عدونا ، فنحن بحمد الله ونعمته ومنه وفضله قريرة أعيننا ، طيبة أنفسنا ، ونرجو في قتالهم حسن الثواب ، والأمن من العقاب ، معنا ابن عم نبينا ، وسيف من سيوف الله ، علي بن أبي طالب ، صلى مع رسول الله صلى الله عليه ، لم يسبقه بالصلاة ذكر حتى كان شيخا ؛ لم يكن له صبوة ولا نبوة ولا هفوة . فقيه في دين الله ، عالم بحدود الله ، ذو رأي أصيل ، وصبر جميل ، وعفاف قديم . فاتقوا الله ، وعليكم بالحزم والجد ، واعلموا أنكم على الحق ، وأن القوم على الباطل يقاتلون مع معاوية ، وأنتم مع البدريين قريب من مائة بدري ، ومن سوى ذلك (3) من أصحاب محمد صلى الله عليه ، أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله صلى الله عليه ، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين ____________ ( 1 ) وردت الكلمة محرفة في ح ( 1 : 484 ) بلفظ : « حثل » والصواب ما أثبت . وحلك الغراب : شدة سواده ، انظر ما مضى في ص 174 . ( 2 ) في هامش الأصل : « خ : البقعة » ، أي في نسخة . ( 3 ) أي ومع من سوى ذلك . وفي ح : « سوى من حولكم » . ( 239 ) على رسول الله صلى الله عليه . فما يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب . فإنما أنتم على إحدى الحسنيين : إما الفتح ، وإما الشهادة . عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعة واتقاه ، وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه . وأستغفر الله لي ولكم (1) . نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر عن الشعبي ، عن صعصعة بن صوحان العبدي قال : سمعت زامل بن عمرو الجذامي يقول : طلب معاوية إلى ذي الكلاع أن يخطب الناس ويحرضهم على قتال علي ومن معه من أهل العراق ، فعقد فرسه ـ وكان من أعظم أصحاب معاوية خطرا ـ ثم قال : الحمد لله حمدا كثيرا ، ناميا جزيلا ، واضحا منيرا ، بكرة وأصيلا . أحمده وأستعينه ، وأومن به وأتوكل عليه ، وكفى بالله وكيلا . ثم إني أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالفرقان حين ظهرت المعاصي ودرست الطاعة ، وامتلأت الأرض جورا وضلالة ، واضطرمت الدنيا كلها نيرانا وفتنة ، وورك (2) عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها ، واستولى بجميع أهلها ، فكان الذي أطفأ الله به نيرانها ، ونزع به أوتادها وأوهى به قوى إبليس ، وآيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم ـ رسول الله محمد بن عبد الله ، صلى الله عليه ، فأظهره على الدين كله ولو كره المشركون . ثم كان مما قضى الله أن ضم بيننا وبين أهل ديننا بصفين ، وإنا لنعلم أن فيهم قوما كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه سابقة ذات شأن وخطر ، ولكني ضربت الأمر ظهرا وبطنا فلم أر يسعني أن يهذر ____________ ( 1 ) في الأصل : « واستعفروا » والوجه ما أثبت من ح . ( 2 ) ورك بالمكان وروكا : أقام . ( 240 ) دم عثمان صهر رسول الله صلى الله عليه نبينا ، الذي جهز جيش العسرة (1) ، وألحق في مسجد رسول الله بيتا وبنى سقاية ، وبايع له نبي الله صلى الله عليه بيده اليمني [ على اليسرى ] ، واختصه رسول الله بكريمتيه : أم كلثوم ورقية ، ابنتي رسول الله صلى الله عليه وآله . فإن كان أذنب ذنبا فقد أذنب من هو خير منه . وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) . وقتل موسى نفسا ثم استغفر الله فغفر له ، ولم يعر أحد من الذنوب ! وأنا لنعلم أنه قد كانت لابن أبي طالب سابقة حسنة مع رسول الله ، فإن لم يكن مالا على قتل عثمان فقد خذله ، وإنه لأخوه في دينه وابن عمه (2) ، وسلفه (3) ، وابن عمته (4) . ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا في شامكم وبلادكم ، وإنما عامتهم بين قاتل وخاذل . فاستعينوا بالله واصبروا ، فلقد ابتليتم أيتها الأمة والله . ولقد رأيت في منامي في ليلتي هذه ، لكأنا وأهل العراق اعتورنا مصحفا نضربه بسيوفنا ، ونحن في ذلك جميعا ننادي : « ويحكم الله » . ومع أنا والله ما نحن لنفارق العرصة (5) حتى نموت . فعليكم بتقوى الله ، ولتكن النيات لله (6) ؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت : رسول الله صلى الله عليه يقول : « إنما يبعث المقتتلون على ____________ ( 1 ) وذلك في غزوة تبوك ، إذ حدثت عسرة في الظهر ، وعسرة في الزاد ، وعسرة في الماء ، فكان العشرة يعتقبون على بعير ، وكانت الجماعة تتعاور التمرة الواحدة ، وكان الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه . وقد أنفق عثمان في جيش العسرة ألف دينار . انظر تفسير الآية 117 من سورة التوبة وكتب السير . ( 2 ) يعني بذلك العمومة البعدى لا الدنيا ، فإن عبد شمس جد عثمان الأعلى ، وهاشما جد علي الأعلى ـ هما ولدا عبد مناف بن قصي بن كلاب . ( 3 ) السلفان : الرجلان يتزوجان بأختين ، كل منهما سلف صاحبه . ( 4 ) أم عثمان هي أروى بنت كريز ، وأم أمه هي البيضاء بنت عبد المطلب . ( 5 ) أي عرصة الحرب ، وهي ساحتها . ح ( 1 : 485 ) : « ومع أنا والله لا نفارق العرصة » . ( 6 ) ح ( 1 : 485 ) : « وليكن الثبات لله » . تحريف . ( 241 ) النيات (1) » ، أفرغ الله علينا وعليكم الصبر ، وأعزلنا ولكم النصر ، وكان لنا ولكم في كل أمر . وأستغفر الله لي ولكم . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن عامر (2) ، عن صعصعة العبدي (3) [ عن أبرهة بن الصباح ] قال : قام يزيد بن أسد البجلي [ في أهل الشام ] يخطب الناس بصفين ، وعليه يومئذ قباء خز ، وعمامة سوداء ، آخذا بقائم سيفه ، واضعا نعل السيف (4) على الأرض متوكئا عليه . قال صعصعة : فذكر لي أبرهة (5) أنه [ كان ] يومئذ من أجمل العرب وأكرمه وأبلغه (6) فقال : « الحمد لله الواحد القهار ، ذي الطول والجلال ، العزيز الجبار ، الحليم الغفار ، الكبير المتعال ، ذي العطاء والفعال ، والسخاء والنوال ، والبهاء والجمال ، والمن والإفضال . مالك اليوم الذي لا ينفع فيه بيع ولا خلال (7) . أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، وفي كل حالة من شدة أو رخاء . أحمده على نعمه التؤام (8) ، وآلائه العظام ، حمدا قد استنار ، بالليل والنهار . ثم ____________ ( 1 ) ح : « على الثبات » تحريف . وانظر لسان الميزان ( 4 : 367 ) . والحديث رواه السيوطي في الجامع الصغير ( 1 : 351 ) من رواية ابن عساكر عن عمر . وروى السيوطي أيضا نظيرا لهذا الحديث وهو : « إنما يبعث الناس على نياتهم » . رواه ابن ماجه عن أبي هريرة . ( 2 ) هو عامر بن شراحيل الشعبي ، المترجم في ص 23 . ( 3 ) هو صعصعة بن صوحان العبدي ، تابعي كبير مخضرم فصيح ثقة . مات في خلافه معاوية . وصوحان ، بضم الصاد . تهذيب التهذيب . وفي الأصل : « بن عامر بن صعصعة العبدي » ، والصواب : « عن عامر عن صعصعة » كما أثبت . ( 4 ) نعل السيف : حديدة في أسفل غمده . ح : « نصل السيف »تحريف . ( 5 ) هو أبرهة بن الصباح الحبشي ، أو الحميري . ذكره ابن حجر في الإصابة 15 . وفي الأصل : « ابن أبرهة » صوابه في ح . ( 6 ) أي من أجمل من وجد من العرب ، فلذا وحد الضمير ذهابا إلى المعنى . انظر اللسان ( 18 : 221 س 21 ـ 25 ) . وفي ح : « وأكرمها وأبلغها » . ( 7 ) في الأصل : « يملك يوم لا ينفع فيه بيع ولا خلال » ، صوابه من ح . ( 8 ) التؤام ، كغراب : جمع توأم . ح : « التوام » : جمع تامة . ( 242 ) إني أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كلمة النجاة في الحياة ، وعند الوفاة ، وفيها الخلاص ، يوم القصاص . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى ، وإمام الهدى ، صلى الله عليه وسلم كثيرا . ثم قد كان مما قضى الله (1) أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض ، والله يعلم أني كنت لذلك كارها ، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا ، ولم يتركونا نرتاد لأنفسنا ، وننظر لمعادنا حتى نزلوا بين أظهرنا ، وفي حريمنا وبيضتنا . وقد علمنا أن في القوم أحلاما وطغاما ، فلسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا . وقد كنا نحب ألا نقاتل أهل ديننا ، فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلتاهم كراهية (2) فإنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين . أما والله الذي بعث محمدا بالرسالة لوددت أني مت منذ سنة ؛ ولكن الله إذا أراد أمرا لم يستطع العباد رده . فنستعين بالله العظيم ؛ وأستغفر الله لي ولكم » . ثم انكفأ . قال نصر : وفي حديث عمر ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، أن عمرو بن العاص قال يومئذ : لا تأمننا بعـــدها أبــا حســن (3) * إنا نمــر الحرب إمـرار الرسن (4) لتصبحــن مثلهـــا أم لبـــن (5) * طاحنة تدقكـــم دق الحفـــن (6) فأجابه شاعر من شعراء أهل العراق : ____________ ( 1 ) ح : « من قضاء الله » . ( 2 ) في الأصل وح ( 1 : 485 ) : « غدا حمية » والوجه ما أثبت . ( 3 ) في الأصل : « بعده أبا الحسن » وأثبت ما في ح . وكتب ناسخ الأصل : « ويروي : خذها إليك فاعلمن أبا حسن » . ( 4 ) الرسن : الحبل . وإمراره : إحكام قتله . ح : « تمر الأمر » . ( 5 ) اللبن : جمع لبون ، وهي ذات اللبن من الإبل . عني كثرة ما بهذه الحرب من الإبل وركبانها . ( 6 ) الحفن : جمع حفنة ، بالفتح ، وهي ملء الكفين من طعام ، ولا يكون إلا من شيء يابس كالدقيق ونحوه . ( 243 ) ألا احذروا فـي حربكم أبــا الحسن * ليثا أبـــا شبلين محـذورا فطـن يدقكــم دق المهـاريس الطحـن (1) * لتغبنــن يا جاهــلا أي غبــن (2) حتى تعض الكف أو تقـــرع سن * ندامـــة أن فاتكم عــدل السنــن (3) نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبي ، أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم ـ وهو اليوم السابع من صفر ، وكان من الأيام العظيمة في صفين ، ذا أهوال شديدة ـ حجر الخير وحجر الشر . أما حجر الخير فهو حجر بن عدي صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . وحجر الشر ابن عمه . وذلك أن حجر الشر دعا حجر بن عدي (4) إلى المبارزة ، وكلاهما من كندة ، فأجابه فاطعنا برمحيهما ، ثم حجز بينهما امرؤ من بني أسد ، وكان مع معاوية (5) ، فضرب حجرا ضربة برمحه (6) ، وحمل أصحاب علي فقتلوا الأسدي ، وأفلتهم حجر بن يزيد (7 ) [ حجر (8) ] الشر هاربا ، وكان اسم الأسدي خزيمة بن ثابت . نصر : عمرو بن شمر ، عن عطاء بن السائب قال : أخبرني مروان بن الحكم أن حجرا يوم قتل الحكم بن أزهر جعل يرتجز ويقول : ____________ ( 1 ) المهاريس : جمع مهراس ، وهو حجر مستطيل منقور يهرس به الحب . ( 2 ) في الأصل : « لتغبنن راكبا » صوابه في ح ( 1 : 485 ) . ( 3 ) عدل السنن ، أي الطريق العادل المستقيم . وهذا البيت لم يرو في ح . وفي الأصل : « إن فاته » . ( 4 ) هو حجر بن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي ، وفد على النبي فأسلم . وقتل سنة 51 أو 53 . انظر الإصابة 1624 . ( 5 ) ح ( 1 : 486 ) : « من عسكر معاوية » . ( 6 ) في الأصل : « رمخه » صوابه في ح . ( 7 ) هو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة بن حجر بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين الكندي . وفد على النبي فأسلم ، وكان شريفا ، وكان مع علي يوم الجمل ، واتصل بعد بمعاوية فاستعمله على أرمينية . انظر الإصابة 1626 . وقد ورد ذكره في حواشي الاشتقاق ص 219 أنه حجر بني زيد ، صوابه ( بن يزيد ) . ( 8 ) تكملة يقتضيها السياق . ( 244 ) أنــا الغلام اليمنـــي الكنــدي * قــد لبس الديبــاج والإفـرنــدي (1) أنــا الشريــف الأريحي المهـدي * يا حكـــم بن أزهــر بـن فهـــد لقـــد أصبــت غارتي وحــدي * وكرتــــي وشدتــي وجـــدي أثبــت أقاتلـــك الغـــداة وحدي فلما أن أصاب الحكم بن أزهر حمل عليه رفاعة بن ظالم الحميري وهو يقول : أنــا ابن عــم الحكم بن أزهــر * الماجـــد القمقام حيــن يذكــر في الذروتين مــن ملــوك حمير * يـــا حجر الشر تعالى فــانظـر أنـــا الغلام المــلك المحبــر * الواضح الوجــه كريــم العنصـر أقـــدم إذا شئـت ولا تأخـــر * والله لا ترجـــع ولا تــعثـــر في قـــاع صفيــن بواد معفـر ثم إن رفاعة حمل على حجر الشر فقتله فقال علي : الحمد لله الذي قتل حجرا بالحكم بن أزهر . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن تميم ، أن عليا قال : من يذهب بهذا المصحف إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى ما فيه ؟ فأقبل فتى اسمه سعيد فقال : أنا صاحبه . ثم أعادها فسكت الناس وأقبل الفتى (2) فقال : أنا صاحبه . فقال علي دونك . فقبضه [ بيده ] ثم أتى معاوية فقرأه عليهم ودعاهم إلى ____________ ( 1 ) في اللسان والقاموس أن « الفرند » ضرب من الثياب ، دخيل معرب . وفي المعرب 135 ، 243 أن الفرند الحرير ، وأنشد للفرزدق : ليسن الفرند الخسروانــي فوقه * مشاعر مــن خز العراق المفوف ولذي الرمة : كأن الفرند الخسروانـــي لثنه * بأعطاف أنقـــاء العقوق العواتك وأما الإفرندي ، فلم أجده إلا المنسوب إلى الإفرند ، لغة في فرند السيف . ( 2 ) ح : « وتقدم الفتى » . ( 245 ) ما فيه فقتلوه . وزعم تميم (1) أنه سعيد بن قيس . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر (2) قال : سمعت الشعبي يقول : كان عبد الله بن بديل الخزاعي مع علي يومئذ ، وعليه سيفان ودرعان ، فجعل يضرب الناس بسيفه قدما وهو يقول : لم يبـق إلا الصبــر والتوكـــل * وأخذك التـــرس وسيفا مقصـل (3) ثم التمشـــي في الرعيــل الأول (4) * مشى الجمال في حياض المنهل (5) والله يقضي مـــا يشــا ويفعــل فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية [ والذين بايعوه على الموت ، فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل ، وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع من معه ، واختلط الناس واضطرم الفيلقان : ميمنة أهل العراق ، وميسرة أهل الشام . وأقبل عبد الله بن بديل يضرب الناس بسيفه قدما ] حتى أزال معاوية عن موقفه (6) ، وجعل ينادي : يا لثارات عثمان ! ـ يعني أخا كان له قد قتل ـ وظن معاوية وأصحابه أنه إنما يعني ____________ ( 1 ) هو تميم بن حذلم ـ بكسر المهملة وسكون المعجمة وفتح اللام ـ الضبي ، أبو سلمة الكوفي ، ثقة مات سنة 100 . وقد اختلف في اسم أبيه فقيل « خزيم » و « حذيم » والصواب « حذلم » . انظر تقريب التهذيب ومنتهى المقال . ( 2 ) هو جابر بن يزيد الجعفي ، ثقة في نفسه ، ولكن جل من روى عنه ضعيف فمن أكثر عنه من الضعفاء عمرو بن شمر الجعفي ، ومفضل بن صالح السكوني . وفي الميزان أنه روى عن أبي الطفيل الصحابي . مات سنة 127 أو 132 . تهذيب التهذيب ، وميزان الاعتدال ، ومنتهى المقال . ( 3 ) ح ( 1 : 486 ) : « والترس والرمح » ، وفي الأصل وح : « وسيف مصقل » تحريف ، وإنما هو « مقصل » يقال سيف قاصل ومقصل وقصال : قطاع . وانظر للرجز الإصابة . 455 في ترجمة عبد الله بن بديل حيث نقل الخبر عن وقعه صفين . ( 4 ) التمشي : المشي . وفي الأصل : « التمسني » صوابه في ح . ( 5 ) في الأصل : « في الحياض » صوابه في ح . ( 6 ) في الأصل : « فأزاله عن موقفه » وأثبت ما في ح لتلتئم التكملة السابقة بالكلام . ( 246 ) عثمان بن عفان (1) . [ وتراجع معاوية عن مكانه القهقري كثيرا ، وأشفق على نفسه ، وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه . ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها ، حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء ، فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم ، ولجج ابن بديل في الناس وصمم على قتل معاوية ، وجعل يطلب موقفه ويصمد نحوه حتى انتهى إليه ] عبد الله بن عامر واقفا ، [ فنادى معاوية بالناس : ويلكم ! الصخر والحجارة إذا عجزتم عن السلاح ] . فأقبل أصحاب معاوية على عبد الله بن بديل يرضخونه بالصخر (2) حتى أثخنوه وقتل الرجل ، وأقبل إليه معاوية وعبد الله بن عامر [ حتى وقفا عليه ] . فأما عبد الله ابن عامر فألقى عمامته على وجهه وترحم عليه ، وكان له [ من قبل ] أخا وصديقا ، فقال معاوية : اكشف عن وجهه . [ فقال : لا والله ، لا يمثل به وفي روح . فقال معاوية : اكشف عن وجهه ، فإنا لا نمثل به ] ، فقد وهبته لك (3) . فكشف [ ابن عامر ] عن وجهه فقال معاوية : هذا كبش القوم ورب الكعبة اللهم أظفرني بالأشتر النخعي والأشعث الكندي . والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر (4) : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا ____________ ( 1 ) بعد هذا في الأصل : « حتى إذا أزال معاوية عن موقفه » وهي عبارة مقحمة . ( 2 ) ح : « فرضخه الناس بالصخر والحجارة » . ( 3 ) ح : « قد وهبناه لك » . ( 4 ) هو حاتم الطائي من قصيدة له في ديوانه ( خمسة دواوين العرب 121 ـ 122 ) . ( 247 ) ويحمي ، إذا ما الموت كان لقاؤه * قدي الشبر ، يحمي الأنف أن يتأخرا (1) كليث هزبر كان يحمــي ذماره * رمته المنايا قصدهــا فتقطــرا (2) مع أن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها فعلت . نصر : عمرو ، عن أبي روق الهمداني أن يزيد بن قيس الأرحبي حرض الناس بصفين . قال : فقال : « إن المسلم السليم (3) من سلم دينه ورأيه . إن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلونا (4) على إقامة دين رأونا ضيعناه ، ولا إحياء عدل رأونا أمتناه ، ولا يقاتلونا (5) إلا على إقامة الدنيا ؛ ليكونوا جبابرة فيها ملوكا ، فلو ظهروا عليكم ـ لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا ـ إذا ألزموكم (6) مثل سعيد والوليد (7) ____________ ( 1 ) قدى الشبر ، بكسر القاف والقصر ، أي قدره ، كأنه مقلوب من قيد ، بالكسر . يقال قدى رمح وقد رمح وقاد رمح . وأنشد : ولكن إقدامي إذا الخيل أحجمت * وصبري إذا ما الموت كان قدى الشبر وقد نسب بيت حاتم هذا في اللسان ( 20 : 32 ) إلى هدبة بن الخشرم . وروايته فيه : وإني إذا ما الموت لم يك دونه * قدى الشبر أحمي الأنف أن يتأخرا وفي اللسان : « أتأخرا » . في الأصل : « لدى الشر » وفي ح : « قدى السير » صوابهما ما أثبت . ( 2 ) تقطر : سقط صريعا . وهذا البيت لم يرو في الديوان . ( 3 ) هذه الكلمة ليست في ح . ( 4 ) في الأصل : « يقاتلوا » صوابه في ح ( 1 : 485 ) . ( 5 ) في الأصل : « ولن يقاتلونا » وأثبت ما في ح . ( 6 ) ح ( 1 : 485 ) : « إذا لوليكم » والعبارتان متقاربتان . ( 7 ) يعني سعيد بن العاص ، والوليد بن عقبة . أما سعيد فكان واليا لعثمان على الكوفة بعد الوليد بن عقبة ، وولاه معاوية المدينة وتوفى سنة 53 . وأما الوليد بن عقبة بن أبي معيط فكان أخا عثمان لأمه ، وولاه الكوفة ثم عزله عنها وجلده لشربه الخمر . وكان ممن يحرض معاوية على قتال علي . انظر ما سبق في ص 52 ـ 54 . ( 248 ) وعبد الله بن عامر (1) السفيه ، يحدث (2) أحدهم في مجلسه بذيت وذيت ، ويأخذ مال الله ويقول : هذا لي ولا إثم علي فيه ، كأنما أعطى تراثه من أبيه ، وإنما هو مال الله أفاءه الله علينا بأسيافنا ورماحنا . قاتلوا ، عباد الله ، القوم الظالمين ، الحاكمين بغير ما أنزل الله ، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم ، إنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا دينكم ودنيا كم ، وهم من قد عرفتم وجربتم . والله ما أرادوا إلى هذا إلا شرا (3) . [ وأستغفر الله العظيم لي ولكم ] " . فقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة حتى انتهى إلى معاوية مع الذين بايعوه على الموت . فأقبلوا إلى معاوية فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل في الميمنة ، وبعث معاوية إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة ، فحمل بمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم ، وكشف أهل العراق ميلا من قبل الميمنة ، حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة من القراء ، واستند بعضهم إلى بعض ، وانجفل الناس عليهم (4) ، فأمر على سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان مع علي من أهل المدينة ، فاستقبلتهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة ، فحملوا عليهم وألحقوهم بالميمنة ، وكانت الميمنة متصلة إلى موقف علي في القلب في أهل اليمن ، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي ؛ فانصرف علي يمشي نحو ____________ ( 1 ) هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، ابن خال عثمان ابن عفان ، ولاه عثمان البصرة ثم وليها لمعاوية . وكان قد فتح خراسان في أيام عثمان ، فأحرم من نيسابور وقدم عليه ، فلامه على ما صنع وقال : « غررت بنسكك » . الإصابة 6175 والمعارف 139 ـ 140 . ( 2 ) في الأصل : « الذي يحدث » وكلمة : « الذي » مقحمة . ( 3 ) ح ( 1 : 485 ) : « ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرا » . ( 4 ) انجفلوا عليهم : ذهبوا مسرعين نحوهم . وفي الحديث : « لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله » ، أي ذهبوا مسرعين نحوه . وفي الأصل : « انحفل » صوابه بالجيم . ****************** الميسرة ، فانصرف عنه مضر من الميسرة ، وثبت ربيعة . نصر : عن عمر بن سعد ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب قال : مر علي يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة [ ومعه ربيعة وحدها ] وإني لأرى النبل بين عاتقه ومنكبيه ، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه ، فيكره علي ذلك ، فيتقدم (1) عليه فيحول بينه وبين أهل الشام ، ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه ، أو من ورائه . فبصر به أحمر ـ مولى أبي سفيان ، أو عثمان ، أو بعض بني أمية ـ فقال علي : ورب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني ! فأقبل نحوه ، فخرج إليه كيسان مولى علي ، فاختلفا ضربتين ، فقتله مولى بني أمية وخالط عليا ليضربه بالسيف ، فانتهزه علي (2) فتقع يده في حبيب درعه (3) فجذبه ثم حمله على عاتقه ، فكأني أنظر إلى رجليه تختلفان على عنق علي ، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضده ، وشد ابنا علي عليه : الحسين ومحمد ، فضرباه بأسيافهما [ حتى برد (4) ] ، فكأني أنظر إلى علي قائما وشبلاه يضربان الرجل ، حتى إذا أتيا عليه (5) أقبلا إلى أبيهما والحسن معه قائم ، قال : يا بني ، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك ؟ قال : كفياني يا أمير المؤمنين . ثم إن أهل الشام دنوا منه ـ والله ما يزيده قربهم منه [ ودنوهم إليه ] سرعة في مشية (6) ـ فقال له الحسن : ما ضرك لو سعيت حتى تنتهى إلى هؤلاء ____________ ( 1 ) في الأصل : « فيقدم » وأثبت ما في ح ( 1 : 486 ) . ( 2 ) انتهزه ، بالزاي : بادر إليه وأسرع . قال : * وانتهز الحق إذا الحق وضح * ( 3 ) أي يد علي . في الأصل : « فوقع يده » وأثبت ما في ح . ( 4 ) برد : مات . ( 5 ) في الأصل : « قتلاه » وأثبت ما في ح . ( 6 ) في الأصل : « إلا سرعة في مشيه » والوجه حذف ( لا ) كما في ح ، وهو ما يقتضيه السياق . ( 250 ) الذين صبروا لعدوك من أصحابك ؟ ـ [ قال : يعني ربيعة الميسرة ] ـ قال : يا بني [ إن ] لأبيك يوما لن يعدوه ، ولا يبطئ به عنه السعي ، ولا يعجل به إليه المشي . إن أباك والله ما يبالي وقع على الموت أو وقع الموت عليه . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي إسحاق ، قال : خرج علي يوم صفين وفي يده عنزة (1) ، فمر على سعيد بن قيس الهمداني ، فقال له سعيد : أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قرب عدوك ؟ فقال له علي : ( إنه ليس من أحد إلا عليه من الله حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب ، أو يخر عليه حائط ، أو تصيبه آفة ، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه " . نصر ، عن عمر ، عن فضيل بن خديج ، عن مولى الأشتر قال : لما انهزمت ميمنة أهل العراق أقبل علي يركض نحو الميسرة يستثيب الناس (2) ويستوقفهم ويأمرهم بالرجوع نحو الفزع ، حتى مر بالأشتر فقال له : يا مالك . قال : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال : ائت [ هؤلاء ] القوم فقل لهم : أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم ؟ فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم هؤلاء الكلمات التي أمره علي بهن (3) وقال : أيها الناس ، أنا مالك بن الحارث ـ [ يكررها ـ فلم يلو أحد منهم عليه ] . ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس فقال : أيها الناس ، أنا الأشتر ، إلى أيها الناس . فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فقال : عضضتم بهن أبيكم ، ____________ ( 1 ) العنزة ، بالتحريك : رميح بين العصا والرمح في أسفله زج . ( 2 ) يستثيب الناس : يسترجعهم ؛ ثاب : رجع . وفي الأصل : « يستئيب » وفي ح : « يستتب » ووجههما ما أثبت . ( 3 ) ح : « فقال لهم الكلمات » وفي الطبري ( 6 : 11 ) : « هذه الكلمات التي قالها له علي » . ( 251 ) ما أقبح [ والله ] ما قاتلتم اليوم (1) يأيها الناس ، غضوا الأبصار ، وعضوا على النواجذ ، واستقبلوا القوم بهامكم ، ثم شدوا شدة قوم موتورين بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم ، حنقا على عدوهم ، وقد وطنوا على الموت أنفسهم ، كي لا يسبقوا بثأر . إن هؤلاء القوم والله لن يقارعوكم إلا عن دينكم ، ليطفئوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة . فطيبوا عباد الله نفسا بدمائكم دون دينكم ؛ فإن الفرار فيه سلب العز ، والغلبة على الفيء ، وذل المحيا والممات ، وعار الدنيا والآخرة ، وسخط الله وأليم عقابه . ثم قال : أيها الناس ، أخلصوا إلى مذحجا . فاجتمعت إليه مذحج ، فقال لهم : عضضتم بصم الجندل ! والله ما أرضيتم اليوم ربكم ، ولا نصحتم له في عدوه ، فكيف بذلك وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات ، وفتيان الصباح (2) ، وفرسان الطراد ، وحتوف الأقران ، ومذحج الطعان (3) ، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولا تطل دماؤهم ، ولا يعرفون في موطن من المواطن بخسف وأنتم أحد أهل مصركم (4) ، وأعد حي في قومكم (5) وما تفعلوا في في هذا اليوم فإنه مأثور بعد اليوم . فاتقوا مأثور الحديث في غد (6) واصدقوا ____________ ( 1 ) وسيأتي في ص 252 قوله : « والله ما أحسنتم اليوم القراع » . في ح : « ما فعلتم » . ( 2 ) فتيان الصباح : فتيان الغارة ، وكانوا يسمون يوم الغارة يوم الصباح . ( 3 ) في المعارف 49 والعمدة ( 2 : 156 ) : « كان يقال : مازن غسان أرباب الملوك ، وحمير أرباب العرب ، وكندة كندة الملك ، ومذحج مذحج الطعان ، وهمدان أحلاس الخيل » . ( 4 ) ح : « وأنتم سادة مصركم » . ( 5 ) أعد : أكثر عددا . وفي الحديث : « يخرج جيش من المشرق آدى شيء وأعده » أي أكثره استعدادا وعددا . وفي ح : « وأعز حي » من العزة ، وما أثبت من الأصل يوافق ما في الطبري . ( 6 ) مأثور الحديث : ما يؤثر ويروى ويخبر الناس به بعضهم بعضا . وفي الأصل : « وأبقوا مآثر الحديث في غد » صوابه في ح والطبري . > ( 252 ) عدوكم اللقاء ؛ فإن الله مع الصابرين . والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء ـ وأشار بيده إلى أهل الشام ـ رجل علي مثل جناح بعوضة من دين الله . والله ما أحسنتم اليوم القراع . اجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي . عليكم بهذا السواد الأعظم ، فإن الله لو [ قد ] فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع [ مؤخر (1) ] السيل مقدمه . قالوا : خذ بنا حيث أحببت . فصمد بهم نحو عظمهم مما نحو الميمنة ، وأخذ يزحف إليهم الأشتر ويردهم ، ويستقبله شباب من همدان (2) وكانوا ثماني مائة مقاتل يومئذ وقد انهزموا آخر الناس ، وكانوا قد صبروا في ميمنة علي عليه السلام حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل ، وقتل منهم أحد عشر رئيسا ، كلما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر . فكان أولهم كريب بن شريح ، وشرحبيل بن شريح ، ومرثد بن شريح ، وهبيرة بن شريح ، ثم يريم بن شريح (3) ، [ ثم شمر بن شريح (4) ] ، قتل هؤلاء الإخوة الستة جميعا ، ثم أخذ الراية سفيان بن زيد ، ثم عبد بن زياد ، ثم كرب بن زيد (5) فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعا . ثم أخذ الراية عمير بن بشر (6) ، والحارث بن بشر ، فقتلا . ثم أخذ الراية وهب بن كريب (7) أبو القلوص ، فأراد أن يستقبل ____________ ( 1 ) هذه من الطبري . ( 2 ) في الأصل : « واستقبله سنام من همدان » . ح ( 1 : 487 ) : « واستقبله أشباههم من همدان » . وأثبت ما في الطبري . ( 3 ) في الأصل : « بريم » صوابه من الطبري . وفي ح : « هريم » . ( 4 ) التكملة من ح والطبري . لكن في الطبري : « سمير » . ( 5 ) الطبري : « كريب بن زيد » وفي ح : « سفيان بن زيد ، ثم كرب بن زيد ، ثم عبد الله بن زيد » . ( 6 ) في الأصل : « عميرة بن بشر » وأثبت ما في ح . وفي الطبري : « عمير بن بشير » . ( 7 ) في الأصل : « وهيب » وأثبت ما في ح والطبري . ( 253 ) فقال له رجل من قومه : انصرف [ يرحمك الله ] بهذه الراية ترحها الله (1) من راية ، فقد قتل أشراف قومك حولها ، فلا تقتل نفسك ولا من بقي ممن معك . فانصرفوا وهم يقولون : ليت لنا عديدا من العرب يحالفوننا ثم نستقدم نحن وهم ، فلا ننصرف حتى نقتل أو نظهر (2) . فمروا بالأشتر وهم يقولون هذا القول ، فقال لهم الأشتر : إلى ، أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظهر أو نهلك (3) فوقفوا معه [ على هذه النية والعزيمة ] . ففي هذا القول قال كعب ابن جعيل (4 ) : * وهمدان زرق تبتغي من تحالف (5) * وزحف الأشتر نحو الميمنة ، وثاب إليه أناس تراجعوا من أهل البصيرة والحياء والوفاء (6) ، فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها ، ولا لجمع إلا حازه ورده (7) . فإنه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر فقال : من هذا ؟ قيل : " زياد بن النضر ، استلحم [ عبد الله بن بديل (8) ] وهو وأصحابه في الميمنة ، فتقدم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع " . ثم لم ____________ ( 1 ) ترحها الله ، دعاء عليها بالترح ، وهو الحزن والهم . وفي اللسان : « ترحه الأمر تتريحا : أي أحزنه » . وهذه الكلمة ليست في الطبري وفي ح : « نزحها الله » تحريف . ( 2 ) الظهور : الظفر ، ظهر عليه ظهورا وأظهره الله عليه ح : « حتى نظفر أو نقتل » الطبري : « حتى تقتل أو نظفر » . ( 3 ) ح والطبري : « حتى نظفر أو نهلك » . ( 4 ) في الأصل : « في هذا القول فقال كعب بن جعيل » وأثبت ما في الطبري . وفي ح : « فهذا معنى قول كعب بن جعيل » . ( 5 ) المراد بالزرق زرق العيون ، والعرب يتهاجون بذلك ، ويعدونه من اللؤم . انظر الحيوان ( 3 : 175 و 5 : 330 ـ 331 ) . ( 6 ) ح : « أهل الصبر والوفاء والحياء » . ( 7 ) في الأصل وح : « جازه » صوابه بالحاء كما في الطبري . انظر ما سبق ص 234 . ( 8 ) استلحم ، بالبناء للمفعول : احتوشه العدو في القتال . وهذه التكملة من الطبري ( 6 : 12 ) . والكلام في ح محرف مبتور . ( 254 ) يمكثوا إلا كلا شئ حتى مروا بيزيد بن قيس محمولا إلى العسكر ، فقال الأشتر : من هذا ؟ قالوا : " يزيد بن قيس ، لما صرع زياد بن النضر رفع لأهل الميمنة رايته فقاتل حتى صرع " . فقال الأشتر : " هذا والله الصبر الجميل ، والفعل الكريم . ألا يستحيي الرجل أن ينصرف لم يقتل ولم يقتل ولم يشف به على القتل ؟ " . نصر ، عن عمر ، عن الحر بن الصياح (1) [ النخعي (2) ] أن الأشتر كان يومئذ يقاتل على فرس له ، في يده صفيحة [ له ] يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبا ؛ فإذا رفعها كاد يغشي البصر (3) شعاعها ، ويضرب بسيفه قدما وهو يقول : * الغمرات ثم ينجلينا (4) * قال : فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي ، والأشتر مقنع في الحديد ، فلم ____________ ( 1 ) الحر ، بضم الحاء المهملة وتشديد الراء ، بن الصياح ، كشداد ، النخعي الكوفي ، ثقة من الثالثة ، وروى عن ابن عمر وأنس وعبد الرحمن بن الأخنس ، وعنه شعبة والثوري وأبو خيثمة وعمرو بن قيس الملائي . انظر تهذيب التهذيب والمشتبه 310 . وفي الأصل : « الحر بن الصباح » وأثبت ما في التهذيب والمشتبه مطابقا ما في الطبري . وفي ح : « الحارث ابن الصباح » وهو رجل شيعي آخر ذكره ابن حجر في لسان الميزان ( 6 : 153 ) وقال إنه تابعي روى عن علي . ( 2 ) هذه التكملة من الطبري ، وهي تعين أنه « الحر بن الصياح النخعي » . ( 3 ) يغشى البصر : يذهب به . وفي كتاب الله : ( فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) . وقد وردت هكذا بالغين المعجمة في الأصل وح والطبري . وهم يقولون كثيرا في نحو هذا المقام : « يعشى » بالعين المهملة ، والعشا : ضعف الإبصار . ( 4 ) هو للأغلب العجلي ، كما في أمثال الميداني . في الأصل : « غمرات » وفي أمثال الميداني : « غمرات ثم ينجلين » ويروى : « الغمرات ثم ينجلين » . وهذا الأخير هو الوجه في الإنشاد ، ففي جمهرة العسكري 150 عند الكلام على المثل : هو من قول الراجز : الغمرات ثم ينجلين * عنا وينزلن بآخرين شدائد يتبعهن لين وانظر مقاييس اللغة ( غمر ) . ( 255 ) يعرفه ، فدنا منه وقال له : جزاك الله منذ اليوم عن أمير المؤمنين عليه السلام وجماعة المسلمين خيرا . فعرفه الأشتر فقال : يا ابن جمهان ، أمثلك يتخلف اليوم عن مثلى موطني هذا الذي أنا فيه ؟ فتأمله ابن جمهان فعرفه ، وكان الأشتر من أعظم الرجال وأطوله (1) ، إلا أن في لحمه خفة قليلة ـ قال : جعلت فدك ، لا والله ما علمت مكانك حتى الساعة ، ولا أفارقك حتى أموت . قال : ورآه (2) منقذ وحمير ابنا قيس الناعطيان (1) فقال منقذ لحمير : ما في العرب رجل مثل هذا إن كان ما أرى من قتاله على نيته . فقال له حمير : وهل النية إلا ما ترى ؟ قال : إني أخاف أن يكون يحاول ملكا . نصر ، عن عمر (4) ، عن فضيل بن خديج ، عن مولي الأشتر قال : لما اجتمع إلى الأشتر عظم من كان انهزم من الميمنة حرضهم فقال لهم : « عضوا على النواجذ من الأضراس ، واستقبلوا القوم بهامكم ، فإن الفرار من الزحف فيه سلب العز ، والغلبة علي الفيء ، وذل المحيا والممات ، وعار الدنيا والآخرة (5) » . ثم حمل عليهم حتى كشفهم فألحقهم بصفوف معاوية (6) بين صلاة العصر والمغرب . نصر ، عن عمر ، عن محمد بن إسحاق ، أن عمرو بن حمية الكلبي خرج يوم صفين وهو مع معاوية يدعو للبراز . ____________ ( 1 ) في الأصل وح : « وأطولهم » وأثبت ما في الطبري . وانظر التنبيه السادس من ص 241 . ( 2 ) في الأصل : « ورأى » وفي ح : « رأى الأشتر يومئذ منقذا وحميرا ابنا قيس » تحريف ، صوابه من الطبري . ( 3 ) بنو ناعط : قبيلة في اليمن . انظر الاشتقاق 251 . وفي الأصل : « البعطبان » ح ( 1 : 488 ) : « اليقظيان » والأشبه ما أثبت من الطبري . ( 4 ) ح : « عمرو » . ( 5 ) الخطبة في تاريخ الطبري ( 6 : 12 ) مسهبة . ( 6 ) ح : « بمضارب معاوية » . ( 256 ) نصر ، عن عمر (1) ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، أن عليا لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها وكشف من بإزائها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم ، أقبل حتى انته إليهم فقال : إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم ، يحوزكم (2) الجفاة الطغام وأعراب أهل الشام ، وأنتم لهاميم العرب ، والسنام الأعظم ، وعمار الليل بتلاوة القرآن ، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون (3) . فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم ، وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره ، وكنتم فيما أرى من الهالكين . ولقد هون علي بعض وجدي ، وشفي بعض أحاح نفسي (4) أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم ، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم ، تحوزونهم بالسيوف ليركب أولهم آخرهم ؛ كالإبل المطردة الهيم (5) . فالآن فاصبروا ، أنزلت عليكم السكينة ، وثبتكم الله باليقين . وليعلم المنهزم أنه مسخط لربه ، وموبق نفسه ؛ وفي الفرار موجدة الله عليه ، والذل اللازم [ له ، والعار الباقي ، واعتصار الفيء من يده (6) ] ، وفساد العيش ، وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره ، ولا يرضى ربه . فموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها (7) والإقرار عليها . ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 488 ) : « عمرو » . ( 2 ) يحوزكم : ينحيكم عن مراكزكم . في الأصل : « وتحززكم » صوابه في ح والطبري ( 6 : 14 ) . وانظر ما مضى ص 234 . ( 3 ) في الأصل : « إذا ضل » وأثبت ما في ح والطبري . ( 4 ) الأحاح ، بالضم : اشتداد الحزن والغيظ . وفي الأصل : « حاج » صوابه في الطبري . وفي ح : « لاعج » . ( 5 ) الهيم : العطاش . في الأصل وح : « المطرودة » وأثبت ما في الطبري . ( 6 ) كلمة : « له » من ح . وباقي التكملة من الطبري . ( 7 ) الطبري : « بالتأنيس لها » . ( 257 ) نصر ، عن عمر [ قال : حدثنا ] أبو علقمة الخثعمي ، أن عبد الله بن حنش الخثعمي رأس خثعم مع معاوية ، أرسل إلي أبي كعب رأس خثعم مع علي : أن لو شئت لتواقفنا فلم نقتتل ، فإن ظهر صاحبك كنا معكم ، وإن ظهر صاحبنا كنتم معنا ولم يقتل بعضنا بعضا ، فأبي أبو كعب ذلك ، فلما التقت خثعم وخثعم وزحف الناس بعضهم إلي بعض ، قال رأس خثعم الشام لقومه : يا معشر خثعم ، قد عرضنا (1) على قومنا من أهل العراق الموادعة صلة لأرحامهم ، وحفظا لحقهم ، فأبوا إلا قتالنا ، فقد بدءونا بالقطيعة فكفوا أيديكم عنهم حفظا لحقهم أبدا ما كفوا عنكم ؛ فإذا قاتلوكم فقاتلوهم . فخرج رجل من أصحابه فقال : [ إنهم ] قد ردوا عليك رأيك وأقبلوا يقاتلونك . ثم برز فنادى : رجل لرجل يا أهل العراق . فغضب رأس خثعم من أهل الشام ، فقال : اللهم قيض له وهب بن مسعود ـ رجلا من خثعم من أهل الكوفة ، وقد كانوا يعرفونه في الجاهلية ، لم يبارزه رجل قط إلا قتله ـ فخرج إليه وهب بن مسعود فحمل على الشامي فقتله ، ثم اضطربوا [ ساعة ] فاقتتلوا أشد القتال ، وأخذ أبو كعب يقول لأصحابه : يا معشر خثعم : خدموا (2 ) . وأخذ صاحب الشام يقول : يا أبا كعب ، [ الكل ] قومك فأنصف ! فاشتد قتالهم ، فحمل شمر بن عبد الله الخثعمي من أهل الشام على أبي كعب رأس خثعم الكوفة فطعنه ، فقتله ، ثم انصرف يبكي ويقول : رحمك الله يا أبا كعب ، لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بي رحما منهم وأحب إلى نفسا منهم . ولكن والله ما أدرى ما أقول ، ولا أري (3) الشيطان إلا قد فتننا ، ولا أرى قريشا إلا قد لعبت بنا . ووثب كعب بن أبي كعب ____________ ( 1 ) في الأصل : « عرضت » ، وأثبت ما في ح . ( 2 ) فسره ابن أبي الحديد في ( 1 : 489 ) بقوله : « أي اضربوا موضع الخدمة وهي الخلخال . يعني اضربوهم في سوقهم » . ( 3 ) في الأصل : « أدري » ، صوابه في ح . ( 258 ) إلى راية أبيه فأخذها ، ففقئت عينه وصرع ، ثم أخذها شريح بن مالك فقاتل القوم تحتها ، حتى صرع منهم حول رايتهم ثمانون رجلا ، وأصيب من خثعم الشام نحو منهم . ثم إن شريح بن مالك ردها بعد ذلك إلى كعب بن أبي كعب . نصر ، عن عمرو (1) ، عن عبد السلام بن عبد الله بن جابر (2) ، أن راية بجيلة في صفين كانت في أحمس مع أبي شداد ـ وهو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن عامر (3) بن علي بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار . فقالت له بجيلة : خذ رايتنا . فقال : غيري خير لكم مني . قالوا : ما نريد غيرك . قال : فوالله لئن أعطيتمونيها لا أنتهى (4) بكم دون صاحب الترس المذهب ـ قال : وعلى رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب ، يستره من الشمس ـ قالوا : اصنع ما شئت . فأخذها ثم زحف وهو يقول : إن عليـــا ذو أنــاة صــارم * جلــد إذا مــا حضر العــزائم لما رأى مــا تفعــل الأشائـم * قــام لــه الــذروة والأكــارم الأشيبــــان مالك وهـــاشم ثم زحف بالراية حتى انتهى إلى صاحب الترس المذهب ، وكان في خيل عظيمة من أصحاب معاوية ـ وذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ـ قال : فاقتتل الناس هنالك قتالا شديدا . قال : وشد أبو شداد بسيفه نحو ____________ ( 1 ) في الأصل : « عمر » ، وأثبت ما في ح . ( 2 ) هو عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي ، كما في الطبري . ذكره في لسان الميزان ( 4 : 13 ) وقال : إنه روي عن أبيه . وذكر في ترجمة أبيه أنه لم يرو عنه إلا ابنه . انظر ( 3 : 265 ) . وفي الأصل : « عبد السلام بن عبد الله عن جابر » وكلمة « عن » محرفة . ( 3 ) في ح : « بن عمرو بن عوف بن عامر » ، وما أثبت من الأصل يطابق ما في الإصابة 7307 . وفي تاريخ الطبري : « بن عمرو بن جابر » . ( 4 ) في الأصل : « لانتهى » صوابه في ح . ( 259 ) صاحب الترس ، فتعرض له رومى من دونه لمعاوية ، فضرب قدم أبي شداد فقطعها وضربه أبو شداد فقتله ، وأشرعت إليه الأسنة فقتل ، وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي وهو يقول : لا يبعد الله أبــــا شــــداد * حيث أجاب دعـــوة المنــادى وشد بالسيــف على الأعــادي * نعــم الفتى كان لــدى الطـراد وفي طعــان الخيــل والجــلاد ثم قاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل فقتل ، ثم أخذها عفيف بن إياس [ الأحمسي ] ، فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس . [ قال نصر ] : و [ حدثنا عمرو قال : حدثنا عبد السلام قال ] : قتل حازم بن أبي حازم ، أخو قيس بن أبي حازم ، يومئذ ، وقتل نعيم بن صهيب بن العلية [ البجلي (1) ] ، فأتى ابن عمه وسميه نعيم بن الحارث بن العلية (2) معاوية ـ وكان معه ـ فقال : إن هذا القتيل ابن عمى فهبه لي أدفنه . فقال : لا تدفنهم فليسوا أهلا لذلك ، فوالله ما قدرنا (3) على دفن عثمان معهم إلا سرا . قال : والله لتأذنن لي في دفنه أو لا لحقن بهم ولأدعنك . فقال له معاوية : [ ويحك ] ترى أشياخ العرب لا نواريهم (4) وأنت تسألني دفن ابن عمك ؟ ثم قال له : ادفنه إن شئت أو دع (5) . فأتاه فدفنه . نصر ، عن عمر (6) ، عن أبي زهير العبسي ، عن النضر بن صالح أن راية ____________ ( 1 ) في الأصل : « نعيم بن سهيل بن الثعلبة » وأثبت ما في الطبري مع هذه التكملة . وفي ح ( 1 : 489 ) : « نعيم بن شهد بن التغلبية » . ( 2 ) في الأصل : « الثعلبة » وفي ح : « الثعلبية » وأثبت ما في الطبري . ( 3 ) في الأصل : « ما قدر » وأثبت ما في ح والطبري . ( 4 ) ح : « ترى أشياخ العرب قد أجالتهم أمورهم » . ( 5 ) في الأصل وح : « أودعه » وأثبت ما في الطبري . ( 6 ) ح : « عمرو » . ( 260 ) غطفان العراق كانت مع عياش بن شريك بن حارثة بن جندب (1) بن زيد بن خلف بن رواحة ، قال : فخرج رجل من آل ذي الكلاع يسأل المبارزة فبرز إليه قائد بن بكير العبسي ، فبارزه فشد عليه الكلاعي فأوهطه (2) ، فخرج إليه عياش بن شريك أبو سليم فقال لقومه : أنا مبارز الرجل ، فإن أصيب فرأسكم الأسود بن حبيب بن جمانة (3) بن قيس بن زهير ، فإن قتل فرأسكم هرم بن شتير (4) بن عمرو بن جندب ، فإن قتل فرأسكم عبد الله بن ضرار من بني حنظلة بن رواحة . ثم مشى نحو الكلاعي فلحقه هرم بن شتير (4) فأخذ بظهره فقال : ليمسك رحم (5) ، لا تبرز لهذا الطوال ! قال : هبلتك الهبول (6) ، وهل هو إلا الموت . قال : وهل يفر إلا منه ؟ ! قال : وهل منه بد ؟ قال : والله لأفتلنه أو ليلحقني (7) بقائد بن بكير . فبرز له ومعه حجفة له من جلود الإبل ، فدنا منه فنظر عياش بن شريك فإذا الحديد عليه مفرغ لا يرى منه عورة (8) إلا مثل شرائك النعل من عنقه بين بيضته ودرعه ، فضربه الكلاعي فقطع حجفته إلا نحوا من شبر ، ويضر به عياش على ذلك الموضع (9) فقطع نخاعه ، وخرج ابن الكلاعي ثائرا بأبيه ، فقتله بكير بن وائل . ____________ ( 1 ) في الأصل : « بن جارية بن جنيدب » وأثبت ما في ح . ( 2 ) أوهطه : صرعه صرعة لا يقوم منها . ( 3 ) في الأصل : « الأسعد بن حبيب بن حمامة » وأثبت ما في ح . ( 4 ) في الأصل : « هرم بن شبير » وأثبت ما في ح . ( 5 ) الرحم : القرابة ، كأنه يتوسل إليه بحق القرابة . ح : « لتمسك » بالتاء . ( 6 ) في اللسان : « وفي حديث علي : هبلتهم الهبول . أي ثكلتهم الثكول ، وهي بفتح الهاء من النساء التي لا يبقى لها ولد » . ( 7 ) في الأصل : « ليقتلني أو ليلحقن » صوابه في ح ( 1 : 489 ) . ( 8 ) ح : « لا يبين من نحره » . ( 9 ) أي في الموضع الذي كانا فيه . وفي الأصل : « وضربه عياش على ذلك المكان » . ( 261 ) نصر ، قال : عمر ، حدثني أبو الصلت التيمي أن زياد بن خصفة بارزه فقتله . نصر : عمر ، عن الصلت بن زهير النهدي أن راية بني نهد بن زيد أخذها مسروق بن الهيثم بن سلمة ، فقتل وأخذ الراية صخر بن سمى فارتث (1) ثم أخذها علي بن عمير فقاتل حتى ارتث ، ثم أخذها عبد الله بن كعب فقتل ، ثم رجع إليهم سلمة بن خذيم (2) بن جرثومة وكان يحرض الناس ، فوجد عبد الله بن كعب قد قتل ، فأخذ رايته فارتث وصرع ، فأخذها عبد الله بن عمرو بن كبشة (3) فارتث ، ثم أخذها أبو مسبح (4) بن عمرو الجهني فقتل ، ثم أخذها عبد الله بن النزال فقتل ، ثم أخذها ابن أخيه عبد الرحمن بن زهير فقتل ، ثم أخذها مولاه مخارق فقتل ، حتى صارت إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي (5) . [ قال نصر : فحدثنا عمر ، وقال : حدثنا الصلت بن زهير قال : حدثني عبد الرحمن بن مخنف ] قال : صرع يزيد بن المغفل إلى جنبي فقتلت صاحبه وقمت على رأسه (6) ، وقتل أبو زبيب بن عروة فقتلت صاحبه ، وجاءني سفيان بن عوف فقال : أقتلتم (7) يا معشر الأزد يزيد بن المغفل ؟ فقلت له : [ إي والله إنه لهذا الذي تراني قائما على رأسه . قال : ومن أنت حياك الله ؟ قلت : أنا عبد الرحمن بن مخنف . فقال : الشريف الكريم ، حياك الله ومرحبا بك ____________ ( 1 ) ارتث ، على ما لم يسم فاعله : ضرب في الحرب فأثخن وحمل وبه رمق ثم مات من بعد . ( 2 ) خذيم ، بالذال المعجمة كما في ح . وفي الأصل : « خديم » تحريف . ( 3 ) ح : « كنيسة » تحريف . ( 4 ) في الأصل : « أبو مسيح » صوابه بالباء الموحدة . ح : « أبو سنخ » . ( 5 ) في الأصل : « ثم أخذها مولاه مخارق فقتل ثم أخذها ابن أخيه عبد الرحمن بن مخنف الأزدي » ورددت الكلام إلى نصابه وتمامه من ح . ( 6 ) الكلام بعدها إلى كلمة « صاحبه » ساقط من ح . ( 7 ) في الأصل : « أفيكم » وأثبت ما في ح . ( 262 ) يا ابن عم ، أفلا تدفعه إلى فأنا عمه سفيان بن عوف بن المغفل ؟ فقلت ] : مرحبا بك ، أما الآن فنحن أحق به منك ، ولسنا بدافعيه إليك ، وأماما عدا ذلك فلعمري أنت عمه ووارثه (1) . نصر قال : قال عمر ، عن الحارث بن حصيرة عن أشياخ من النمر من الأزد (2) أن مخنف بن سليم لما ندب أزد العراق إلى أزد الشام حمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن من الخطب الجليل والبلاء العظيم أنا صرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا ، فوالله ما هي إلا أيدينا [ نقطعها بأيدينا (3) ] ، وما هي إلا أجنحتنا نحذفها بأسيافنا ، فإن نحن لم نفعل لم نناصح صاحبنا ، ولم نواس جماعتنا ، وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا (4) ، ونارنا أخمدنا " . فقال جندب بن زهير : « والله لو كنا آباءهم ولدناهم أو كنا أبناءهم ولدونا ، ثم خرجوا من جماعتنا وطعنوا على إمامنا ، وآزروا الضالمين والحاكمين بغير الحق ، على أهل ملتنا ودمتنا (5) ، ما افترقنا بعد أن اجتمعنا (6) حتى يرجعوا عما هم عليه ، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه ، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم » . فقال مخنف : « أعز بك الله في التيه (7) . أما والله ما علمتك صغيرا و [ لا ] كبيرا إلا مشؤوما ، والله ما ميلنا الرأي بين أمرين قط (8) أيهما نأتي ____________ ( 1 ) في الأصل : « وأما بعد ذلك فأنت عمه وأحق به » وأثبت ما في ح ( 1 : 490 ) ( 2 ) هم بنو النمر بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن الأزد . انظر مختلف القبائل ومؤتلفها ص 19 . وفي الأصل : « أشياخ النمر » وفي ح : « أشياخ الأزد » وأثبته كاملا من الطبري ( 6 : 15 ) . ( 3 ) التكملة من ح والطبري . ( 4 ) ح : « آلمنا » . ( 5 ) ح : « وديننا » ( 6 ) في الأصل : « إذا اجتمعنا » وأثبت ما في ح . ( 7 ) هذه الجملة ساقطة من ح . وهي في أصلها : « اغر الله بك في النية » وفي الطبري : « أعز الله بك النية » . ورأيت صوابهما فيما أثبت . الإعزاب : الإبعاد . والتيه : الضلال . ( 8 ) التمييل : الترجيح . في الأصل : « في أمرين قط » وأثبت ما في ح . وفي اللسان : ( 263 ) وأيهما ندع ، في الجاهلية ولا بعد ما أسلمنا ، إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما . اللهم فأن نعافي أحب إلينا من أن نبتلى (1) . فأعط كل رجل منا ما سألك " . فقال أبو بردة بن عوف : « اللهم احكم بيننا بما هو أرضى لك . يا قوم إنكم سترون ما يصنع الناس ، وإن لنا الأسوة (2) بما اجتمعت عليه الجماعة إن كنا على حق [ وإن يكونوا (3) ] صادقين ؛ فإن أسوة في الشر ، والله ، ما علمنا ضرر في المحيا والممات (4) » . وتقدم جندب بن زهير فبارز رأس أزد الشام ، فقتله الشامي ، وقتل من رهط عبد الله بن ناجد عجلا وسعيدا ابني عبد الله (5) ، وقتل مع مخنف من رهطه عبد الله بن ناجد ، [ و ] خالد بن ناجد (6) ، وعمرو وعامر ابنا عريف ، وعبد الله بن الحجاج ، وجندب بن زهير ، وأبو زينب بن عوف . وخرج عبد الله ابن أبي الحصين [ الأزدي ] في القراء الذين كانوا مع عمار بن ياسر فاصيب معه . وقد كان مخنف قال له : نحن أحوج إليك من عمار . فأبي عليه ، فأصيب مع عمار . نصر : عمر ، عن الحارث بن حصيرة ، عن أشياخ النمر (7) أن عتبة ____________ « تقول العرب : إني لأميل بين ذينك الأمرين وأمايل بينهما أيهما آتى » وفي ح : « والله ما دفعنا في الرأي » تحريف . ( 1 ) ح : « أن تعافينا أحب إلى من أن تبتلينا » . ( 2 ) في الأصل : « وإن كنا الاسوة » صوابه في الطبري . وكلام أبي بردة لم يرد في مظنه من ح . ( 3 ) التكملة من الطبري . ( 4 ) في الأصل : « وإن كنا الأسوة » صوابه في الطبري . ( 5 ) الطبري : « وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من بني ثعلبة » . ( 6 ) في الأصل : « من رهط عبد الله بن ناجد بن خالد بن ناجد » . وصواب العبارة من الطبري . وفي الطبري : « عبد الله وخالد ابنا ناجد » . ( 7 ) انظر ما سبق ص 262 . ****************** بن جويرية (1) قال يوم صفين : « ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما (2) ، وأصبح زرعها حصيدا ، وجديدها سملا ، وحلوها مر المذاق . ألا وإنى أنبئكم نبأ امرئ صادق ، إنى سئمت الدنيا ، وعزفت نفسي عنها . وقد كنت أتمنى الشهادة ، وأتعرض لها في كل حين (3) ، فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم . ألا وإنى متعرض ساعتي هذه لها ، وقد طمعت ألا أحرمها . فما تنتظرون عباد الله من جهاد أعداء الله ؟ أخوف الموت القادم عليكم ، الذاهب بأنفسكم لا محالة ، أو من ضربة كف أو جبين بالسيف ؟ ! أتستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله عز وجل ، أو مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القزار . ما هذا بالرأى السديد » . ثم قال : « يا إخوتاه ، إنى قد بعت هذه الدار بالدار التى أمامها . وهذا وجهى إليه ، لا يبرح الله وجوهكم (4) ولا يقطع الله أرحامكم » . فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك وقالوا (5) : « لا نطلب رزق الدنيا بعدك . قبح الله العيش بعدك . اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك » . فاستقدموا [ جميعا ] فقاتلوا حتى قتلوا . نصر : عمر ، حدثنى رجل من آل الصلت بن خارجة ، أن تميما لما ذهبت لتنهزم [ ذلك اليوم ] ناداهم مالك بن حرى النهشلي (6) : « ضاع الضراب اليوم ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 490 ) : « عقبة بن خوبة » وفي الطبري : « عقبة بن حديد النمري » . ( 2 ) في الأصل : « أصبح شجرها هشيما » والوجه حذف « شجرها » كما في ح والطبري . ( 3 ) وكذا في ح . لكن في الطبري : « في كل جيش وغارة » . ( 4 ) البرح : الشدة والأذى . ( 5 ) في الأصل : « فتبعه أخواه عبيد الله وعوف ابنا مالك وقالا » والوجه ما أثبت من الطبري . ( 6 ) في الأصل : « مالك بن مر النهشلي » صوابه في ح ( 1 : 490 ) . وقد ذكره ابن حجر في أثناء ترجمته لأخيه نهشل بن حرى 8878 . ( 265 ) والذى أنا له وسائر القوم عبد ، يا بنى تميم » . قالوا : ألا ترى الناس قد انهزموا ؟ قال لهم : أفرارا واعتذارا ؟ ! ( 1) [ ثم نادى بالأحساب ، فجعل يكررها ، ف ] قالت له بنو تميم : أفتنادى بنداء الجاهلية ؟ ! إن ذا لا يحل . قال : فالفرار ويلكم أقبح . إن لم تقاتلوا على الدين واليقين فقاتلوا على الأحساب . ثم أقبل يقاتل ويرتجز وهو يقول : إن تميما أخلفـــت عنك ابــن مر (2) * وقــد أراهم وهــم الحى الصبر فإن تخيمــوا أو تفــروا لا نفــر (3) وقال أخوه نهشل بن حرى (4) التميمي يرثيه : تطاول هذا الليل مــا كاد ينجلــى * كليل التمام مــا يريد انصرامـــا فبـت لذكرى مـــالك بكآبــــة * أؤرق مــن بعــد العشاء نيامــا أبى جزعى في مالــك غير ذكـره * فلا تعذليني أن جزعت أمــامـــا سأبكى أخى ما دام صــوت حمامـة * يؤرق (5) مــن وادى البطاح حماما وأبعث أنواحـــا عليــه بسحرة (6) * وتذرف عيناى الدمــوع سجامـــا وأدعو سراة الحــى يبكـون مالكـا * وأبعث نوحــا يلتدمــن قيامـــا ____________ ( 1 ) في الأصل : « أفرار واعتذار » وأثبت ما في ح . ( 2 ) يقول : إن تميم بن مر أخلفت عنك . وهم تميم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر . والإخلاف : التخلف ، قال الأسود بن يعفر ( اللسان 10 : 443 ) : بيض مساميح في الشتاء وإن * أخلف نجم عن نوئه وبلوا ( 3 ) خام يخيم خيما وخيمانا وخيوما وخيومة وخيمومة وخياما : نكص وجبن . ( 4 ) هو نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وهو من الشعراء المخضرمين . انظر الإصابة والخزانة ( 1 : 151 ) . وحرى ، بفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة كالمنسوب إلى الحر أو الحرة . وفي الأصل : « نهشل بن مر » صوابه في ح . ( 5 ) ح : « تؤرق » أي الحمامة . ( 6 ) الأنواح : جمع نوح ، بالفتح ، للنسوة النائحات . والسحرة ، بالضم : السحر ، وقيل هو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر . وفي الأصل : « بشجوة » صوابه في ح . ( 266 ) يقلن ثوى رب السماحــة والندى * وذو عزة يأبى بهـــا أن يضاما وفارس خيل لا تساير خيلـــه * إذا اضطرمت نــار العدو ضراما وأحيا عن الفحشاء من ذات كلـة * يرى ما يهاب الصالحون حرامــا وأجرأ من ليث بخفان مخــدر * وأمضى إذ رام الرجــال صدامـا فلا ترجون ذا إمة بعـــد مالك * ولا جازرا للمنشئــات غلامـا (1) وقل لهم لا يرحلــوا الأدم بعده * ولا يرفعوا نحو الجيـاد لجامــا (2) وقال أيضا فيه : أبكى الفتى الأبيض البهلول سنتـه * عند النداء ، فلا نكسا ولا ورعــا (3) أبكى على مالك الأضياف إذ نزلوا * حين الشتاء وعز الرسل فانجدعــا (4) ولم يجد لقراهم غيـــر مربعة * من العشار تزجى تحتهــا ربعــا (5) أهوى لها السيف ترا وهى راتعة * فأوهن السيف عظم الساق فانقطعــا (6) ____________ ( 1 ) الإمة ، بالكسر : النعمة . وفي الأصل : « فلا يرجعون » . والمنشئات : النوق اللواقح ، أنشأت الناقة فهى منشئ : لقحت . والغلام : الطار الشارب ، والكهل ، أو من حين يولد إلى أن يشب . وهذا البيت وتاليه لم يرويا في ح . وفي الأصل : « ولا جار إلا المنشآت علاما » . ( 2 ) الأدم : جمع آدم وأدماء ، وهى الإبل الخالصة البياض . رحل البعير ، كمنع : حط عليه الرحل . ( 3 ) السنة : الوجه . وفي الأصل : « شبيه » صوابه في ح ( 1 : 491 ) ، وفي ح : « بكى » في هذا البيت وتاليه على الأمر . ( 4 ) نسبه إلى الأضياف . والرسل ، بالكسر : اللبن . ( 5 ) المربعة : ذات الربع ، بضم ففتح ، وهو ما ولد من الإبل في الربيع . والمذكور في المعاجم : « مربع » بدون تاء ، و « مرباع » . تزجى : تسوق ، وفي الأصل : « يرجى » صوابه في ح . ( 6 ) التر : القطع والإبانة . ح : « صلتا » . ( 267 ) فجاءهم بعد رقــد الحى أطيبهـا * وقد كفى منهم مــن غاب واضطجعا (1) يا فارس الروع يوم الروع قد علموا * وصاحب العــزم لا نكسا ولا طبعـا (2) ومدرك التبل في الأعداء يطلبــه * وإن طلبت بتبــل عنــده منعـــا (3) قالوا : أخوك أتى الناعي بمصرعه * فارتاع قلبي غــداة البين فانصــدعا ثم ارعوى القلب شيئا بعد طيرتـه * والنفس تعلم أن قــد أثبتــت وجعـا (4) وقتل محيا بن سلامة بن دجاجة ، من تيم الرباب ، بصفين ، وقتل المسيب بن خداش من تيم الرباب ، ودينار عقيصا (5) مولاه . نصر : عمر بن سعد ، حدثنى يونس بن أبى إسحاق قال : قال [ لنا ] أدهم بن محرز [ الباهلى ] ونحن معه بأذرح (6) : هل رأى أحد منكم شمر بن ____________ ( 1 ) الرقد ، بالفتح : النوم كالرقاد والرقود . وفي ح : « رفد الناس » بالفاء ، وهو بالكسر : الصلة والعطاء ، وبالفتح ، المصدر . من غاب : أي من غاب وقعد عن بر الأضياف . ومثله قول متمم بن نويرة في المفضلية 67 : إذا جرد القوم القداح وأوقدت * لهم نار أيسار كفى من تضجعا وفي الأصل : « من غار » صوابه ما أثبت . وفي ح : « وأشبعت منهم من نام » وهى رواية مصنوعة فيما أرى . ( 2 ) النكس ، بالكسر : المقصر عن غاية النجدة والكرم ، والطبع ، بفتح فكسر : الدنيء الخلق الدنس . ( 3 ) التبل ، بالفتح : الثأر والذحل . وفي الأصل : « ومدرك النيل » و : « بنيل » صوابهما ما أثبت من ح ( 1 : 491 ) . ( 4 ) الطيرة : المرة من الطيران . ح : « طربته » والطربة المرة من الطرب ، والطرب يقال في السرور والحزن معا . وفي الأصل : « قد أثبتت » صوابه في ح . وفي اللسان : « أثبته السقم ، إذا لم يفارقه » . ( 5 ) سبقت ترجمته في 145 . وعقيصا لقب لدينار . والبصريون يوجبون الإضافة في مثل هذا . والكوفيون يجيزون الإتباع والقطع إلى النصب وإلى الرفع . الأشموني ( 1 : 143 ـ 144 ) . ( 6 ) أذرح ، بضم الراء وفي آخرة حاء مهملة : اسم بلد في أطراف الشام . وفي الأصل : « باددخ » وفي ح : « بأدرج » صوابهما ما أثبت . ( 268 ) ذى الجوشن ؟ فقال عبد الله بن كبار النهدي ، وسعيد بن خازم السلولى (1) : نحن رأيناه . قال : فهل رأيتما ضربة بوجهه ؟ قالا : نعم . قال : أنا والله ضربته تلك الضربة بصفين . نصر : عمر ، عن الصلت بن زهير (2) النهدي ، عن مسلم قال : خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية بصفين إلى شمر بن ذى الجوشن فاختلفا ضربتين ، فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم ، وضربه شمر فلم يصنع سيفه شيئا ، فرجع إلى عسكره فشرب من الماء وأخذ رمحا ، ثم أقبل وهو يقول : إنى زعيـــم لأخي باهلــه * بطعنــة إن لم أمــت عاجلــه (3) وضربة تحت الوغى فاصلــه (4) * شبيهـة بالقتــل أو قاتلـــه ثم حمل على أدهم وهو يعرف وجهه ، وأدهم ثابت له لم ينصرف ، فطعنه فوقع عن فرسه ، وحال أصحابه دونه فانصرف ، فقال [ شمر ] : هذه بتلك . وخرج سويد [ بن قيس ] بن يزيد الأرحبي من عسكر معاوية يسأل المبارزة ، فخرج إليه من عسكر العراق أبو العمرطة قيس [ بن عمرو بن عمير ] بن يزيد ، وهو ابن عم سويد ، وكل منهما لا يعرف صاحبه ، فلما تقاربا تعارفا وتواقفا وتساءلا ، ودعا كل واحد منهما صاحبه إلى ما هو عليه (5) ، فقال أبو العمرطة : أما أنا فوالله الذى لا إله إلا هو لئن استطعت لأضربن بسيفي هذه القبة البيضاء ـ يعنى قبة معاوية التى هو فيها ـ ثم انصرف كل منهما إلى أصحابه . فقال في ذلك همام : ____________ ( 1 ) ح : « سعيد بن حازم البلوى » . ( 2 ) في الأصل : « عمر بن الصلت بن زهير » . ( 3 ) في الطبري ( 6 : 16 ) : « إن لم اصب » . ( 4 ) الطبري : « أو ضربة تحت القنا والوغى » . ( 5 ) ح : « إلى دينه » . ( 269 ) ألوم بن لـــوم ما غدا بك حاسـرا * إلى بطــل ذى جــرأة وشكيــم (1) معاود ضرب الــدارعين بسيفــه * علـى الهـــام عند الهيج غير لئيـم إلى فارس الغاوين حيــث تلاقيــا * بصفين قــرم نجل خير قـــروم (2) قال : وخرج بشر بن عصمة المزني (3) يسأل المبارزة ـ وكان من أهل الكوفة فلحق بمعاوية ـ فخرج إليه مالك بن الجلاح (4) ، وكان يقال له ابن العقدية (5) وكان رجلا ناسكا ، فأقبلا في خيلهما ، فتغفله بشر بن عصمة فطعنه ، فصرع ابن العقدية ، فقال بشر بن عصمة : إنــى لأرجو من مليكى وخالقـي * ومن فارس الموسوم في الصدر هاجس (6) دلفت له تحت الغبــار بطعنــة * على ساعـــة فيها الطعــان يخالس (7) ____________ ( 1 ) هذه الأبيات لم ترو في ح . وفي الأصل : « ذى جرة » والوجه ما أثبت . والشكيم ، في اللسان : « يجوز أن يكون لغة في الشكيمة » . وأنشد : * أنا ابن سيار على شكيمه * والشكيمة : الصرامة والحزم والأنفة والانتصار من الظلم . ( 2 ) الغاوين ، كذا وردت . والقرم ، بالفتح : السيد المعظم . ( 3 ) بشر بن عصمة المزني ، أحد الصحابة ، ترجم له في الاستيعاب والإصابة ولسان الميزان . وفي الأصل : « المرى » صوابه في الطبري ومراجع ترجمته . وهذا الخبر لم يرد في مظنه من ح . ( 4 ) هو مالك بن الجلاح بن صامت بن سدوس بن إنسان بن عتوارة ، أحد بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن . ذكره المرزبانى في معجمه 363 . وفي الأصل : « مالك بن اللجلاج » ، صوابه في الطبري ومعجم المرزبانى . ( 5 ) العقدية أمه ، غلبت عليه . وعقد ، بالتحريك : قبيلة من بجيلة أو اليمن . انظر الطبري والقاموس ( عقد ) . ( 6 ) في القاموس : « موسوم فرس مالك بن الجلاح » . ورواية الطبري : « من مليكى تجاوزا » . ( 7 ) الطبري : « الطعان تخالس » . ( 270 ) فرد عليه ابن العقدية : ألا أبلغا بشر بـــن عصمة أننى * شغلـــت وألهانـي الذين أمارس وصادفت منى غـــرة فأصبتها * كذا كانــت الأبطال ماض وحابس (1) قال : وخرج ذو نواس بن هذيم بن قيس العبدى ـ وكان ممن لحق بمعاوية ـ يسأل المبارزة ، فخرج إليه ابن عمه الحارث بن منصور فاضطربا بسيفهما وانتميا إلى عشائرهما (2) ، فعرف كل منهما صاحبه فتتاركا (3) . ثم خرج مالك بن يسار الحضرمي يسأل المبارزة ، فخرج إليه الجون بن مالك الحضرمي من أهل الشام فقتل الشامي الكوفى ، وخرج زياد بن النضر الحارثى يسأل المبارزة ، فخرج إليه رجل من أهل الشام من بنى عقيل فلما عرفه انصرف عنه ، ثم خرج رجل من أزد شنوءة يسأل المبارزة ، فخرج إليه رجل من أهل العراق فقتله ، فخرج إليه الأشتر فما لبث أن قتله ، فقال رجل : « كان هذا نارا فصادفت إعصارا » . فاقتتل الناس قتالا شديدا يوم الأربعاء ، فقال رجل من أصحاب على : والله لأحملن على معاوية حتى أقتله ! فأخذ فرسا فركبه ثم ضربه حتى إذا قام على سنابكه دفعه فلم ينهنهه شيء عن الوقوف على رأس معاوية ، ودخل معاوية خباء (4) فنزل الرجل عن فرسه ودخل عليه ، فخرج معاوية من [ جانب ] الخباء [ الآخر ] ، وطلع ____________ ( 1 ) الطبري : « كذلك والأبطال ماص وخالس » . وفي معجم المرزبانى : « كذلك والأبطال ماض وجالس » . ( 2 ) انتميا : ارتفعا في النسب . وفي الأصل : « فانتهبا » تحريف . والخبر لم يرد في في مظنه من ح ولا في الطبري . ( 3 ) أي ترك كل منهما صاحبه . وفي الأصل : « تشاركا » تحريف . ( 4 ) ح : « فهرب معاوية ودخل خباء » . ( 271 ) الرجل في إثره ، فخرج معاوية وهو يقول (1) : أقول لها وقــد طــارت شعاعـا * من الأبطال إنـــك لن تـــراعى فإنك لو سألــت خــلاء يــوم * على الأجل الذى لـــك لم تطــاعى فأحاط به الناس فقال : ويحكم ، إن السيوف لم يؤذن لها في هذا ، ولولا ذلك لم يصل إليكم . عليكم بالحجارة . فرضخوه بالحجارة حتى همد الرجل ، ثم عاد معاوية إلى مجلسه وهو يقول : هذا كما قال الآخر (2) : أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا نصر ، عن عمر ، عن أبى روق ، عن أبيه ، عن عم له يدعى أبا أيوب قال : حمل يومئذ أبو أيوب على صف أهل الشام ثم رجع فوافق رجلا [ من أهل الشام ] صادرا قد حمل على صف أهل العراق ثم رجع ، فاختلفا ضربتين ، فنفحه أبو أيوب فأبان عنقه ، فثبت رأسه على جسده كما هو ، وكذب الناس أن يكون ضربه وأرابهم ، حتى إذا دخل في أهل الشام (3) وقع ميتا وندر رأسه ، فقال على : والله لأنا من ثبات رأس الرجل أشد تعجبا منى لضربته ، وإن كان إليها ينتهى وصف الضارب (4) . وغدا أبو أيوب إلى القتال فقال له على : أنت والله كما قال القائل : وعلمنا الضــرب آباؤنــا * فسوف نعلــم أيضــا بنينا نصر : قال عمر : وخرج رجل يسأل المبارزة ، من أهل الشام ، فنادى ____________ ( 1 ) المعروف أن البيتين التاليين هما من أبيات لقطرى بن الفجاءة المتوفى سنة 78 أو 79 . انظر الحماسة ( 1 : 24 ) وابن خلكان ( 1 : 430 ) . وقد كانت وفاة معاوية سنة 60 . ( 2 ) هو حاتم الطائى ، كما سبق في حواشى ص 246 . ( 3 ) ح ( 1 : 491 ) : « حتى إذا أدخلته فرسه في صف أهل الشام » . ( 4 ) كذا . وفي ح : ( 1 : 491 ) : « وصف الواصفين » . ( 272 ) من يبارز ؟ ـ وهو بين الصفين ـ فخرج إليه رجل من أهل العراق فاقتتلا بين الصفين قتالا شديدا ، ثم إن العراقى اعتنقه فوقعا جميعا تحت قوائم فرسيهما ، فجلس على صدره وكشف المغفر عنه يريد ذبحه ، فلما رآه عرفه فإذا هو أخوه لأبيه وأمه ، فصاح به أصحاب على : أجهز على الرجل ! فقال : إنه أخى قالوا : قاتركه . قال : لا ، حتى يأذن لى أمير المؤمنين . فأخبر على بذلك ، فأرسل إليه : دعه . فتركه ، [ فقام فعاد إلى صف معاوية ] . نصر ، عن محمد بن عبيد الله (1) ، عن الجرجاني قال : كان فارس معاوية الذى يعده لكل مبارز ولكل عظيم حريث مولاه ، وكان يلبس سلاح معاوية متشبها به ، فإذا قاتل (2) قال الناس : ذاك معاوية . وإن معاوية دعاه فقال : يا حريث ، اتق عليا ، وضع رمحك حيث شئت ! فأتاه عمرو بن العاص فقال : يا حريث ، إنك والله لو كنت قرشيا (3) لأحب معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لك حظها ، فإن رأيت فرصة فاقحم . وخرج على [ عليه السلام في هذا اليوم ] أمام الخيل ، وحمل عليه حريث . قال نصر : فحدثنا عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن تميم قال : نادى حريث مولى معاوية [ هذا اليوم ] ، وكان شديدا ذا بأس ، فقال : يا على ، هل لك في المبارزة ، فأقدم أبا حسن إذا شئت . قأقبل على وهو يقول : أنـــا على وابــن عبد المطلب * نحـــن لعمر الله أولــى بالكتب منا النبــي المصطفى غير كـذب * أهـل اللواء والمقـــام والحجـب ____________ ( 1 ) في الأصل : « عبد الله » تحريف . ( 2 ) في الأصل : « قابل » صوابه في ح . ( 3 ) في الأصل : « قريشا » صوابه في ح . ( 273 ) نحن نصرنــاه على جـل العرب (1) * يأيها العبــد الغريــر المنتدب (2) أثبت لنـــا يأيها الكلــب الكلب ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة فقطعه نصفين (3) . قال نصر : قال محمد بن عبيد الله ، [ عن ] الجرجاني (4) : إن معاوية جزع عليه جزعا شديدا ، وعاتب عمرا . قال معاوية : حريث ألم تعلــم وجهلك ضائـر * بأن عليا للفــوارس قاهــر وأن عليا لم يبــارزه فــارس * من الناس إلا أقصدته الأظافــر أمرتك أمرا حازما فعصيتنـــي * فجدك إذ لم تقبل النصح عاثـر ودلاك عمرو والحــوادث جمة * غرورا وما جرت عليك المقـادر وظن حريث أن عمرا نصيحـه * وقد يهلك الإنسان من لا يحـاذر أيركب عمر رأسه خوف سيفـه * ويصلى حريثا إنــه لفرافــر (5) نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن تميم قال : فلما قتل على حريثا برز عمرو بن حصين السكسكي فنادى : يا أبا حسن هلم إلى المبارزة . فأنشأ على يقول : ما علتى وأنــا جلــد حــازم * وعــن يمينى مذحــج القماقـم وعن يسارى وائــل الخضـارم * والقلب حولي مضــر الجماجــم وأقبلت همــدان في الخضـارم * مشى الجمــال البزل الخلاجــم ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 492 ) : « كل العرب » . ( 2 ) الغرير : المخدوع . وفي الأصل : « العزيز » وهذا البيت وتاليه لم يرويا في ح . ( 3 ) في الأصل : « ثم ضربه على فقتله » وأثبت بدلها ما ورد في ح . ( 4 ) في الأصل : « محمد بن عبد الله الجرجاني » والوجه ما أثبت . ( 5 ) الفرافر ، بفاءين أولاهما مضمومة : الأخرق الأحمق . وفي الأصل : « قراقر » بقافين ، ووجهه ما أثبت . وهذا البيت لم يرد في ح . ( 274 ) أقسمت بالله العلـــى العالــم * لا أنثنــى إلا برغــم الراغــم وحمل عليه عمرو بن الحصين ليضربه ، فبادره إليه سعيد بن قيس ففلق صلبه . نصر ، عن عمرو بن شمر قال : حدثنى السدى عن أبى أراكة أن عليا قال يومئذ : دعوت فلباني مــن القوم عصبــة * فوارس مــن همدان غيــر ، لئام فوارس من همدان لبســوا بعــزل * غداة الوغى مــن شاكر وشبــام (1) بكل ردينــى وعضــب تخالــه * إذا اختلف الأقــوام شعـل ضرام (2) لهمـدان أخلاق وديــن يزينهــم * وبأس إذا لا قــوا وحــد خصـام (3) قال : قال نصر : وفي حديث عمر بن سعد : وجد وصدق في الحـــروب ونجـدة * وقــول إذا قالـــوا بغير أثـام متى تأتهم في دارهــم تستضيفهــم * تبت ناعمـا في خدمــة وطعــام جزى الله همــدان الجنــان فإنها * سمام العدى في كــل يوم زحــام (4) فلو كنت بوابا علـى بــاب جنــة * لقلت لهمدان ادخــلي بســـلام نصر قال : عمرو بن شمر في حديثه : ثم قام على بين الصفين ثم نادى : يا معاوية ! ـ يكررها ـ فقال معاوية : اسألوه ، ما شأنه ؟ قال : أحب أن يظهر لى فأكلمه كلمة واحدة . فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص ، فلما قارباه ____________ ( 1 ) بنو شاكر وشبام : بطنان من همدان . انظر الاشتقاق 257 ، 250 . وشبام ، بكسر الشين ، وأصل معناه الخشبة تعرض في فم الجدى لثلا يرتضع ، وشباما البرقع : الخيطان اللذان يشدان في القفا . ( 2 ) في الأصل : « وكل » والوجه ما أثبت من ح ( 1 : 492 ) . ( 3 ) الحد ، بفتح الحاء : الحدة . وفي الأصل : « وجد » ووجهه في ح . ( 4 ) لسمام . جمع سم : في الأصل . « يوم سمام » صوابه في ج . ( 275 ) لم يلتفت إلى عمرو ، وقال لمعاوية : ويحك ، علام يقتتل الناس بينى وبينك ، ويضرب بعضهم بعضا ؟ ! ابرز إلى فأينا قتل صاحبه فالأمر له . فالتفت معاوية إلى عمرو فقال : ما ترى يا أبا عبد الله فيما ها هنا ، أبارزه ؟ فقال عمرو : لقد أنصفك الرجل ، واعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل (1) سبة عليك وعلى عقبك ما بقى عربي فقال معاوية : يا عمرو بن العاص ، ليس مثلى يخدع عن نفسه . والله ما بارز ابن أبى طالب رجلا قط إلا سقى الأرض من دمه . ثم انصرف راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه . [ فلما رأى على عليه السلام ذلك ضحك وعاد إلى موقفه ] وفي حديث عمر قال : قال معاوية : ويحك يا عمرو ، ما أحمقك ، أتراني أبرز إليه ودوني عك والأشعرون وجذام ؟ ! قال : وحقدها معاوية على عمرو [ باطنا ] وقال له [ ظاهرا ] : ما أظنك [ قلت ما قلته ] يا عمرو (2) إلا مازحا . فلما جلس معاوية مجلسه مع أصحابه أقبل عمرو يمشى حتى جلس فقال معاوية : يا عمرو إنك قد قشرت لى العصا * برضاك في وسط العجــاج برازى يا عمرو إنك قد أشرت بظنــة * إن المبــارز كالجـدي النـــازى ما للملوك وللبــراز وإنمــا * حتف المبــارز خطفـــة للبازى (3) ولقد أعدت فقلت مزحة مـازح * والمزح يحملــه مقــال الهــازى فإذا الذى منتك نفسك خاليــا * قتلى ، جزاك بما نويــت الجــازى فلقد كشفت قناعها مذمومـــة * ولقد لبست بهـــا ثياب الخــازى (4) ____________ ( 1 ) ح : « لم يزل » بالياء . ( 2 ) ح : « أبا عبد الله » . ( 3 ) في الأصل : « حسب المبارز حفظه من بازى » وأثبت ما كتب في هامش الأصل مشارا إليه بأنه كذلك في نسخة أخرى . وقد لفق من عجز هذا البيت وصدر سابقة بيت واحد في ح فأسقط صدر هذا وعجز سابقه . ( 4 ) في الأصل : « لبست بنا » صوابه في ح ( 1 : 493 ) . ( 276 ) فقال له عمرو : إيها أيها الرجل ، أتجبن عن خصمك وتتهم نصيحك ؟ ! وقال مجيبا له : معاوى إن نكلت عن البــراز * لك الويلات فانظـر في المخازى (1) معاوى ما اجترمت إليك ذنبــا * وما أنا في التى حدثــت بخازى (2) وما ذنبي بــأن نــادى على * وكبــش القوم يدعى للبـــراز فلو بارزته بـــارزت ليثــا * حديد الناب يخطف كل بــازى (3) ويزعم أننى أضمرت غشـــا * جزاني بالذى أضمـــرت جازى أضبع في العجاجة يا ابن هنـد * وعند البــاه كالتيس الحجــازى نصر ، عن عمر قال : حدثنى فضيل بن خديج قال : خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة ، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز (4) الكندى ثم الطمحى (5) ، فتجاولا ساعة ، ثم إن عبد الرحمن حمل على الشامي فطعنه في نقرة نحره (6) فصرعه ، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه ، فإذا هو عبد أسود (7) ، فقال : يا لله ، لقد أخطرت نفسي لعبد أسود . قال : وخرج رجل من عك ليسأل المبارزة ، فخرج إليه قيس بن فهدان الكنانى ثم ____________ ( 1 ) ح : « وخفت فإنها أم المخازى » . ( 2 ) في الأصل : « بخاذى » تحريف ، وفي ح : « خازى » مع قراءة « حدثت » بتشديد الدال . ( 3 ) في الأصل : « ينفذ كل بازى » وأثبت ما في ح . ( 4 ) في الأصل : « بن نجم » صوابه في ح والطبري ( 6 : 16 ) . ( 5 ) هذه الكلمة ساقطة من ح ، وفي الطبري : « الطحمى » بتقديم الحاء ، تحريف . والطمحى : نسبة إلى « طمح » ، وضبطت في القاموس ضبط نص بالتحريك ، وفي اللسان ضبط قلم بفتحتين أيضا . وفي الاشتقاق 218 ، 317 بضم الطاء وفتح الميم . وهى بطن من بطون كندة . ( 6 ) الطبري : « ثغرة نحره » وما أثبت من الأصل يطابق ما في ح . والثغرة ، بالضم : نقرة النحر . ( 7 ) الطبري « فإذا هو حبشي » . ( 277 ) البدني (1) فما لبث العكى أن طعنه فقتله ، فقال قيس : لقد علمت عــك بصفين أننــا * إذا ما نلاقى الخيــل نطعنها شـزرا ونحمل رايات القتـال بحقهــا * فنوردهــا بيضا ونصدرها حمــرا (2) وحمل عبد الله بن الطفيل البكائى (3) على صفوف أهل الشام ، فلما انصرف حمل عليه رجل من بنى تميم يقال له قيس بن نهد (4) الحنظلي اليربوعي ـ وهو ممن لحق بمعاوية من أهل العراق ـ فوضع الرمح بين كتفي عبد الله فاعترضه يزيد بن معاوية البكائى ، ابن عم عبد الله بن الطفيل ، فوضع الرمح بين كتفي التميمي وقال : والله لئن طعنته لأطعننك . قال : عليك عهد الله لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعنه عنى . قال : نعم لك العهد والميثاق بذلك . فرفع السنان عبد الله بن طفيل ، ورفع يزيد الرمح عن التميمي ، فوقف التميمي فقال [ ليزيد ] : من أنت ؟ قال : أحد بنى عامر . قال : جعلني الله فداكم ، أينما لقيناكم وجدناكم كراما ، والله إنى لآخر أحد عشر رجلا من بنى تميم قتلتموهم (5) اليوم . فلما تراجع الناس عن صفين عتب يزيد على عبد الله بن الطفيل في بعض ما يعتب الرجل على ابن عمه فقال : ألم ترنى حاميت غنك مناصحا * بصفين إذ خلاك كــل حميــم ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى * على سابح ذى ميعــة وهزبـم ثم خرج ابن مقيدة الحمار الأسدى ، [ وكان ذا بأس وشجاعة ] وهو مع ____________ ( 1 ) في الأصل : « بن فهد بن الكندى » وأثبت ما في الطبري . وفي ح : « قيس ابن فهران » . ( 2 ) في الأصل : « ونوردها » وأثبت ما في ح والطبري . ( 3 ) سبقت ترجمته في ص 206 . ح : « البكالى » تحريف . ( 4 ) ح : « بن فهد » بالفاء ، وفي الطبري ( 6 : 16 ) : « بن قرة » . ( 5 ) في الأصل : « قتلتموه » وأثبت ما في ح والطبري . ( 278 ) أهل الشام ، وكان في الناس ردف بشر بن عصمة وهو الثاني في الناس ، فنادى : ألا من مبارز ؟ فأحجم الناس عنه ، فقام المقطع العامري وكان شيخا كبيرا ، فقال له علي : اقعد إنك شيخ كبير وليس معه من رهطه أحد غيره ، ما كنت لأقدمك . فجلس . ثم إنه نادى ابن مقيدة الحمار : ألا من مبارز ؟ الثانية . فقام المقطع ، فأجلسه على أيضا . ثم نادى الثالثة : ألا من مبارز ؟ فقام المقطع فقال : يا أمير المؤمنين ، والله لا تردني ، إما أن يقتلنى فأتعجل الجنة ، وأستريح من الحياة الدنيا في الكبر والهرم ، أو أقتله فأريحك منه . فقال له على : ما اسمك ؟ قال : أنا المقطع ، قد كنت أدعى هشيما فأصابتني جراحة فسميت مقطعا منها . فقال له : اخرج [ إليه ، وأقدم عليه ] ، اللهم انصره ! فحمل عليه المقطع ، فأجهش ابن مقيده الحمار ، وكان ذكيا مجربا ، فلم يجد شيئا خيرا من الهرب ، فهرب حتى مر بمضرب معاوية (1) والمقطع على أثره فجاز معاوية فناداه معاوية : لقد شمص بك العراقى (2) . قال : لقد فعل ! ثم رجع المقطع حتى وقف في موقفه : فلما كان عام الجماعة [ و ] بايع الناس معاوية سأل عن المقطع العامري حتى نزل عليه ، فدخل عليه فإذا هو شيخ كبير ، فلما رآه قال : أوه ، لولا (3) أنك في هذا الحال ما أفلتني . قال : نشدتك الله إلا قتلتنى وأرحتني (4) من بؤس الحياة ، وأدنيتني إلى لقاء الله . قال : إنى لا أقتلك ، وإن لى إليك لحاجة . قال : فما حاجتك ؟ قال : جئت لا واخيك . قال : إنا وإياكم قد افترقنا في الله ، أما أنا فأكون على حالى حتى يجمع الله بيننا في الآخرة . ____________ ( 1 ) المضرب ، بكسر الميم : الفسطاط العظيم . ( 2 ) في الأصل : « شخص » وأثبت ما في ح . الشمص : الإعجال ؛ والتشميص : السوق والطرد العنيف . ( 3 ) في الأصل : « لو علمت » والوجه ما أثبت من ح . ( 4 ) في الأصل : « إلا قتلت وأرحت » وأثبت ما في ح . ( 279 ) قال : فزوجني ابنتك . قال : قد منعتك ما هو أهون على من ذلك ، قال : فاقبل منى صلة . قال : فلا حاجة لى في ما قبلك فتركه فلم يقبل منه شيئا قال : فاقتتل الناس قتالا شديدا فعبت لطيئ جموع أهل الشام ، فجاءهم حمزة بن مالك [ الهمداني (1) ] فقال : من ، أنتم ، لله أبوكم ! فقال عبد الله بن خليفة الطائى (2) : نحن طى السهل وطى الجبل ، وطى الجبل الممنوع بالنحل (3) ، ونحن حماة الجبلين ، ما بين العذيب إلى العين ، طى الرماح وطى البطاح ، وفرسان الصباح . فقال له : بخ بخ ما أحسن ثناءك على قومك ! فقال : إن كنت لم تشعر بنجــدة معشر * فاقدم علينا ويــل غيرك تشعر (4) ثم اقتتلوا وأنشأ يقول : يا طي ، فدى لكم طارفى وتلادى ، قاتلوا على الدين والأحساب . ثم أنشأ يقول : يا طيء الجبال والسهل معــا * إنـا إذا داع دعــا مضطجعــا ندب بالسيف دبيبا أروعـــا * فننــزل المستلئــم المقنعــا (5) ونقتل المنــازل السميدعــا وقال بشر بن العشوش الطائى [ ثم الملقطى (6) ] : يا طيء السهــول والجبــال * ألا انهضوا بالبيـــض والعوالى ____________ ( 1 ) هذه من الطبري ( 6 : 17 ) . ( 2 ) في الطبري : « البولانى » ، وبولان : إحدى قبائل طيء . ( 3 ) كذا . وفي الطبري : « الممنوع ذى النخل » . ( 4 ) البيت لم يرو في ح . وفي الطبري : « ويب غيرك » . ( 5 ) في الأصل : « فنترك » . وقد روى الرجز في الطبري على الوجه التالى : أنا الذى كنت إذا الداعي دعا * مصمما بالسيف ندبــا أروعا فأنزل المستلئم المقنعــــا * وأقتل المبالــط السميـدعا ( 6 ) التكملة من الطبري . وفيه : « بن العسوس » بمهملتين . ****************** وبالكماة منــكم الأبطــال * فقارعــوا أئمـــة الضلال السالكيــن سبـل الجهـــال قال : ففقئت عينه فقال : ألا ياليت عيني هــذه مثل هــذه * ولم أمش بيــــن الناس إلا بقائد ويا ليت رجلي ثــم طنت بنصفها (1) * ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي ويا ليتني لم أبق بعــــد مطرف * وسعد وبعـد المستنيـر بــن خالد فوارس لم تغذ الحواضن مثلهــم * إذا هــي أبدت عـن خدام الخرائد (2) ــــــــــ آخر الجزء الرابع من أجزاء ابن الطيوري ، يتلوه في الخامس : « نصر ابن مزاحم ، عن عمر ، عن فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه ويقول : إذا شددتم فشدوا جميعا » . وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا . ــــــــــ وجدت في الجزء السادس من أجزاء عبد الوهاب بخطه : « سمع جميعه على الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار ، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني ، وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد ____________ ( 1 ) طنت : قطعت وسقطت فكان لذلك صوت . وفي الأصل : « طلت » صوابه في الطبري . ( 2 ) الحواضن : الأمهات . وفي الأصل : « لم تعر الحواضر » صوابه من الطبري . هي : أي الحرب ، وفي الطبري : « إذا الحرب » . والخدام : السيقان ، واحدتها خدمة . ومثله قوله : تذهــل الشيخ عن بنيــه وتبدي * عن خــدام العقيلـة العــذراء ( 281 ) وأبو الحسين أحمد ، وأبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفتح بن البيضاوي ، والشريف أبو الفضل محمد بن علي بن أبي يعلى الحسيني ، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمي ، بقراء عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي في شعبان من سنة أربع وتسعين وأربعمائة . ــــــــــ ( 282 ) ( 283 ) الجزء الخامس من كتـاب صـفين لنصر بن مزاحم رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي رواية الشيخ الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الانماطي سماع مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له ( 284 ) ( 285 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الحافظ شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك ابن أحمد بن الحسن الأنماطي قال : أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ابن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه ، قال : أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر الحريري ، قال : أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن ثابت ، قال : أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد بن همام الشيباني ، قال : أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز ، قال : نصر بن مزاحم ، عن عمر ، عن فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه ويقول : « إذا شددتم فشدوا جميعا وغضوا الأبصار ، وأقلوا الكلام واللغط ، واعتوروا الأقران (1) ، ولا تؤتين من قبلكم العرب » . وقتل نهيك بن عزيز من بني الحارث بن عدي ، وعمرو بن يزيد من بني ذهل ، وسعد بن عمر (2) من بني بدا . وخرج قيس بن يزيد (3) الكندي ـ وهو ممن فر إلى معاوية من علي ـ فخرج إليه من أصحاب علي [ قيس بن ____________ ( 1 ) في الأصل : « وأغنوا الأقران » صوابه في الطبري ( 6 : 17 ) . وهذا الكلام لم يرد في مظنه من ح . ( 2 ) الطبري : « وسعيد بن عمرو » ولم ينسبه إلى قبيلته . ( 3 ) في الأصل : « زيد » صوابه من الطبري . ( 286 ) عمرو بن عمير بن (1) ] يزيد ، أبو العمرطة ، فلما دنا منه عرفه فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه . نصر ، عن عمر قال : حدثني رجل عن أبي الصلت التيمي ، قال أشياخ من محارب : إنه كان رجل منهم يقال له عنتر بن عبيد بن خالد (2) ، وكان من أشجع الناس يوم صفين ، فلما رأى أصحابه منهزمين أخذ ينادي : يا معشر قيس ، أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الله ؟ ! [ ألا إن ] الفرار فيه معصية الله وسخطه ، والصبر فيه طاعة الله ورضوانه . [ أفتختارون سخط الله على رضوانه ، ومعصيته على طاعته ] . فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محتسبا لنفسه . وقال (3) : لاوألت نفــس امرئ ولت دبــر (4) * أنــا الذي لا أنثنــى ولا أفــر ولا يرى مــع المعازيــل الغـدر (5) فقاتل حتى ارتث . ثم إنه بعد ذلك خرج في الخمسمائة (6) الذين خرجوا مع فروة (7) بن نوفل الأشجعي ، فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين (8) . ثم إن النخع قاتلت قتالا شديدا فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة ، وحنان ____________ ( 1 ) تكملة يصح بها الكلام . انظر ما سبق من 268 . وفي الطبري . « أبو العمرطة بن يزيد » . ( 2 ) الطبري : « خنثر بن عبيدة بن خالد » . ( 3 ) وردت هذه الكلمة بعد البيت الأول من الرجز التالي . وموضعها هنا . ( 4 ) وألت : نجت . وفي الأصل : « وأبت » صوابه في ح والطبري . ( 5 ) المعازيل : جمع معزال ، وهو الذي لا سلاح معه . ( 6 ) في الأصل : « خمسمائة » صوابه في الطبري . ( 7 ) في الأصل : « فرفة » تحريف ، صوابه في الطبري . وفي تقريب التهذيب : « فروة بن نوفل الأشجعي ، مختلف في صحبته ، والصواب أن الصحبة لأبيه » . وانظر الإصابة 7033 . ولم يرد ذكره في معجم المرزباني المطبوع ، مع نص الإصابة على أن المرزباني ذكره في المعجم . ( 8 ) البندنيجين : بلدة في طرف النهروان من ناحية الجبل من أعمال بغداد . ( 287 ) ابن هوذة (1) ، وشعيب بن نعيم من بني بكر النخع ، وربيعة بن مالك بن وهبيل (2) ، وأبي بن قيس أخو علقمة [ بن قيس الفقيه (3) ] ، وقطعت رجل علقمة بن قيس ، فكان يقول : ما أحب أن رجلي أصح ما كانت ؛ لما أرجو بها من حسن الثواب من ربي . ولقد كنت أحب أن أبصر في نومي أخي وبعض إخواني ، فرأيت أخي في النوم فقلت له : يا أخي ، ماذا قدمتم عليه ؟ فقال : التقينا نحن والقوم فاحتججنا عند الله عز وجل فحججناهم . فما سررت بشئ مذ عقلت كسروري بتلك الرؤيا . نصر ، عن عمر ، عن سويد بن حبة النضري (4) ، عن الحضين (5) بن المنذر [ الرقاشي ] قال : إن ناسا كانوا أتوا عليا قبل الوقعة في هذا اليوم ، فقالوا : إنا لا نري خالد بن المعمر السدوسي إلا قد كاتب معاوية ، وقد خشينا أن يتابعه . فبعث إليه علي وإلى رجال من أشرافهم ، فحمد الله ربه تبارك وتعالى وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا معشر ربيعة فأنتم أنصاري ، ومجيبو دعوتي ، ومن أوثق حي في العرب في نفسي ، ولقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر ، وقد أتيت (6) به ، وقد جمعتكم له لأشهدكم عليه وتسمعوا أيضا مني ومنه » . ثم أقبل عليه فقال : « يا خالد بن المعمر ، إن كان ما بلغني عنك حقا فإني ____________ ( 1 ) الطبري : « حيان بن هوذة » . ( 2 ) في الأصل : « وسعير بن نعيم من بني بكر بن ربيعة ومالك بن نهشل » . وأثبت ما في الطبري ( 6 : 18 ) . ( 3 ) هذه التكملة من الطبري . ( 4 ) ح ( 1 : 4 5 ) : « بن حبة البصري » الطبري : « بن حبة الأسدي » . ( 5 ) هو الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي ، فارس شاعر من كبار التابعين مات على رأس المائة . انظر المؤتلف 87 وتهذيب التهذيب والخزانة ( 2 : 89 ـ 90 ) . وحضين ، بالضاد المعجمة وبهيئة التصغير . وفي الأصل وح : « الحصين » صوابه في الطبري . ( 6 ) في الأصل : « أوتيت به » صوابه في ح والطبري . ( 288 ) أشهد الله ومن حضرني من المسلمين أنك آمن حتى تلحق بالعراق أو بالحجاز ، أو أرض لا سلطان لمعاوية فيها . وإن كنت مكذوبا عليك فأبر صدورنا بأيمان نطمئن إليها » . فحلف له بالله ما فعل ، وقال رجال منا كثير : والله لو نعلم أنه فعل لقتلناه . وقال شقيق بن ثور [ السدوسي (1) ] : ما وفق الله الله خالد بن المعمر حين نصر معاوية وأهل الشام على علي وربيعة . فقال له زياد بن خصفة : يا أمير المؤمنين ، استوثق من ابن المعمر بالأيمان لا يغدر . فاستوثق منه ، ثم انصرفنا فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من الميمنة فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه ، فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس ، وقال : لمن هذه الرايات ؟ قلنا : رايات ربيعة . قال : بل هي رايات الله ، عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم . ثم قال لي [ وأنا حامل راية ربيعة يومئذ ] : يا فتى ، ألا تدني رايتك هذه ذراعا ؟ فقلت له : نعم والله ، وعشرة أذرع (2) . ثم ملت (3) بها [ هكذا ] فأدنيتها ، فقال لي : حسبك ، مكانك . نصر ، عن أبي عبد الرحمن قال : حدثني المثنى بن صالح ـ من بني قيس ابن ثعلبة ـ عن يحيي بن مطرف أبي الأشعث العجلي ، شهد مع علي صفين ، قال : لما نصبت الرايات اعترض على الرايات ثم انتهى إلى رايات ربيعة فقال : لمن هذه الرايات ؟ فقلت : رايات ربيعة . قال : بل هي رايات الله . ____________ ( 1 ) هذه التكملة من الطبري . ( 2 ) كذا في الأصل وح . وهي صحيحة ، فإن الذراع قد يذكر . وفي الطبري : « عشر أذرع » . ( 3 ) في الأصل : « فقلبت » وأثبت ما في ح ( 1 : 495 ) . ( 289 ) نصر ، عن عمرو بن شمر قال : أقبل الحضين (1) بن المنذر ـ وهو يومئذ غلام ـ يزحف برايته . قال السدي : وكانت حمراء . فأعجب عليا زحفه وثباته فقال : لمن رايـة حمـراء يخفــق ظلها * إذا قيل قدمـهـا حضيـــن تقدما (2) ويدنو بها في الصف حتى يديرهـا * حمام المنايا تقطر الموت والدمــا (3) تراه إذا ما كـان يــوم عظيمــة * أبي فيـــه إلا عــزة وتكرمـا جزى الله قوما صابــروا في لقائهم * لدى البأس حراما أعــف وأكرمـا (4) وأحزم صبرا حين تدعى إلى الوغى * إذا كان أصوات الكمـــاة تغمغمـا ربيعة أعني ، إنهم أهــل نجــدة * وبأس إذا لا قوا خميســا عرمرمـا وقد صبرت عــك ولخم وحميـر * لمذحج حتى لم يفــارق دم دمــا ونادت جذام يال مــذحج ويلكـم * جزى الله شرا أينا كــان أظلمــا أما تتقون الله فــي حرماتكـــم * وما قرب الرحمـــن منها وعظما أذقنا ابن حرب طعننـــا وضرابنا * بأسيافنا حتى تولــى وأحجمـــا وفر ينادي الزبرقــان وظالمـــا * ونادى كلاعا والكريـــب وأنعمـا (5) وعمرا وسفيانا وجهمــا ومالكـــا * وحوشب والغاوي شريحـــا وأظلما ____________ ( 1 ) في الأصل : « الحصين » صوابه بالضاد المعجمة . انظر ما سبق ص 287 . ( 2 ) في الأصل وح : « حصين » صوابه بالضاد المعجمة كما في الطبري ( 6 : 20 ) ( 3 ) وهي أيضا رواية ح . وفي الطبري : « حتى يزيرها * حياض المنايا » ( 4 ) الحر : الفعل الحسن الجميل . وجاء في قول طرفة : لا يكن حبك داء داخلا * ليس هذا منك ماوى بحر ورواية الطبري : « لدى الموت قوما » . ( 5 ) في الأصل : « وحتى ينادي زبرقان بن أظلم » ، وأثبت ما في ح ( 1 : 496 ) ( 290 ) وكرز بن نبهان وعمرو بن جحدر * وصباحا القيني يدعــو وأسلما (1) نصر : عن عمر ، قال حدثني الصلت بن يزيد بن أبي الصلت التيمي قال : سمعت أشياخ الحي من بني تيم الله بن ثعلبة (2) يقولون : كانت راية ربيعة كوفيتها وبصريتها (3) مع خالد بن المعمر [ من أهل البصرة . قال : وسمعتهم يقولون : إن خالد بن المعمر (4) ] وسعيد بن ثور (5) السدوسي ، اصطلحا أن يوليا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحضين (6) بن المنذر . قالوا : وتنافسا في الراية قالا : هذا فتى له حسب ونجعلها له حتى نرى من رأينا . ثم إن عليا أعطى الراية خالد بن المعمر ، راية ربيعة كلها . قال : وضرب معاوية لحمير بسهم على ثلاث قبائل لم يكن لأهل العراق قبائل أكثر منها عددا يومئذ : على ربيعة ، وهمدان ، ومذحج . فوقع سهم حمير على ربيعة ، فقال ذو الكلاع : قبحك الله من سهم كرهت الضراب . فأقبل ذو الكلاع في حمير ومن لف لفها ، ومعها عبيدالله بن عمر بن الخطاب ____________ ( 1 ) ح : « بن تيهان » بالتاء ، و « صباحا الليثي » . وقد عقب ابن أبي الحديد على هذه الأبيات بقوله : « قلت : هكذا روى نصر بن مزاحم . وسائر الرواة رووا له عليه السلام الأبيات الستة الأولى ، ورووا باقي الأبيات من قوله : وقد صبرت عك ، للحضين بن المنذر صاحب الراية » . ( 2 ) هم بنو تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة . انظر المعارف ص 44 وما قبلها . وفي الأصل : « تميم بن ثعلبة » صوابه في الطبري . ومما هو جدير بالذكر أن في العرب : « تيم بن ثعلبة » وهؤلاء في قحطان من ولد طيئ بن أدد . وليس في العرب إلا تميمان : تميم بن مر القبيلة المعروفة ، وتميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر . انظر لهذه المعارف ص 30 . ( 3 ) الطبري : « أهل كوفتها وبصرتها » . انظر ( 6 : 18 ) . ( 4 ) هذة التكملة من الطبري . ( 5 ) الطبري : « سفيان بن ثور » ، مع إسقاط النسبة بعده . ( 6 ) في الأصل : « الحصين » بالمهملة ، تحريف . انظر ما سبق في 287 . ( 291 ) في أربعة آلاف من قراء أهل الشام قد بايعوا على الموت ، وهي ميمنة أهل الشام وعلى ميمنتهم ذو الكلاع ، فحملوا على ربيعة ـ وهم ميسرة أهل العراق ـ وفيهم عبد الله بن العباس وهو على الميسرة ، فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر ، فحملوا على ربيعة حملة شديدة بخيلهم ورجالهم ، فتضعضعت رايات ربيعة ، فتثبتوا إلا قليلا من الأحشام والأنذال (1) . ثم إن أهل الشام انصرفوا ولم يمكثوا إلا قليلا حتى كروا [ ثانية ] وعبيد الله بن عمر [ في أوائلهم ] يقول : « يا أهل الشام ، هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان ، وأنصار علي بن أبي طالب . وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك علي وأهل العراق » . فشدوا على الناس شدة شديدة فثبتت لهم ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء ، وثبت أهل الرايات وأهل البصائر منهم والحفاظ ، وقاتلوا قتالا شديدا . فلما رأى خالد بن المعمر أناسا قد انهزموا من قومه انصرف ؛ فلما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم بالرجوع ، فقال من أراد أن يتهمه [ من قومه ] : أراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا ؟ وقال هو (2) : لما رأيت رجالا منا قد انهزموا رأيت أن أستقبلهم ثم أردهم إليكم ، فأقبلت إليكم بمن أطاعني منهم . فجاء يأمر مشتبه (3) . وكان بصفين أربعة آلاف محجف من عنزة (4) . ____________ ( 1 ) الأحشام : الأنباع . وعند الطبري : « فتضعضعت رايات ربيعة إلا قليلا من الأخيار والأبدال » . ومؤدي العبارتين واحد . وهذا الخبر من أوله روى في ح مختصرا ، ولم أجد فيه مواضع المقابلة التي أشرت إليها من الطبري . ( 2 ) في الأصل : « لهم » وأثبت ما في ح ( 1 : 496 ) والطبري . ( 3 ) الطبري : « بأمر مشبه » . ( 4 ) ح : « وكان في جملة ربيعة من عنزة وحدها أربعة آلاف مجفف » . والمحجف : لابس الحجفة ، وهي ترس يتخذ من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض . والمجفف في رواية ح صحيحة أيضا ، رجل مجفف لبس التجفاف ، وهو بالفتح : ما جلل به الفرس من سلاح وآلة ( 292 ) نصر ، عن عمر قال : حدثني رجل من بكر بن وائل ، عن محرز بن عبد الرحمن [ العجلى (1) ] أن خالد بن المعمر قال : « يا معشر ربيعة ، إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه فجمعكم في هذا المكان جمعا لم تجتمعوا مثله ، منذ نشركم في الأرض (2 ) ، وإنكم إن تمسكوا أيديكم تنكلوا عن عدوكم ، وتحولوا عن مصافكم (3) ، لا يرضي الرب فعلكم ، ولا تعدموا معيرا يقول : فضحت ربيعة الذمار ، وخامت عن القتال (4) ، وأتيت (5) من قبلها العرب . فإياكم أن يتشاءم بكم المسلمون اليوم . وإنكم إن تمضوا مقدمين ، وتصبروا محتسبين فإن الإقدام منكم عادة ، والصبر منكم سجية . فاصبروا ونيتكم صادقة تؤجروا ، فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة ، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا » . فقام إليه رجل من ربيعة فقال : « ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت أمرها إليك ، تأمرنا ألا نحول ولا نزول حتى نقتل أنفسنا ونسفك دماءنا . ألا ترى إلى الناس قد انصرف جلهم » . فقام إليه رجال من قومه فتناولوه ____________ تقيه الجراح . وفي اللسان : « وقد يلبسه الإنسان أيضا » . قال ابن أبي الحديد : « قلت : لا ريب عند علماء السير أن خالد بن المعمر كان له باطن سوء مع معاوية ، وأنه انهزم ذلك اليوم ليكسر الميسرة على علي عليه السلام . ذكر ذلك الكلبي والواقدي وغيرهما . ويدل على باطنه هذا أنه لما استظهرت ربيعة على معاوية وعلى صفوف أهل الشام في اليوم الثاني من هذا أرسل معاوية إلى خالد بن المعمر : أن كف ولك إمارة خراسان ما بقيت . فرجع بربيعة وقد شارفوا أخذه من مضربه » . ( 1 ) التكملة من الطبري . ( 2 ) في الأصل : « هذا فرشكم الأرض » صوابه في الطبري . ( 3 ) الطبري : « ونزلوا عن مصافكم » . ( 4 ) خامت : جبنت . وفي الأصل : « حامت » بالمهملة ، تحريف . وفي ح : « خاموا » . وفي الطبري : « حاصت » . والحيص : العدول والفرار والهرب . ( 5 ) في الأصل : « وأوتيت » صوابه من ح والطبري . ( 293 ) بقسيهم (1) ، ولكزوه بأيديهم ، فقال لهم خالد بن المعمر : « أخرجوا هذا من بينكم ؛ فإن هذا إن بقى أضربكم ، وإن خرج منكم لم ينقصكم هذا الذي لا ينقص العدد ولا يملأ البلد . برحك (2) الله من خطيب قوم ! كيف جنبك الخير (3) ! » . واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر ، حتى كثرت القتلى فيما بينهم ، وحمل عبيد الله بن عمر فقال : أنا الطيب ابن الطيب . قالوا : أنت الخبيث ابن الطيب . فقتل شمر بن الريان بن الحارث (4) ، وهو من أشد الناس بأسا . ثم خرج نحو من خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب علي ، على رؤوسهم البيض وهم غائصون في الحديد ، لا يرى منهم إلا الحدق ، وخرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدو فاقتتلوا بين الصفين والناس تحت راياتهم ، فلم يرجع من هؤلاء ولا من هؤلاء مخبر لا عراقي ولا شامي ، قتلوا جمعا بين الصفين . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن تميم قال : نادى منادي أهل الشام : ألا إن معنا الطيب ابن الطيب ، عبيد الله بن عمر . فقال عمار بن ياسر : بل هو الخبيث [ ابن الطيب ] . ونادى منادي أهل العراق : ألا إن معنا الطيب ابن الطيب ، محمد بن أبي بكر . فنادى منادي أهل الشام : بل هو الخبيث ابن الطيب . وفي حديث : فقال عقبة بن سلمة أخو بني رقاش (5) من أهل الشام ، وكان بصفين تل يلقى عليه جماجم الرجال [ وكان يدعى تل الجماجم ] ، فقال : ____________ ( 1 ) في الأصل : « بفيهم » صوابه في ح ( 1 : 496 ) . وفي الطبري : « وتناولوه بألسنتهم » . ( 2 ) برح به : عذبه . وفي الأصل : « يرحمك الله » ، صوابه في الطبري . ح : « ترحك الله » يقال ترحه الأمر تتريحا : أحزنه . ( 3 ) جنبه : بعد عنه . ح : « لقد جنبك الخير » . الطبري : « كيف جنبك السداد » . ( 4 ) الطبري : « سمير بن الريان بن الحارث العجلي » . ( 5 ) ح : « عقبة بن مسلم الرقاشي » . ( 294 ) لم أر فرسانا أشــد بديهــة * وأمنع منهـــم يوم تـل الجماجـم (1) غداة غدا أهل العـراق كأنهــم * نعام تلاقي فــي فجـاج المخــارم إذا قلت قد ولــوا أنابت كتيبـة * ململمة في البيض شمــط المقــادم وقالوا لنا : هذا علـي فبايعــوا * فقلنــا ألا لا بالسيوف الصــوارم (2) وثرنا إليهم بالسيــوف وبالقنـا * تدافعهــم فرساننـــا بالتزاحــم وقد كان معاوية نذر في سبي نساء ربيعة وقتل المقاتلة ، فقال في ذلك خالد بن المعمر : تمنى ابــن حرب نذرة في نسائنا * ودون الذي ينـــوى سيوف قواضب ونمنح ملكا أنت حاولــت خلعـه * بني هاشــم قـول امرئ غير كاذب وقال أيضا : وفتنة مثــل ظهر الليل مظلمــة * لا يستبيـــن لهــا أنف ولا ذنب فرجتها بكتــاب الله فـانفرجــت * وقــد تحير فيهــا سـادة عرب وقال شبث بن ربعي : وقفنا لديهم يــوم صفيـن بالقنـا * لــدن غــدوة حتى هــوت لغروب وولى ابن حرب والرماح تنوشـه * وقــد أرضت الأسياف كــل غضوب ( 3) نجالدهم طورا وطورا نصــدهـم * على كل محبوك الســـراة شبوب (4) بكل أسيل كالقــراط ، إذا بــدت * لوائحها بين الكماة ، لعــــوب (5) ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 497 ) : « أشد حفيظة » . ( 2 ) ح : « فقلنا صه بل بالسيوف » . ( 3 ) في الأصل : « وقد غضب الأحلاس » صوابه في ح . ( 4 ) ح : « وطورا نشلهم » . والشل : الطرد . والسراة ، بالفتح : الظهر . والمحبوك : المدمج . وفي الأصل : « محنوك » صوابه بالباء ، كما في ح . ( 5 ) القراط ، بالكسر : شعلة السراج . ( 295 ) نجالــد غسانا وتشقى بحربنا * جذام ووتر العبـــد غير طلوب (1) فلم أر فــرسانا أشـد حفيظـة * إذا غشــى الآفاق نفــح جنوب أكر وأحمى بالغطاريــف والقنا * وكل حديد الشفرتين قضـــوب وقال ابن الكؤاء : ألا من مبلغ كلبـــا ولخمــا * نصيحة ناصح فـوق الشقيــق فإنكم وإخوتكـــم جميعـــا * كباز حاد عــن وضح الطريق وبعتم دينكــم برضاء عبــد * أضل بها مصافحـة الرقيــق (2) وقمتم دوننا بــالبيض صلتـا * بكل مصانع مثــل الفنيــق (3) وساروا بالكتائب حــول بـدر * يضيء لدى الغبار مــن البريق يعني بالبدر عليا . حتى إذا كان يوم الخميس التاسع من صفر ، خطب الناس معاوية وحرضهم وقال : « إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وحضركم ما قد حضركم . فإذا نهدتم إليهم إن شاء الله فقدموا الدارع ، وأخروا الحاسر ، وصفوا الخيل مجنبين ، وكونوا كقص الشارب ، وأعيرونا جماجمكم ساعة ، فإنما هو ظالم أو مظلوم . وقد بلغ الحق مقطعه ، والناس على تعبئة أخرى » . نصر ، عن عمر قال : حدثني رجل عن جابر ، عن الشعبي قال : قام معاوية يخطب بصفين قبل الوقعة العظمي فقال : « الحمد لله الذي علا في دنوه ، ودنا في علوه ، وظهر وبطن ، وارتفع فوق ____________ ( 1 ) غير طلوب : أي قريب سهل المنال . وأصله من قولهم « بئر طلوب » أي بعيدة الماء . ( 2 ) العبد : العبيد ، والأصل فيه ضم الباء ، وسكنها للشعر . ( 3 ) المصانع : الفرس الذي لا يعطيك جميع ما عنده من السير ، له صون يصونه ، فهو يصانعك ببذله سيره . وفي الأصل : « مضالع » ولا وجه له . والفنيق : الفحل المكرم . ( 296 ) كل منظر ، أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا ، يقضي فيفصل ، ويقدر فيغفر ، ويفعل ما يشاء ، إذا أراد أمرا أمضاه ، وإذا عزم على أمر قضاه ، لا يؤامر أحدا فيما يملك ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون . والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا . ثم كان فيما قضى الله أن ساقتنا المقادير (1) إلى هذه البقعة من الأرض ، ولف بيننا وبين أهل العراق ، فنحن من الله بمنظر . وقد قال سبحانه : « ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد » . انظروا يا معاشر أهل الشام فإنما تلقون غدا أهل العراق ، فكونوا على إحدى ثلاث أحوال : إما أن تكونوا قوما طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا علكم فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم ، وإما أن تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم صلى الله عليه ، وإما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم وأبنائكم . فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل . أسأل الله لنا ولكم النصر ، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين » . فقام ذو الكلاع فقال : يا معاوية : إنــا لنحن الصبــر الكـرام (2) * لا ننثنــي عنـــد الخصام بنــو الملــوك العظــــام * ذوو النهـــى والأحـــلام لا يــقربـــون الآثـــام فلما سكت قال له معاوية : صدقت . نصر قال : أخبرني عمر بن سعد قال : أخبرني رجل عن جيفر بن أبي ____________ ( 1 ) في الأصل : « وساقتنا المقادير » صوابه في ح ( 1 : 497 ) . ( 2 ) كذا ورد هذا الشعر على ما به من اضطراب ظاهر في الوزن . وهو أشبه ما يكون بالنثر والتسجيع . وفي ح : « نحن الصبر الكرام » . ( 297 ) القاسم (1) [ العبدي (2) ] ، عن يزيد بن علقمة ، عن زيد بن بدر ، أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذي الكلاع ـ وفيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب ـ لبكر بن وائل ، فقاتلوا قتالا شديدا خافوا [ فيه (3) ] الهلاك ، فقال زياد لعبد القيس : لا بكر بعد اليوم ، إن ذا الكلاع وعبيد الله أبادا ربيعة ، فانهضوا لهم وإلا هلكوا . فركبت عبد القيس وجاءت كأنها غمامة سوداء ، فشدت إزاء الميسرة ، فعظم القتال فقتل ذو الكلاع الحميري ، قتله رجل من بكر بن وائل اسمه خندف ، وتضعضعت أركان حمير ، وثبتت بعد ذي الكلاع تحارب مع عبيد الله بن عمر . وبعث عبيد الله بن عمر إلى الحسن بن علي فقال : إن لي إليك حاجة فالقني . فلقيه الحسن فقال له عبيد الله : إن أباك قد وتر قريشا أولا وآخرا ، وقد شنئوه فهل لك أن تخلفه ونوليك (4) هذا الأمر ؟ قال : كلا والله لا يكون ذلك . ثم قال له الحسن : لكأني أنظر إليك مقتولا في يومك أو غدك . أما إن الشيطان قد زين لك وخدعك حتى أخرجك مخلقا بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفك ، وسيصرعك الله ويبطحك لوجهك قتيلا . قال : فو الله ما كان إلا كيومه أو كالغد وكان القتال . فخرج عبيد الله في كتيبة رقطاء ـ وهي الخضرية ـ كانوا أربعة آلاف ، عليهم ثياب خضر ، ونظر الحسن فإذا هو برجل متوسد رجل قتيل قد ركز رمحه في عينه ، وربط فرسه برجله ، فقال الحسن لمن معه : انظروا من هذا . فإذا هو برجل من همدان ، فإذا القتيل ____________ ( 1 ) في الأصل : « جيفر عن القاسم » وأثبت ما في الطبري . ( 2 ) هذه التكملة من الطبري . وفي لسان الميزان ومنتهي المقال : « جيفر بن الحكم العبدي » فلعله هو . والعبدي : نسبة إلى عبد القيس . ( 3 ) هذه التكملة من الطبري . ( 4 ) في الأصل : « ونليك » . وفي ح ( 1 : 498 ) : « وأن تتولى أنت » . ( 298 ) عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، قد قتله وبات عليه حتى أصبح ، ثم سلبه . فسأل الرجل من هو ؟ فقال (1) : رجل من همدان ، وإنه قتله . فحمد الله وحزنا القوم حتى اضطررناهم إلى معسكرهم . واختلفوا في قاتل عبيد الله ، فقالت همدان : قتله هانئ بن الخطاب . وقالت حضر موت : قتله مالك بن عمرو السبيعى ، وقالت بكر بن وائل : قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح من بني [ عائش بن مالك بن (2) ] تيم اللات بن ثعلبة ، وأخذ سيفه ذا الوشاح فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل حين بويع ، فقالوا (3) : إنما قتله رجل منا من أهل البصرة يقال له محرز بن الصحصح . فبعث معاوية إليه بالبصرة فأخذ السيف منه . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبي قال : فعند ذلك يقول كعب بن جعيل التغلبي في قتل عبيد الله بن عمر : ألا إنما تبكي العيــون لفــارس * بصفين أجلت خيلــه وهو واقـف تبدل من أسماء أسيــاف وائــل * وأي فتى لو أخطأتـــه المتالـف تركن عبيد الله بالقــاع مسلمــا * يمج دمــاه والعروق نــوازف (4) ينوء وتغشاه شآبيــب مـــن دم * كما لاح في حبيب القميص الكفائف دعاهن فاستسمعن من أين صوتـه * وأقبلن شتى والعيـــون ذوارف (5) ____________ ( 1 ) في الأصل : « فقالوا » . ( 2 ) التكملة من الطبري . ( 3 ) في الأصل : « فقال » . ( 4 ) مسلما : متروكا . وفي الأصل : « مسلبا » صوابه في ح . وفي ح : « يمج دماء » . ( 5 ) قال ابن أبي الحديد في ( 1 : 499 ) : « الضمير في قوله : دعاهن فاستسمعن من أين صوته ، يرجع إلى نساء عبيد الله . وكان تحته أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي ، وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني . وكان عبيد الله قد أخرجهما معه إلى الحرب في ذلك اليوم لينظرا إلى قتاله » . ( 299 ) وقد صبرت حول ابن عم محمد * لدى الموت شهباء المناكب شارف (1) فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أتيحـت بالأكف المصاحف بمرج ترى الرايات فيـه كأنها * إذا اجتنحت للطعـن طير عواكف (2) جزى الله قتلانا بصفيــن خير ما * جزاه عبادا غادرتهــا المواقف وفي حديث عمر : قال كعب بن جعيل في قتل عبيد الله بن عمر : يقول عبيد الله لمــا بدت لــه * سحابة موت تقطر الحتـف والدمـا ألا يالقومي اصبروا إن صبرنـا * أعف وأحجى ، عفــة وتكرمــا فلما تلاقي القوم خــر مجـدلا * صريعــا فلاقي الترب كفيه والفما وخلف أطفالا يتــامى أذلــة * وخلف عرسا تسكب الدمـع أيمــا حلالا لها الخطـاب لا تتقيهــم * وقد كان يحمى غيــرة أن تكلمــا وحمل عبيد الله بن عمر وهو يقول : أنا عبيد الله ينمينــي عمــر * خير قريش مــن مضى ومن غبر إلا نبــي الله والشيخ الأغــر * قد أبطأت عن نصر عثمان مضـر والربعيون فلا أسقــوا المطـر * وسارع الحي اليمانـون الغـــرر والخير في النــاس قديمــا يبتـدر فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي وهو يقول : قد سارعت في نصــرها ربيعـه * في الحق والحــق لهــم شريعه فاكفف فلسـت تــارك الوقيعـة * في العصبـة السامعــة المطيعـة حتى تذوق كأسهـــا الفظيعــه (3) ____________ ( 1 ) في الأصل : « شهباء المبارك » صوابه في ح . عني بها الكتيبة قد صارت مناكبها شهباء لما يعلوها من بياض الحديد . ( 2 ) اجتنحت : مالت . وفي ح : « جنحت » وهما بمعنى . ( 3 ) في الأصل : « القطيعة » صوابه في ح ( 1 : 498 ) . ( 300 ) فطعنه فصرعه وأخذ لواءه ابن جون السكوني . وفي حديث محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، قال الصلتان العبدى [ يذكر مقتل عبيد الله ، وأحريث بن جابر الحنفي قتله ] : ألا يا عبيد الله ما زلـت مولعــا * ببكر لها تهـدى اللغــا والتهـددا (1) كأن حماة الحي من بكر وائــل * بذي الرمث أسـد قد تبو أن غرقدا وكنت سفيها قـد تعـودت عادة * وكل امرئ جـار علـى ما تعودا فأصحبت مسلوبا على شــر آلة * صريع قناوسط العجاجــة مفردا (2) تشق عليك الجيب ابنــة هانيء * مسلبة تبدى الشجــا والتلـــددا (3) وكانت ترى ذا الأمر قبـل عيانه * ولكن أمر الله أهــدى لك الـردى وقالت : عبيد الله لا تــأت وائلا * فقلت لها : لا تعجلـي وانظري غدا فقد جاء مــا منيتهـــا فتسلبت * عليك وأمسى الجيــب منها مقددا حباك أخو الهيجا حريث بن جابر * بجياشة تحكى الهديــر المنددا (4) نصر ، عن عمر ، عن الزبير بن مسلم قال : سمعت حضين بن المنذر يقول : أعطاني على الراية ثم قال : سر على اسم الله يا حضين (5) ، واعلم أنه لا يخفق على رأسك راية أبدا مثلها . إنها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم . ____________ ( 1 ) اللغا ، بالفتح : الباطل . وفي الأصل :« اللقا » تحريف . وفي ح : « القرى » . ( 2 ) الآلة ، هنا ، بمعنى الحالة . ( 3 ) المسلبة : المحد التي تلبس الثياب السود للحداد . والذي ذكرته المعاجم « المسلب » بدون هاء . والتلدد : التلفت يمينا ويسارا في حيرة وتبلد . ( 4 ) الجياشة : الطعنة التي يفور منها الدم . والمندد ، من التنديد ، وهو رفع الصوت . وفي الأصل : « المبددا » تحريف . وفي ح : * بحاسمة تحكى بها النهر مزبدا * ( 5 ) في الأصل : « حصين » صوابه بالمعجمة ، كما سبق في ص 287 . ****************** قال : وقد كان حريث بن جابر نازلا بين العسكرين في قبة له حمراء ، وكان إذا التقى الناس للقتال أمدهم بالشراب من اللبن والسويق والماء ، [ ويطعمهم اللحم والثريد ] ، فمن شاء أكل أو شرب (1) . وفي ذلك يقول الشاعر : لو كان بالدهنا حريث بن جابر * لأصبح بحرا بالمفازة جاريا (2) نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر قال : سمعت الشعبي يذكر [ أن (3) ] صعصعة قال : عبأ لمذحج ولبكر بن وائل ذو الكلاع وعبيد الله ، فأصابوا ذا الكلاع وعبيد الله ، فاقتتلوا قتالا شديدا . قال : وشدت عك ولخم وجذام والأشعرون من أهل الشام ، على مذحج وبكر بن وائل . فقال العكي في ذلك : ويل لام مذحــج مــن عــك * لنتــركــن أمهــم تبكــي نقتلهــم بالطعن ثــم الصــك * فلا رجــال كرجــال عـك لكــل قــرن باســل مصــك قال : ونادى منادي مذحج : يال مذحج ، خدموا (4) . فاعترضت مذحج لسوق القوم فكان بوار عامة القوم . وذلك أن مذحج حميت من قول العكي . وقال العكي حين طحنت رحى القوم ، وخاضت الخيل والرجال في الدماء . قال : فنادى : « يال مذحج : الله الله : في عك وجذام ، ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 500 ) : « فمن شاء أكل ومن شاء شرب » . ( 2 ) قال ابن أبي الحديد : « قلت : هذا حريث الذي كتب معاوية إلى زياد في أمره بعد عام الجماعة ـ وحريث عامل لزياد على همدان ـ : أما بعد فاعزل حريث بن جابر عن عمله فما ذكرت مواقفه بصفين إلا كانت حزازة في صدري . وكتب إليه زياد : خفض عليك يا أمير المؤمنين ، فإن حريثا قد بلغ من الشرف مبلغا لا تزيده الولاية ولا ينقصه العزل » . ( 3 ) ليست في الأصل . ( 4 ) انظر ما سبق ص 257 . ( 302 ) ألا تذكرون الأرحام ، أفنيتم لخم الكرام ، والأشعرين وآل ذي حمام (1) ، أين النهى والأحلام ، هذه النساء تبكي الأعلام » . وقال العكي (2) : « يا عك أين المفر ، اليوم تعلم ما الخبر ، إنكم قوم صبر ، كونوا كمجتمع المدر (3) ، لا تشمتن بكم مضر ، حتى يحول الحكر (4) ، فيرى عدوكم الغير » . وقال الأشعري (5) : « يال مذحج من للنساء غدا إذا أفناكم الردى ، الله الله في الحرمات ، أما تذكرون نساءكم والبنات ، أما تذكرون أهل فارس والروم والأتراك ، لقد أذن الله فيكم بالهلاك » : والقوم ينحر بعضهم بعضا ، ويتكادمون بالأفواه . وقال : نادى أبو شجاع الحميري وكان من ذوي البصائر مع علي فقال : يا معشر حمير [ تبت أيديكم ] ، أترون معاوية خيرا من علي ؟ أضل الله سعيكم . ثم أنت يا ذا الكلاع فوالله إن كنا نرى أن لك نية في الدين . فقال ذو الكلاع : إيها يا أبا شجاع ، والله فاعلمن ما معاوية بأفضل من علي ، ولكن إنما أقاتل على دم عثمان . قال : وأصيب ذو الكلاع بعده (6) ، قتله خندف [ بن بكر ] البكري في المعركة . نصر : عمر ، عن الحارث بن حصيرة ، أن ابن ذي الكلاع أرسل إلى الأشعث بن قيس رسولا ، فقال له : « إن ابن عمك ذي الكلاع (7) يقرئك ____________ ( 1 ) في القاموس : « وذو الحمام بن مالك حميري » . ( 2 ) ح : « ونادى منادي عك » . ( 3 ) في الأصل : « كمفترق المدر » صوابه في ح ( 1 : 500 ) . ( 4 ) الحكر في لغة أهل عك هو « الحجر » بقلب الجيم كافا . انظر ما سبق ص 228 . ح : « حتى يحول ذا الخبر » تحريف . ( 5 ) في الأصل : « الأشعرون » وفي ح : « ونادى منادي الأشعريين » . ( 6 ) ح : « حينئذ » . ( 7 ) في الأصل : « ذا الكلاع » تحريف . ( 303 ) السلام ورحمة الله ، وإن كان ذو الكلاع قد أصيب وهو في الميسرة فتأذن لنا فيه » . فقال له الأشعث : أقرئ صاحبك السلام ورحمة الله وقل له : إني أخاف أن يتهمني علي ، فاطلبه (1 ) إلى سعيد بن قيس فإنه في الميمنة . فذهب إلى معاوية فأخبره وكان منع ذلك منهم ، وكانوا في اليوم والأيام يتراسلون ، فقال له معاوية : فما عسيت أن أصنع ؟ وذلك لأنهم منعوا أهل الشام أن يدخلوا عسكر علي لشيء ، خافوا أن يفسدوا أهل العسكر (2) . وقال (3) معاوية : لأنا أشد فرحا بقتل ذي الكلاع منى بفتح مصر لو فتحتها . لأن ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها . فخرج ابن ذي الكلاع إلى سعيد بن قيس فاستأذنه في ذلك فإذن له ؛ فقال سعد الإسكاف (4) والحارث بن حصيرة قالا : قال سعيد بن قيس لابن ذي الكلاع . كذبت أن يمنعوك ، إن أمير المؤمنين لا يبالي من دخل بهذا الأمر ، ولا يمنع أحدا من ذلك فادخل . فدخل من قبل الميمنة فطاف في العسكر فلم يجده ، ثم أتى الميسرة فطاف في العسكر فوجده قد ربط رجله بطنب من أطناب بعض فساطيط العسكر ، فوقف على باب الفسطاط ؛ فقال : السلام عليكم يا أهل البيت . فقيل له : وعليك السلام . وكان معه عبد له أسود لم يكن معه غيره ، فقال : تأذنون لنا في طنب من أطناب فسطاطكم ؟ قالوا : قد أذنا لكم . ثم قالوا : معذرة إلى ربنا عز وجل وإليكم ، أما إنه لو لا بغيه علينا ما صنعنا به ما ترون . فنزل ابنه إليه ـ وكان من أعظم الناس خلقا وقد انتفخ شيئا ـ فلم يستطيعا ____________ ( 1 ) في الأصل : « فاطلبوا » وأثبت ما في ح . ( 2 ) ح : « فقال له إن عليا عليه السلام قد منع أن يدخل أحد منا إلى معسكره ، يخاف أن يفسد عليه جنده » . ( 3 ) في الأصل : « فقال » . ( 4 ) هو سعد بن طريف الحنظلي ، مولاهم ، الإسكاف الكوفي ، ويقال له أيضا سعد الخفاف . روى عن الأصبغ بن نباتة وأبي جعفر وأبي عبد الله . قال ابن حجر : متروك ، ورماه ابن حبان بالوضع . انظر تهذيب التهذيب ومنتهى المقال 144 . ( 304 ) احتماله ، فقال ابنه . هل من فتى معوان ؟ فخرج إليه خندف البكري فقال : تنحوا [ عنه ] . فقال له ابن ذي الكلاع : ومن يحمله إذا تنحينا ؟ قال : يحمله الذي قتله . فاحتمله خندف ثم رمى به على ظهر البغل ، ثم شده بالحبال فانطلقوا به . ثم تمادى الناس في القتال فاضطربوا بالسيوف حتى تعطفت (1) وصارت كالمناجل ، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت [ وتناثرت أسنتها ] ، ثم جثوا على الركبات فتحاثوا بالتراب ، يحثو بعضهم في وجوه بعض التراب ، ثم تعانقوا وتكادموا [ بالأفواه ] ، وتراموا بالصخر والحجارة ، ثم تحاجزوا فجعل الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول : من أين آخذ (2) إلى رايات بني فلان ؟ فيقولون : هاهنا لا هداك الله . ويمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول : كيف آخذ إلى رايات بني فلان ؟ فيقولون : هاهنا لا حفظك الله ولا عافاك . وكان من أمراء النمر بن قاسط عبد الله بن عمرو ، من بني تميم . وقتل يومئذ فلان بن مرة بن شرحبيل ، والحارث بن عمرو بن شرحبيل . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن البراء بن حيان الذهلي أن أبا عرفاء جبلة بن عطية الذهلي قال للحضين (3) يوم صفين : هل لك أن تعطيني رايتك أحملها فيكون لك ذكرها ويكون لي أجرها ، فقال له الحضين (4) : وما غناي [ يا عم ] عن أجرها مع ذكرها ؟ قال له : لا غنى بك عن ذلك ، أعرها عمك ساعة (5) ____________ ( 1 ) تعطفت : تثنت وتلوت . وفي الأصل وح : « تقطعت » والوجه ما أثبت . ( 2 ) ح ( 1 : 501 ) : « كيف آخذ » . ( 3 ) في الأصل : « للحصين » وانظر ما سبق ص 287 . ( 4 ) في الأصل : « الحصين » بالصاد المهملة ، تحريف . ( 5 ) في الأصل : « أعيرها عنك ساعة » صوابه في ح ( 1 : 500 ) . ( 305 ) فما أسرع ما ترجع إليك . فعلم أنه يريد أن يستقتل ، قال : فما شئت . فأخذ الراية أبو عرفاء فقال : يا أهل هذه الراية ، إن عمل الجنة كره كله [ وثقيل ] ، وإن عمل النار خف كله [ وحبيب (1) ] ، وإن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون ، الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره ، وليس شيء مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد ، هو أفضل الأعمال ثوابا . فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا . ويحكم ، أما تشتاقون إلى الجنة ، أما تحبون أن يغفر الله لكم . فشد وشدوا معه فاقتتلوا اقتتالا شديدا ، وأخذ الحضين (2) يقول : شدوا إذا مــا شد باللــواء * ذاك الرقــاشي أبو عرفــاء فقاتل أبو عرفاء حتى قتل ، [ وشدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها ] . وفي ذلك قال مجزأة بن ثور (2) : أضربهـــم ولا أرى معاويــه * الأبرج العيــن العظيم الحاويــه (3) هوت به في النـــار أم هاويــه * جاوره فيهـــا كلاب عاويــه أغوى طغامــا لا هدتــه هادبــه قال : وقال معاوية لعمرو : أما ترى يا أبا عبد الله ما قد دفعنا فيه ؟ كيف ترى أهل العراق غدا صانعين ؟ إنا لبمعرض خطر عظيم . فقال له عمرو : إن أصبحت ربيعة متعطفين حول على تعطف الإبل حول فحلها لقيت منهم جلادا ____________ ( 1 ) هذه التكملة التي أثبت من ح هي في أصلها : « وخبيث » ، والمقابلة تقتضي ما أثبت . ( 2 ) هو مجزأة بن ثور بن عفير بن زهير بن عمرو بن كعب بن سدوس السدوسي ، أحد الصحابة ، وكان رئيسا . انظر الإصابة 7724 . وفي ح : « محرز بن ثور » تحريف . والرجز يروي لبديل بن ورقاء كما في مروج الذهب ( 2 : 25 ) ولعلي رضي الله عنه كما في اللسان ( 18 : 229 ) ومروج الذهب . وللأخنس ، كما في الاشتقاق 148 . ( 3 ) البرج : سعة العين . والحاوية : واحدة الحوايا ، وهي الأمعاء . ( 306 ) صادقا وبأسا شديدا ، [ وكانت التي لا يتعزى لها ] . فقال له معاوية : أبخؤولتك تخوفني يا أبا عبد الله ؟ قال : إنك سألتني فأجبتك . فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا وربيعة محدقة بعلي عليه السلام إحداق بياض العين بسوادها ، وقام خالد بن المعمر فنادى : من يبايع نفسه على الموت ويشرى نفسه لله ؟ فبايعه سبعة آلاف على ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يرد سرادق معاوية . فاقتتلوا قتالا شديدا وقد كسروا جفون سيوفهم . نصر ، قال عمر : حدثني ابن أخي عتاب بن لقيط البكري من بني قيس ابن ثعلبة أن عليا حيث انتهى إلى رايات ربيعة قال ابن لقيط : إن أصيب على فيكم افتضحتم ، وقد لجأ إلى راياتكم . وقال لهم شقيق بن ثور : يا معشر ربيعة ، ليس لكم عذر في العرب إن أصيب على (1) فيكم ومنكم رجل حي ، إن منعتموه فحمد الحياة ألبستموه . فقاتلوا قتالا شديدا لم يكن قبله [ مثله ] حين جاءهم علي . ففي ذلك تعاقدوا وتواصوا ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يرد سرادق معاوية . فلما نظر إليهم معاوية قد أقبلوا قال : إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت * كتائب منهم كالجبال تجالد ثم قال معاوية لعمرو : ماذا ترى ؟ قال : أرى ألا تحنث أخوالي اليوم . فخلى معاوية عنهم وعن سرادقه وخرج فارا عنه لائذا إلى بعض مضارب العسكر ، فدخل فيه . وبعث معاوية إلى خالد بن المعمر : إنك قد ظفرت ولك إمرة خراسان إن لم تتم . فطمع خالد في ذلك ولم يتم (2) ، فأمره معاوية ـ حين بايعه الناس ـ على خراسان ، فمات قبل أن يصل إليها . ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 501 ) « إن وصل إلى علي » . ( 2 ) ح : « فقطع خالد القتال ولم يتمه » . ( 307 ) وفي ذلك قال النجاشي : لو شهدت هند لعمــري مقامنــا * بصفين فدتنا بكعــب بن عامــر فياليت أن الأرض تنشـــر عنهم * فيخبرهم أنباءنـا كــل خابـــر بصفيـن إذ قمنا كأنــا سحابــة * سحـاب ولى صـوبــه متبــادر فأقسم لو لاقيت عمـرو بــن وائل * بصفين الفانـــي بعهــدة غـادر فولوا سراعا موجفيــن كأنهــم * نعام تلاقي خلفهـــن زواجـــر وفر ابن حرب عفـــر الله وجهه * وأراده خزيا ، إن ربـي قـــادر معاوي لولا أن فقدنـــاك فيهــم * لغودرت مطروحا بها مــع معاشر معاشر قــوم ضلل الله سعيهــم * وأخزاهم ربــي كخزي السواحـر قال : وقال مرة بن جنادة العليمي ، من بني عليم من كلب (1) : ألا سألت بنـــا غداة تبعثــرت * بكر العــراق بكل عضب مقصــل (2) برزوا إلينا بالرمــاح تهزهـــا * بيــن الخنادق مثل هــز الصيقـل والخيل تضبر في الحديـد كأنهــا * أســد أصابتهــا بليــل شمــأل (3) وفي حديث عمر بن سعد قال : ثم إن عليا صلى الغداة ثم زحف إليهم ، فلما أبصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب على ألف رجل أو أكثر ، فأحاطوا بهم وحالوا بينهم وبين أصحابهم فلم يروهم ، فنادى علي ____________ ( 1 ) هم بنو عليم بن جناب بن هبل ، إحدى قبائل كلب بن وبرة ، من قضاعة . انظر الاشتقاق 316 ثم 314 . ( 2 ) مقصل ، بالقاف : قطاع . وفي الأصل : « مفصل » . ( 3 ) تضبر : تثب . وفي الأصل : « تصبر » تحريف . والحديد ، هنا : السلاح . والبليل : الريح الندية . وفي هذا البيت إقواء . ( 308 ) يومئذ : ألا رجل يشري نفسه لله ويبيع دنياه بآخرته ؟ فأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث ، على فرس أدهم كأنه غراب ، مقنعا في الحديد ، لا يرى منه إلا عيناه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مرني بأمر ، فوالله ما تأمرني بشئ إلا صنعته . فقال علي : سمحت بأمر لا يطــاق حفيظــة * وصدقــا ، وإخوان الحفاظ قليــل (1) جزاك إله الناس خيرا فقـــد وفت * يداك بفضل مــا هناك جزيـــل (2) أبا الحارث ، شد الله ركنك ، احمل لي أهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم : أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم : هللوا وكبروا من ناحيتكم ، ونهلل نحن ونكبر من هاهنا ، واحملوا من جانبكم ونحمل من جانبنا على أهل الشام . فضرب الجعفي فرسه حتى إذا قام على السنابك (3) ، حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب علي فطاعنهم ساعة وقاتلهم فانفرجوا له حتى أتى أصحابه ، فلما رأوا استبشروا به وفرحوا وقالوا : ما فعل أمير المؤمنين ؟ قال : صالح يقرئكم السلام ويقول لكم : هللوا وكبروا واحملوا حملة رجل واحد من ذلك الجانب . وحملوا على أهل الشام من ثم ، وحمل على من هاهنا في أصحابه ، فانفرج أهل الشام عنهم فخرجوا وما أصيب منهم رجل واحد . ولقد قتل من فرسان أهل الشام يومئذ زهاء سبعمائة رجل . قال : وقال علي : من أعظم الناس غناء ؟ فقالوا : أنت يا أمير المؤمنين ، قال : كلا ، ولكنه الجعفي . وذكروا أن عليا كان لا يعدل بربيعة أحدا من الناس ، فشق ذلك على ____________ ( 1 ) ح ( 1 . 501 ) : « وإخوان الصفاء » . ( 2 ) في البيت إقواء . وفي ح : « خيرا فإنه * لعمرك فضل » . ( 3 ) ح : « على أطراف سنابكه » . ( 309 ) مضر وأظهروا لهم القبيح ، وأبدوا ذات أنفسهم ، فقال حضين بن المنذر [ الرقاشي ] شعرا أغضبهم ، فيه : رأت مضر صارت ربيعــة دونهم * شعار أمير المؤمنين ، وذا الفضــل فأبدوا إلينا ما تجــن صدورهــم * علينا من البغضــا وذاك له أصـل (1) فقلت لهم لما رأيــت رجالهـــم * بدت بهم قطو كــأن بهم ثقـــل إليكم أهيبــوا لا أبــا لأبيكــم * فإن لكم شكــلا وإن لنــا شكـل ونحن أناس خصنــا الله بالتــي * رآنا لها أهلا وأنتــم لهـــا أهل فأبلوا بلانا أو أقــروا بفضلنــا * ولن تلحقونا الدهر مــا حنت الإبل فغضبوا من شعر حضين ، فقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني (2) ، وعمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي ، ووجوه بني تميم ، وقبيصة ابن جابر الأسدي في وجوه بني أسد ، وعبد الله بن الطفيل العامري (3) في وجوه هوازن ، فأتوا عليا فتكلم أبو الطفيل فقال يا أمير المؤمنين ، إنا والله ما نحسد قوما خصهم الله منك بخير إن أحمدوه وشكروه ، وإن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا ، وأنك لهم دوننا ، فأعفهم عن القتال أياما ، واجعل لكل امرئ منا يوما يقاتل فيه ، فإنا إذا اجتمعنا (4) اشتبه عليك بلاؤنا . فقال علي : أعطيتم ما طلبتم يوم الأربعاء (5) ، وأمر ____________ ( 1 ) ح : فأبدوا لنا مما تجن صدورهم * هو السوء والبغضاء والحقد والغل » ( 2 ) هو عامر بن واثلة ـ بالثاء المثلثة ـ بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي . ولد عام أحد ، ورأى الرسول ، وروى عن أبي بكر فمن بعده ، وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة . وهو آخر من مات من الصحابة . انظر الإصابة 670 من باب الكني ، وتهذيب التهذيب . ح : « بن وائلة » تحريف . ( 3 ) هو عبد الله بن الطفيل بن ثور بن معاوية العامري ثم البكائي . انظر ما سبق ص 206 والإصابة 6328 . وفي الأصل : « عبيد الله بن عامر » صوابه في ح ( 1 : 502 ) . وسيأتي على الصواب أيضا ص 311 . ( 4 ) في الأصل : « إن اجتمعنا » وأثبت ما في ح . ( 5 ) يوم الأربعاء ، ليست في ح . ( 310 ) ربيعة أن تكف عن القتال ، وكانت بإزاء اليمن من صفوف أهل الشام . فغدا [ أبو الطفيل ] عامر بن واثلة في قومه من كنانة وهم جماعة عظيمة ، فتقدم أمام الخيل وهو يقول : طاعنوا وضاربوا . ثم حمل وهو يقول : قد صابرت في حربهـــا كنانـه (1) * والله يجزيهــا بهــــا جنانه من أفرغ الصبر عليـــه زانـه * أو غلــــب الجبـن عليــه شانه أو كفـــر الله فقــد أهانــه * غــدا يعـض مــن عصى بنانـه فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرف أبو الطفيل إلى علي فقال : « يا أمير المؤمنين ، إنك نبأتنا أن أشرف القتل الشهادة ، وأحظى الأمر الصبر ، وقد والله صبرنا حتى أصبنا ، فقتيلنا شهيد ، وحينا ثائر (2) ، فاطلب بمن بقى ثأر من مضى ، فإنا وإن كان قد ذهب صفونا (3) وبقى كدرنا فإن لنا دينا لا يميل به الهوى ، ويقينا لا يزحمه الشبهة " . فأثنى علي عليه خيرا ، ثم غدا يوم الجمعة عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم ، وهو يومئذ سيد مضر من أهل الكوفة ، فقال : يا قوم ، إني أتبع آثار أبي الطفيل وتتبعون آثار كنانة . فتقدم برايته وهو يقول : قد ضاربــت في حربها تميــم * إن تميمــا خطبهــا عظيــم لهـا حديــث ولهــا قديــم * إن الكريـــــم نسلــه كريم إن لم تزرهــم رايتي فلومـوا (4) * دين قويــم وهوى سليـــم فطعن برايته حتى خضبها دما ، وقاتل أصحابه قتالا شديدا حتى أمسوا ، ____________ ( 1 ) ح : « ضاربت » . ( 2 ) ثائر ، من الثأر . ح : « سعيد » . ( 3 ) في الأصل : « عفونا » صوابه في ح . ( 4 ) في الأصل : « إن لم تزدهم » تحريف . وفي ح : « إن لم تردهم » . ( 311 ) وانصرف عمير إلى علي وعليه سلاحه فقال : يا أمير المؤمنين ، قد كان ظني بالناس حسنا ، وقد رأيت منهم فوق ظني بهم ، قاتلوا من كل جهة ، وبلغوا من عفوهم جهد عدوهم (1) ، وهم لهم إن شاء الله . ثم غدا يوم السبت قبيصة بن جابر الأسدي في بني أسد ، وهم حي الكوفة بعد همدان ، فقال : « يا معشر بني أسد ، أما أنا فلا أقصر دون صاحبي ، وأما أنتم فذاك إليكم » ثم تقدم برايته وهو يقول : قد حافظت في حربهــا بنو أســد * ما مثلهـــا تحت العجاج مــن أحد أقرب من يمـــن وأنأي من نكـد * كأننــا ركنا ثبيـــر أو أحـــد (2) لسنا بأوبــــاش ولا بيـض البلد (3) * لكننا المحــة من ولـــد معد (4) كنت ترانا فـي العجـــاج كالأسد * ياليت روحــي قد نأي عـــن الجسد فقاتل القوم ولم يكونوا على ما يريد (5) في الجهد ، فعذلهم علي ما يجب فظفر ، ثم أتى عليا فقال : « يا أمير المؤمنين ، إن استهانة النفوس في الحرب أبقى لها (6) ، والقتل خير لها في الآخرة » . ثم غدا يوم الأحد عبد الله بن الطفيل العامري (7) ـ وكان سيد بني عامر ، فغدا بجماعة هوازن وهو يقول : ____________ ( 1 ) العفو : ما جاء في يسر لا كلفة معه . ( 2 ) في الأصل : « ركن ثبير » وأثبت ما في ح . ( 3 ) بيضة البلد ، مثل في الذلة والقلة ، وهي بيضة النعام التي يتركها . ( 4 ) الولد ، بالضم : جمع ولد ، كأسد وأسد . وفي الأصل : « من ولد سعد » صوابه في ح ( 1 : 502 ) . وكأنه ينظر إلى قول عبد الله بن الزبعري : كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمح خالصة لعبد مناف ( 5 ) في الأصل : « يزيد » . ( 6 ) ينظر إلى قول الحنساء : نهين النفوس وهون النفو * س يوم الكريهة أبقى لها ( 7 ) سبقت ترجمته في ص 309 . ( 312 ) قد ضاربــت في حربهــا هوازن * أولاك قــــوم لهـــم محاسن حبي لهـــم حزم وجأشي ساكـن * طعن مداريـك وضـــرب واهن (1) هذا وهذا كــل يــــوم كائــن * لم يخبـــروا عنا ولكـن عاينوا واشتد القتال بينهم حتي الليل ، ثم انصرف عبد الله بن الطفيل فقال : يا أمير المؤمنين ، أبشر ، فإن الناس نقمة ، لقيت والله بقومي أعدادهم من عدوهم ، فما ثنوا أعنتهم حتى طعنوا في عدوهم ، ثم رجعوا إلى فاستكرهوني على الرجوع إليهم ، واستكرهتهم على الانصراف إليك ، فأبوا ثم عادوا فاقتتلوا . فأثنى على عليهم خيرا ، وفخرت المصرية بما كان منهم على الربعية ، وانتصفوا من الربعية . وقال عامر بن واثلة : حامت كنانـــة فـي حربهـــا * وحامت تميـم وحامـــت أســد وحامـت هوازن يــوم اللقـــا * فما خـام منـــا ومنهــم أحـد لقينـــا قبائـــل أنسابهـــم * إلى حضــر موت وأهـل الجند (2) لقينـا الفـــوارس يـوم الخميـ * س والعيـد والسبــت ثـم الأحد (3) وأمدادهم خلــــف آذانهــم * وليس لنـا مـن سوانــا مــدد (4) فلمــا تنــــادوا بـآبائهـم * دعونـا معــدا ونعــم المعــد فظلنــا نفلـــق هاماتهــــم * ولم نــك فيهــا ببيض البلــد ونعم الفــوارس يــــوم اللقاء * فقل في عديـــد وقل في عـدد وقل في طعـــان كفرغ الدلاء * وضرب عظيم كنـــار الوقـد (5) ____________ ( 1 ) الضرب الواهن : الموهن . يقال وهنه وأوهنه ، أي أضعفه . ( 2 ) الجند ، بالتحريك : قسم من أقسام اليمن ، وهي من أرض السكاسك ، بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا . وفي الأصل : « جند » صوابه في ح ( 1 : 503 ) . ( 3 ) يعني بيوم العيد يوم الجمعة . ( 4 ) خلف آذانهم ، أي هم من القرب إليهم بذلك المكان . وفي الأصل : « أذنابهم » والوجه ما أثبت من ح . ( 5 ) فرغ بضم الراء : جمع فراغ ككتاب ، وهو مصب الدلو . وسكن الراء للشعر . ( 313 ) ولكن عصفنــا بهم عصفــة * وفي الحرب يمـــن وفيهــا نكد طحنا الفوارس وســط العجاج * وسقنا الزعانــف سوق النقـــد وقلنـا ، علي لنـــا والــد * ونحن لــه طاعـــة كالولــد قال : وبلغ أبا الطفيل أن مروان وعمرو بن العاص يشتمون أبا الطفيل ، فقال أبو الطفيل الكناني : أيشتمني عمرو ومـــروان ضلـة * بحكم ابن هنــد والشقـي سعيــد وحول ابن هند شائعــون كأنهــم * إذا ما استقامــوا في الحديـث قرود يعضون مــن غيظ علي أكفهــم * وذلك غــم لا أجــب شديـــد وما سبني إلا ابـن هنـــد وإنني * لتلك التي يشجــى بهــا لرصود وما بلغت أيام صفيـــن نفسـه * تراقيــه والشــامتــون شهـود وطارت لعمرو في الفجـاج شظيـة * ومروان من وقــع الرمــاح يحيد نصر عن عمرو ، عن الأشعث بن سويد ، عن كردوس قال : كتب عقبة ـ وهو ابن مسعود ، عامل علي على الكوفة ـ إلى سليمان بن صرد [ الخزاعي ] ، وهو مع علي بصفين : « أما بعد فإنهم ( إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ) . فعليك بالجهاد والصبر مع أمير المؤمنين . والسلام عليك » . نصر ، عن عمر [ بن سعد ] وعمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر قال : قام علي فخطب الناس بصفين يومئذ فقال : « الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر والفاجر ، وعلى حججه البالغة على خلقه من أطاعه فيهم ومن عصاه . إن رحم فبفضله ومنه ، وإن عذب فبما كسبت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد . أحمده على حسن ( 314 ) البلاء ، وتظاهر النعماء ، وأستعينه على ما نابنا من أمر دنيا أو آخرة ، وأومن به وأتوكل عليه وكفى بالله وكيلا . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ارتضاه لذلك ، وكان أهله ، [ و ] اصطفاه على جميع العباد لتبليغ رسالته ، وجعله رحمة منه على خلقه ، فكان كعلمه فيه رؤوفا رحيما ، أكرم خلق الله حسبا (1) ، وأجمله (2) منظرا وأسخاه نفسا ، وأبره بوالد ، وأوصله لرحم ، وأفضله علما ، وأثقله حلما ، وأوفاه بعهد ، وآمنه علي عقد ، لم يتعلق عليه مسلم ولا كافر بمظلمة قط ، بل كان يظلم فيغفر ، ويقدر (3) فيصفح ويعفو ، حتى مضى صلى الله عليه مطيعا لله صابرا على ما أصابه ، مجاهدا في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، صلى الله عليه [ وآله ] فكان ذهابه أعظم المصيبة على جميع أهل الأرض والبر والفاجر . ثم ترك كتاب الله فيكم يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته . وقد عهد إلى رسول الله صلى الله عليه عهدا فلست أحيد عنه ، وقد حضرتم عدوكم وقد علمتم من رئيسهم ، منافق ابن منافق يدعوهم إلى النار ، وابن عم نبيكم معكم بين أظهركم يدعوكم إلى [ الجنة وإلى ] طاعة ربكم ، ويعمل بسنة نبيكم صلى الله عليه . فلا سواء من صلى قبل كل ذكر . لم يسبقني بصلاتي مع رسول الله صلى الله عليه حد ، وأنا من أهل بدر ، ومعاوية طليق ابن طليق . والله إنكم لعلى حق وإنهم لعلى باطل ، فلا يكونن القوم على باطلهم اجتمعوا عليه وتفرقون عن حقكم حتى يغلب باطلهم حقكم . ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) . فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم » . ____________ ( 1 ) في الأصل : « حسنا » وأثبت ما في ح . ( 2 ) في ح : « وأجملهم » وكذا سائر ضمائر العبارة إلى قوله : « وآمنه على عقد » أي بضمير الجمع . ( 3 ) في الأصل : « ويغدر » صوابه في ح . ( 315 ) فأجابه أصحابه فقالوا : يا أمير المؤمنين ، انهض بنا إلى عدونا وعدوك إذا شئت ، فوالله ما نريد بك بدلا ، نموت معك ونحيا معك . فقام لهم علي مجيبا لهم : والذي نفسي بيده لنظر إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] أضرب قدامه بسيفي فقال : « لا سيف إلا ذو الفقار (1) ، ولا فتى إلا علي » . وقال : « يا علي ، أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ، وموتك وحياتك يا علي معي » . والله ما كذبت ولا كذبت ، ولا ضللت ولا ضل بي ، وما نسيت ما عهد إلى ، وإني لعلى بينة من ربي ، وإني لعلى الطريق الواضح . ألفظه لفظا . ثم نهض إلى القوم ، فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق ، وما كانت صلاة القوم إلا تكبيرا . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن صعصعة بن صوحان ذكر أن علي بن أبي طالب صاف أهل الشام ، حتى برز رجل من حمير من آل ذي يزن ، اسمه كريب بن الصباح ، ليس في أهل الشام يومئذ رجل أشهر شدة بالبأس منه . ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه المرتفع بن الوضاح الزبيدي ، فقتل المرتفع . ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن الجلاح (2) فقتل ؟ ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه عائذ بن مسروق الهمداني (3) فقتل عائذا ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض ، ثم قام عليها بغيا واعتداء ، ثم نادى : هل بقي من مبارز ؟ فبرز إليه على ثم ناداه : ويحك يا كريب ، إني أحذرك [ الله وبأسه ونقمته ] ، وأدعوك إلى سنة الله وسنة رسوله ، ويحك لا يدخلنك ____________ ( 1 ) ذو الفقار : اسم سيف النبي صلى الله عليه ، سمى بذلك لحفر صغار حسان كانت به . وكان للعاص بن منبه ، ثم صار إلى الرسول ، ثم صار إلى علي . انظر اللسان ، وما يعول عليه . ( 2 ) ح : « بن اللجلاج » . ( 3 ) ح : « عابد » بالباء الموحدة . ( 316 ) ابن آكلة الأكباد النار . فكان جوابه أن قال : ما أكثر ما قد سمعنا هذه المقالة منك ، فلا حاجة لنا فيها . أقدم إذا شئت . من يشتري سيفي وهذا أثره ؟ فقال عليه عليه السلام : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلا يتشحط في دمه . ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتل الحارث . ثم نادى : من يبارز ؟ فبرز إليه المطاع بن المطلب القيني (1) ، فقتل مطاعا ثم نادى : من يبرز ؟ فلم يبرز إليه أحد . ثم إن عليا نادى : يا معشر المسلمين ، ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (2) ) . ويحك يا معاوية هلم إلى فبارزني ولا يقتلن الناس فيما بيننا . فقال عمرو : اغتنمه منتهزا ، قد قتل ثلاثة من أبطال العرب ، وإني أطمع أن يظفرك الله به . فقال معاوية : ويحك يا عمرو ، والله إن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي ، اذهب إليك ، فليس مثلي يخدع . وقال المخارق بن الصباح الحميري في ذلك ، وقد قتل إخوة له ثلاثة وقتل أبوه وكان من أعلام العرب . فقال وهو يبكي على العرب : أعوذ بالله الـذي قـــد احتجـب * بالنــور والسبـع الطبـاق والحجب أمن ذوات الديــن منـا والحسب * لا تبكيــن عيــن على من قد ذهب ليس كمثــل الله شيء يرتهــب * يـا رب لا تهلــك أعلام العــرب (3) ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 504 ) : « العبسي » . ( 2 ) في الأصل : « مع الصابرين » تحريف . والآية هي ال 194 من البقرة . ( 3 ) أراد لا تهلكن ، فحذف نون التوكيد الحقيقة ، وأبقى الفتحة قبلها تدل عليها . انظر ما سبق ص 177 في التنبيه الثالث . ( 317 ) القائليــن الفاعلين في التعــب * والمطعميـــن الصالحين في السغــب أفناهم يـــوم الخميس المعتصـــب (1) قال : فأرسل إليه معاوية بألف درهم . نصر ، قال عمر : حدثني خالد بن عبد الواحد الجزري (2) قال : حدثني من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين ، وهو يحرض أصحابه بصفين ، فقام محنيا على قوس فقال : الحمد لله العظيم [ في ] شأنه ، القوى في سلطانه ، العلي في مكانه ، الواضح [ في ] برهانه . أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، وفي كل لزبة من بلاء (3) أو شدة أو رخاء . وأشهد ألا إله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله . ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد صلى الله عليه من اشتعال نيرانها ، وظلام جنباتها ، واضطراب حبلها ، ووقوع بأسها بينها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب العالمين . أولا تعلمون أن صلاتنا وصلاتهم ، وصيامنا وصيامهم ، وحجنا وحجهم ، وقبلتنا وقبلتهم ، وديننا ودينهم واحد ، ولكن الأهواء متشتتة (4) . اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها ، واحفظ فيها بنيها (5) . مع أن القوم قد وضئوا بلادكم ، وبغوا عليكم فجدوا في قتال عدوكم ، واستعينوا بالله ربكم ، وحافظوا على حرماتكم » . ثم إنه جلس ، ثم قام عبد الله بن العباس خطيبا فقال : ____________ ( 1 ) المعتصب ، وصف من قولهم يوم عصيب أي شديد . وفي الأصل : « المغتصب » . ( 2 ) ح : « الجريري » . ( 3 ) اللزبة : الشدة . ح : « رزية » . ( 4 ) ح : « مختلفة » . ( 5 ) ح : « واحفظ فيما بيننا » . ****************** « الحمد لله رب العالمين ، الذي دحا تحتنا سبعا ، وسمك فوقنا سبعا (1) ، ثم خلق فيما بينهن خلقا ، وأنزل لنا منهن رزقا (2) ، ثم جعل كل شئ يبلى ويفنى غير وجهه ، الحي القيوم الذي يحيا ويبقى . ثم إن الله بعث أنبياء ورسلا فجعلهم حججا على عباده ، عذرا أو نذرا ، لا يطاع إلا بعلمه وإذنه ، يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها ، ويعصي [ بعلم منه ] فيعفو ويغفر بحلمه ، لا يقدر قدره ، ولا يبلغ شئ مكانه ، أحصى كل شيء عددا ، وأحاط بكل شئ علما . ثم إني أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه ، إمام الهدى والنبي المصطفى . وقد ساقنا قدر الله إلى ما قد ترون ، حتي كان فيما اضطرب من حبل هذه الأمة وانتشر من أمرها ، أن ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعوانا على علي بن أبي طالب ، ابن عم رسول الله وصهره ، وأول ذكر صلى معه ، بدري قد شهد مع رسول الله صلى الله عليه كل مشاهده التي فيها الفضل ، ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام . واعلموا والله الذي ملك الملك وحده فبان به وكان أهله ، لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه ، وعلي يقول : صدق الله ورسوله ، ومعاوية وأبو سفيان يقولان : كذب الله ورسوله . فما معاوية في هذه بأبر ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في قتالكم . فعليكم بتقوى الله والجد والحزم والصبر ، وإنكم لعلى الحق وإن القوم لعلى الباطل . فلا يكونن أولى بالجد في باطلهم منكم في حقكم . أما والله إنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم . اللهم ربنا أعنا ولا تخذلنا ، وانصرنا على عدونا ولا تخل عنا (3) ، وافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين . والسلام ____________ ( 1 ) سمك : رفع . ويقال سمكته فسمك ، أي رفعته فارتفع . ( 2 ) في الأصل : « وأنزل لهم فيها رزقا » وأثبت ما في ح : ( 3 ) « ولا تحل عنا » من حال يحول . ( 319 ) عليكم ورحمة الله وبركاته . أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم » . نصر ، عن عمر قال : حدثني عبد الرحمن بن جندب ، عن جندب بن عبد الله قال : قام عمار بن ياسر بصفين فقال : " امضوا (1) [ معي ] عباد الله إلى قوم يطلبون ـ فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه ، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله ، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان ، الآمرون بالإحسان . فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم [ و ] لو درس هذا الدين : لم قتلتموه ؟ فقلنا : لإحداثه . فقالوا : إنه ما أحدث شيئا . وذلك لأنه مكنهم من الدنيا فيهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدت عليهم الجبال . والله ما أظنهم يطلبون دمه (2) إنهم ليعلمون أنه لظالم ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمروها ، وعلموا لو أن [ صاحب ] الحق لزمهم لحال بينهم وبين ما [ يأكلون و ] يرعون فيه منها . ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة والولاية ، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا : قتل إمامنا مظلوما . ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا . وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ، ولولا هي (3) ما بايعهم من الناس رجلان (4) . اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت ، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم . ____________ ( 1 ) ح : « انهضوا » . ( 2 ) ح ( 1 : 505 ) : « بدم » . ( 3 ) هذا هو المعتمد في مثل هذا التعبير ، كما جاء في الطبري ( 6 : 22 ) بل ذهب المبرد إلى أن « لولا » لا يليها من المضمرات إلا المنفصل المرفوع ، واحتج بأنه لم يأت في القرآن غير ذلك . وفي قول الله : ( لولا أنتم لكنا مؤمنين ) انظر الخزانة ( 2 : 430 ـ 433 ) وشرح الرضي للكافية ( 2 : 18 ـ 19 ) . وجاء في ح ( 1 : 504 ) : « لولاها » وفي جواز هذا الوجه ـ وهو إيلاؤها الضمير المشترك بين النصب والجر ـ خلاف ، ومما سمع منه قوله : * لولاك في ذا العام لم أحجج * ( 4 ) وكذا في الطبري ، لكن في ح : « رجل » . ( 320 ) ثم مضى ومضى معه أصحابه ، فلما دنا من عمرو بن العاص قال : يا عمرو : بعت دينك بمصر ! تبا لك ، وطالما بغيت الإسلام عوجا ! ثم حمل عمار وهو يقول : صدق الله وهــو للصــدق أهل * وتعالى ربــي وكــان جليــلا رب عجـــل شهادة لي بقتــل * في الذي قد أحــب قتلا جميـلا (1) مقبلا غيــر مدبــر إن للقتــ * ل علــى كــل ميتــة تفضيلا إنهم عند ربهـــم فــي جنـان * يشربـــون الرحيـق والسلسبيلا من شراب الأبــرار خالطـه المس * ك ، وكأســا مزاجهــا زنجبيلا ثم نادى عمار عبيد الله بن عمر ، وذلك قبل مقتله ، فقال يا ابن عمر ، صرعك الله ! بعت دينك بالدنيا من عدو الله وعدو الإسلام . قال : كلا ، ولكن أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم . قال : كلا ، أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله ، وإنك إن لم تقتل اليوم فستموت غدا . فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك ؟ ثم قال عمار : اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت . اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحنى عليها حتى يخرج من ظهري لفعلت . اللهم وإني أعلم مما أعلمتني أني لا أعمل (2) اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين ، ولو أعلم اليوم عملا أرضى لك منه لفعلته . نصر ، عن يحيى بن يعلى ، عن صباح المزني (3) ، عن الحارث بن حصيرة ____________ ( 1 ) في الذي ، أي مع الذين . ( 2 ) في الأصل : « لا أعلم » وأثبت ما في ح ( 1 : 505 ) . ( 3 ) هو صباح بن يحيى أبو محمد المزني ، يروى عن الحارث بن حصيرة . قال ابن عدي : هو من جملة الشيعة . انظر لسان الميزان ومنتهى المقال 164 . ( 321 ) عن زيد بن أبي رجاء ، عن أسماء بن الحكم الفزاري قال : كنا بصفين مع علي بن أبي طالب تحت راية عمار بن ياسر ، ارتفاع الضحى ـ استظللنا ببرد أحمر ، إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال : أيكم عمار بن ياسر ؟ فقال عمار بن ياسر : هذا عمار . قال : أبو اليقظان ؟ قال : نعم . قال : إن لي حاجة إليك فأنطق بها علانية أو سرا ؟ قال : اختر لنفسك أي ذلك شئت . قال : لا ، بل علانية . قال : فانطق . قال : إني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم وأنهم على الباطل ، فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى كان ليلتي هذه صباح يومنا هذا ، فتقدم منادينا فشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونادى بالصلاة ، فنادى مناديهم بمثل ذلك ، ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة ، ودعونا دعوة واحدة ، وتلونا كتابا واحدا ، ورسولنا واحد ، فأدركني الشك في ليلتي هذه ، فبت بليلة لا يعلمها إلا الله حتى أصبحت ، فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال : هل لقيت عمار بن ياسر ؟ قلت : لا . قال : فالقه فانظر ما يقول لك فاتبعه . فجئتك لذلك . قال له عمار : هل تعرف صاحب الراية السوداء المقابلتي (1 ) فإنها راية عمرو بن العاص ، قاتلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، وهذه الرابعة ما هي بخيرهن ولا أبرهن ، بل هي شرهن وأفجرهن . أشهدت بدرا وأحدا وحنينا أو شهدها لك أب فيخبرك عنها ؟ قال : لا . قال : فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، ويوم أحد ، ويوم حنين ، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب ، هل ترى هذا العسكر ومن فيه ؟ فوالله لوددت أن جميع من أقبل مع معاوية ممن يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا ____________ ( 1 ) في الأصل : « لمقابلتي » تحريف . وفي ح ( 1 : 506 ) : « المقابلة لي » . ( 322 ) خلقا واحدا فقطعته وذبحته . والله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور . أفترى دم عصفور حراما ؟ قال : لا ، بل حلال . قال : فإنهم كذلك حلال دماؤهم ، أتراني بينت لك ؟ قال : قد بينت لي . قال : فاختر أي ذلك أحببت . قال : فانصرف الرجل ثم دعاه عمار بن ياسر فقال : أما إنهم سيضربوننا بأسيافهم (1) حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولون : لو لم يكونوا على حق ما ظهروا علينا . والله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب . والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر (2) لعرفت أنا على حق وهم على باطل . وأيم الله لا يكون سلما سالما أبدا حتى يبوء أحد الفريقين على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وحتى يشهدوا على الفريق الآخر بأنهم على الحق وأن قتلاهم في الجنة وموتاهم . ولا ينصرم أيام الدنيا حتى يشهدوا بأن موتاهم وقتلاهم في الجنة ، وأن موتى أعدائهم وقتلاهم في النار ، وكان أحياؤهم على الباطل . نصر ، عن يحيى (3) ، عن علي بن حزور (4) عن الأصبغ بن نباتة قال : جاء رجل إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء القوم الذين نقاتلهم : الدعوة واحدة ، والرسول واحد ، والصلاة واحدة ، والحج واحد فبم نسميهم ؟ قال : تسميهم بما سماهم الله في كتابه . قال : ما كل ما في الكتاب أعلمه . قال : أما سمعت الله قال : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) إلى قوله : ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ____________ ( 1 ) ح : « سيضربونكم بأسيافهم » . ( 2 ) ذكر هذا الحديث في اللسان ( 11 : 52 ) : وقال : « وإنما خص هجر للمباعدة في المسافة ، ولأنها موصوفة بكثرة النخيل » . ( 3 ) هو يحيى بن يعلى ، كما في ح . وانظر ص 217 . ( 4 ) حزور ، بالحاء المهملة والزاي المفتوحتين والواو المشددة . ويقال له أيضا علي بن أبي فاطمة . متروك شديد التشيع . مات بعد الثلاثين والمائة . منتهى المقال 210 . ( 323 ) ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) . فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله وبالكتاب وبالنبي وبالحق . فنحن الذين آمنوا ، وهم الذين كفروا ، وشاء الله قتالهم فقاتلناهم هدى ، بمشيئة الله (1) ربنا وإرادته . نصر ، عن سفيان الثوري وقيس بن الربيع (2) ، عن أبي إسحاق ، عن هانيء بن هانيء ، عن علي قال : جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي صلى الله عليه وآله فقال : « ايذنوا له . مرحبا بالطيب ابن الطيب » . نصر عن سفيان بن سعيد (3) ، عن سلمة بن كهيل ، عن مجاهد ، عن النبي صلى الله عليه ـ يعني أنه رآهم يحملون الحجارة حجارة المسجد ـ فقال : « ما لهم ولعمار ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار . وذاك الأشقياء الفجار » . نصر ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي عمار ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ، قال : « لقد ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه (4) » . نصر ، عن الحسن بن صالح ، عن أبي ربيعة الإيادي ، عن الحسن ، عن النبي صلى الله عليه قال : « إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة : علي ، وعمار ، وسلمان (5) ) . ____________ ( 1 ) في الأصل : « بسنة الله » وأثبت ما في ح ( 1 : 506 ) . ( 2 ) هو قيس بن الربيع الأسدي ، أبو محمد الكوفي . قال ابن حجر : « لا يكاد يعرف ، عداده في التابعين » . انظر لسان الميزان ومنتهى المقال 247 . وفي الأصل : « بن الربيعي » تحريف . وانظر ما مضى في ص 217 ، 231 . ( 3 ) هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري الكوفي ، ثقة حافظ فقيه ، وكان ربما دلس . مات سنة 161 وله أربع وستون سنة . وهو أحد أصحاب الرأي . انظر تهذيب التهذيب والمعارف 217 . وفي الأصل : « سفيان عن سعيد » تحريف . ( 4 ) المشاش ، بالضم : رءوس العظام اللينة . انظر اللسان ( 8 : 239 س 10 ) . ( 5 ) هو سلمان الفارسي الصحابي ، كان أول مشاهده الخندق ، ثم شهد بقية المشاهد وفتوح العراق ، وولي المدائن . وهو أحد المعمرين ، يزعمون أنه عاش ثلثمائة وخمسين سنة . انظر الإصابة 335 . ( 324 ) نصر عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : لما بني المسجد جعل عمار يحمل حجرين ، فقال له رسول الله صلى الله عليه : « يا أبا اليقظان ، لا تشقق على نفسك » . قال : يا رسول الله ، إني أحب أن أعمل في هذا المسجد . قال : ثم مسح ظهره ثم قال : « إنك من أهل الحنة تقتلك الفئة الباغية » . نصر ، عن حفص بن عمران الأزرق البرجمي (1) قال : حدثني نافع بن الجمحي عن ابن أبي مليكة (2) قال : قال عبد الله بن عمرو بن العاص : لولا أن رسول الله صلى الله عليه أمر بطواعيتك ما سرت معك هذا المسير . أما سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول لعمار : « يقتلك الفئة الباغية » ؟ ! نصر ، عن حفص بن عمران البرجمي ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي البختري قال : أصيب أويس القرني (3) مع علي بصفين . نصر ، عن محمد بن مروان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قول الله عز وجل : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد ) قال : نزلت في رجل ، وهو صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان (4) ، أخذه المشركون في رهط من المسلمين ، فيهم خير ____________ ( 1 ) هو حفص بن عمر أو ابن عمران الأزرق البرجمي الكوفي ، كان من المستورين . تقريب التهذيب . ( 2 ) اسمه عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة ـ بالتصغير ـ بن عبد الله بن جدعان التيمي المدني ، أدرك ثلاثين من الأصحاب ومات سنة 117 . تقريب التهذيب . ( 3 ) هو أويس بن عامر القرني ، سيد التابعين ، روى له مسلم . والقرني ، بفتح القاف والراء : نسبة إلى قرن ، وهم بطن من بطون جعفي بن سعد العشيرة . انظر تقريب التهذيب والاشتقاق ص 245 . ( 4 ) جدعان ، بضم الجيم بعدها دال مهملة . انظر الاشتقاق 88 والإصابة 4578 . وكان عبد الله سيد قريش في الجاهلية . وفي الأصل : « بن جذعان » تحريف . ( 325 ) مولى قريش لبني الحضرمي (1) ، وخباب بن الأرت مولى ثابت بن أم أنمار (2) ، وبلال مولى أبي بكر ، وعابس (3) مولى حويطب بن عبد العزي ، وعمار بن ياسر ، وأبو عمار (4) ، وسمية أم عمار . فقتل أبو عمار وأم عمار ، وهما أول قتيلين قتلا من المسلمين ، وعذب الآخرون بعد ما خرج النبي صلى الله عليه من مكة إلى المدينة ، فأرادوهم على الكفر . فأما صهيب فكان شيخا كبيرا ذا متاع ، فقال للمشركين . هل لكم إلى خير ؟ فقالوا : ما هو ؟ قال : أنا شيخ كبير ضعيف لا يضركم منكم كنت أو من عدوكم ، وقد تكلمت بكلام أكره أن أنزل عنه ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ، ففعلوا فنزلت هذه الآية ، فلقيه أبو بكر حين دخل المدينة فقال : ربح البيع يا صهيب . وقال : وبيعك لا يخسر . وقرأ عليه هذه الآية ففرح بها . أما بلال وخباب وعابس وعمار وأصحابهم فعذبوا حتى قالوا بعض ما أراد المشركون ، ثم أرسلوا . ففيهم نزلت هذه الآية : ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا (5) لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) . ____________ ( 1 ) خير ، ويقال أيضا « جبر » مولى عامر بن الحضرمي ، أخي العلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور . وفي خير نزل قول الله : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) أكرهه عامر على الكفر ، ثم أسلم عامر بعد وكان في الصحابة . انظر الإصابة والسيرة 260 جوتنجن . ( 2 ) كذا . وفي الإصابة : « مولى أم أنمار الخزاعية ، وقيل غير ذلك » . ( 3 ) عابس ، بالباء الموحدة ، كما في القاموس « عبس » والإصابة 4331 . قيل : نزل فيه وفي صهيب ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) . وفي الأصل : « عائش » في هذا الموضع وتاليه ، تحريف . ( 4 ) في الأصل : « وأبي عمار » تحريف . ( 5 ) في الأصل : « فتنوا » وهو من شنيع التحريف . وهذه الآية هي الآية 41 من سورة النحل . وأما « فتنوا » فهي في الآية 110 من سوره النحل أيضا : ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) . ( 326 ) نصر ، عن أيوب بن خوط (1) ، عن الحسن ، أن رسول الله صلى الله عليه لما أخذ في بناء المسجد قال : « ابنوا لي عريشا كعريش موسى » وجعل يناول اللبن وهو يقول : « اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ، فاغفر للأنصار . والمهاجرة » . وجعل يتناول من عمار بن ياسر ويقول : « ويحك يابن سمية تقتلك الفئة الباغية » . نصر ، عن عمر قال : حدثني مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب الجهني أن عمار بن ياسر نادي يومئذ (2) : أين من يبغي رضوان ربه ولا يؤوب إلى مال . ولا ولد ؟ قال : فأتته عصابة من الناس فقال : « أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما ، والله إن كان إلا ظالما لنفسه ، الحاكم بغير ما أنزل الله » . ودفع علي الراية إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وكانت عليه [ ذلك اليوم ] درعان ، فقال له علي كهيئة المازح : أيا هاشم ، أما تخشى من نفسك أن تكون أعور جبانا ؟ قال : ستعلم يا أمير المؤمنين ، والله لألفن بين جماجم القوم لف رجل ينوى الآخرة . فأخذ رمحا فهزه فانكسر ، ثم آخر فوجده جاسيا فألقاه ، ثم دعا برمح لين فشد به لواءه . ولما دفع علي الراية إلى هاشم قال له رجل من بكر بن وائل من أصحاب هاشم : أقدم هاشم ـ يكررها ـ ثم قال : مالك يا هاشم قد انتفخ سحرك ، أعورا وجبنا ؟ قال : من هذا ؟ قالوا : فلان . قال : أهلها وخير منها ، إذا رأيتني قد صرعت فخذها . ثم قال لأصحابه : شدوا شسوع نعالكم وشدوا أزركم ، فإذا رأيتموني قد هززت الراية ثلاثا فاعلموا ____________ ( 1 ) خوط ، بفتح الخاء المعجمة بعدها واو ساكنة . وترجمة أيوب في تقريب التهذيب ولسان الميزان . وفي الأصل : « بن حنوط » تحريف . ( 2 ) ح ( 2 : 269 ) : « نادى في صفين يوما قبل مقتله بيوم أو يومين » . ( 327 ) أن أحدا منكم لا يسبقني إليها (1) . ثم نظر هاشم إلى عسكر معاوية فرأى جمع عظيما ، فقال : من أولئك ؟ [ قيل : أصحاب ذي الكلاع . ثم نظر فرأى جندا فقال : من أولئك ] ؟ قالوا : جند أهل المدينة وقريش (2) . قال : قومي لا حاجة لي في قتالهم . قال : من عند هذه القبة البيضاء ؟ قيل : معاوية وجنده . قال : فإني أرى دونهم أسودة (3) . قالوا : ذاك عمرو بن العاص وابناه [ ومواليه ] . وأخذ الراية فهزها فقال له رجل من أصحابه : امكث قليلا ولا تعجل . فقال هاشم : قد أكثروا لومــي ومــا أقــلا (4) * إني شريــت النفس ، لـن أعتلا أعور يبغـي نفســـه محــلا * لا بـــد أن يفــل أو يفـــلا (5) قـــد عالج الحيــاة حتى مـلا * أشــدهم بذي الكعــوب شــلا (6) قال نصر : عمرو بن شمر : * أشلهم بـــذي الكعــوب شلا * مع ابـن عــم أحمـــد المعلي * فيــه الرسول بالهــدي استهـلا أول مــن صدقـــه وصلــى * فجاهد الكفـــار حتـى أبلــى قال : وقد كان علي قال له : أتخاف أن تكون أعور جبانا أيا هاشم ____________ ( 1 ) ح : « إلى الحملة » . ( 2 ) ح : « قيل قريش وقوم من أهل المدينة » . ( 3 ) الأسودة : جمع سواد ، وهو الشخص . ( 4 ) ح : « قد أكثرا لومي » . مروج الذهب ( 2 : 22 ) : « قد أكثر القوم » . ( 5 ) الفل : الهزيمة . وفي الأصل : « يغل أو يغلا » صوابه في ح ومروج الذهب والطبري ( 6 : 22 ) . ( 6 ) ذو الكعوب : الرمح . والشل : الطرد . ورواية الطبري ( 6 : 24 ) : * يتلهم بذي الكعوب تلا * تله يتله تلا : صرعه ، فهو متلول وتليل . ( 328 ) المرقال : قال : يا أمير المؤمنين ، أما والله لتعلمني (1) ـ إن شاء الله ـ ألف اليوم بين جماجم القوم . فحمل يومئذ يرقل إرقالا . نصر ، عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت قال لما كان قتال صفين والراية مع هاشم بن عتبة ـ قال ـ جعل عمار بن ياسر يتناوله بالرمح ويقول : أقدم يا أعور . * لا خير في أعـــور لا يأتي الفـــزع * قال : فجعل يستحيى من عمار ، وكان عالما بالحرب ، فيتقدم فيركز الراية ، فإذا تتامت (2) إليه الصفوف قال عمار : أقدم يا أعور . * لا خير في أعـــور لا يأتي الفـــزع * فجعل عمرو بن العاص يقول : إني لأرى لصاحب الراية السوداء عملا ، لئن دام على هذا لتفنين العرب اليوم . فاقتتلوا قتالا شديدا ، وجعل عمار يقول : صبرا عباد الله ، الجنة تحت ظلال البيض (3) " . وكان لواء الشام مع أبي الأعور السلمي . ولم يزل عمار بهاشم ينخسه حتى أشتد القتال (4) ، وزحف هاشم بالراية يرقل بها إرقالا ، وكان يسمى المرقال . قال : وزحف الناس بعضهم إلى بعض ، والتقى الزحفان فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله ، وكثرت القتلى في الفريقين كليهما . ____________ ( 1 ) في الأصل : « لتعلمن » . ( 2 ) في الأصل : « شامت » . ( 3 ) البيض : السيوف . ( 4 ) في الأصل : « شبت القتال » صوابه في ح ( 2 : 270 ) . ( 329 ) قال : وقال عمر [ وبن شمر ] : عن أبي إسحاق ، عن أبي السفر (1) قال : لما التقينا بالقوم في ذلك اليوم وجدناهم خمسة صفوف قد قيدوا أنفسهم بالعمائم (2) فقتلنا صفا صفا ، حتى قتلنا ثلاثة صفوف وخلصنا إلى الصف الرابع ما على الأرض شامي ولا عراقي يولي دبره . وأبو الأعور يقول (3) : إذا ما فررنا كان أســوا فرارنا * صدود الخــدود وازورار المناكب (4) صدود الخدود والقنــا متشاجر * ولا تبرح الأقــدام عنــد التضارب ثم إن الأزد وبجيلة كشفوا همدان غلوة حتى ألجؤوهم إلى التل ، فصعدوا فشدت عليهم الأزد وبجيلة حتى أحدروهم منه ، ثم عطفت عليهم همدان حتى ألجؤوهم إلى أن تركوا مصافهم . وقتل من الأزد وبجيلة يومئذ ثلاثة آلاف في دفعة . ثم إن همدان عبيت لعك ، فقيل : همدان همــدان وعــك عك * ستعلــم اليوم مـــن الأرك (5 ) وكانت على عك الدروع وليس عليهم رانات (6) ، فقالت همدان : خدموا القوم ـ أي اضربوا سوقهم ـ (7) فقالت عك : برك كبرك الكمل (8) . فبركوا كما برك الجمل (9) . ثم رموا بحجر فقالوا : لا نفر حتى يفر الحكر . ____________ ( 1 ) أبو السفر ، بالتحريك ، كما في تقريب التهذيب والقاموس . واسمه سعيد بن يحمد ، بضم الياء وسكون الحاء وكسر الميم ، الهمداني الثوري الكوفي ، ثقة من الثالثة ، مات سنة 112 ( 2 ) انظر ما سبق ص 228 . ( 3 ) الشعر ليس للأعور ، بل هو لقيس بن الخطيم من قصيدة له في ديوانه 10 ـ 15 ليبسك . ( 4 ) في الأصل : « صدود خدود » وأثبت ما في ح والديوان . ( 5 ) الأرك : الأضعف ، والركة : الضعف . وفي الأصل : « الأدك » صوابه في ح . ( 6 ) في القاموس : « الران كالخف إلا أنه لا قدم له ، وهو أطول من الخف » والجمع رانات . ح : « رايات » . ( 7 ) انظر ما سبق في ص 257 . ( 8 ) الكمل ، أي الجمل . وعك تقلب الجيم كافا . انظر ما مضي في ص 228 . وفي الأصل : « الجمل » صوابه في ح ( 2 : 270 ) . ( 9 ) ح : « كما يبرك الجمل » . ( 330 ) وبلغنا في حديث آخر أن عبيد الله بن عمر بعثه معاوية في أربعة آلاف وثلثمائة ـ وهي كتيبة الخضرية الرقطاء ، وكانوا قد أعلموا بالخضرة ـ ليأتوا عليا من ورائه . قال أبو صادق . فبلغ عليا أن عبيد الله بن عمر قد توجه ليأتيه من ورائه ، فبعث إليهم أعدادهم ليس منهم إلا تميمي . واقتتل الناس من لدن اعتدال النهار إلى صلاة المغرب ، ما كانت صلاة القوم إلا التكبير عند مواقيت الصلاة . ثم إن ميسرة العراق كشفت ميمنة أهل الشام فطاروا في سواد الليل ، وأعاد عبيد الله والتقى هو وكرب ـ رجل من عكل ـ فقتله وقتل الذين معه جميعا ، وإنما انكشف الناس لوقعة كرب ، فكشف أهل الشام أهل العراق فاختلطوا في سواد الليل وتبدلت الرايات بعضها ببعض ، فلما أصبح الناس وجد أهل الشام لواءهم وليس حوله إلا ألف رجل ، فاقتلعوه وركزوه من وراء موضعه الأول ، وأحاطوا به ، ووجد أهل العراق لواءهم مركوزا وليس حوله إلا ربيعة ، وعلي عليه السلام بينها ، وهم يحيطون به ، وهو لا يعلم من هم ويظنهم غيرهم . فلما أذن مؤذن علي حين طلع الفجر قال علي : يا مرحبا بالقائليـــن عــدلا * وبالصـــلاة مرحبـــا وأهلا فلما صلى علي الفجر أبصر وجوها ليست بوجوه أصحابه بالأمس ، وإذا مكانه الذي هو به ما بين الميسرة والقلب بالأمس ، فقال : من القوم ؟ قالوا : ربيعة ، وقد بت فيهم تلك الليلة (1) . قال : فخر طويل لك يا ربيعة . ثم قال لهاشم : خذ اللواء ، فوالله ما رأيت مثل هذه الليلة . ثم خرج نحو القلب حتى ركز اللواء به . [ نصر : حدثنا عمرو بن شمر ، عن الشعبي قال : عبا معاوية تلك الليلة أربعة آلاف وثلثمائة من فارس وراجل معلمين بالخضرة ، وأمرهم أن يأتوا عليا ____________ ( 1 ) ح : « وإنك يا أمير المؤمنين لعندنا منذ الليلة » . ( 331 ) عليه السلام من ورائه ، ففطنت لهم همدان فواجهوهم وصمدوا إليهم ، فباتوا تلك الليلة يتحارسون ، وعلي عليه السلام قد أفضى به ذهابه ومجيئه إلى رايات ربيعة ، فوقف بينها وهو لا يعلم ، ويظن أنه في عسكر الأشعث . فلما أصبح لم ير الأشعث ولا أصحابه ] وإذا سعيد بن قيس [ الهمداني ] على مركزه ، فلحقه رجل من ربيعة يقال له « نفر (1) » فقال له : ألست الزاعم لئن لم تنته ربيعة لتكونن ربيعة ربيعة وهمدان همدان (2) ، فما أغنت عنك همدان (3) البارحة . فنظر إليه علي نظر منكر ، [ ونادى منادي علي عليه السلام : أن اتعدوا للقتال واغدوا عليه ، وانهدوا إلى عدوكم ] فلما أصبحوا نهدوا للقتال غير ربيعة لم تتحرك ، فبعث إليهم علي : أن انهدوا إلى عدوكم . فأبوا ، فبعث إليهم أبا ثروان فقال : إن أمير المؤمنين يقرئكم السلام ويقول : يا معشر ربيعة ما يمنعكم أن تنهدوا وقد نهد الناس ؟ قالوا : كيف ننهد وهذه الخيل من وراء ظهرنا ؟ قل لأمير المؤمنين عليه السلام فليأمر همدان أو غيرها بمناجزتهم لننهد . فرجع أبو ثروان إلى علي عليه السلام فأخبره ، فبعث إليهم الأشتر فقال : يا معشر ربيعة ، ما منعكم أن تنهدوا [ وقد نهد الناس ] ـ وكان جهير الصوت ـ وأنتم أصحاب كذا وأصحاب كذا ؟ ! فجعل يعدد أيامهم . فقالوا : لسنا نفعل حتى ننظر ما تصنع هذه الخيل التي خلف ظهورنا ، وهي أربعة آلاف . قل لأمير المؤمنين فليبعث إليهم من يكفيه أمرهم ـ وراية ربيعة يومئذ مع حضين ابن المنذر ـ فقال لهم الأشتر : فإن أمير المؤمنين عليه السلام يقول لكم : اكفونيها . إنكم لو بعثتم إليهم طائفة منكم لتركوكم في هذه الفلاة وفروا ____________ ( 1 ) ح : « زفر » . ( 2 ) في الأصل : « ومضر مضر » والصواب ما أثبت من ح . ( 3 ) في الأصل : « مضر » والصواب ما أثبت من ح . ****************** كاليعافير (1) . فوجهت حينئذ ربيعة إليهم تيم الله ، والنمر بن قاسط ، وعنزة . قالوا : فمشينا إليهم مستلئمين مقنعين في الحديد ، وكانت عامه قتال صفين مشيا ، فلما أتيناهم هربوا وانتشروا انتشار الجراد . قال : فذكرت قول الأشتر : « وفروا كاليعافير (2) » ، فرجعنا إلى أصحابنا وقد نشب القتال بينهم وبين أهل الشام وقد اقتطع أهل الشام طائفة من أهل العراق بعضها من ربيعة فأحاطوا بها ، فلم نصل إليها حتى حملنا على أهل الشام فعلوناهم بالأسياف حتى انفرجوا لنا وأفضينا إلى أصحابنا [ فاستنقذناهم ] وعرفناهم تحت النقع بسيماهم وعلامتهم (3) . وكانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الأبيض قد جعلوه في رؤوسهم وعلى أكتافهم . وشعارهم : « يا الله يا أحد يا صمد ، يا رب محمد ، يا رحمن يا رحيم » . وكان علامة أهل الشام خرقا صفرا (4) قد جعلوها علي روؤسهم وأكتافهم . وكان شعارهم « نحن عباد الله حقا حقا ، يا لثارات عثمان » . وكانت رايات أهل العراق سودا وحمرا ودكنا وبيضا ومعصفرة وموردة ، والألوية مضروبة دكن وسود . قال : فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد . قال : فما تحاجزوا حتى حجز بيننا سواد الليل . قال : وما نرى رجلا منا ولا منهم موليا . نصر : عمر ، حدثني صديق أبي ، عن الإفريقي بن أنعم قال : كانوا عربا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية ، وإنهم لحديثو عهد بها ، فالتقوا في الإسلام وفيهم بقايا تلك الحمية ، وعند بعضهم بصيرة الدين والإسلام ، فتصابروا (5) واستحيوا من الفرار حتى كادت الحرب تبيدهم ، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء ____________ ( 1 ) اليعافير : الظباء ، واحدها يعفور . ( 2 ) في الأصل : « كأنهم اليعافير » وأثبت ما في ح ( 2 : 271 ) . ( 3 ) في الأصل : « وعرفنا علامة الصوف » . وأثبت ما في ح . ( 4 ) في الأصل : « بيضا » وأثبت ما في ح . ( 5 ) ح : « فتضاربوا » . ( 333 ) عسكر هؤلاء فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم ، فلما أصبحوا ـ وذلك يوم الثلاثاء ـ خرج الناس إلى مصافهم فقال أبو نوح : فكنت في الخيل يوم صفين في خيل علي عليه السلام وهو واقف بين جماعة من همدان وحمير وغيرهم من أفناء قحطان (1) ، وإذا أنا برجل من أهل الشام يقول : من دل على الحميري أبي نوح ؟ فقلنا : هذا الحميري فأيهم تريد ؟ قال : أريد الكلاعي أبا نوح . قال : قلت : قد وجدته فمن أنت ؟ قال : أنا ذو الكلاع ، سر إلى . فقلت له : معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة . قال ذو الكلاع : [ بلى ] فسر ، فلك ذمة الله وذمة رسوله وذمة ذي الكلاع حتى ترجع إلى خيلك ، فإنما أريد أن أسألك عن أمر فيكم تمارينا فيه . فسر دون خيلك حتى أسير إليك . فسار أبو نوح وسار ذو الكلاع حتى التقيا ، فقال ذو الكلاع : إنما دعوتك أحدثك حديثا حدثناه عمرو بن العاص [ قديما ] في إمارة عمر بن الخطاب . قال أبو نوح : وما هو ؟ قال ذو الكلاع : حدثنا عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه قال : « يلتقى أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمار بن ياسر » . قال أبو نوح : لعمر الله إنه لفينا . قال : أجاد هو في قتالنا ؟ قال أبو نوح : نعم ورب الكعبة ، لهو أشد علي قتالكم مني ، ولوددت أنكم خلق واحد فذبحته وبدأت بك قبلهم وأنت ابن عمي . قال ذو الكلاع : ويلك ، علام تتمنى ذلك منا ؟ ! والله ما قطعتك فيما بيني وبينك ، وإن رحمك لقريبة ، وما يسرني أن أقتلك . قال أبو نوح : إن الله قطع بالإسلام أرحاما قريبة ، ووصل به أرحاما متباعدة ، وإني لقاتلك (2) أنت وأصحابك ، ونحن على الحق وأنتم على الباطل مقيمون مع أئمة الكفر ورؤوس الأحزاب . فقال له ذو الكلاع : [ فهل تستطيع أن تأتي معي في صف أهل ____________ ( 1 ) الأفناء : الأخلاط النزاع من ها هنا وها هنا . ( 2 ) في الأصل : « وإني منا » صوابه في ح . ( 334 ) الشام ، ف ] أنا جار لك من ذلك ألا تقتل ولا تسلب ولا تكره على بيعه ، ولا تحبس عن جندك ، وإنما هي كلمة تبلغها عمرو بن العاص ، لعل الله أن يصلح بذلك بين هذين الجندين ، ويضع الحرب والسلاح (1) . فقال أبو نوح : إني أخاف غدراتك وغدرات أصحابك . فقال له ذو الكلاع : أنا لك بما قلت زعيم . فقال أبو نوح : اللهم إنك ترى ما أعطاني ذو الكلاع وانت تعلم ما في نفسي ، فاعصمني واختر لي وانصرني وادفع عني . ثم سار مع ذي الكلاع حتى أتى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس وعبد الله بن عمرو يحرض الناس على الحرب ، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو : يا أبا عبد الله ، هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك ؟ قال عمرو : ومن هو ؟ قال : ابن عمي هذا ، وهو من أهل الكوفة . فقال عمرو : إني لأرى عليك سيما أبي تراب . قال أبو نوح : على سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه ، وعليك سيما أبي جهل وسيما فرعون . فقام أبو الأعور فسل سيفه ثم قال : لا أرى هذا الكذاب اللئيم يشاتمنا بين أظهرنا وعليه سيما أبي تراب . فقال ذو الكلاع : أقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لأخطمن أنفك بالسيف . ابن عمي وجاري عقدت له بذمتي ، وجئت به إليكما ليخبركما عما تماريتم فيه . قال له عمرو بن العاص : اذكرك بالله يا أبا نوح إلا ما صدقتنا ، ولم تكذبنا (2) ، أفيكم عمار بن ياسر ؟ فقال له أبو نوح : ____________ ( 1 ) قال ابن أبي الحديد : قلت : واعجباه من قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار ولا يعتريهم الشك لمكان علي عليه السلام ، ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق يكون عمار بين أظهرهم ولا يعبثون بمكان علي عليه السلام ، ويحذرون من قول النبي صلى الله عليه وآله : تقتلك الفئة الباغية ، ويرتاعون لذلك ولا يرتاعون لقوله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . ولا لقوله : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق . وهذا يدلك على أن عليا عليه السلام اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في إخمال ذكره وستر فضائله " . ( 2 ) في الأصل : « إلا ما صدقت ولا تكذبنا » والوجه ما أثبت من ح ( 2 : 272 ) . ( 335 ) ما أنا بمخبرك عنه حتى تخبرني لم تسألني عنه : فإنا معنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه عدة غيره ، وكلهم جاد على قتالكم . قال عمرو : سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : « إن عمارا تقتله الفئة الباغية ، وإنه ليس ينبغي لعمار أن يفارق الحق ولن تأكل النار منه شيئا » . فقال أبو نوح : لا إله إلا الله والله أكبر ، والله إنه لفينا ، جاد على قتالكم . فقال عمرو : والله إنه لجاد على قتالنا ؟ قال : نعم والله الذي لا إله إلا هو ، [ و ] لقد حدثني يوم الجمل أنا سنظهر عليهم ، ولقد حدثني أمس أن لو ضربتمونا حتى تبلغوا بنا سعفات هجر (1) لعلمنا أنا علي حق وأنهم على باطل ، و [ ل ] ـ كانت قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . فقال له عمرو : فهل تستطيع أن تجمع بيني وبينه ؟ قال : نعم . فلما أراد أن يبلغه أصحابه ركب عمرو بن العاص ، وابناه ، وعتبة بن أبي سفيان ، وذو الكلاع ، وأبو الأعور السلمي ، وحوشب ، والوليد بن [ عقبة بن ] أبي معيط ، فانطلقوا حتى أتوا خيولهم . وسار أبو نوح ومعه شرحبيل بن ذي الكلاع حتى انتهيا إلى أصحابه فذهب أبو نوح إلى عمار فوجده قاعدا مع أصحاب له ، منهم ابنا بديل وهاشم ، والأشتر ، وجارية بن المثني ، وخالد بن المعمر ، وعبد الله بن حجل ، وعبد الله بن العباس . وقال أبو نوح : إنه دعاني ذو الكلاع وهو ذو رحم فقال : أخبرني عن عمار ابن ياسر ، أفيكم هو ؟ قلت : لم تسأل ؟ قال : أخبرني عمرو بن العاص في إمرة عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول : " يلتقي أهل الشام وأهل العراق وعمار في أهل الحق يقتله الفئة الباغية " . فقلت : إن عمارا فينا . فسألني (2) : أجاد هو على قتالنا ؟ فقلت : نعم والله ، أجد مني ، ولوددت ____________ ( 1 ) انظر ما سبق ص 322 س 7 . ( 2 ) في الأصل : « قيل لي » صوابه في ح ( 2 : 272 ) . ( 336 ) أنكم خلق واحد فذبحتكم وبدأت بك يا ذا الكلاع . فضحك عمار وقال : هل يسرك ذلك ؟ قال : قلت نعم . قال أبو نوح : أخبرني [ الساعة ] عمرو ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول : " عمار يقتله الفئة الباغية " . قال عمار : أقررته بذلك ؟ قال : نعم أقررته فأقر . فقال عمار : صدق ، وليضرنه ما سمع ولا ينفعه . ثم قال أبو نوح لعمار ـ ونحن اثنا عشر رجلا ـ : فإنه يريد أن يلقاك . فقال عمار لأصحابه : اركبوا . فركبوا وساروا ثم بعثنا إليهم فارسا من عبد القيس يسمى عوف بن بشر ، فذهب حتى كان قريبا من القوم ، ثم نادى : أين عمرو ابن العاص ؟ قالوا (1) : هاهنا . فأخبره بمكان عمار وخيله . قال عمرو : قل له فليسر إلينا . قال عوف : إنه يخاف غدراتك . فقال له عمرو : ما أجرأك علي وأنت على هذه الحال ! فقال له عوف : جرأني عليك بصيرتي فيك وفي أصحابك ، فإن شئت نابذتك [ الآن ] على سواء ، وإن شئت التقيت أنت وخصماؤك ، وأنت كنت غادرا (2) . فقال له عمرو : ألا أبعث إليك بفارس يواقفك ؟ فقال له عوف : ما أنا بالمستوحش ، فابعث بأشقى أصحابك . قال عمرو : فأيكم يسير إليه ؟ فسار إليه أبو الأعور ، فلما تواقفا تعارفا فقال عوف لأبي الأعور : إني لأعرف الجسد وأنكر القلب ، إني لا أراك مؤمنا ، وإنك لمن أهل النار . فقال أبو الأعور : لقد أعطيت لسانا يكبك الله به على وجهك في نار جهنم . فقال عوف : كلا والله إني أتكلم أنا بالحق ، وتكلم أنت بالباطل ، وإني ____________ ( 1 ) في الأصل : « قال » صوابه في ح . ( 2 ) الكلام بعد لفظة « سواء » إلى هنا لم يرد في ح . ( 337 ) أدعوك إلى الهدى وأقاتل أهل الضلالة (1) وأفر من النار ، وأنت بنعمة الله ضال تنطق بالكذب وتقاتل على ضلالة ، وتشتري العقاب بالمغفرة ، والضلالة بالهدي انظروا إلى وجوهنا ووجوهكم ، وسيمانا وسيماكم ، واسمعوا إلى دعوتنا ودعوتكم ، فليس أحد منا إلا [ و ] هو أولى بمحمد صلى الله عليه وأقرب إليه قرابة منكم ، قال له أبو الأعور : [ لقد ] أكثرت الكلام وذهب النهار . [ ويحك ] ادع أصحابك وأدعو أصحابي ، فأنا جار لك حتى تأتي موقفك الذي أنت فيه الساعة ، فإني لست أبدؤك بغدر ولا أجترئ على غدر حتى تأتي أنت وأصحابك ، وحتى تقفوا . فإذا علمت كم هم جئت من أصحابي بعددهم . فإن شاء أصحابك فليقلوا وإن شاءوا فليكثروا . فسار أبو الأعور في مائة فارس حتى إذا كان حيث كنا بالمرة الأولى (2) وقفوا وسار في عشرة بعمرو ، وسار عمار في اثني عشر فارسا حتى اختلفت أعناق الخيل : خيل عمرو وخيل عمار ، ورجع عوف بن بشر في خيله وفيها الأشعث بن قيس ، ونزل عمار والذين معه فاحتبوا بحمائل سيوفهم ، فتشهد عمرو بن العاص ، فقال له عمار بن ياسر : اسكت ( بعد هذا الكلام ليس عند ابن عقبة إلى موضع العلامة (3) ) فقد تركتها في حياة محمد صلى الله عليه وبعد موته ، ونحن أحق بها منك ، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك ، وإن (4) شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل الخطاب منك ، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك وتكفرك قبل القيام ، وتشهد بها على نفسك ، ____________ ( 1 ) ح : « وأقاتلك على الضلال » . ( 2 ) ح : « حتى إذا كانوا بالمنصف » . ( 3 ) ابن عقبة أحد رواة هذا الكتاب . ويريد بموضع العلامة ما أشار إليه بعد قوله : « فيمن قتله » الذي سيأتي في ص 339 ، وهو قوله : « من هنا عند ابن عقبة » . ( 4 ) قبل هذه العبارة في الأصل : « وإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلا » . وهذه العبارة المكررة المحرفة لم ترد في ح . وقد طرحتها من الأصل . ( 338 ) ولا تستطيع أن تكذبني [ فيها ] . قال عمرو : يا أبا اليقظان ، ليس لهذا جئت ، إنما جئت لأني رأيتك أطوع أهل هذا العسكر فيهم . أذكرك الله إلا كففت سلاحهم وحقنت دماءهم ، وحرضت على ذلك (1) ، فعلام تقاتلنا ؟ أو لسنا نعبد إلها واحدا ، ونصلي [ إلى ] قبلتكم ، وندعو دعوتكم ، ونقرأ كتابكم ، ونؤمن برسولكم . قال عمار : الحمد لله الذي أخرجها من فيك ، إنها لي ولأصحابي : القبلة ، والدين ، وعبادة الرحمن ، والنبي صلى الله عليه ، والكتاب من دونك ودون أصحابك . الحمد لله الذي قررك لنا بذلك ، دونك ودون أصحابك ، وجعلك ضالا مضلا ، لا تعلم هاد أنت أم ضال ؟ وجعلك أعمى . وسأخبرك علام قاتلتك عليه أنت وأصحابك . أمرني رسول الله صلى الله عليه أن أقاتل الناكثين ، وقد فعلت ، وأمرني أن أقاتل القاسطين ، فأنتم هم . وأما المارقون (2) فما أدرى أدركهم أم لا . أيها الأبتر ، ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه قال لعلي : « من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » . وأنا مولى الله ورسوله وعلي بعده ، وليس لك مولى . قال له عمرو : لم تشتمني يا أبا اليقظان ولست أشتمك ؟ قال عمار : وبم تشتمني ، أتستطيع أن تقول : إني عصيت الله ورسوله يوما قط ؟ قال له عمرو : إن فيك لمسبات (3) سوى ذلك . فقال عمار : إن الكريم من أكرمه الله ، كنت وضيعا فرفعني الله ، ومملوكا فأعتقني الله ، وضعيفا فقواني الله ، وفقيرا فأغناني الله . وقال له عمرو . فما ترى في قتل عثمان ؟ قال : فتح لكم باب كل سوء . قال عمرو : فعلي قتله ؟ قال عمار : بل الله علي قتله وعلي معه . قال عمرو : ____________ ( 1 ) ح : « وحرصت على ذلك » ومؤدى العبارتين واحد . ( 2 ) في الأصل : « المارقين » صوابه في ح ( 2 : 273 ) . ( 3 ) ح : « لمساب » . ( 339 ) أكنت فيمن قتله ؟ ( من هنا عند ابن عقبة (1) ) قال : كنت مع من قتله وأنا اليوم أقاتل معهم . قال عمرو : فلم قتلتموه ؟ قال عمار : أراد أن يغير ديننا فقتلناه . فقال عمرو : ألا تسمعون ؟ قد اعترف بقتل عثمان . قال عمار : وقد قالها فرعون قبلك لقومه : ( ألا تستمعون (2) ) . فقام أهل الشام ولهم زجل فركبوا خيولهم فرجعوا ، [ وقام عمار وأصحابه فركبوا خيولهم ورجعوا ] ، فبلغ معاوية ما كان بينهم فقال : هلكت العرب أن أخذتهم (3) خفة العبد الأسود يعني عمار بن ياسر . [ قال نصر : فحدثنا عمرو بن شمر قال ] : وخرج إلى القتال (4) ، وصفت الخيول بعضها لبعض ، وزحف الناس ، وعلى عمار درع [ بيضاء ] وهو يقول : أيها الناس ، الرواح إلى الجنة . فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله ، وكثرت القتلى حتي إن كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد الرجل أو برجله . فقال الأشعث : لقد رأيت أخبية فلسطين وأروقتهم وما منها خباء ولا رواق ولا بناء ولا فسطاط إلا مربوطا بيد رجل أو رجله . وجعل أبو سماك الأسدي يأخذ إداوة من ماء وشفرة حديد ، فإذا رأى رجلا جريحا وبه رمق أقعده فيقول : من أمير المؤمنين ؟ فإن قال علي غسل عنه الدم وسقاه من الماء ، وإن سكت وجأه بالسكين (5) حتى يموت [ ولا يسقيه ] . قال : فكان يسمى المخضخض . ____________ ( 1 ) ابن عقبة ، أحد رواة هذا الكتاب . انظر التنبيه 3 من صفحة 337 . ( 2 ) من الآية 25 في سورة الشعراء . وفي الأصل وح : « ألا تسمعون » والوجه ما أثبت . ( 3 ) ح : « حركتهم ». ( 4 ) وخرج ، أي عمار . وفي ح ( 2 : 273 ) : « فخرجت الخيول إلى القتال » . ( 5 ) في الأصل : « بسكين » وأثبت ما في ح . ( 340 ) نصر ، عن عمرو بن شمر عن جابر قال : سمعت الشعبي يقول : قال الأحنف ابن قيس : والله إني لإلى جانب عمار بن ياسر ، بيني وبينه رجل من بني الشعيراء (1) ، فتقدمنا حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة قال له عمار : احمل فداك أبي وأمي . ونظر عمار إلي رقة في الميمنة فقال له هاشم : رحمك الله يا عمار ، إنك رجل تأخذك خفة في الحرب ، وإني إنما أزحف باللواء زحفا ، وأرجوا أن أنال بذلك حاجتي ، وإني إن خففت لم آمن الهلكة . وقد كان قال معاوية لعمرو : ويحك ، إن اللواء اليوم مع هاشم بن عتبة ، وقد كان من قبل يرقل به إرقالا ، وإنه إن زحف به اليوم زحفا إنه لليوم الأطول لأهل الشام ، وإن زحف في عنق من أصحابه إني لأطمع أن تقتطع . فلم يزل به عمار حتى حمل ، فبصر به معاوية فوجه إليه حماة أصحابه ومن يزن بالبأس (2) [ والنجدة ] منهم في ناحيته ، وكان في ذلك الجمع عبد الله بن عمرو بن العاص ومعه [ يومئذ ] سيفان قد تقلد واحدا وهو يضرب بالآخر ، وأطافت به خيل علي ، فقال عمرو : يا الله ، يا رحمن ، ابني ابني . قال : ويقول معاوية : صبرا صبرا فإنه لا بأس عليه قال عمرو : ولو كان يزيد بن معاوية إذا لصبرت ! ولم يزل حماة أهل الشام يذبون عنه (3) حتي نجا هاربا على فرسه ومن معه ، وأصيب هاشم في المعركة . قال [ نصر : وحدثنا عمر بن سعد قال : وفي هذا اليوم قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه أصيب في المعركة ] ، و [ قد كان ] قال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص : والله إن هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن ! ثم قال عمار : ____________ ( 1 ) بنو الشعيراء هم بنو بكر بن أد بن طابخة . وفي الأصل : « السفير » ولم آجده في قبائلهم . انظر القاموس واللسان ( شعر ) والمعارف 34 . ( 2 ) يقال زنه بالخير وأزنه : ظنه به . ( 3 ) ح : « تذب عن عبد الله ». ( 341 ) نحن ضربناكـــم على تنزيلــه * فاليوم نضربكــــــم على تأويلـه (1) ضربا يزيل الهـــام عـن مقيله * ويــذهــــل الخليل عن خليلـــه أو يرجـــع الحق إلى سبيــــله ثم استسقى وقد اشتد ظمؤه ، فأتته امرأة طويلة اليدين والله ما أدري أعس معها أم إداوة فيها ضياح من لبن (2) ، فقال حين شرب : « الجنة تحت الأسنة اليوم ألقــى الأحبــة * محمــــدا وحزبــــه والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وهم على الباطل » . ثم حمل وحمل عليه ابن جون السكوني (3) ، وأبو العادية الفزاري . فأما أبو العادية فطعنه ، وأما ابن جون (4) فإنه احتز رأسه . وقد كان ذو الكلاع يسمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه لعمار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية ، وآخر شربة تشربها ضياح من لبن » فقال ذو الكلاع لعمرو : ويحك ما هذا ؟ قال عمرو : إنه سيرجع إلينا [ ويفارق أبا تراب ] . وذلك قبل أن يصاب عمار . فأصيب عمار مع علي ، وأصيب ذو الكلاع مع معاوية ، فقال عمرو : والله يا معاوية ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا . والله لو بقى ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة قومه إلى علي ، ولأفسد علينا جندنا (5) . قال : فكان لا يزال رجل يجئ فيقول لمعاوية وعمرو : أنا قتلت عمارا . فيقول ____________ ( 1 ) ح : « كما ضربناكم على تأويله » . لكن الرواية هنا تطابق ما في مروج الذهب ( 2 : 21 ) . وهذا الرجز يحتمل التقييد والإطلاق في قافيته . ( 2 ) الضياح ، بالفتح : اللبن الرقيق الكثير الماء . ( 3 ) ح ( 2 : 274 ) : « ابن حوي السكسكي » ، وفي مروج الذهب ( 2 : 21 ) . « أبو حواء السكسكي » . ( 4 ) ح : « ابن حوى » . ( 5 ) ح : « أمرنا » . ( 342 ) له عمرو : فما سمعته يقول : فيخلط (1) . حتى أقبل [ ابن ] جون (2) فقال : أنا قتلت عمارا . فقال له عمرو : فما كان آخر منطقه ؟ قال سمعته يقول : اليـــوم ألقى الأحبـــة * محمـــدا وحــزبــــه فقال له عمرو : صدقت ، أنت صاحبه (3) ، أما والله ما ظفرت يداك ولكن أسخطت ربك . نصر ، عن عمرو بن شمر قال : حدثني إسماعيل السدي ، عن عبد خير الهمداني قال : نظرت إلى عمار بن ياسر يوما من أيام صفين رمى رمية فأغمى عليه ولم يصل الظهر ، و [ لا ] العصر ، و [ لا ] المغرب ، ولا العشاء ، ولا الفجر ثم أفاق فقضاهن جميعا ، يبدأ بأول شئ فاته ، ثم بالتي تليها (4 ) . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن السدي ، عن ابن حريث (5) قال : أقبل غلام لعمار بن ياسر ، اسمه راشد ، يحمل شربة من لبن ، فقال عمار : إني سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه [ يقول ] : " إن آخر زادك من الدنيا شربة لبن " . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن السدي عن يعقوب بن الأوسط قال : احتج رجلان بصفين في سلب عمار بن ياسر ، وفي قتله ، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما : ويحكما ، اخرجا عني فإن رسول الله صلى الله عليه قال ـ [ و ] ولعت قريش بعمار (6) ـ : « ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى ____________ ( 1 ) في الأصل : « فما سمعتموه يقول فيخلطون » وأثبت ما في ح . ( 2 ) ح : « ابن حوى » . ( 3 ) أي صاحب قتله ، الذي تولى ذلك منه . ( 4 ) في الأصل : « ثم التي يليها » صوابه في ح . ( 5 ) ح ( 2 : 284 ) : « أبي حريث » . ( 6 ) هذه الجملة لم ترد في ح . والواو ليست في الأصل . ويقال ولع فلان بفلان يولع به : إذا لج في أمره وحرص على إيذائه . ( 343 ) النار ، قاتله وسالبه في النار » . قال السدي : فبلغني أن معاوية قال : « إنما قتله من أخرجه » . يخدع بذلك طغام أهل الشام . نصر عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي الزبير قال : أتى حذيفة بن اليمان رهط من جهينة فقالوا : يا أبا عبد الله ، إن رسول الله صلى الله عليه استجار من أن تصطلم أمته (1) فأجير من ذلك ، واستجار من أن يذوق بعضها بأس بعض فمنع من ذلك . قال حذيفة : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : « إن ابن سمية لم يخير بين أمرين قط إلا اختار أرشدهما ـ يعني عمارا فالزموا ـ سمته » . وفي حديث عمرو بن شمر قال : حمل عمار بن ياسر [ ذلك ] اليوم وهو يقول : كلا ورب البيت لا أبــرح أجي * حتى أموت أو أرى مــا أشتهي أنا مع الحق أحامي عــن علي (2) * صهر النبي ذي الأمانـات الوفي نقتل أعـداه وينصــرنا العلي (3) * ونقطع الهـــام بحـد المشرفي والله ينصرنا على مـن يبتغي (4) * ظلما علينا جــاهدا مـا يأتلي قال : فضربوا أهل الشام حتى اضطروهم إلى الفرار (5) . قال : ومشى عبد الله بن سويد [ الحميري ] سيد جرش إلى ذي الكلاع فقال له : لم جمعت بين الرجلين ؟ قال : لحديث سمعته من عمرو ، وذكر أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وهو يقول لعمار بن ياسر : « يقتلك الفئة ____________ ( 1 ) الاصطلام : الاستئصال ، افتعال من الصلم . ( 2 ) ح : « لا أفتر الدهر أحامي » . ( 3 ) ح : « ينصرنا رب السموات » . ( 4 ) ح : « يمنحنا النصر » . وهذا الرجز كما ترى ركيك مشيأ القافية . ( 5 ) في الأصل : « الفرات » صوابه في ح ( 2 : 274 ) . ( 344 ) الباغية » . فخرج عبد الله بن عمر العنسي ، وكان من عباد أهل زمانه ، ليلا فأصبح في عسكر علي ، فحدث الناس بقول عمرو في عمار . وقال الجرشي : ما زلت يا عمرو قبل اليــوم مبتدئا * تبغي الخصــوم جهارا غير إسرار حتى لقيت أبــا اليقظـان منتصبا * لله در أبـــي اليقظــان عمــار ما زال يقرع منــك العظم منتقيا * مخ العظام بنـــزع غيــر مكثـار (1) حتى رمـى بك في بحر له حدب * تهوي بك الموج ها فاذهب إلى النار (2) وقال العنسي : والراقصات بركب عامديــن لــه * إن الذي جاء من عمـــرو لمأثـور (3) قد كنت أسمـع والأنبــاء شائعــة * هذا الحديث فقلــت الكـذب والزور حتى تلقيته عــن أهـــل عيبتـه * فاليوم أرجع والمغـــرور مغـرور واليوم أبرأ مــن عمــرو وشيعته * ومن معاوية المحــدو بــه العيـر لا لا أقاتل عمـارا علــى طمــع * بعد الرواية حتــى ينفـــخ الصور تركت عمــرا وأشياعــا لـه نكدا * إني بتركهم يـا صـــاح معــذور (4) يا ذا الكلاع فدع لـي معشرا كفـروا * أو لا فدينك عيـن فيــه تعزيــر (5) ____________ ( 1 ) انتقاء المخ : استخراجه . ( 2 ) حدب الماء : ما ارتفع من أمواجه . ( 3 ) يقسم بالإبل التي ترقص ، أي تخب بركبانها القاصدين إلى الله أو البيت الحرام للحج . ( 4 ) النكد : جمع أنكد ، وهو المشؤوم العسر . ( 5 ) عين ، لعله يريد : دين عين ، كما تقول فلان صديق عين ، إذا كان يظهر لك من نفسه ما لا يفي به إذا غاب ، أي إنه دين رياء . ( 345 ) ما في مقــال رسول الله في رجل * شك ولا في مقـــال الرسل تحبير فلما سمع معاوية بهذا القول بعث إلى عمرو فقال : أفسدت على أهل الشام ، أكل ما سمعت من رسول الله تقوله ؟ فقال عمرو : قلتها ولست والله أعلم الغيب ولا أدري أن صفين تكون . قلتها وعمار يومئذ لك ولي ، وقد رويت أنت فيه مثل الذي رويت فيه ، فاسأل أهل الشام . فغضب معاوية وتنمر لعمرو ، ومنعه خيره ، فقال عمرو : لا خير لي في جوار معاوية إن تجلت هذه الحرب عنا . وكان عمرو حمي الأنف ، فقال في ذلك : تعاتبني أن قلت شيئــا سمعتــه * وقد قلت لو أنصفتنــي مثلـه قبلي أنعلك فيما قلــت نعــل ثبيتــة * وتزلق بي في مثــل مـا قلته نعلي وما كان لي علـم بصفيـن أنهــا * تكون وعمار يحـــث على قتلـي فلو كان لي بالغيب علــم كتمتهـا * وكابدت أقوامــا مراجلهــم تغلي أبي الله الا أن صــدرك واغـر * على بلا ذنب جنيــت ولا ذحــل سوى أنني ، والراقصـات عشيـة ، * بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقـل فلا وضعت عندي حصـان قناعها * ولا حملت وجناء ذعلبــة رحلــي ولا زلت أدعي فـي لؤي بـن غالب * قليلا غنــائي لا أمــر ولا أحلـي ****************** إن الله أرخــى من خناقك مـرة * ونلت الذي رجيت إن لم أزر أهلي وأترك لك الشام الذي ضاق رحبها * عليك لم يهنك بها العيش من أجلي فأجاب معاوية : أالآن لما ألقت الحـرب بركهــا * وقام بنا الأمر الجليــل على رجل غمزت قناتي بعـد ستين حجـة * تباعا كأنـي لا أمـر ولا أحلــي (1) أتيت بأمر فيه للشــام فتنــة * وفي دون ما أظهرته زلـة النعـل فقلت لك القول الذي ليس ضائرا * ولو ضر لم يضررك حملك لي ثقلي فعاتبتني في كل يــوم وليلــة * كأن الذي أبليك ليس كمــا أبلـى (2) فيا قبح الله العتــاب وأهلـــه * ألم تر ما أصبحت فيه مـن الشغل فدع ذا ولكن هل لك اليــوم حيلة * ترد بها قومــا مراجلهـــم تغلي دعاهم علي فاستجابــوا لدعـوة * أحب إليهم من ثرى المال والأهـل إذا قلت هابوا حومة الموت أرقلوا * إلى الموت إرقال الهلوك إلى الفحل فلما أتى عمرا شعر معاوية أتاه فأعتبه وصار أمرهما واحدا . ثم إن عليا دعا في هذا اليوم هاشم بن عتبة ومعه لواؤه ، وكان أعور ، فقال له : يا هاشم ، حتى متى تأكل الخبز وتشرب الماء ؟ فقال هاشم : لأجهدن على ألا ____________ ( 1 ) في الأصل : « بعد سبعين حجة » والصواب ما أثبت من ح ( 2 : 275 ) وذلك لأن معاوية حين وقعة صفين كان عمره نحوا من 57 سنة ، فإن صفين كانت في سنتي 36 ـ 37 وكانت وفاة معاوية سنة 60 وله ثمانون سنة . ( 2 ) الإبلاء : الإخبار ، يقال ابتليته فأبلاني ، أي استخبرته فأخبرني . ح : « تعاتبني » . ( 347 ) أرجع إليك أبدا . قال علي : إن بإزائك ذا الكلاع ، وعنده الموت الأحمر ؟ فتقدم هاشم ، فلما أقبل قال معاوية : من هذا المقبل ؟ فقيل هاشم المرقال . فقال : أعور بنى زهرة قاتله الله ! وقال : إن حماة اللواء ربيعة ، فأجيلوا القداح فمن خرج سهمه عبيته لهم . فخرج سهم ذي الكلاع لبكر بن وائل (1) ، فقال : ترحك الله من سهم كرهت الضراب (2) . وإنما كان جل أصحاب علي أهل اللواء من ربيعة ، لأنه أمر حماة منهم أن يحاموا عن اللواء . فأقبل هاشم وهو يقول : أعور يبغي نفسه خلاصــا * مثل الفنيــق لابســا دلاصا قد جرب الحرب ولا أناصــا (3) * لادية يخشى ولا قصاصا كل امرئ وإن كبا وحاصـا (4) * ليس يرى من موته مناصا (5) وحمل صاحب لواء ذي الكلاع ـ وهو رجل من عذرة ـ وهاشم حاسر وهو يقول : يا أعور العين وما بي من عور * أثبت فإني لست من فرعي مضر نحن اليمانون ومــا فينا خور * كيف ترى وقع غلام من عذر (6) ____________ ( 1 ) هم بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ، فهم ربعيون . وفي الأصل : « بكر بن وائل » والصواب : « لبكر » كما أثبت . ( 2 ) انظر ما سبق في ص 227 . ( 3 ) المعروف ناص ينوص : هرب وفر . ( 4 ) كبا : انكب على وجهه . حاص : هرب . ح : « وإن بني » . ( 5 ) في الأصل : « ليس له » وأثبت ما في ح ( 2 : 275 ) . وفي ح أيضا : « من يومه » . ( 6 ) الغلام يقال للرجل من حين يولد إلى أن يشيب . وعذر : ترخيم عذرة لغير نداء . وعذرة من قبائل قضاعة . ( 348 ) ينعى ابــن عفان ويلحي من غدر * سيان عندي مــن سعي ومن أمر فاختلفا طعنتين ، فطعنه هاشم فقتله ، وكثرت القتلى ، وحمل ذو الكلاع فاجتلد الناس ، فقتلا جميعا (1) وأخذ ابن هاشم اللواء وهو يقول : أهاشم بن عتبة بــن مالــك * أعزز بشيخ مــن قريش هالك تخبطـه الخيلات بـالسنابــك * في أسود مــن نقعهـن حالك أبشر بحـور العين في الأرائـك * والروح والـريحــان عند ذلك نصر : حدثنا عمرو بن شمر قال : لما انقضى أمر صفين وسلم الأمر الحسن عليه السلام إلى معاوية [ و ] وفدت عليه الوفود ، أشخص عبد الله بن هاشم إليه أسيرا ، فلما أدخل عليه مثل بين يديه وعنده عمرو بن العاص فقال : « يا أمير المؤمنين ، هذا المختال (2) ابن المرقال ، فدونك الضب المضب (3) ، المغتر (4) المفتون ، فإن العصا من العصية ، وإنما تلد الحية حية ، وجزاء السيئة سيئة مثلها » . فقال له ابن هاشم : ما أنا بأول رجل خذله قومه ، وأدركه يومه (5) . فقال معاوية : تلك ضغائن صفين وما جنى عليك أبوك . فقال عمرو : أمكني منه فأشخب أو داجه على أثباحه . فقال له ابن هاشم : فهلا كانت هذه الشجاعة منك يابن العاص أيام صفين حين ندعوك إلى النزال ، وقد ابتلت أقدام الرجال ، من نقيع الجريال ، وقد تضايقت بك المسالك ، وأشرفت فيها على المهالك . وأيم الله لو لا مكانك منه لنشبت لك مني خافية أرميك من خلالها ____________ ( 1 ) ح : « فقتل هاشم وذو الكلاع جميعا » . ( 2 ) المختال : المتكبر المعجب بنفسه . وفي الأصل : « المحتال » ، صوابه في ح ( 2 : 276 ) . ( 3 ) المضب : الذي يلزم الشئ لا يفارقه ، وأصل الضب اللصوق بالأرض . ( 4 ) في الأصل : « المعن » صوابه في ح . ( 5 ) ح : « وأسلمه يومه » . ( 349 ) أحد من وقع الأشافي (1) ، فإنك لا تزال تكثر في هوسك وتخبط في دهشك ، وتنشب في مرسك ؛ تخبط العشواء ، في الليلة الحندس الظلماء . قال : فأعجب معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم فأمر به إلى السجن وكف عن قتله ، فبعث إليه عمرو بأبيات يقولها له : أمرتك أمرا حازمـا فعصيتني * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم وكان أبــوه يا معـاوية الذي * رماك على جــد بحز الغلاصم فما برحوا حتى جرت من دمائنا * بصفين أمثال البحور الخضارم وهذا ابنه والمرء يشبه أصلـه * ستقــــرع إن أبقيته سن نادم فبلغ ذلك ابن هاشم وهو في محبسه فكتب إلى معاوية : معاوي إن المرء عمـرا أبت لــه * ضغينة صــدر ودهـا غير سالم (2) يرى لك قتلى يا ابن حــرب وإنما * يرى ما يرى عمر وملـوك الأعاجم على أنهم لا يقتلون أسيـــرهـم * إذا كان منهم منعـــة للمسالــم وقد كان منا يوم صفيــن نفــرة * عليك جناها هاشم وابـــن هاشم قضى الله فيها ما قضى ثمت انقضى * وما ما مضى إلا كأضغاث حالــم هي الوقعة العظمى التـي تعرفونها * وكل على ما قد مضى غير نــادم فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة * وإن تر قتلى تستحـــل محارمي ____________ ( 1 ) الأشافي : جمع إشفى ، وهو مخصف الإسكاف . وفي الأصل : « الأثافي » بالثاء ، صوابه في ح ( 2 : 276 ) . ( 2 ) في الأصل : « غشها غير سالم » وأثبت ما في ح . ( 350 ) آخر الجزء الخامس يتلوه الجزء السادس : « نصر عمرو بن شمر ، عن السدي ، عن عبد خير الهمداني » . وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله والحمد لله رب العالمين ، ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان . ـــــــــــ وجدت في الجزء الثامن من نسخة عبد الوهاب بخطه : « سمع جميعه من الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار ، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد وأبو الحسين أحمد ، وأبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفتح بن البيضاوي ، والشريف أبو الفضل محمد بن علي بن أبي يعلى الحسيني ، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمي ، بقراءة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي . وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة » . ( 351) الجزء السادس من كتـاب صـفين لنصر بن مزاحم رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي رواية الشيخ الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له ( 352 ) ( 353 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي ، قال : أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ابن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه ، قال أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر : قال أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي : قال أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عقبة : قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز : قال أبو الفضل نصر بن مزاحم . عمرو بن شمر ، عن السدي عن عبد الخير الهمداني قال : قال هاشم بن عتبة : أيها الناس ، إني رجل ضخم ، فلا يهولنكم مسقطي إن أنا سقطت ، فإنه لا يفرغ مني أقل من نحر جزور حتى يفرغ الجزار من جزرها . ثم حمل فصرع ، فمر عليه رجل وهو صريع بين القتلى فقال له : اقرأ [ علي ] أمير المؤمنين السلام ورحمة الله ، وقل له : أنشدك بالله إلا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى ، فإن الدبرة تصبح غدا (1) لمن غلب على القتلى . فأخبر الرجل عليا بذلك ، فسار علي في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره ، وكانت الدبرة له عليهم . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن رجل (2) ، عن أبي سلمة ، أن هاشم بن ____________ ( 1 ) الدبرة ، بالفتح : العاقبة . في الأصل : « تصبح عندك » صوابه في ح ( 2 : 278 ) . ( 2 ) ح : « نصر وحدثنا عمر بن سعد عن الشعبي » . ( 354 ) عتبة دعا في الناس عند المساء : « ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فليقبل » . فأقبل إليه ناس ، فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشام مرارا ، فليس من وجه يحمل عليه (1) إلا صبروا له وقوتل فيه قتالا شديدا ، فقال لأصحابه : « لا يهولنكم ما ترون من صبرهم ، فو الله ما ترون منهم إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعند مراكزها ، وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق . يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا ، وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويدا . ثم تآسوا وتصابروا واذكروا الله ، ولا يسلم رجل أخاه ، ولا تكثروا الالتفات ، واصمدوا صمدهم ، وجالدوهم محتسبين ، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين » . فقال أبو سلمة : فمضى في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه ، حتى رأى بعض ما يسرون به ، إذ خرج عليهم فتى شاب يقول : أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين غسان أنبأنا أقوامنا بمــا كان (2) * أن عليا قتــل ابن عفان ثم شد فلا ينثني يضرب بسيفه ، ثم [ جعل ] يلعن [ عليا ] ويشتمه ويسهب في ذمه (3) ، فقال له هاشم بن عتبة : « إن هذا الكلام بعده الخصام ، وإن هذا القتال بعده الحساب . فاتق الله فإنك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به (4) » . قال : فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي ، وأنكم لا تصلون ، وأقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله . فقال له هاشم : « وما أنت وابن عفان ؟ إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس ، حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « عليهم » صوابه في ح . ( 2 ) ح ( 2 : 278 ) : « أنبأنا قراؤنا » . ( 3 ) في الأصل : « ويشتم ويكثر الكلام » وأثبت ما في ح . ( 4 ) ح : « وعن هذا المقال » . ( 355 ) وأصحاب محمد هم أصحاب الدين ، وأولى بالنظر في أمور المسلمين . وما أظن أن أمر هذه الأمة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط » . قال الفتى : أجل أجل ، والله لا أكذب فإن الكذب يضر ولا ينفع ، ويشين ولا يزين . فقال له هاشم : « إن هذا الأمر لا علم لك به ، فخله وأهل العلم به » قال : أظنك والله قد نصحتني . وقال له هاشم : وأما قولك إن صاحبنا لا يصلى فهو أول من صلى مع رسول الله ، وأفقهه في دين الله ، وأولاه برسول الله . وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب ، لا ينامون الليل تهجدا . فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون » . قال الفتى : يا عبد الله ، إني لأظنك امرأ صالحا ، [ وأظنني مخطئا آثما ] ، أخبرني هل تجدلي من توبة ؟ قال : « نعم ، تب إلى الله يتب عليك ؛ فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ، ويحب التوابين ويحب المتطهرين » . قال : فذهب الفتى بين الناس راجعا ، فقال له رجل من أهل الشام : خدعك العراقي ! قال : لا ، ولكن نصحني العراقي ! وقاتل هاشم هو وأصحابه قتالا شديدا حتى أتت كتيبة لتنوخ فشدوا على الناس ، فقاتلهم وهو يقول : أعور يبغي أهله محــلا * لابد أن يفــل أو يفلا (1) قد عالج الحيــاة حتى ملا حتى قتل تسعة نفر أو عشرة ، وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط ، وبعث إليه علي : أن قدم لواءك . فقال للرسول : انظر إلي بطني . فإذا هو قد انشق . فأخذ الراية رجل من بكر بن وائل ، ورفع هاشم رأسه فإذا هو بعبيد الله بن عمر بن الخطاب قتيلا إلى جانبه ، فحبا (2) حتى دنا منه ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « يغل أو يغلا » صوابه مما سبق ص 327 . ( 2 ) في الأصل : « فجثا » والوجه ما أثبت . ( 356 ) فعض على ثديه حتى نيبت فيه أنيابه (1) . ثم مات هاشم وهو على صدر عبيد الله بن عمر ، وضرب البكري فوقع ، فرفع رأسه فأبصر عبيد الله بن عمر قريبا منه ، فحبا إليه (2) حتى عض على ثديه الآخر حتى نيبت (3) أنيابه فيه ، ومات أيضا ، فوجدا جميعا على صدر عبيد الله بن عمر ، هاشم والبكري قد ماتا جميعا . ولما قتل هاشم جزع الناس عليه جزعا شديدا ، وأصيب معه عصابة من أسلم من القراء ، فمر عليهم على وهم قتلى حول أصحابه الذين قتلوا معه فقال : جزى الله خيرا عصبة أسلمية * صباح الوجوه صرعوا حول هاشم يزيد وعبــد الله بشر ومعبد * وسفيان وابنـا هاشم ذي المكارم (4) وعروة لا يبعد ثناه وذكــره * إذا اخترطت يوما خفاف الصوارم (5) ثم قال عبد الله بن هاشم وأخذ الراية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « يأيها الناس ، إن هاشما كان عبدا من عباد الله الذين قدر أرزاقهم ، وكتب آثارهم ، وأحصى أعمالهم ، وقضى آجالهم ؛ فدعاه ربه الذي لا يعصى فأجابه ، وسلم الأمر لله وجاهد في طاعة ابن عم رسول الله ، وأول من آمن به ، وأفقههم في دين الله ، المخالف لأعداء الله المستحلين ما حرم الله ، الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد ، واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم الإثم والعدوان . فحق عليكم جهاد من خالف سنة رسول الله ، وعطل حدود الله ، وخالف أولياء الله . فجودوا ____________ ( 1 ) نيبت أنيابه : نشبت . وفي الأصل : « تبينت » وليس بشيء . ( 2 ) في الأصل : « فجثا إليه » والصواب ما أثبت . ولم أعثر على هذا الخبر في ح . ( 3 ) في الأصل : « تبينت » والوجه ما أثبت . وانظر ما سبق في التنبيه الأول . ( 4 ) ح : « يزيد وسعدان وبشر ومعبد * وسفيان وابنا معبد » . ( 5 ) ثناه ، أجدر بها أن تكون : « نثاه » بتقديم النون ، وهو ما أخبرت به عن الرجل من خير أو شر . اخترط السيف : استله . ( 357 ) يمهج أنفسكم في طاعة الله في هذه الدنيا ، تصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى ، والملك الذي لا يبلى . فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ، لكان القتال مع علي أفضل من القتال مع معاوية ابن أكالة الأكباد . فكيف وأنتم ترجون ما ترجون . وقالت امرأة من أهل الشام : لا تعدموا قوما أذاقوا ابن ياسر * شعوبا ولم يعطوكم بالخزائم فنحن قتلنا اليثربي بن محصن * خطيبكم وابني بديل وهاشم وقال رجل من بني عذرة : لقد رأيت أمـورا كلها عجب * وما رأيت كأيــام بصفينـا لما غـدوا وغدونا كلنا حنق * ما رأيت الجمال الجلة الجونا خيل تجول وخيل في أعنتها * وآخرون على غيظ يرامونا ثم ابتذلنا سيوفا في جماجمهم * وما نساقيهم من ذاك يجزونا كأنها في أكف القوم لامعة * سلاسل البرق يجد عن العرانينا ثــم انصرفنا كأشلاء مقطعة * وكلنــا عند قتلاهم يصلونا وقال عبد الله بن أبي معقل بن نهيك بن يساف الأنصاري . قال : وفي حديث عمرو بن شمر : قال النجاشي يبكي أبا عمرة بن عمرو بن محصن (1) وقتل بصفين : لنعم فتى الحيين عمرو بن محصن * إذا صائح الحي المصبح ثوبا (2) ____________ ( 1 ) هو بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري . ترجمته في 185 . ( 2 ) صدر البيت يشهد بأن اسمه « عمرو » وهو أحد الأقوال التي قيلت في اسمه ، وفي الإصابة : « وقال ابن الكلبي : اسمه عمرو بن مخصن » . المصبح : الذي صبحته الغارة . وفي الأصل : « المصيح » صوابه في ح ( 2 : 278 ) . والتثويب : الاستصراخ ، وأصله أن يلوح المستصرخ بثوبه ليرى ويشتهر . ح : « إذا ما صارخ الحي » . ( 358 ) إذا الخيل جالت ، بينها قصـد القنا * يثرن عجاجا ساطعـــا متنصبا لقد فجع الأنصار طـــرا بسيـد * أخي ثقة في الصالحين مجــربا فيارب خير قـد أفـدت وجفنــة * ملأت وقرن قــد تـركت مخيبا (1) ويا رب خصم قـد رددت بغيظـه * فآب ذليلا بعــد مـا كان مغضبا وراية مجد قــد حمـلـت وغزوة * شهدت إذا النكـس الجبـان تهيبا حووطا على جل العشيرة مـاجـدا * ولم يك في الأنصار نكسـا مؤنبـا (2) طويل عمود المجد رحبـا فنــاؤه * خصيبا إذا ما رائد الحــي أجدبا (3) عظيم رماد النار لم يــك فاحشـا * ولا فشلا يوم القتــال مغلبـــا وكنت ربيعا ينفع النــاس سيبـه * وسيفا جرازا باتك الحد مقضبــا فمن يك مسرورا بقتل ابن محصن * فعاش شقيا ثم مــات معذبـــا وغودر منكبا لفيـــه ووجهــه * يعالج رمحا ذا سنــان وثعلبــا فإن تقتلوا الحر الكريم ابن محصـن* فنحن قتلنا ذا الكـلاع وحوشبــا وإن تقتلوا ابني بديــل وهاشمـا * فنحن تركنا منكم القــرن أعضبا ونحن تركنا حميرا في صفوفكــم * لدى الموت صرعى كالنخيل مشذبا وأفلتنا تحت الأسنــة مرثـــد * وكان قديما في الفـرار مجربــا ونحن تركنا عند مختلـف القنــا * أخاكم عبيد الله لحمــا ملحبــا بصفين لما ارفض عنه صفوفكـم * ووجه ابن عتاب تركناه ملغبــا (4) ____________ ( 1 ) ح : « مسلبا » . ( 2 ) ح : « حويطا » . في الأصل : « عضبا مشيبا » وأثبت ما في ح . ( 3 ) في الأصل : « حصينا » وصوابه في ح . ( 4 ) ح : « عنه رجالكم » . وألغبه : أنصبه . ( 359 ) وطلحة من بعد الزبير ولم ندع * لضبة في الهيجا عريفا ومنكبا (1) ونحن أحطنــا بالبعير وأهله * ونحن سقينــاكم سماما مقشبا (2) نصر : وكان ابن محصن من أعلام أصحاب علي عليه السلام ، قتل في المعركة ، وجزع علي عليه السلام لقتله . قال : وفي قتل هاشم بن عتبة يقول أبو الطفيل عامر بن واثلة ، وهو من الصحابة ، وقيل إنه آخر من بقي من صحب رسول الله صلى الله عليه ، وشهد مع علي عليه السلام صفين ، وكان من مخلصي الشيعة (3) : يا هاشم الخيــر جزيت الجنة * قاتلت فــي الله عدو السنه والتاركي الحق وأهل الظنــه * أعظم بمــا فزت به من منه صيرني الدهر كأني شنــه * ياليت أهلي قــد علوني رنه (4) من حوبـــة وعمــــة وكنه (5) نصر : والحوبة القرابة ، يقال لي في بني فلان حوبة أي قربي . نصر ، عن عمرو بن شمر بإسناده قال : قال رجل يومئذ لعدي بن حاتم ـ وكان من جلة (6) أصحاب علي عليه السلام ـ : يا أبا طريف ، ألم أسمعك ____________ ( 1 ) العريف : النقيب ، وهو دون الرئيس . والمنكب ، كمجلس : عون العريف ، وقال الليث : رأس العرفاء . ( 2 ) البعير ، يعني جمل عائشة الذي نسبت إليه الوقعة . والمقشب : المخلوط . ( 3 ) ترجمته سبقت في ص 309 . ( 4 ) الرنة : صيحة النياحة . وفي ح ( 2 : 279 ) : * وسوف تعلو حول قبري رنه * ( 5 ) الحوبة ، جاء في تفسيرها عن أبي عبيد : « وبعض أهل العلم يتأوله على الأ ؟ ؟ خاصة . قال : وهي عندي كل حرمة تضيع إن تركها ، من أم أو أخت أو ابنة أو غيرها . والكنة ، بالفتح : امرأة الابن وامرأة الأخ . ( 6 ) ح : « جملة » . ( 360 ) تقول يوم الدار : « والله لا تحبق فيها عناق حولية (1) ! » ، وقد رأيت كان فيها (2) ؟ ـ وقد كانت فقئت عين عدي وقتل بنوه (3) ـ قال : بلى والله لقد حبقت (4) فيه العناق والتيس الأعظم . وبعث علي خيلا ليحبسوا عن معاوية مادة ، فعبث معاوية الضحاك ابن قيس الفهري في خيل إلى تلك الخيل فأزالوها ، وجاءت عيون علي فأخبرته بما قد كان ، فقال علي لأصحابه : فما ترون فيما هاهنا ؟ فقال بعضهم : نرى كذا . وقال بعضهم : نرى كذا . فلما رأى ذلك الاختلاف أمرهم بالغدو إلى القوم ، فغاداهم إلى القتال قتال صفين ، فانهزم أهل الشام وقد غلب أهل العراق على قتلى أهل حمص ، وغلب أهل الشام على قتلى أهل العالية ، وانهزم عتبة بن أبي سفيان عشرين فرسخا عن موضع المعركة حتى أتى الشام . فقال النجاشي من قصيدة أولها : لقد أمعنت يـــا عتب الفرارا * وأورثـــك الوغى خزيا وعارا فلا يحمد خصاك سوى طمــر * إذا أجريته انهمــر انهمــارا وقال كعب بن جعيل ، [ وهو شاعر أهل الشام ، بعد رفع المصاحف يذكر أيام صفين ويخرض معاوية ] : معاوي لا تنهض بغير وثيقة * فإنك بعد اليوم بالذل عارف ____________ ( 1 ) الحبق : ضراط المعز . وفي الأصل : « لا تخنق » صوابه في ح . والعناق ، بالفتح : الأنثى من ولد المعز . والحولية : التي أتى عليها حول . ويروى أيضا : « لا تحبق في هذا الأمر عناق حولية » قال الميداني : « يضرب المثل في أمر لا يعبأ به ولا غير له ، أي لا يدرك فيه ثأر » . وأول من قال هذا المثل عدي حين قتل عثمان . فيها : أي في هذه الحادثة . ( 2 ) أي من وقعتي الجمل وصفين ، إذ طولب فيهما بدم عثمان . ( 3 ) عند الميداني : « فلما كان يوم الجمل فقئت عين عدي وقتل ابنه بصفين » . ( 4 ) في الأصل : « خنقت » صوابه في ح وأمثال الميداني . ( 361 ) تركتم عبيد الله بالقـاع مسنــدا * يمج نجيعا والعــروق نـوازف ألا إنما تبكي العيــون لفــارس * بصفين أجلت خيلــه وهو واقف ينوء وتعلوه شآبيــب مــن دم * كما لاح في جيب القميص اللفائف يحللن عنـه زر درع حصينــة * ويبدين عنـــه بعدهـن معارف (1) تبدل من أسماء أسيـاف وائــل * وكان فتى لو أخطأتــه المتالـف (2) الا إن شر الناس في الناس كلهـم * بنو أسد ، إني لمــا قلت عارف وفرت تميم سعدهــا وربابهــا * وخالفت الجعراء فيمــن يخالف (3) فرد عليه أبو جهمة الأسدي فقال : تعرفت والعراف تمـــج أمـه * فإن كنــت عرافا فلست تقائف (4) أغرتم علينا تسرقون بناتنـــا * وليس لنا فــي قاع صفين قائف يجالد من دون ابن عم محمــد * من الناس شهبـاء المناكب شارف فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أتيحت بالأكف المصاحف (5) ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 498 ) : « وأنكر منه بعد ذاك معارف » . ( 2 ) أسماء هذه هي بنت عطارد بن حاجب بن زرارة ، زوج عبيد الله بن عمر ، كان قد أخرجها مع زوجة الأخرى بحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني ، لينظرا إلى قتاله ، كما في ح ( 1 : 499 ) . ( 3 ) في الأصل : « وجالت تميم » وأثبت ما في ح ( 2 : 279 ) . والجعراء : لقب بني العنبر بن عمرو بن تميم . انظر القاموس « جعر » . وفي الأصل : « الجعداء » صوابه ما أثبت من ح . وقد سبق بعض أبيات هذه القصيدة في ص 298 ـ 299 . وقال ابن أبي الحديد في ( 1 : 498 ) : « قلت : هذا الشعر نظمه كعب بن جعيل بعد رفع المصاحف وتحكيم الحكمين يذكر فيه ما مضى لهم من الحرب على عادة شعراء العرب » . ( 4 ) تمج أمه ، كذا وردت في الأصل . ( 5 ) هذا البيت وسابقه يرويان في شعر كعب بن جعيل ، كما سبق في 299 . وهذا البيت أيضا يروى للحصين بن الحمام المري ، كما في اللسان ( 6 : 69 ) . ( 362 ) وقال أبو جهمة الأسدي : أنا أبـــو جهمة في جلد الأسد * علي منــــه لبد فوق لبــد أهجو بني تغلب ما ينجي النقد (1) * أقود من شئت وصعب لم يقد وقال عتبة يهجو كعب بن جعيل مجيبا له (2) : سميت كعبا بشــر العظام * وكان أبــوك سمى الجعل (3) وكان مكانك (4) مـن وائل * مكان القــراد من است الجمل وقال كعب مجيبا له : * سميت عتابــا ولســت بمعتب * ثم إن عليا أمر مناديه فنادى في الناس : أن اخرجوا إلى مصافكم . فخرج الناس إلى مصافهم ، واقتتل الناس ، وأقبل أبو الأعور السلمي يقال : أضربهــم ولا أرى عليـا * كفى بهــذا حزنـا عليا وأقبل عبد الرحمن بن خالد وهو يقول : أنا عبد الرحمــن وابن خالد * أضرب كــل قدم وساعد نصر : ثم كانت بين الفريقين الواقعة المعروفة ب « وقعة الخميس » ، حدثنا ____________ ( 1 ) النقد ، بالتحريك : جنس من الغنم قباح الوجوه صغار الأرجل ، يقال فيها : « أذل من نقد » . ( 2 ) ح ( 2 : 280 : « وهجا كعب بن جعيل عتبة بن أبي سفيان وعيره بالفرار ، وكان كعب من شيعة معاوية لكنه هجا عتبة تحريضا له » . على أن البيتين يرويان للأخطل ، نظر ديوانه 335 ، وشرح الحيوان ( 5 : 441 ) حيث تخريج الشعر . ( 3 ) ح : « يسمى الجعل » . ( 4 ) ح : « وإن مكانك » . وفي الحيوان : « وأنت مكانك » ويروى : « وإن محلك » . ( 363 ) بها عمر بن سعد ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم الهجري (1) قال : حدثنا القعقاع بن الأبرد الطهوي قال : والله إني لواقف قريبا من علي بصفين يوم وقعة الخميس [ و ] قد التقت مذحج ـ وكانوا في ميمنة علي ـ وعك وجذام ولخم والأشعرون ، وكانوا مستبصرين في قتال علي . ولقد والله رأيت ذلك اليوم من قتالهم ، وسمعت من وقع السيوف على الرؤوس ، وخبط الخيول بحوافرها في الأرض وفي القتلى ، ما الجبال تهد (2) ولا الصواعق تصعق بأعظم هولا في الصدور من ذلك الصوت . نظرت إلى علي وهو قائم فدنوت منه ، فسمعته يقول : « لا حول ولا قوة إلا بالله (3) ، والمستعان الله » . ثم نهض حين قام قائم الظهيرة وهو يقول : ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (4) ) : وحمل على الناس بنفسه ، وسيفه مجرد بيده ، فلا والله ما حجز بيننا إلا الله رب العالمين ، في قريب من ثلث الليل ، وقتلت يومئذ أعلام العرب . وكان في رأس علي ثلاث ضربات ، وفي وجهه ضربتان . نصر : وقد قيل إن عليا لم يجرح قط . وقتل في هذا اليوم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (5) ، وقتل من أهل ____________ ( 1 ) هو إبراهيم بن مسلم العبدي ، أبو إسحاق الهجري ، قال ابن حجر : « لين الحديث ، رفع موقوفات . من الخامسة » تقريب التهذيب . وفي ح : « إبراهيم النخغي » تحريف . ( 2 ) الهدة : صوت تسمعه من سقوط ركن أو حائط أو ناحية جبل ، تقول منه : هد يهد ، بالكسر ، هديدا . ( 3 ) بعده في ح : « اللهم إليك الشكوى وأنت المستعان » . ( 4 ) من الآية 89 في سورة الأعراف . ( 5 ) هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري ، شهد بدرا وما بعدها ، وسمى ذا الشهادتين لأنه شهد للنبي على يهودي في دين قضاه عليه السلام فقال : « كيف تشهد ولم تحضره ولم تعلمه » ؟ قال : يا رسول الله نحن نصدقك على الوحي من السماء فكيف لا نصدقك على أنك قضيته ؟ فأنفذ عليه السلام شهادته وسماه « ذا الشهادتين » ، لأنه صير شهادته شهادة رجلين . الإصابة 2247 وجني الجنتين 160 . ****************** الشام عبد الله بن ذي الكلاع الحميري ، فقال معقل بن نهيك بن يساف الأنصاري يا لهف نفسي ومــن يشفي حزازتها * إذا أفلت الفاســق الضليل منطلقا وأفلت الخيل عمـرو وهـي شاحبة * جنح الظلام يحث الركض والعنقا (1) وافت منية عبــد الله إذ لحقــت * قب البطون به ، أعجز بمن لحقــا وانساب مروان في الظلماء مستترا * تحت الدجى كلما خاف الردى أرقا قال : وقال مالك الأشتر : نحــن قتلنــا حوشبــا * لمــا غــدا قد أعلمــا وذا الكلـــاع قبـــلـه * ومعبـــدا إذ أقــدمــا إن تقتلــوا منا أبــا الـ * يقظــان شيخــا مسلمـا فقــد قتلنــــا منكـم * سبعيـــن رأسا مجرمــا أضحـــوا بصفين وقـد * لاقـــوا نكــالا مؤثمـا وقال عامر بن الأمين السلمي : كيف الحيــاة ولا أراك حزينا * وغبــرت في فتن كذاك سنينــا ونسيت تلذاذ الحيــاة وعشيها * وركبــت من تلك الأمور فنونــا ورجعت قد أبصرت أمري كله * وعرفــت ديني إذ رأيــت يقينـا أبلـــغ معاوية السفيه بأنني * في عصبــة ليسوا لديك قطينـــا لا يغضبون لغير ابــن نبيهم * يرجون فــوزا ، إن لقوك ، ثمينـا وقال عبد الله بن يزيد بن عاصم الأنصاري يرثي من قتل من أصحابه : يا عين جودي على قتلى بصفينا * أضحوا رفاتا وقد كانوا عرانينا ____________ ( 1 ) ح : « تحت العجاج تحث » . ( 365 ) أني لهم صرف دهـر قد أضربنا * تبــا لقاتلهـم في اليوم مدفونــا (1) كانــوا أعزة قومي قد عرفتهـم * مأوى الضعـاف وهم يعطون ماعونا أعزز بمصرعهم تبــا لقاتلهـم * على النبي وطـوبــى للمصابينــا وقال النضر بن عجلان الأنصاري : قد كنت عن صفين فيما قـد خلا * وجنـــود صفين لعمــري غـافلا قد كنت حقا لا أحــاذر فتنـة * ولقــد أكــون بذاك حقــا جاهـلا فرأيت في جمهـور ذلك معظما * ولقيــت من لهوات ذاك عيــاطلا (2) كيف التفرق والوصــي إمامنا * لا كيــف إلا حيـــرة وتخــاذلا لا تعتبــن عقولكم لا خير في * مــن لم يكن عنــد البلابل عاقـلا وذروا معاوية الغوى وتابعــوا * ديـــن الوصي تصادفوه عاجــلا وقالت أمينة الأنصارية ترثي مالكا : منع اليـــوم أن أذوق رقـادا * مالـــك إذ مضى وكـــان عمادا يا أبا الهيثم بن تيهــان إنـي * صــرت للهم معدنــا ووســـادا إذ غدا الفاســق الكفور عليهم * إنــــه كان مثلهـــا معتــادا أصبحوا مثل من ثوى يوم أحد * يرحــــم الله تلكـــم الأجسـادا وقالت ضبيعة بنة خزيمة بن ثابت ترثي أباها (3) صاحب الشهادتين : عين جودي على خزيمـة بالدم * ع قتيـــل الأحزاب يــوم الفرات قتلـــوا ذا الشهادتين عتـوا * أدرك الله منهــــم بــالتــرات قتلوه في فتيـــة غير عـزل * يسرعـــون الركــوب للدعوات ____________ ( 1 ) أني يأني : حان وقته . وفي الأصل : « أنالهم » تحريف . ( 2 ) يقال هضبة عيطل : طويلة . ( 3 ) في الأصل : « في خزيمة أباها » صوابه في ح ( 2 : 280 ) . ( 366 ) نصروا السيد (1) الموفــق ذا العد * ل ودانــوا بذاك حتـى الممات لعن الله معشــــرا قتلــوه * ورمـــاهم بالخــــزي والآفات نصر : حدثنا عمر بن سعد ، عن الأعمش قال ، كتب معاوية إلى أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري (2) صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وكان سيدا معظما من سادات الأنصار ، وكان من شيعة علي عليه السلام ـ كتابا ، وكتب إلى زياد بن سمية ـ وكان عاملا لعلي عليه السلام على بعض فارس ـ كتابا . فأما كتابه إلى أبي أيوب فكان سطرا واحدا : « لا تنسى شيباء أبا عذرتها ، ولا قاتل بكرها » . فلم يدر أبو أيوب ما هو ؟ فأتى به عليا وقال : يا أمير المؤمنين ، إن معاوية ابن أكالة الأكباد ، وكهف المنافقين ، كتب إلى بكتاب لا أدري ما هو ؟ فقال له علي : وأين الكتاب ؟ فدفعه إليه فقرأه وقال : نعم ، هذا مثل ضربه لك ، يقول : ما أنسى الذي لا تنسى الشيباء ، لا تنسى أبا عذرتها . والشيباء : المرأة البكر ليلة افتضاضها (3) ، لا تنسى بعلها الذي افترعها أبدا ، ولا تنسى قاتل بكرها وهو أول ولدها . كذلك لا أنسى أنا قتل عثمان . وأما الكتاب الذي كتب إلى زياد فإنه كان وعيدا وتهددا ، فقال زياد : « ويلي على معاوية ابن أكالة الأكباد ، وكهف المنافقين وبقية الأحزاب ، يتهددني ويوعدني وبيني وبينه ابن عم محمد ، ومعه سبعون ألفا طوائع (4) ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « نصروا أحمد » والوجه ما أثبت من ح . ( 2 ) هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، نزل عليه النبي صلى الله عليه لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بني بيوته ومسجده . وتوفى في غزاة القسطنطينية سنة 52 . الأصابة 2159 . وفي الأصل : « خالد بن أيوب » صوابه في ح والإصابة . ( 3 ) قيل ياء « شيباء » بدل من واو ، لأن ماء الرجل شاب ماء المرأة ؟ ولم يسمع الأصل ، جعلوه بدلا لازما ، كعيد وأعياد من العودة . ( 4 ) طوائع : جعله جمعا لطائع والقياس طائعون . وفي ح ( 2 : 281 ) : « سبعون ألفا سيوفهم على عواتقهم ، يطيعونه في جميع ما يأمرهم » . ( 367 ) سيوفهم عند أذقانهم ، لا يلتفت رجل منهم وراءه حتى يموت . أما والله لئن خلص الأمر إلى ليجدني أحمر ضرابا بالسيف » . والأحمر يعني أنه مولى ، فلما ادعاه معاوية صار عريبا [ منافيا (1) ] . [ قال نصر ] : و [ روى عمرو بن شمر ، أن معاوية ] كتب في أسفل كتاب أبي أيوب : أبلغ لديك أبــا أيوب مالكـــة * أنــــا وقومك مثل الذئب والنقد إما قتلتم أميــر المؤمنيــن فلا * ترجــوا الهوادة عندي آخر الأبد (2) إن الذي نلتموه ظالميـــن لـه * أبقت حرارته صدعا على كبــدي إني حلفت يمينـــا غير كاذبة * لقـــد قتلتم إماما غيــر ذي أود لا تحسبوا أنني أنسى مصيبتـه * وفي البلاد من الأنصار مــن أحد (3) أعزز علي بأمر لست نائلــه * واجهــد علينا فلسنا بيضة البلــد قد أبدل الله منكم خير ذي كلـع * واليحصبيين أهل الحق في الجنـد (4) إن العراق لنا فقــع بقرقـرة * أو شحمــة بزها شاو ولم يكــد (5) والشام ينزلها الأبرار ، بلدتهـا * أمن ، وحومتها عريســة الأسـد (6) فلما قرأ الكتاب على علي عليه السلام قال : لشد ما شحذكم معاوية (7) ____________ ( 1 ) منافيا : منسوبا إلى عبد مناف . ( 2 ) ح : « منا آخر الأبد » . ( 3 ) في الأصل : « مصابته » ولم يقولوا في المصيبة إلا « المصاب » بالتذكير . وأثبت ما في ح . ( 4 ) ينو يحصب : بطن من حمير ، وحاؤه مثلثة . والجند بالتحريك : مدينة باليمن بينها وبين صنعاء ثمانية وخمسون فرسخا . ح : « أهل الخوف والجند » . ( 5 ) الفقع ، بالفتح : ضرب من أردأ الكمأة . والقرقرة : أرض مطمئنة لينة . ( 6 ) ح : « وبيضتها عريسة الأسد » . ( 7 ) في الأصل : « لأشد » صوابه في ح ( 2 : 281 ) . ( 368 ) يا معشر الأنصار ، أجيبوا الرجل . فقال أبو أيوب : يا أمير المؤمنين : ما أشاء أن أقول شيئا من الشعر يعيا به الرجال (1) إلا قلته . قال : فأنت إذا أنت . فكتب أبو أيوب إلى معاوية : « [ أما بعد فإنك كتبت إلى ] : لا تنسى الشيباء (2) ـ وقال في هذا الحديث : الشيباء : الشمطاء ـ ثكل ولدها ، ولا أبا عذرتها فضربتها مثلا بقتل عثمان . وما نحن (3) وقتل عثمان ؟ ! إن الذي تربص بعثمان وثبط يزيد بن أسد (4) وأهل الشام في نصرته لأنت ، وإن الذين قتلوه لغير الأنصار ! » . وكتب في آخر كتابه : لا توعدنا ابن حرب إننـــا بشر * لا نبتغي ود ذي البغضاء من أحــد فاسعوا جميعا بني الأحزاب كلكم * لسنـــا نريد ولاكم آخــر الأبـد (5) نحن الذين ضربنا الناس كلهـم * حتي استقاموا وكانـوا عرضــة الأود والعام قصرك منا أن أقمت لنـا * ضربا يزيل بيــن الروح والجســد أما علي فإنا لــن نفارقـــه * ما رقرق الآل في الدوايــه الجــرد إما تبدلت منا بعــد نصرتنـا * دين الرسول أناسا ســـاكني الجنـد لا يعرفون أضــل الله سعيهـم * إلا اتباعكم ، يــا راعــي النقــد فقد بغى الحق هضما شر ذي كلع * واليحصبيــون طرا بيضــة البلـد ____________ ( 1 ) يعيا به : يعجز عنه . وفي الأصل : « يعبأ به » وفي ح : « يعتا به » . ( 2 ) في الأصل : « أنت لا تنسى الشيباء » وكلمه « أنت » محرفه عن « كتبت » التي في التكملة السابقة . ( 3 ) في الأصل : « وما أنا » وأثبت ما في ح . ( 4 ) هو يزيد بن أسد ، جد خالد بن عبد الله القسري . وكان مطاعا في أهل اليمن عظيم الشأن ، وجهه معاوية لنصر عثمان في أربعة آلاف ، فجاء إلى المدينة فوجد عثمان قد قتل ، فلم يحدث شيئا . انظر الإصابة 9229 . ( 5 ) ولاكم : أي ولاءكم . وفي ح : « رضاكم » . ( 369 ) ألا ندافع كفــا دون صاحبها * حــد الشقاق ولا أم ولا ولــد (1) فلما أتى معاوية بكتاب أبي أيوب كسره . نصر ، قال : وذكر عمر ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه ، عن أبي سليمان الحضرمي ـ وكان حضرها أبو سليمان مع علي ـ : أن الفيلقين التقيا بصفين ، واضطربوا بالسيوف ليس معهم غيرها إلى نصف الليل . نصر ، قال عمر : وحدثني مجالد ، عن الشعبي ، عن زياد بن النضر الحارثي وكان على مقدمة علي ، قال : شهدت مع علي بصفين ، فاقتتلنا ثلاثة أيام وثلاث ليال ، حتى تكسرت الرماح ، ونفدت السهام ، ثم صرنا إلى المسايفة (2) فاجتلدنا بها إلى نصف الليل ، حتى صرنا نحن وأهل الشام في اليوم الثالث يعانق بعضنا بعضا ، وقد قاتلت ليلتئذ بجميع السلاح ، فلم يبق شيء من السلاح إلا قاتلت به ، حتى تحاثينا بالتراب ، وتكادمنا [ بالأفواه ] ، حتى صرنا قياما ينظر بعضنا إلى بعض (3) ما يستطيع واحد من الفريقين ينهض إلى صاحبه ولا يقاتل . فلما كان نصف الليل من الليلة الثالثة انحاز معاوية وخيله من الصف ، وغلب علي عليه السلام على القتلى في تلك الليلة ، وأقبل على أصحاب محمد صلى الله عليه وأصحابه فدفنهم ، وقد قتل كثير منهم ، وقتل من أصحاب معاوية أكثر ، وقتل فيهم تلك الليلة شمر بن أبرهة ، وقتل عامة من أصحاب علي يومئذ ، فقال عمارة : قالت أمامة : ما للونك شاحبــا * والحرب تشحـب ذا الحديد الباسل أني يكون أبوك أبيض صافيــا * بيـــن السمائم فوق متن السائل ____________ ( 1 ) كذا ورد هذا البيت . ( 2 ) في الأصل : « صارت إلى المسايفة » وأثبت ما في ح ( 2 : 281 ) . ( 3 ) بعدها في الأصل : « حتى صرنا قياما » وهي عبارة مكررة . ( 370 ) تغدو الكتائب حولــه ويسوقهــم * مثل الاسود بكـل لــدن ذابـل خزر العيون من الوفود لدى الوغى * بالبيض تلمع كالشرار الطاسـل (1) قالوا معاوية بن حـرب بايعــوا * والحــرب شائلة كظهـر البازل فخرجت مخترما أجر فضولهــا * حتى خلصت إلى مقام القاتــل (2) وقال عمرو بن العاص : إذا تحازرت وما بي مـن خـزر (3) * ثم خبأت العين مــن غير عور (4) ألفيتني ألـوى بعيــد المستمــر (5) * ذا صولة في المصمئلات الكبــر أحمل ما حلمت من خيــر وشـر * كالحيــة الصمـاء في أصل الصخر وقال محمد بن عمرو بن العاص : لو شهدت جمل مقامــي وموقفي * بصفين يومــا شــاب منها الذوائب غداة غدا أهــل العراق كأنهــم * من البحــر موج لجـه متــراكب وجئناهم نمشي صفــوفا كأننــا * سحاب خريف صفقته الجنــائــب فطار إلينــا بالرمـاح كماتهــم * وطرنــا إليهم والسيوف قواضــب فدارات رحانا واستدارت رحاهــم * سراة النهــار ما تولى المنـــاكب ____________ ( 1 ) الطاسل : الجاري المضطرب ، من قولهم طسل السراب : اضطرب . ( 2 ) مخترما : يخترم الأقران ، أي يستأصلهم . وفي الأصل : « محترما » . فضولها : أي فضول الدرع السابغة . مقام القاتل ، يعني نفسه . وبعده في الأصل : « ويقرقعونه كقرن الحائل » ، ولعلها رواية محرفة لعجز أحد الأبيات السابقة . ( 3 ) التخازر : إظهار الخزر ، وهو ضيق العين وصغرها . ( 4 ) ح ( 2 : 281 ) : « ثم كسرت العين » . ( 5 ) الألوى : الشديد الخصومة . ( 371 ) إذا قلت يومــا قد ونوا برزت لنا * كتائب حمــر وارجحنت كتـائب (1) فقالوا : نرى من رأينا أن تبايعـوا * عليا فقلنـــا بل نرى أن تضاربوا فأبنــا وقد نالوا سراة رجالنــا * وليس لمـــا لاقوا سوى الله حاسب فلم أر يوما كان أكثــر باكيــا * ولا عارضــا منهم كميــا يكالـب كأن تلالي البيــض فينا وفيهـم * تلألؤ بــرق في تهامــة ثاقــب (2) فرد عليه محمد بن علي بن أبي طالب : لو شهدت جمل مقامك أبصـرت * مقــام لئيم وســط تلك الكتائـب أتذكر يوما لم يكن لك فخــره * وقد ظهرت فيهــا عليـك الجلائب (3) وأعطيتمونـــا ما نقمتـم أذلة * على غير تقوى الله والدين واصب (4) وروى : « خوف العواقب » نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن تميم قال : والله إني مع علي حين أتاه علقمة بن زهير الأنصاري فقال : يا أمير المؤمنين ، إن عمرو بن العاص ينادي ثم : أنا الغلام القرشــي المؤتمـــن * الماجـــد الأبلج ليــث كالشطــن يرضى به الشام إلى أرض عــدن * يا قـــادة الكوفة من أهــل الفتـن يأيها الأشراف مــن أهل اليمــن * أضربكــم ولا أرى أبــا حســن ____________ ( 1 ) في الأصل : « إذا قلت قد استهزموا » وأثبت ما في ح . كتائب حمر ، لما علاها من صدأ الحديد . ح : « كتائب منهم » . ( 2 ) تلالي ، مصدر من تلالا المسهلة ، كما تقول : تراضى تراضيا . ( 3 ) الجلائب : العبيد يجلبون من بلد إلى غيره . ( 4 ) واصب ، أي طاعته دائمة واجبة أبدا . وفي الكتاب : « وله الدين واصبا » . ( 372 ) أعني عليا وابــن عم المؤتمــن * كفى بهــذا حزنا مــن الحـزن فضحك علي ثم قال : أما والله لقد حاد عدى الله عني ، وإنه بمكاني لعالم ، كما قال العربي : « غير الوهي ترقعين وأنت مبصرة (1) » ، ويحكم ، أروني مكانه لله أبوكم ، وخلا كم ذم . وقال النجاشي يمدح عليا : إني إخال عليــا غير مرتــدع * حتى يؤدى كتــاب الله والذمــم (2) حتى ترى النقع معصوبــا بلمته * نقع القبائــل ، في عرنينه شمـم (3) غضبان يحرق نابيــه بحرتـه * كما يغظ الفنيق المصعـب القطــم (4) حتى يزيل ابن حرب عن إمارته * كما تنكب تيــس الحبلــة الحلـم (5 ) أو أن تروه كمثل الصقر مرتبئا * يخفقن مــن حـوله العقبان والرخـم وقال النجاشي أيضا يمدح عليا ويهجو معاوية وقد بلغه أنه يتهدده (6) : يأيها الرجل المبــدي عداوتــه * رو لنفســـك أي الأمــر تأتمـر ____________ ( 1 ) في الأصل : « عين الوهي » صوابه في ح ( 2 : 282 ) . والوهي ، بالفتح : الشق في الشيء . ( 2 ) في الأصل : « غير منتهى » وهي من ضرورة الشعر ، لكن كتب بجوارها « ن : مرتدع » أي إنها كذلك في نسخة أخرى ، وهذه الأخيرة رواية ح . ( 3 ) في الأصل : « حتى ترى النقع » وفي ح : « أما ترى النقع » . ( 4 ) حرق نابيه يحرقهما ، بالضم والكسر : سحقهما حتى سمع لهما صريف . المصعب : الفحل . والقطم : المشتهي للضراب . وفي الأصل : « المغضب القطم » والوجه ما أثبت من ح . ( 5 ) الحبلة ، بالضم : ثمر عامة العضاه . وهم ينسبون التيس أيضا فيقولون : « تيس الربل » وهو ضروب من الشجر إذا برد الزمان عليها وأدبر الصيف تفطرت بورق أخضر . انظر الحيوان ( 4 : 134 / 6 : 123 ) . وفي الأصل : « الجلة » وفي ح : « الخلة » ولا وجه لهما . ( 6 ) ح : « قال نصر : » وحدثنا عمر بن سعد عن الشعبي قال : « بلغ النجاشي أن معاوية تهدده فقال » . ( 373 ) لا تحسبنــي كأقــوام ملكتهــم * طوع الأعنــة لما ترشــح العـذر وما علمت بما أضمرت من حنــق * حتى أتتنــي به الركبــان والنـذر فإن نفست على الأمجـاد مجدهــم * فابســط يديك فإن الخيـر مبتـدر واعلم بأن على الخير مــن نفـر * مثل الأهلــة لا يعلوهــم بشــر لا يرتقي الحاسد الغضبان مجدهم (1) * ما دام بالحزن مــن صمائهــا حجر بئس الفتى أنت إلا أن بينكمــا * كما تفاضل ضــوء الشمس والقمــر ولا إخالــك إلا لست منتهيــا * حتى يمســك مــن أظفاره ظفــر لا تحمدن أمــرأ حتى تجربـه * ولا تذمــن من لم يبلــه الخبـــر إني امرؤ قلما أثني على أحــد * حتى أرى بعــض ما يأتي وما يــذر إني إذا معشر كانت عداوتهــم * في الصدر أو كان في أبصارهم خــزر جمعت صبرا جراميزي بقافيـة (2) * لا يبرح الدهــر منها فيهــم أثر فلما بلغ هذا الشعر معاوية قال : « ما أراه إلا قد قارب » . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الملك بن عبد الله ، عن ابن أبي شقيق ، أن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين كان يحمل على الخيل بصفين ، إذا جاء رجل من خزيمة فقال : هل من فرس ؟ قال : نعم ، خذ أي الخليل شئت . فلما ولى قال ابن جعفر : إن يصب أفضل الخيل يقتل . قال : فما عتم أن أخذ أفضل الخيل فركبه ، وحمل على الذي دعاه إلى البراز ، فقتله الشامي . وحمل غلامان من الأنصار جميعا أخوان ، حتى انتهيا إلى سرادق معاوية ____________ ( 1 ) ح : « لا يجحد الحاسد الغضبان فضلهم » . ( 2 ) جمع جراميزه ، إذا تجمع ليثب . في الأصل : « بعافية » صوابه في ح . وأراد بالقافية الشعر يقوله في الهجو . ( 374 ) فقتلا عنده ، وأقبلت الكتائب بعضها نحو بعض ، فاقتتلت قياما في الركب لا يسمع السامع إلا وقع السيوف على البيض والدرق . وقال عمرو بن العاص : أجئتم إلينـا تسفكــون دماءنـــا * ومـــا رمتم وعر من الأمر أعسـر لعمري لما فيــه يكــون حجاجنا (1) * إلى الله أدهــى لو عقلتم وأنكــر تعاورتم ضربــا بكــل مهنــد * إذا شـــد وردان تقــدم قنبــر (2) كتائبكم طــورا تشــد وتــارة * كتائبنــا فيهــا القنــا والسنور (3) إذا ما التقوا يوما تــدارك بينهـم * طعــان وموت في المعارك أحمـر (4) وقال مرة بن جنادة العليمي : لله در عصابــة فــي مأقـــط * شهــدوا مجـال الخيل تحت قتامهـا شهدوا ليوثــا ليس يدرك مثلهـم * عنــد الهياج تذب عــن آجامهــا (5) خزر العيـون ، إذا أردت قتالهـم * برزوا سماحــا كلهــم بحمــامهـا (6 ) لا ينكلــون إذا تقــوض صفهـم * جــزعا على الإخوان عنــد جلامها فوق البراح مــن السوابح بالقنـا * يرديــن مهيعــة الطريق بهـامهـا (7) ____________ ( 1 ) في الأصل : « حجامنا » صوابه في ح . ( 2 ) وردان : غلام عمرو بن العاص . انظر ص 35 ، 36 . وقنبر ، بوزن جعفر : مولى علي . انظر الحاشية الرابعة من ص 43 . ( 3 ) السنور : جملة السلاح ، وخص به بعضهم الدروع . ( 4 ) في الأصل : « إذا ما التقوا حربا » و : « في المبارك » صوابهما في ح . ( 5 ) الأجمة : الشجر الكثير الملتف . في الأصل : « يذب عند إجامها » والصواب ما أثبت . وهذه المقطوعة لم ترد في ل . ( 6 ) السماح : جمع سمح ، وهو الجواد . بحمامها ، بحمام النفوس أي موتها المقدر لها . ( 7 ) السوابح : الخيل تسبح في جريها . يردين من الرديان ، وهو ضرب من السير . ( 375 ) وقال العليمي : يا كلب ذبوا عن حريــم نسائكـم * كما ذب فحــل الشول بين عشارهـا ولا تجزعوا إن الحروب لمـــرة * إذا ذيق منهــا الطعم عند زيارهــا فإن عليا قـــد أتاكــم بفتيــة * محددة أنيــابهــا مـع شفارهــا إذا ندبوا للحــرب سارع منهــم * فوارس حـرب كالأسـود ابتكارهــا يخفون دون الروع في جمع قومهم * بكل قضـوب مقصـل في حذارهــا (1) وقال سماك ( 2) بن خرشة الجعفي ، من خيل علي : لقد علمت غسان عنــد اعتزامهــا * بأنا لدي الهيجــاء مثــل السعائـر مقاويل أيســار لهاميــم ســادة * إذا سال بالجريــال شعـر البياطــر مساعير لم يوجد لهــم يوم نبــوة * مطاعين أبطال غــــداة التناحــر ترانا إذا ما الحرب درت وأنشبـت * رواسيها ، في الحرب مثـل الضباطر (3) فلم نر حيا دافعوا مثــل دفعنــا * غداة قتلنا مكنفــا وابــن عـامــر أكر وأحمى عند وقــع سيوفهــا * إذا سـافت العقبــان تحــت الحوافر هم ناوشونا عن حريــم ديارهـم * غـداة التقينـــا بالسيـوف البواتــر وقال رجل من كلب مع معاوية ، يهجو أهل العراق ويوبخهم : لقد ضلت معاشــر مــن نـزار * إذا انقــادوا لمثــل أبي تــراب وإنهـــم وبيعتهــم عليـــا * كواشمــة التغضــن بالخضــاب (4) ____________ ( 1 ) القضوب : القاطع ، يعني السيف . وفي الأصل : « صعوب » . وهذه المقطوعة لم ترد في ح . ( 2 ) سماك ، بوزن كتاب ، كما في القاموس والإصابة . وخرشة ، بالتحريك . وهما صحابيان يقال لكل منهما سماك بن خرشة ، ويفرق بينهما بالكنية . أما أحدهما وهو أبو دجانة فلم يشهد صفين ، وشهدها الآخر . انظر الإصابة 3458 . ( 3 ) الضباطر : جمع ضبطر ، وهو الأسد الماضي الشديد . وفي الأصل : « الصياخر » . ( 4 ) التغضن : تكسر الجلد وتثنيه . في الأصل : « تغضر » صوابه في ح . ( 376 ) تزين مــن سفاهتهــا يديهــا * وتحســر باليديــن عن النقــاب فإياكــــم وداهيــة نــؤودا * تسيــر إليكم تحــت العقــاب (1) إذا هشـوا سمعــت لحافتيهــم * دويــا مثـل تصفيــق السحاب (2) يجيبون الصريــخ إذا دعــاهم * إلى طعــن الفـوارس بالحــراب عليهــم كــل سابغــة دلاص * وأبيـــض صارم مثــل الشهاب وقال الأحمر ـ وقتل مع علي : قد علمت غســان مــع جذام * إني كريــم ثبــت المقـــام (3) أحمى إذا مــا زيل بالأقــدام * والتقـــت الجريــال بالأهـدام إني ورب البيــت والإحـرام * لست أحـامي عــورة القمقـــام وقال الشيخ بن بشر الجذامي : يا لهف نفسي علــى جذام وقـد * هــزت صدور الرمــاح والخـرق كانوا لدى الحرب في مواطنهـم * أســدا إذا انســاب سائــل العلـق فاليوم لا يدفعــون إن دهمـوا * ولا يـــردون شامــة الغلـــق (4) فاليـــوم لا ينصفون إخوتهـم * عنــــد وقوع الحــروب بالحـق وقال الأشتر : وسار ابن حرب بالغوايــة يبتغــي * قتال علي والجيــوش مــع الحفل ____________ ( 1 ) النؤود : الداهية . وفي الأصل : « تروها » صوابه في ح ( 2 : 283 ) . والعقاب : راية معاوية ، كما سيأتي في قول النجاشي : رأيت اللواء لواء العقاب * يقحمه الشانئ الأخزر ( 2 ) في ح : « إذا ساروا » . ( 3 ) الثبت ، بالفتح : الذي لا يبرح . وحرك الباء للشعر . ( 4 ) الشامة : الناقة السوداء . والغلق : الجاني ، والأسير . وفي الأصل : « العلق » . ( 377 ) فسرنا إليهم جهــرة في بلادهــم * فصلنــا عليهم بالسيــوف وبالنبل فأهلكهم ربي وفــرق جمعهـــم * وكان لنا عونا وذاقوا ردى الخبـــل ثم إن معاوية أرسل عمرو بن العاص في خيل عظيمة ، فلقيه حمزة بن عتبة بن أبي وقاص ، فقاتله حمزة ، وجعل حمزة يطعن بالرمح ويقول : ماذا يرجى مــن رئيس مــلا * لســت بفــرار ولا زميــلا (1) في قومه مستبــدلا مــــدلا * قـــد سئــم الحيـاة واستملا وكل أغـــراض لـــه تمــلا (2) وذلك عند غروب الشمس . وقال حمزة : دعاني عمرو للقــاء فلم أقــل * وأي جــواد لا يقــال لـه هنى (3) وولي على طرف يجول بشكــة * مقلصــة أحشاؤه ليس ينثنـــى (4) فلو أدركته البيض تحت لوائــه * لغــودر مجدولا تعـاوره القنــى (5) عليه نجيع مــن دمـاء تنوشـه * قشــاعم شهب في السباسب تجتنـى فرجع عمرو إلى معاوية فحدثه فقال : لقد لقيت اليوم رجلا [ هو (6) ] خليق أن تدرسه الخيل بسنابكها ، أو تذريه في مداركها ، كدوس الحصرم ، ____________ ( 1 ) الزميل : الضعيف الجبان الرذل . وفي الأصل : « زملا » تحريف . ( 2 ) تملي العيش : استمتع به طويلا . ( 3 ) هني ، أي ياهني . أراد أن كل جواد يستدعي ويطلب . وفي الأصل : « وإني جواد » . ونحوه في الأسلوب قول ليلي الأخيلية : تعيرنا داء بأمك مثله * وأي حصان لا يقال لها هلا الحصان ، بالفتح : المرأة العفيفة . وهلا بمعنى أسرعي . ( 4 ) الطرف : الفرس الكريم الطرفين ، أي الأبوين . ويجول ، من الجولة في الحرب . وفي الأصل : « يجوب » . والشكة : السلاح . ( 5 ) مجدولا : صريعا . وفي الأصل : « مخذولا » . والقنى ، على وزن فعول : الرماح ، واحدها قناة . ( 6 ) ليست في الأصل . والخبر لم يرو في مظنه من ح . ( 378 ) وهو ضعيف الكبد ، شديد البطش ، يتلمظ تلمظ الشمطاء المفجعة ، فأتاه غمر ـ فقال ـ إذ به عندنا والله ضرب كضرب القدار (1) ، مرن الشراسيف ، بالشفار الواقع ، تشمص له النشوز في سراعيف الخيل ، فحمل عليه فدخل تحت . بطن فرسه فطعنه حتى جدله عن فرسه ، وجاء أصحابه فحملوه فعاش ثلاثة أيام ثم مات (2) . وهو الذي جعل معاوية ابنه على عطائه . وقتل حمزة يوم التليل المنفرد . وقال حمزة : بلغا عني السكون وهــل لــي * مــن رســول إليهم غيــر آن لم أصــد السنان عن سبــق الخيل ولــم أتقي هــذام السنـــان (3) حين ضج الشعاع من ندب الخيـ * ل لحرب وهر الكماة وقــع اللـدان (4) ومشى القوم بالسيــوف إلى القو * م كمشى الجمــال بيـــن الإران وقال عمرو بن العاص : أن لو شهدت فوارسا في قومنــا * يــوم القوارع مر مــر الأجهــل لرأيت مأســدة شوارع بالقنــا * جون الجلــود من الحديد المرســل (5) ____________ ( 1 ) القدار ، بالضم : الجزار . وفي الأصل : « القداد » تحريف . قال مهلهل : إنا لنضرب بالصوارم هامها * ضرب القدار نقيعة القدام ( 2 ) في هذا الكلام تحريف لم أجد مرجعا لتحقيقه . ( 3 ) سنان هذام : حديد قاطع . ( 4 ) الشعاع ، بالفتح : ما تفرق وانتشر من الدم إثر الطعنة . والندب . آثار الجراحات . والدان : جمع لدن ، وهو اللين من الرماح . وفي الأصل : « الجبان » ولا وجه له . قال المفضل بن المهلب : ومن هر أطراف القنا خشية الردى * فليس لمجد صالح بكسوب وقال عنترة : حلفنا لهم والخيل تردي بنا معا * نزايلكم حتى تهروا العواليا ( 5 ) أي اسودت جلودهم من لبس الحديد والسلاح . والجون بالضم : جمع جون ، بالفتح ، وهو الأسود . وفي الأصل : « دون » تحريف . ( 379 ) متسربليـن سوابغــا عاديــة * ادفوا الملوك بكل عضــب مقصل (1) يمشون في عنت الطريق كأنهــم * أسد تقلقل في غــريف الحسكــل يحمون إذ دهموا وذاك فعـالهــم * عنــد البديهة في عجــاج القسطل النازلون أمــام كــل كريهـة * تخشى عوائـــدها غــداة الفيصل والخيل غائرة العيـــون كأنما * كحلت مآقيهــا بــزرق الكعطـل (2) يعدون إذ ضج المنــادي فيهـم * نحو المنادي بذخــة فــي القنبل (3) ودنا الكمــاة من الكماة وأعملت * زرقــا تعم سراتهــم كالمشعـل (4) وقال الأحمر : كل امرئ لابـــد يوما ميـت * والمــوت حق فاعرفــن وصيـه وجاء عدي بن حاتم يلتمس عليا ، ما يطأ إلا على إنسان ميت أو قدم أو ساعد ، فوجده تحت رايات بكر بن وائل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ألا نقوم حتى نموت ؟ فقال علي : ادنه . فدنا حتى وضع أذنه عند أنفه فقال : ويحك ، إن عامة من معي يعصيني ، وإن معاوية فيمن يطيعه ولا يعصيه . وقال أبو حبة بن غزية الأنصاري ، واسمه عمرو (5) ، وهو الذي عقر الجمل ، فقال بصفين : سائل حليلة معبــد عن فعلنــا * وحليلــة اللخمي وابــن كلاع ____________ ( 1 ) ادفوا ، كذا وردت . والمقصل : القطاع . ( 2 ) كذا ورد هذا اللفظ . ( 3 ) البذخة : المرة من البذخ وهو الكبر . والقنبل ، بالفتح : الطائفة من الناس ومن الخيل . ( 4 ) الزرق : الأسنة . في الأصل : « وأهملت زرقا » والوجه ما أثبت . ( 5 ) هو عمرو بن غزية ، بفتح العين وكسر الزاي وتشديد الياء ، بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري ، ترجم له ابن حجر في الإصابة 5922 . ****************** واسأل عبيد الله عــن أرماحنــا* لمـــا ثوى متجـدلا بـالقــاع وأسأل معاوية المـولى هاربـــا * والخيل تعدو وهــي جـد سراع (1) ماذا يخبرك المخبــر منهـــم * عنا وعنهم عنــد كــل وقـاع (2) إن يصدقوك يخبـروك بأننـــا * أهل الندى قدمـا مجيبــو الداعي (3) ندعو إلى التقوى ونرعى أهلهــا * برعايــة المأمون لا المضيــاع إن يصدقوك يخبــروك بأننــا * نحمى الحقيقة عنــد كل مصـاع ونسن للأعداء كــل مثقـــف * لدن وكــل مشطــب قطــاع وقال عدي بن حاتم بصفين : أقول لمــا أن رأيت المعمعه * واجتمع الجندان وســط البلقعه هذا علي والهدى حقــا معه * يا رب فاحفظـــه ولا تضيعـه فإنه يخشاك ربــي فارفعـه * ومن أراد عيبـــه فضعضعـه (4) وقال النعمان بن عجلان الأنصاري (5) يوم صفين : سائل بصفين عنا عند وقعتنا * وكيف كنــا غداة المحك نبتدر (6) واسأل غداة لقينا الأزد قاطبة * يوم البصيرة لما استجمعت مضر ____________ ( 1 ) ح ( 2 : 283 ) : « والخيل تمعج » . ( 2 ) الوقاع : المواقعة في الحرب . وفي الأصل : « دفاع » وأثبت ما في ح . ( 3 ) في الأصل : « مستسمعون الداعي » صوابه في ح . ( 4 ) في الأصل : « ومن أراد غيه » صوابه في ح . ( 5 ) هو النعمان بن عجلان بن النعمان بن عامر بن زريق الأنصاري ، كان لسان الأنصار وشاعرهم . وذكر المبرد أن عليا استعمله على البحرين فجعل يعطى كل من جاءه من بني زريق ، فقال فيه الشاعر ، وهو أبو الأسود الدئلي : أري فتنة قد ألهت الناس عنكم * فندلا زريق المال ندل الثعالب فإن ابن عجلان الذي قد علمتم * يبدد مال الله فعــل المناهب انظر الإصابة 8747 . ح : « بن جعلان » تحريف . ( 6 ) ح : « أم كيف كنا إلى العلياء » . ( 381 ) لولا الإله وقوم قــد عرفتهم * فيهم عفاف ، وما يأتي به القدر (1) . لما تداعت لهم بالمصر داعية * إلا الكلاب ، وإلا الشاء والحمر (2) كم مقعص قد تركناه بمقفـرة * تعوي السباع لديه وهـو منعفر وما إن تراه ولا يبكي علانية * إلى القيامة حتى تنفخ الصـور (3) وقال عمرو بن الحمق الخزاعي : تقول عرسي لمـا أن رأت أرقي * ماذا يهيجك من أصحاب صفينا ألست في عصبة يهدي الإله بهم * لا يظلمون (4) ولا بغيا يريدونا فقلت إني على ما كان من سدر * أخشى عواقب أمر سوف يأتينا (5) إدالة القوم في أمــر يراد بنا * فاقني حيــاء وكفي ما تقولينا وقال حجر بن عدي الكندي : يا ربنــا سلم لنــا عليــا * سلم لنــا المهـذب النقيـــا المؤمن المسترشد المرضيــا * واجعله هــادي أمــة مهديـا لا أخطل الرأي ولا غبيــا (6) * واحفظه ربي حفظك النبيــا فإنه كـان لـــه وليــا * ثــم ارتضاه بعــده وصيــا وقال معقل بن قيس التميمي : ____________ ( 1 ) ح : « وعفو من أبي حسن * عنهم وما زال منه العفو ينتظر » ( 2 ) ح ( 2 : 284 ) : « ما إن يؤوب ولا ترجوه أسرته » . ( 3 ) الصور ، بضم ففتح : جمع صورة ، وبها قرأ الحسن في كل موضع من الكتاب جاء فيه لفظ « الصور » بالضم . انظر إتحاف فضلاء البشر ص 211 . على أن بعض من قرأ « الصور » بالضم جعله أيضا جمعا لصورة كصوف وصوفة ، وثوم وثومة . انظر اللسان ( 6 : 146 ) . ( 4 ) في الأصل : « أهل الكتاب » وأثبت ما في ح . ( 5 ) السدر ، بالتحريك : الحيرة . وفي ح : « رشد » . ( 6 ) في الأصل : « بغيا » ولا وجه له ، وقال اللحياني : « لا يقال رجل بغي » . ( 382 ) يأيها السائل عــن أصحابي * إن كنت تبغي خبــر الصواب أخبر عنهم غيــر ما تكذاب * بأنهــم أوعيــة الكتــاب صبر لدى الهيجاء والضراب (1) * وسل جمـوع الأزد والرباب وســل بذاك معشــر الأحزاب وقال أبو شريح الخزاعي : يا رب قاتل كل مــن يريدنا * وكد إلهي كل مــن يكيدنا حتى يرى معتــدلا عمودنا * إن عليــا للــذي يقودنـا وهو الــذي بفقهه يؤودنا (2) * عن قحم الفتنة إذ تريــدنا وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي : ألا أبلغ معاويــة بن حــرب * أمالك لا تنيــب إلى الصــواب أكل الدهــر مرجوس لغيــر * تحارب مــن يقوم لــدي الكتاب فإن تسلم وتبقي الدهــر يومـا * نزرك بجحفــل شبــه الهضاب يقودهم الوصــي إليــك حتى * يردك عــن عوائك (3) وارتياب وإلا فالتـي جربــت منــا * لكــم ضـرب المهنــد بالذؤاب وقال أبو واقد الحارث بن عوف الخشني : سائل بنا يــوم لقينــا الأزدا * والخيل تعــدو شقـرا ووردا (4) لما قطعنا كفهــم والزنــدا * واستبدلوا بغيــا وباعوا الرشدا ____________ ( 1 ) في الأضل : « صبرا » وهذه المقطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 2 ) آده : عطفه وثناه . ( 3 ) من العواء اشتق اسم « معاوية » ، فإن المعاوية الكلبة تعاوي الكلاب . وفي الأصل : « غواتك » تحريف . ( 4 ) شقرا : جمع أشقر وشقراء ، وهو الأحمر ، وهن أكرم الخيل . والورد ، بالضم : جمع ورد ، بالفتح ، وهو ما لونه أحمر يضرب إلى صفرة حسنة . وفي الأصل : « تفدو سفرا ووردا » وإنما هما من العدو والشقرة . وهذه المقطوعة ترد في مظنها من ح . ( 383 ) وضيعوا فيمــا أرادوا القصـــدا * سحقا لهـــم في رأيهــم وبعدا (1) وقال همام بن الأغفل الثقفي : قــد قرت العين مـن الفساق (2 ) * ومـــن رءوس الكفر والنفاق إذ ظهرت كتــائب العــراق * نحن قتلنـا صاحــب المـراق (3) وقائـد البغـــاة والشقــاق * عثمـــان يوم الدار والإحراق (4) لما لففنـــا ساقهـم بســاق * بـالطعـــن والضرب مع العناق وسل بصفيــن لــدي التلاقي * تنبأ بتبيان مـــع المصداق (5) أن قد لقوا بالمارق الممــراق (6) * ضربا يدمـــي عقر الأعناق (7) وقال محمد بن أبي سبرة بن أبي زهير القرشي : نحن قتلنــا نعثلا بالسيــرة (8) * إذ صد عــن أعلامنــا المنيرة يحكم بالجـــور على العشيـره * نحـــن قتلنا قبلـه المغيــره نالتــه أرماح لنــا موتـوره * إنـــا أنـاس ثابتــو البصيره إن عليـــا عالــــم بالسيرة وقال حويرثة بن سمي العبدي : سائل بنا يوم التقينـــا الفجـرة * والخيل تغـــدو في قتـام الغبره ____________ ( 1 ) سحقا ، بالضم : بعدا . وفي الكتاب : « فسحقا لأصحاب السعير » . ( 2 ) في الأصل : « المساق » وهذه المقطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 3 ) المراق : جمع مارق . وفي الأصل : « المراقي » تحريف . ( 4 ) يشير إلى ما كان من إحراق باب دار عثمان في أثناء حصاره . انظر الطبري ( 5 : 131 ) . ( 5 ) في الأصل : « ثبنا بتبيان » . ( 6 ) المارق : السهم يمرق من الرمية ، أي ينفذ ، وقد عني به السيف . ( 7 ) عقر الأعناق : أصلها ، وهو بضم العين ، وضم القاف للعشر . وفي الأصل : « عكر » تحريف . ( 8 ) نعثل : نبز لعثمان بن عفان . انظر ما سبق في ص 229 . ( 384 ) تنبأ بأنــا أهل حـق نعمره (1)* كم مــن قتيل قـد قتلنا تخبره ومن أسير قــد فككنا مأسـره * بالقاع من صفين يــوم عسكـره وقال عمرو : لعمري لقــد لاقت بصفين خيلنـا * سميرا فلـــم يعدلن عنــه تخوفا قصدت لــه في وائـل فسقيتـه * سمــام زعاف يترك اللون أكلفــا فما جبنت بكر عـن ابن معمــر * ولكن رجا عود الهــوادة فانكفــا وخاف الــذي لاقى الهجيمي قبله * تفــرق عنه جمعــه فتخطفــا ونحن قتلنا هاشما وابــن ياسـر * ونحن قتلنــا ابني بديــل تعسفا وهذا سمير ، ابن الحارث العجلي . وقال عرفجة بن أبرد الخشني : ألا سألت بنــا والخيل شاحبة (2) * تحت العجاجــة والفرسان تطرد وخيل كلب ولخم قـد أضربهـا * وقاعنا (3) إذ غدوا للمــوت واجتلدوا من كان أصبر فيهــا عنـد أزمتها * إذ الدمــاء على أبدنها جســد (4) وقال أيضا : سائل بنا عكا وسائــل كلبــا * والحميرييــن وسائــل شعبـا (5) ____________ ( 1 ) في الأصل : « ثبنا بأنا » والوجه ما أثبت . وفي هذا البيت وتاليه إقواء . ( 2 ) الشحوب : التغير من هزال أو عمل أو جوع أو سفر . وفي الأصل : « ساجية » . وهذه المقطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 3 ) الوقاع ، بالكسر : المقاتلة . وفي الأصل : « في قاعنا » . ( 4 ) الجسد : جمع جساد ، وهو بالكسر : الزعفران . وفي الأصل : « جسدوا » تحريف . ( 5 ) أي أهل شعب ، وهو جبل باليمن نزله حسان بن عمرو والحميري ، فمن كان منهم بالكوفة يقال لهم شعبيون ، منهم الشعبي الفقيه ، ومن كان منهم بالشام يقال لهم الشعبانيون ، ومن كان باليمن يقال لهم آل ذي شعبين ، ومن كان بمصر يقال لهم الأشعوب . وقالوا في قوله : * جارية من شعب ذي رعين * : ليس يراد به الموضع ، بل القبيلة . ( 385 ) كيف رأونــا إذ أرادوا الضربــا * ألم نكــن عند اللقاء غلبــا (1) لمــا ثوي معبدهــم منكبــا وقال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب : يا شرطة الموت صبــرا لا يهولكم * دين ابــن حرب فإن الحق قد ظهرا وقاتلوا كل مــن يبغي غوائلكــم * فإنما النصر في الضرا لمــن صبرا سيفوا الجوارح حد السيف واحتسبوا (2) * في ذلك الخير وارجوا الله والظفرا وأيقنوا أن مــن أضحى يخالفكم * أضحى شقيــا وأضحى نفسـه خسرا فيكــم وصي رسول الله قائدكــم * وأهلـــه وكتاب الله قــد نشرا ولا تخافوا ضلالا لا أبــا لكــم * سيحفظ الديــن والتقوى لمـن صبرا وكتب علي إلى معاوية : أما بعد فإنك قد ذقت ضراء الحرب وأذقتها ، وإني عارض عليكم ما عرض المخارق على بني فالج (3) : أيا راكبا إمــا عرضت فبلغــن * بني فالــج حيث استقــر قرارها (4) هلموا إلينا لا تكونـــوا كأنكـم * بلاقع أرض طار عنهـا غبـــارها سليم بن منصور أنــاس بحـرة * وأرضهم أرض كثير وبارهـــا (5) ____________ ( 1 ) الأغلب : الأسد الغليظ الرقبة . ( 2 ) سافه يسيفه : ضربه بالسيف . حد السيف ، أي بحد السيف ، فنزع الخافض . ( 3 ) في الأصل : « فاتح » تحريف . وانظر الحيوان ( 6 : 369 ) . ( 4 ) في الأصل : « بني فاتح » وانظر التنبيه السابق . ( 5 ) الحرة ، بالفتح : أرض ذات حجارة سود نخرة كأنما أحرقت بالنار . وفي معجم البلدان : « حرة سليم ، هو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان . قال أبو منصور : حرة النار لبني سليم ، وتسمى أم صبار » . وفي الأصل : « تجرة » صوابها ما أثبت . وانظر الحيوان ( 4 : 71 ) . والوبار : جمع وبر ، بالفتح : دويبة كالسنور . ( 386 ) فأجابه معاوية : من معاوية إلى علي : أما بعد ـ عافانا الله وإياك ـ فإني إنما قاتلت على دم عثمان ، وكرهت التوهين (1)في أمره وإسلام حقه ، فإن أدرك به فبها ، وإلا فإن الموت على الحق أجمل من الحياة على الضيم . وإنما مثلي ومثل عثمان كما قال المخارق : متى تسلي عن نصرتي السيد لا يجد لك السيد بيت السيد عندي مسلما (2) إذا حل بيتي عند جاري لم يخف غوائل ما يسري إذا الليل أظلما وقلت له في الرحب وجهك إنني سأمسك عنك الدار أن يتهدما (3 ) فكتب إليه علي بن أبي طالب : أما بعد فإنك وما ترى كما قال أوس ابن حجر : وكائن يرى من عاجز متضعف * جنى الحرب يوما ثم لم يغن ما يجني ألم يعلــم المهدي الوعيـد بأنني * سريع إلى مــا لا يسر له قرني وإن مكاني للمريديــــن بارز وإن برزوني ، ذو كؤود وذو حضن (4) فكتب إليه معاوية : عافانا الله وإياك . إنا لم نزل للحرب قادة وأبناء . لم تصب مثلنا ومثلك ، ولكن مثلنا كما قال أوس : ____________ ( 1 ) التوهين : الإضعاف . وفي الأصل : ( التدهين ) . ( 2 ) السيد ، بالكسر : قبيلة من قبائلهم ، من بني ضبة . ( 3 ) وجهك : أي الجهة التي تنتويها في السفر . والدار مؤنثة ، وقد تذكر . ( 4 ) الكؤود : العقبة الشاقة المصعد ، الصعبة المرتقى . ( 387 ) إذا الحرب حلت ساحة القوم أخرجت * عيوب رجال يعجبونك في الأمر وللحرب يجنيهـــا رجال ومنهم * إذا مــا جناها من يعيد ولا يغني وقال الأحنف بن قيس التميمي بصفين وهو مع علي : هلكت العرب ! فقال له أصحابه : وإن غلبنا أبا بحر ؟ قال : نعم . قالوا : وإن غلبنا ؟ قال : نعم . قالوا : والله ما جعلت لنا مخرجا . قال الأحنف : إن غلبنا لم نترك بها رئيسا إلا ضربنا عنقه ، وإن غلبنا لم يعرج [ بعدها ] رئيس عن معصية الله أبدا . نصر : وحدثنا عمر بن سعد ، عن الشعبي قال : ذكر معاوية يوما صفين بعد عام الجماعة وتسليم الحسن عليه السلام الأمر إليه ، فقال للوليد بن عقبة : أي بني عمك كان أفضل يوم صفين يا وليد ، عن وقدان الحرب واستشاطة لظاها ، حين قاتلت الرجال على الأحساب ؟ قال : « كلهم قد وصل كنفتها (1)، عند انتشار وقعتها ، حتى ابتلت أثباج الرجال ، من الجريال ، بكل لدن عسال ، وكل عضب قصال » . ثم قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد : « أما والله لقد رأيتنا (2)يوما من الأيام وقد غشينا ثعبان مثل الطود الأرعن قد أثار قسطلا حال بيننا وبين الأفق ، وهو على أدهم شائل ، يضربهم بسيفه ضرب غرائب الإبل ، كاشرا عن أنيابه ، كشر المخدر الحرب . فقال معاوية : والله إنه كان يجالد ويقاتل عن ترة له وعليه . أراه يعني عليا (3). نصر : وحدثنا عمر بن سعد ، عن الشعبي قال : أرسل علي إلى معاوية : ان ابرز لي وأعف الفريقين من القتال ، فأينا قتل صاحبه كان الأمر له . قال ____________ ( 1 ) الكنف والكنفة : جانب الشئ . ح ( 2 : 284 ) : « كنفيها » . ( 2 ) في الأصل : « رأيت » وأثبت ما في ح . ( 3 ) هذه العبارة ليست في ح . ( 388 ) عمرو : لقد أنصفك الرجل . فقال معاوية : إني لا كره أن أبارز الأهوج الشجاع (1)، لعلك طمعت فيها يا عمرو . [ فلما لم يجب ] قال علي : « وانفساه ، أيطاع معاوية وأعصى ؟ ما قاتلت أمة قط أهل بيت نبيها وهي مقرة بنبيها إلا هذه الأمة » . ثم إن عليا أمر الناس أن يحملوا على أهل الشام ، فحملت خيل علي على صفوف أهل الشام ، فقوضت صفوفهم . قال عمرو يومئذ : على من هذا الرهج الساطع ؟ فقيل : على ابنيك عبد الله ومحمد . فقال عمرو : يا وردان ، قدم لواءك . فتقدم فأرسل إليه معاوية : « إنه ليس على ابنيك بأس ، فلا تنقض الصف والزم موقعك » . فقال عمرو : هيهات هيهات ! الليــث يحمي شبليــه * مــا خيره بعـــد ابنيـه فتقدم [ باللواء ] فلقى الناس وهو يحمل ، فأدركه رسول معاوية فقال : إنه ليس على ابنيك بأس فلا تحملن . فقال له عمرو : قل له : إنك لم تلدهما ، وإني أنا ولدتهما . وبلغ مقدم الصفوف فقال له الناس : مكانك ، إنه ليس على ابنيك بأس ، إنهما في مكان حريز . فقال : أسمعوني أصواتهما حتى أعلم أحيان هما أم قتيلان ؟ ونادى : يا وردان ، قدم لواءك قدر قيس قوسي (2)، ولك فلانة ـ جارية له ـ فتقدم بلوائه . فأرسلي علي إلى أهل الكوفة : أن أحملوا . وإلى أهل البصرة : أن احملوا . فحمل الناس من كل جانب فاقتتلوا قتالا شديدا ، فخرج رجل من أهل الشام فقال : من يبارز ؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي فاقتتلا ساعة ، ثم إن العراقي ____________ ( 1 ) ح : « الشجاع الأخرق » . ( 2 ) القيس ، بالكسر ، هو القدر . ونحو هذه الإضافة : دار الآخرة ، وحق اليقين ، وحبل الوريد ، وحب الحصيد . وفي ح : « قيس قوس » . ( 389 ) ضرب رجل الشامي فقطعها ، فقاتل ولم يسقط إلى الأرض ، ثم ضرب يده فقطعها ، فرمى الشامي بسيفه بيده اليسرى إلى أهل الشام ثم قال : يا أهل الشام ، دونكم سيفي هذا فاستعينوا به على عدوكم . فأخذوه ، فاشترى معاوية ذلك السيف من أولياء المقتول بعشرة آلاف . وقال أبو زبيد الطائي يمدح عليا ويذكر بأسه : إن عليـــا ســاد بالتكرم * والحلـــم عند غاية التحلــم هداه ربي للصــراط الأقوم * بأخذه الحــل وترك المحــرم كالليث عنــد اللبوات الضيغم (1)* يرضعن أشبــالا ولما تفطم فهو يحمــي غيرة ويحتمـي * عبــل الذراعين كريـه شدقم (2) مجوف الجــوف نبيل المحزم * نهـــد كعـــادي البناء المبهم يزدجر الوحي بصوت أعجــم * تسمــع بعد الزبــر والتقحم منه إذا حــش لــه ترمرم (3)* مندلــق الوقع جرى المقــدم (4) ليث الليوث في الصـدام مصدم * وكهمس الليـــل مصك ملـدم (5) عفروس آجام عقــار الأقـدم (6)* كروس الذفــرى أغم مكدم (7) ____________ ( 1 ) في الأصل : « عنده الليوث » . ( 2 ) شدقم : واسع الشدق . وفي الأصل : « كريه الشدقم » تحريف . ( 3 ) كذا ورد هذا البيت . ( 4 ) الاندلاق : الهجوم والتقدم . وفي الأصل : « مندلف » تحريف . ( 5 ) الكهمس : اسم من أسماء الأسد . ( 6 ) العفروس ، من أسماء الأسد ، واشتقاقه من العفرسة وهو الصرع والغلبة ، ولم يذكر هذه اللغة ـ صاحب اللسان . وفي القاموس : « العفرس : بالكسر ، والعفريس والعفراس والعفروس والمفرنس كسفرجل : الأسد » . والعقار ، بالضم : القاتل ، وهو من قولهم : كلأ عقار ، أي قاتل للماشية . وفي الأصل : « عفار » . والأقدم ، بفتح الدال : الأسد . ( 7 ) الكروس : الضخم . والذفري ، بالكسر : عظم شاخص خلف الأذن . والأغم : الذي سال شعره فضاق وجهه وقفاه . والمكدم : الغليظ الشديد . وفي الأصل : « كروس الذفرين عم المكرم » . ( 390 ) ذو جبهة غرا وأنــف أخثـــم * يكنى من البأس أبــا محطـــم (1) قسورة النطر صفــى شجعــم (2) * صم صمات صلخـــد صلــدم (3) مصمت الصم صموت سرطــم (4) * إذا رأته الأسد لـــم ترمـــرم (5) من هيبة الموت ولــم تجمجـم * رهبة مرهوب اللقــاء ضيغــم مجرمز شـان ضــرار شيظــم * عند العراك كالفنيــق الأعلـــم (6) يفري الكمـي بالسلاح المعلــم * منه بأنيـــاب ولمــا تقضــم ركن مما ضيغ بلحي سلجــم (7) * حامي الذمــار وهــو لما يكدم ترى من الفرس به نضح الــدم * بالنحر والشدقين لــون العنــدم أغلب ما رضى (8)الأنوف الرغم * إذا الأســود أحجمت لم يحجــم إذا تناجي النفس قالــت صمــم * غمغمة في جوفهـــا المغمغــم أغضف رئبــال خدب فدغــم (9) * منتشر العرف هضيــم هيصـم (10) قالها أبو زبيد لعلي . وقال علي : أنا الــذي سمتن أمـــي حيدره * رئبــال آجام كريــه المنظره ____________ ( 1 ) البأس : الشدة . وفي الأصل : « من الناس » . ( 2 ) القسورة : الشجاع . والنطر ، كذا وردت . ( 3 ) الصم ، بالكسر ، والصمة : من أسماء الأسد لشجاعته . والصلخد : الشديد الماضي . وفي الأصل : « مصلخد » ، ولا يستقيم به الوزن . ( 4 ) السرطم : الواسع الحلق السريع البلع . ( 5 ) أي لم تترمرم . أي سكنت ولم تتحرك . وفي الأصل : « ألم ترترم » تحريف . ( 6 ) الأعلم : المشقوق الشفة العليا . وفي الأصل : « المعلم » تحريف . ( 7 ) ركن ، كذا وردت . والمماضيغ : الأضراس : وفي الأصل : « مما ضع » . ولحي سلجم : شديد . انظر اللسان « سلجم » . ( 8 ) كذا وردت هذه الكلمة . ( 9 ) الفدغم : اللحيم الجسيم الطويل في عظم . وفي الأصل : « فدعم » تحريف . ( 10 ) الهضيم ، بالضاد المعجمة : اللطيف الكشحين . والهيصم ، بالمهملة : الغليظ الشديد الصلب . وهذه الأرجورة لم أجد لها مصدرا أعتمد عليه في تحقيقها . ( 391 ) عبل الذراعيـن شديـــد القسوره * أكيلهـــم بالصاع كيــل السندره نصر قال : وحدثني رجل عن مالك الجهني ، عن زيد بن وهب ، أن عليا مر على جماعة من أهل الشام بصفين ، فيهم الوليد بن عقبة وهم يشتمونه ويقصبونه (1)فأخبروه بذلك ، فوقف في ناس من أصحابه فقال : « انهدوا إليهم وعليكم السكينة وسيما الصالحين ووقار الإسلام ، والله لاقرب قوم من الجهل بالله عز وجل قوم قائدهم ومؤدبهم (2)معاوية ، وابن النابغة (3)، وأبو الأعور السلمي ، وابن أبي معيط ، شارب الحرام ، والمجلود حدا في الإسلام وهم أولاء يقومون فيقصبونني ، ويشتمونني ، وقبل اليوم ما قاتلوني وشتموني ، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام . فالحمد لله ولا إله إلا الله ، وقديما ما عاداني الفاسقون . إن هذا هو الخطب الجليل . إن فساقا كانوا عندنا غير مرضيين ، وعلى الإسلام وأهله متخوفين ، أصبحوا وقد خدعوا (4)شطر هذه الأمة فأشربوا قلوبهم حب الفتنة ، فاستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان ، وقد نصبوا لنا الحرب ، وجدوا في إطفاء نور الله ( والله متم نوره ولو كره الكافرون ) . اللهم فإنهم قد ردوا الحق فافضض جمعهم ، وشتت كلمتهم ، وأبسلهم بخطاياهم (5)؛ فإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت » . نصر ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي ، أن علي بن طالب مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم ، فحرض الناس على قتالهم ـ وذكر ____________ ( 1 ) القصب : العيب والشتم ، ومثله التقصيب . ( 2 ) ح ( 2 : 285 ) : « أقرب بقوم من الجهل قائدهم ومؤدبهم » . ( 3 ) يعني عمرو بن العاص . واسم أمه « النابغة » وهي من بني عنزة ، كما في أول ترجمته من الإصابة 5877 . ( 4 ) في الأصل : « حتى خدعوا » وأثبت ما في ح ( 2 : 285 ) . ( 5 ) الإبسال : الإهلاك . وفي الكتاب : « أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا » . ( 392 ) أنهم غسان ـ فقال : « إن هؤلاء القوم لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم (1)، وضرب يفلق الهام ، ويطيح العظام وتسقط منه المعاصم والأكف ، حتى تصدع جباههم وتنثر حواجبهم على الصدور والأذقان . أين أهل الصبر وطلاب الخير ؟ أين من يشري وجهه لله عز وجل ؟ » . فثابت إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال له : امش نحو هذه الراية مشيا رويدا على هينتك ، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك يدك حتى يأتيك أمري ورأيي (2). ففعل ، وأعد علي عليه السلام مثلهم مع الأشتر ، فلما دنا منهم وأشرع الرماح في صدورهم ، أمر علي الذين أعدوا فشدوا عليهم ، ونهض محمد في وجوههم ، فزالوا عن مواقفهم ، وأصابوا منهم رجالا ، واقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا ، فما صلى كثير من الناس إلا إيماء . وقال العديل بن نائل العجلي (3): لست أنس مقام غسان بالتـ * ل ولو عشت ، ما أظل شمام سادة قادة إذا اعصوصب القو * م ليوم القراع عند الكدام (4) ولهــــم أنديات ناد كرام * فهم الغر في ذرى الأعلام ناوشونا غداة ســرنا إليهم * بالعوالي وبالسيوف الدوامي فتولوا ولم يصيبوا حميــا * عند وقع السيوف يوم اللغامي (5) ____________ ( 1 ) النسيم : الروح ، كالنسم . قال الأغلب : ضرب القدار نقيعة القديم * يفرق بين النفس والنسيم ( 2 ) في الأصل : « ورايتي » . ( 3 ) لم أعثر له على ترجمة . وفي شعرائهم : « العديل بن الفرخ العجلي » . ( 4 ) اعصوصب القوم : اجتمعوا وصاروا عصابة واحدة . والكدام : شدة القتال ، وفي اللسان : « والكدم والمكدم : الشديد القتال » . وفي الأصل : « الكهام » ولا وجه له . ( 5 ) كذا وردت هذه الكلمة . ( 393 ) ورضينا بكــل كهل كريــم * ثابــت أســه مــن القمقام (1) نصر ، عن رجل ، عن محمد بن عتبة الكندي قال : حدثني شيخ من حضر موت شهد مع علي صفين فقال : كان منا رجل يدعى بهانئ بن نمر (2)، وكان هو الليث النهد ، فخرج إليه رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة ، فلم يخرج إليه أحد فقال : سبحان الله ، ما يمنعكم أن يخرج منكم رجل إلى هذا ؟ فلولا أني موعوك وأني أجد لذلك ضعفا [ شديدا ] لخرجت إليه . فما رد عليه رجل من أصحابه شيئا ، فوثب (3)فقال أصحابه : سبحان الله تخرج وأنت موعوك ؟ ! قال : والله لأخرجن إليه ولو قتلني . فلما رآه عرفه ، وإذا الرجل من قومه يقال له يعمر بن أسيد (4)الحضرمي ، وبينهما قرابة من قبل النساء ، فقال له : يا هانئ ارجع ، فإنه أن يخرج إلى غيرك أحب إلى ، إني لست أريد قتلك . قال له هانئ : ما خرجت إلا وأنا موطن نفسي على القتل ، [ لا والله ، لأقاتلن اليوم حتى أقتل ] ، ما أبالي قتلتني أنت أو غيرك . ثم مشى نحوه فقال : اللهم في سبيلك وسبيل رسولك ، ونصرا لابن عم نبيك . ثم اختلفا ضربتين ، فقتل هانئ صاحبه ، وشد أصحابه نحوه ، وشد أصحاب هانئ نحوه ، ثم اقتتلوا وانفرجوا عن اثنين وثلاثين قتيلا . ثم إن عليا أرسل إلى الناس : أن احملوا . فحمل الناس على راياتهم كل قوم بحيالهم (5 ) ، فتجالدوا بالسيوف وعمد الحديد ، لا يسمع إلا صوت ضرب الهامات كوقع المطارق على السنادين ( 6 ) . ومرت الصلوات كلها ولم يصلوا إلا تكبيرا ____________ ( 1 ) القمقام : العدد الكثير . قال ركاض بن أباق : * من نوفل في الحسب القمقام * ( 2 ) ح ( 2 : 285 ) : « بن فهد » . ( 3 ) في ح : « فقام وشد عليه سلاحه ليخرج » . ( 4 ) ح : « بن أسد » . ( 5 ) ح ( 2 : 286 ) : « كل منهم يحمل على من بإزائه » . ( 6 ) في الأصل : « لا يسمع إلا صوت السنادين » وأثبت ما في ح . ( 394 ) عند مواقيت الصلاة ، حتى تفانوا ورق الناس ، فخرج رجل بين الصفين لا يعلم من هو ، فقال : أخرج فيكم المحلقون ؟ قلنا : لا . قال : إنهم سيخرجون ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، لهم حمة كحمة الحيات . ثم غاب الرجل ولم يعلم من هو . نصر ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي يحيى ، عن عبد الرحمن ابن حاطب (1) قال : خرجت ألتمس أخي في القتلى بصفين ، سويدا ، فإذا برجل قد أخذ بثوبي ، صريع في القتلى ، فالتفت فإذا بعبد الرحمن بن كلدة ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هل لك في الماء ؟ قال : لا حاجة لي في الماء قد أنفذ في السلاح وخرقني ، ولست أقدر على الشرب ، هل أنت مبلغ عني أمير المؤمنين رسالة فأرسلك بها ؟ قلت : نعم . قال : فإذا رأيته فاقرأ عليه مني السلام ، وقل : « يا أمير المؤمنين ، أحمل جرحاك إلى عسكرك ، حتى تجعلهم من وراء القتلى ، فإن الغلبة لمن فعل ذلك » . ثم لم أبرح حتى مات ، فخرجت حتى أتيت عليا ، فدخلت عليه فقلت : إن عبد الرحمن بن كلدة يقرأ عليك السلام . قال : وعليه ، أين هو ؟ قلت : قد والله يا أمير المؤمنين أنفذه السلاح وخرقه فلم أبرح حتى توفي . فاسترجع . قلت : قد أرسلني إليك برسالة . قال : وما هي ؟ قلت : قال : " يا أمير المؤمنين ، احمل جرحاك إلى عسكرك حتى تجعلهم من وراء القتلى ، فإن الغلبة لمن فعل ذلك " . قال : صدق والذي نفسي بيده . فنادى منادي العسكر : أن احملوا جرحاكم إلى عسكركم . ففعلوا ذلك ، فلما أصبح نظر إلى أهل الشام وقد ملوا من الحرب . وأصبح علي فرحل الناس وهو يريد أن ينزل على أهل الشام في عسكرهم ، فقال معاوية : فأخذت معرفة ____________ ( 1 ) هو عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة اللخمي ، وهو ممن ولد زمن الرسول صلى الله عليه ، وكان ثقة قليل الحديث ، توفي سنة 68 ، وقيل قتل يوم الحرة ، وهذه كانت سنة 63 في أيام يزيد بن معاوية . انظر الإصابة 6196 ومعجم البلدان ( حرة واقم ) . ****************** فرسي (1)، ووضعت رجلي في الركاب (2)حتى ذكرت أبيات عمرو بن الإطنابة : أبت لي عفتي وأبــي بلائــي * وأخذي الحمــد بالثمن الربيح وإجشامي على المكــروه نفسي * وضربي هامــة البطل المشيح (3) وقولي كلما جشــأت وجاشـت * مكانك تحمــدي أو تستريحـي فعدت إلى مقعدي فأصبت خير الدنيا . وكان على إذا اراد القتال هلل وكبر ثم قال : من أي يومي مــن الموت أفـر * أيوم مـــا قدر أم يــوم قـدر وأقبل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ومعه لواء معاوية الأعظم ، وهو يقول : أنا ابــن سيف الله ذاكــم خالد * أضــرب كل قــدم وساعــد بصارم مثل الشهــاب الواقــد * أنصــر عمى إن عمــي والدي بالجهد ، لابل فوق جهــد الجاهد * ما أنـــا فيمــا نابني براقـد فاستقبله جارية بن قدامة السعدي وهو يقول : اثبت لصدر الرمح يـا ابن خالــد * اثبت لليــث ذي فلول حــارد ____________ ( 1 ) معرفة الفرس : لحمه الذي ينبت عليه العرف ، وهي بفتح الميم والراء . ( 2 ) في أمالي القالي ( 1 : 258 ) : « في الركاب يوم صفين غير مرة » . وانظر القصة في الكامل 753 وعيون الأخبار ( 1 : 126 ) ومجالس ثعلب 83 ومعجم المرزباني 204 وديوان المعاني ( 1 : 114 ) . ورواية الأبيات في حماسة البحتري « وهي أول مقطوعة فيها » ولباب الآداب 223 ـ 224 . ( 3 ) في الأصل : « وإعظامي » وأثبت أقرب رواية إليها من المصادر المتقدمة ، وهي رواية المبرد . وفي عيون الأخبار ولباب الآداب واللسان ( 3 : 331 ) : « وإقدامي » وفي معجم المرزباني : « وإكراهي » . وفي الأمالي : « وإعطائي على الإعدام مالي » والبحتري : « على المعسور مالي » وديوان المعاني : « على المكروه مالي » . ( 396 ) من أسد خفــان شديد الساعـد * ينصــر خيــر راكع وساجد من حقه عندي كحــق الوالـد * ذاكــم علي كـاشف الأوابـد واطعنا مليا ، ومضى عبد الرحمن وانصرف جارية ، وعبد الرحمن لا يأتي على شيء إلا أهمده ، وهو يقول : إني إذا مــا الحرب فرت عن كبر * تخالنـي أخزر مــن غير خزر أقحم والخطى فــي النقــع كشر * كالحية الصماء في رأس الحجـر * أحمل ما حملــت من خيــر وشر * فغم ذلك عليا ، وأقبل عمرو بن العاص في خيل من بعده فقال : أقحم يا ابن سيف الله فإنه الظفر ! وأقبل الناس على الأشتر فقالوا : يوم من أيامك الأول ، وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى . فأخذ الأشتر لواءه ثم حمل وهو يقول : إني أنا الاشتر معـــروف الشتر (1)* إني انـــا الأفعى العراقي الذكر لست من الحي ربيـــع أو مضر (2)* لكنني من مذحج الغـــر الغرر فضارب القوم حتى ردهم على أعقابهم ، فرجعت خيل عمرو . وقال النجاشي في ذلك : رأيت اللواء لـــواء العقـاب (3)* يقحمــــه الشانــي الأخزر كليث العريــن خلال العجــاج * وأقبــل في خيلــه الأبتـر دعونا لها الكبش كبــش العراق * وقــد خالط العسكر العسكـر (4) ____________ ( 1 ) الشتر : انقلاب جفن العين من أعلى وأسفل وتشنجه . ( 2 ) ربيع : مرخم ربيعة لغير نداء . وفي الأصل : « ربيعة ومضر » ولا يستقيم به الوزن . والصواب ما أثبت من مروج الذهب ( 2 : 21 ) . ( 3 ) ح ( 2 : 285 ) : « ولما رأينا اللواء العقاب » . ( 4 ) ح : « وقد أضمر الفشل العسكر » . ( 397 ) فــرد اللواء على عقبـــه * وفــاز بحظوتهـــا الأشتر كمــا كان يفعل فــي مثلها * إذا نــاب معصوصب منكـر (1) فإن يدفـــع الله عــن نفسه * فحظ العــراق بها الأوفـر (2) إذا الأشتر الخيــر خلى العراق * فقــد ذهب العــرف والمنكر وتلك العراق ومــن قـد عرفت * كفقـــع تنبتــه القرقــر (3) وذكروا أنه لما رد لواء معاوية ورجعت خيل عمرو اشرأب (4)لعلي همام بن قبيصة ، وكان من أشتم الناس لعلي ، وكان معه لواء هوازن ، فقصد لمذحج وهو يقول : قــد علمت حـوراء كالتمثال (5)* أنــي إذا مــا دعيــت نزل أقـــدم إقدام الهزبــر الغالي * أهل العــراق إنكــم من بالي كل تلادي وطــريف مالــي * حتى أنــال فيكــم المعــالي أو أطعم الموت وتلكــم حالـي * في نصــر عثمــان ولا أبالي فقال عدي بن حاتم لصاحب لوائه : ادن مني . فأخذه وحمل وهو يقول : يا صاحــب الصوت الرفيع العالي * إن كنت تبغـــي في الوغى نزالي ____________ ( 1 ) ناب : نزل ، والنوائب : النوازل . وفي الأصل : « ثاب » صوابه في ح . ( 2 ) بها ، أي بنفسه ، أو بتلك الفعلة . وفي ح : « به » أي بشخصه . ( 3 ) الفقع : البيضاء الرخوة من الكمأة . والقرقر : الأرض المطمئنة اللينة . يقال : « أذل من فقع بقرقر » ، لأن الدواب تنجله بأرجلها . وتنبته : نماه وغذاه ، ولم أجد تفسير هذه الكلمة إلا في شرح الشنتمري للبيت الذي أنشده سيبويه في ( 1 : 368 ) ، وهو : إلا كناشرة الــذي كلفتم * كالغصــن في غلوائه المتنبت وفي ح : « تضمنه القرقر » . ( 4 ) اشرأب : ارتفع وعلا . وفي الأصل : « أشدب » تحريف . ( 5 ) في الأصل : « قد علمت الخود » ولا يستقيم بها الوزن . ولم ترد المقطوعة في مظنها من ح . ( 398 ) فادن فإنــي كاشف عـــن حالي * تفـــدي عليا مهجتــي ومالي * وأسرتــي يتبعهـــا عيالـي * فضربه وسلب لواءه ، فقال ابن حطان وهو شامت به : أهمام لا تذكـر مدى الدهـر فارسـا * وعض علــى ما جئتــه بالأباهم سما لك يوما في العجاجــة فـارس * شديــد القفيز ذو شجــا وغماغم (1) فوليته لمـــا سمعــت نــداءه * تقــول له خــذ يا عدي بـن حاتم فأصبحت مسلـــوب اللواء مذبذبا * وأعظم بهـــذا مـن شتيمة شاتــم ثم حمل خزيمة بن ثابت وهو يقول : قــد مر يومـان وهــذا الثالث * هـذا الــذي يلهث فيــه اللاهث هذا الـــذي يبحث فيـه الباحث * كــم ذا يرجى أن يعيش المــاكث النـاس موروث ومنهـــم وارث * هــذا علي مــن عصاه نــاكث فقتل . ثم خرج خالد بن خالد الأنصاري وهو يقول : هــذا علي والهــدى أمامــه * هــذا لــوا نبينــا قــدامـــه يقحمه فـــي بقعــة إقدامــه * لا جبنـــه نخشـــى ولا أثامــه * منــه غــداه وبـــه إدامــه * فطعن ساعة ثم رجع . ثم حمل جندب بن زهير وهو يقول : هــذا علي والهــدى حقا معه * يا رب فــاحفظــه ولا تضيعــه فإنــه يخشــاك ربي فارفعـه * نحــن نصرنــاه على مـن نازعه صهر النبي المصطفى قد طاوعه * أول مـــن بايعـــه وتـابعـــه ____________ ( 1 ) القفيز ، كذا في الأصل ، ولعلها : « القصيري » وهي أسفل الأضلاع . وأنشد في اللسان : لا تعدليني بظرب جعد * كز القصيري مقرف المعد ( 399 ) وأقبل الأشتر يضرب بسيفه وهو يقول : أضربهــم ولا أرى معــاويــه * الأخزر العيـــن العظيــم الحاوية هوت بـــه في النار أم هاويــه * جــاوره فيهــا كلاب عـــاويه أغوى طغامــا لا هدتــه هاديــه قال : وذكروا أن عمرو بن العاص لما رأى الشر استقبل ، فقال له معاوية : ائت ببني أبيك فقاتل بهم ، فإنه إن يك عند أحد خير فعندهم . فأتى جماعة أهل اليمن فقال : أنتم اليوم الناس وغدا لكم الشان ، هذا يوم له ما بعده من الأمر ، حملوا معي على هذا الجمع . قالوا : نعم . فحملوا وحمل عمرو وهو يقول : أكرم بجمــــع طيــب يمـــان * جــــدوا تكونـــوا أولياء عثمـان إني أتــــاني خبر فأشجـــان (1)* أن عليــــا قتـل ابـــن عفان (2) خليفـــة الله علــى تبيـــان * ردوا علينـــا شيخنــا كما كــان (3) فرد على عمرو : أبت شيـــوخ مذحــج وهمــدان * بأن نــرد نعثـــلا كمـا كان خلقـا جديدا مثــل خلــق الرحمن (4) فقال عمرو بن الحمق : دعوني والرجل ، فإن القوم قومي . فقال ابن بديل : دع الجمع يلقى بعضهم بعضا . فأبي عليه ، وحمل وهو يقول : ____________ ( 1 ) في الأصل : « فجان » صوابه مما سبق ص 228 . ( 2 ) في الأصل : « نال من عفان » صوابه مما سبق ص 228 . ( 3 ) في الأصل : « مكاني » صوابه مما سبق ص 228 . ( 4 ) في الأصل : « بعد خلق الرحمن » صوابه مما سبق ص 228 . ( 400 ) بؤســا لجند ضائــع يمــان * مستوسقيــن كاتســاق الضــان (1) تهوى إلى راع لهـــا وسنــان * أقحمهـــا عمـرو إلى الهــوان يا ليت كفــي عدمــت بنانــي * وأنكــم بالشحــر مــن عمان مثــل الــــذي أفنـــاكم أبكانـي ثم طعن في صدره فقتله ، وولت الخيل ، وزال (2)القوم عن مراكزهم . ثم إن حوشبا ذا ظليم ، وهو يومئذ سيد أهل اليمن ، أقبل في جمعه وصاحب لوائه يقول : نحـــن اليمانـــون ومنــا حوشب * أذا ظليـــم أين منـــا المهرب (3) فينا الصفيـح والقنـــا المعلــب (4)* والخيـــل أمثال الوشيـــج شزب (5) إن العـــراق حبلــهــا مذبــذب * إن عـليــا فيــكـــم محبــب في قتــل عثمــان وكــل مذنــب فحمل عليه سليمان (6)بن صرد الخزاعي وهو يقول : يـــالك يوما كاسفــا عصبصبــا (7)* يالك يومــا لا يــواري كوكبــا (8) يأيهـــا الحـــي الذي تذبذبــا * لسنـــا نخـــاف ذا ظليــم حوشبا ____________ ( 1 ) الاستيساق والاتساق : الاجتماع . وفي اللسان ( 12 : 260 ) : « واتسقت الإبل واستوسقت : اجتمعت»». ( 2 ) في الأصل : « وأزال » . ( 3 ) أي يا ذا ظليم . وفي الأصل : « أنا ظليم » تحريف . ( 4 ) علب السيف والسكين والرمح ، فهو معلوب ، وعلبه تعليبا : حزم مقبضه بعلباء البعير ، والعلباء ، بالكسر : عصب العنق . وفي الأصل : « مغلب » بالغين المعجمة ، تحريف . ( 5 ) الوشيج : الرماح . شزب : ضوامر ، جمع شازب . وفي الأصل : « شذب » بالذال ، تحريف . ( 6 ) في الأصل : « سليم » ، تحريف . ( 7 ) الكاسف : العبوس . وفي الأصل : « كاشفا » تحريف . ( 8 ) كأن نجومه ظاهرة لشدة ظلامه واحتجاب شمسه ، لما ثار من الغبار . ( 401 ) لأن فينـــا بطـــلا مجربـــا * ابن بديـــل كالهزبــر مغضبـا أمسى علـــي عندنــا محببــا * نفديـــه بـــالأم ولا نبقي أبــا فطعنه وقتله ، واستدار القوم ، وقتل حوشب وابن بديل ، وصبر بعضهم لبعض ، وفرح أهل الشام بمقتل هاشم . وقال جريش السكوني مع علي : معاوي مــا أفـلت إلا بجـــرعة من الموت رعبا تحسب الشمس كوكبا نجوت وقد أدميـــت بالسوط بطنه أزوما علـــى فأس اللجام مشذبــا (1) فلا تكفرنه واعلمـــن أن مثلهــا إلى جنبها ما دارك الجـرى أو كبــا (2) فإن تفخروا بابنــي بديــل وهاشم فنحن قتلنا ذا الكـــلاع وحوشبـــا وإنهما ممن قتلتم علــى الهـــدى ثواء فكفوا القــول ننسى التحوبــا (3) فلمـــا رأينا الأمر قد جـــد جـده * وقـــد كان مما يترك الطفل أشيبــا صبرنا لهم تحــت العجاج سيوفنــا * وكان خلاف الصبــر جدعـا موعبــا فلــم نلف فيهــا خاشعيـن أذلــة * ولم يــــك فيها حبلنــا متذبذبـــا ____________ ( 1 ) الأزوم : الشديد العض . وفي اللسان : « وأزم الفرس على فاس اللجام : قبض » . وفي الأصل : « لزوما » تحريف . والمشذب : الفرس الطويل ليس بكثير اللحم . ( 2 ) دارك الجرى : تابعه . وفي الأصل : « مالا بك الجرى » . ( 3 ) الثواء : الإقامة . والتحوب : التغيظ والتوجع . ( 402 ) كسرنا القنــا حتى إذا ذهـــب القنا * صبرنــا وفللنا الصفيــح المجربا (1) فلم نر في الجمعيــن صادف خــده * ولا ثانيــا من رهبة الموت منكبــا (2) ولم نــر إلا قحـف رأس وهامــة * وساقــا طنونــا أو ذراعا مخضبـا (3) واختلط أمرهم حتى ترك أهل الرايات مراكزهم ، وأقحم أهل الشام من آخر النهار ، وتفرق الناس عن على ، فأتى ربيعة [ ليلا فكان (4)فيهم ، وأقبل عدي ابن حاتم يطلب عليا في موضعه الذي تركه فيه فلم يجده ، فطاف يطلبه ] ، فأصابه في مصاف ربيعة فقال : « يا أمير المؤمنين : أما إذ كنت حيا فالأمر أمم (5)، ما مشيت إليك إلا على قتيل ، وما أبقت هذه الوقعة لنا ولهم عميدا ، فقاتل حتى يفتح الله عليك ؛ فإن في القوم بقية بعد » . وأقبل الأشعث يلهث جزعا ، فلما رأى عليا هلل وكبر وقال : يا أمير المؤمنين خيل كخيل ، ورجال كرجال ، ولنا الفضل [ عليهم ] إلى ساعتنا هذه ، فعد إلى مقامك الذي كنت [ فيه ] ، فإن الناس إنما يظنونك حيث تركوك » . وأرسل سعيد بن قيس [ الهمداني إلى علي عليه السلام ] : « إنا مشتغلون (6)بأمرنا [ مع القوم ] وفينا فضل ، فإن أردت أن نمد أحدا أمددناه » . وأقبل علي على ربيعة فقال : « أنتم درعي ورمحي » ـ [ قال : فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم ] ـ فقال عدي بن حاتم : « يا أمير المؤمنين ، إن قوما أنست [ بهم ] وكنت فيهم في هذه الجولة ، لعظيم حقهم علينا . ____________ ( 1 ) الصفيح ، عني به السيوف . والمجرب ، لعلها « المحرب » وهو المحدد المذرب . ( 2 ) صدف خده : أعرض به . وفي الأصل : « صارف حده » . ( 3 ) الطنون : التي أطنها الضارب ، أي أسرع قطعها فطنت . وهذا الوصف لم تذكره المعاجم . وفي الأصل : " ظنونا " ووجهه ضعيف . ( 4 ) في الأصل : « وكان » . ( 5 ) أمم ، أي قريب . وفي ح ( 2 : 286 ) : « أهم » تحريف . ( 6 ) في الأصل : « مستقبلون » وأثبت ما في ح . ( 403 ) والله إنهم لصبر عند الموت ، أشداء عند القتال » . وركب علي عليه السلام فرسه الذي كان لرسول الله ، وكان يقال له « المرتجز » ، [ فركبه ] ثم تقدم (1)[ أمام الصفوف ثم قال : بل البغلة بل البغلة . فقدمت له ] بغلة رسول الله صلي الله عليه « الشهباء » ، فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله السوداء ثم نادي : أيها الناس ، من يشر نفسه لله يربح . هذا يوم له ما بعده . إن عدوكم قد مسه القرح كما مسكم (2). فانتدب له ما بين عشرة آلاف (3)إلى اثنى عشر ألفا [ قد ] وضعوا سيوفهم على عواتقهم ، وتقدمهم علي منقطعا على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : دبوا دبيـــب النمل لا تقوتوا * وأصبحوا بحـــربكم (4)وبيتوا حتى تنالوا الثأر أو تموتـــوا * أولا فإنـــي طالما عصيت قد قلتم لو جئتنـــا ، فجيـت * ليس لكـــم ما شئتـم وشيت بل ما يريـــد المحيى المميـــت وتبعه ابن عدي بن حاتم بلوائه وهو يقول : أبعـــد عمار وبعد هاشــم * وابـــن بديل فارس الملاحــم نرجو البقاء مثــل حكم الحالم * وقــد عضضنا أمس بالأباهــم فاليوم لا نقرع ســن نــادم * ليس امــرؤ مــن يومه (5)بسالم ____________ ( 1 ) في الأصل : « ثم قدم علي » صوابه من ح . ( 2 ) القرح ، بالضم : ألم الجراح ، وبالفتح : الجراح بأعيانها . وبهما قرئ قوله تعالى : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) . انظر اللسان ( 3 : 392 ) . ( 3 ) في الأصل : « بين العشرة الآف » صوابه من ح . ( 4 ) ح : « حربكم » . ( 5 ) ح : « من حتفه » . ( 404 ) وتقدم الأشتر وهو يقول : حرب بأسبــاب الردى تأجــج * يهلك فيهــا البطل المدجــج يكفيكها همدانهـــا ومذحـــج * قوم إذا مــا أحمشوها أنضجوا (1) روحــوا إلى الله ولا تعرجــوا * ديــن قويــم وسبيل منهـج وحمل الناس حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض ، وأهمدوا ما أتوا عليه (2)حتى أفضى الأمر إلى مضرب معاوية (3)، وعلي يضربهم بسيفه ويقول : أضربهــم ولا أرى معاويــه * الأخــزر العين العظيم الحاويــه * هوت به في النــار أم هاويـــه * فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه ، فلما وضع رجله في الركاب تمثل بأبيات عمرو بن الإطنابة (4): أبت لي عفتي وأبــى بلائــي * وأخــذي الحمــد بالثمن الربيح وإجشامي (5)على المكــروه نفسي * وضربـــي هامة البطل المشيح وقولي كلمــا جشأت وجاشــت * مكانــك تحمدي أو تستريحــي لأدفع عـن مآثــر صالحــات * وأحمى بعد عن عرض صحيــح بذي شطب كلون الملــح صـاف * ونفس مــا تقر علــى القبيـح وقال : « يا ابن العاص ، اليوم صبر ، وغدا فخر » . صدقت ، إنا وما نحن ____________ ( 1 ) في الأصل : « انقبجوا » . والمقطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 2 ) ح ( 2 : 286 ) : « وأهمد أهل العراق ما أتوا عليه » . ( 3 ) المضرب ، بكسر الميم : فسطاط الملك . ( 4 ) سبق إنشاد الأبيات في ص 395 . ( 5 ) في الأصل : « وإعظامي على المكروه » وانظر ما سبق في ص 395 . ( 405 ) فيه كما قال ابن أبي الأقلح (1): مــا علني وأنــا رام نابــل (2)* والقــوس فيها وتــر عنابــل (3) تزل عــن صفحتهــا المعابل (4)* الموت حــق والحيــاة باطــل فثثى معاوية رجله من الركاب ونزل واستصرخ بعك والأشعريين ، فوقفوا دونه (5)وجالدوا عنه ، حتى كره كل من الفريقين صاحبه وتحاجز الناس . قال الشني في ذلك : أتانـــا أمير المؤمنين فحسبنــا * على النــاس طرا أجمعين بها فضلا على حين أن زلت بنــا النعل زلة * ولم تترك الحرب العوان لنـــا فحلا وقد أكلت منا ومنهــم فوارســا * كمــا تأكل النيران ذا الحطـب الجزلا وكنا له فـــي ذلك اليوم جنــة * وكنا لـــه مــن دون أنفسنــا نعلا فأثني ثناء لم يــر النــاس مثله * علــى قومنا طرا وكنــا لـه أهـلا ورغبه فينا عـدي بــن حاتــم * بأمــر جميل صــدق القـول والفعلا فإن يك أهل الشــام أودوا بهاشـم * وأودوا بعمــار وأبقوا لنــا ثكــلا ____________ ( 1 ) ح ( 2 : 287 ) : « كقول القائل » . وفي الأصل : « ابن الأفلح » وهو نقص وتحريف . وابن أبي الأقلح ، بالقاف ، كما في الإصابة 4340 والقاموس « قلح » . وهو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح قيس بن عصمة الأنصاري . وهو صحابي جليل ، وكان المشركون قد أرادوه بأذى ، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته منهم ، وسمي لذلك : « حمى الدبر » . ( 2 ) في اللسان « عنبل » : « وأنا طب خاتل » . ( 3 ) الوتر العنابل ، بضم العين : الغليظ الصلب المتين . ( 4 ) المعابل : جمع معبلة ، وهي النصل الطويل العريض . وفي اللسان : « صفحته » أي صفحة الوتر . لكن في اللسان ( 13 : 448 ص 11 ) : « عن صفحتي » ، وإخال هذه محرفة . ( 5 ) في الأصل : « فرفعوا دونه » وأثبت ما في ح ( 2 : 287 ) . ( 406 ) وبابني بديــل فارسي كل بهمــة * وغيث خزاعــي به ندفــع المحلا (1) فهذا عبيد الله والمــرء حوشــب * وذو كلــع أمسـوا بساحتهــم قتلى ثم إن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام قال : " هذا يوم تمحيص . إن القوم قد أسرع فيهم كما أسرع فيكم . اصبروا يومكم هذا وخلاكم ذم " . وحضض علي أصحابه ، فقام إليه الأصبغ بن نباتة التميمي فقال : يا أمير المؤمنين إنك جعلتني على شرطة الخميس ، وقدمتني في الثقة دون الناس ، وإنك اليوم لا تفقد لي صبرا ولا نصرا . وأما أهل الشام فقد هدهم ما أصبنا منهم ، ونحن ففينا (2)بعض البقية ، فاطلب بنا أمرك وأذن لي في التقدم . فقال له علي : " تقدم باسم الله " . وأقبل الأحنف بن قيس السعدي فقال : يا أهل العراق ، والله لا تصيبون هذا الأمر أذل عنقا منه اليوم ، قد كشف القوم عنكم قناع الحياء وما يقاتلون على دين ، وما يصبرون إلا حياء (3)، فتقدموا . فقالوا : إنا إن تقدمنا اليوم فقد تقدمنا أمس فما تقول يا أمير المؤمنين ؟ قال : « تقدموا في موضع التقدم ، وتأخروا في موضع التأخر . تقدموا من قبل أن يتقدموا إليكم » . وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا ، وحمل عمرو بن العاص معلما وهو يقول : شدوا على شكتــى لا تنكشـــف * بعــد طليح والزبيــر فأتلف يــوم لهمدان ويــوم للصـدف (4)* وفي تميـم نخــوة لا تنحــرف ____________ ( 1 ) يقال فلان فارس بهمة ، كما يقال ليث غابة ، والبهمة ، بالضم : الجيش . ( 2 ) في الأصل : « نفينا » . ( 3 ) لعلها : « إلا حبا في الدنيا » . ( 4 ) الصدف ، بكسر الدال : لقب عمرو بن مالك بن أشرس بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان ، انظر نهاية الأرب ( 2 : 304 ثم 303 ) . والنسبة إليه « صدفي » بالتحريك . ( 407 ) أضربهــا بالسيف حتى تنصــرف * إذا مشيــت مشية العود الصلــف ومثلهــا لحميــر ، أو تنحــرف * والربعيــون لهــم يوم عصــف (1) فاعترضه علي وهو يقول : قــد علمت ذات القـرون الميــل * والخصـــر والأنامــل الطفــول (2) إني بنصل السيــف خنشليــــل (3)* أحمــى وأرمــى أول الرعيــل بصـــارم ليس بـــذي فلــول ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله ، فبدت عورته ، فصرف علي وجهه عنه وارتث ، فقال القوم : أفلت الرجل يا أمير المؤمنين . قال : وهل تدرون من هو ؟ قالوا : لا قال : فإنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه . ورجع عمرو إلى معاوية فقال له : ما صنعت يا عمرو ؟ قال : لقيني علي فصرعني . قال : احمد الله وعورتك ، أما والله أن لو عرفته ما أقحمت عليه . وقال معاوية في ذلك : ألا لله مــن هفوات عمـــرو * يعاتبنـــي على تركي بــرازي فقد لاقى أبــا حســـن عليـا * فآب الوائلـــي مـآب خــازي فلو لم يبــد عورتـــه للاقـى * بــه ليثــا يذلل كل نـــازي لــه كف كــــأن براحتيهـا * منايــا القوم يخطف خطف بازي ____________ ( 1 ) المقطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 2 ) الطفول : جمع طفل . بالفتح ، وهو الرخص الناعم ، قال ابن هرمة : متى ما يغفل الواشون تومئ * بأطراف منعمة طفول ( 3 ) في البيت إقواء ، وأنشد في اللسان بدون نسبة : قد علمت جارية عطبول * أني بنصل السيف خنشليل والخشليل : الجيد الضرب بالسيف ، ومثله الخنشل . ( 408 ) فإن تكن المنايـــا أخطأتــه * فقــد غنى بها أهــل الحجـاز فغضب عمرو وقال : ما أشد تغبيطك عليا في أمري هذا (1)، هل هو إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه ، أفترى السماء قاطرة لذلك دما ؟ ! قال : ولكنها معقبة لك خزيا (2). قال : وتقدم جندب بن زهير برايته وراية قومه وهو يقول : والله لا أنتهى حتى أخضبها ! فخضبها مرارا إذ اعترضه رجل من أهل الشام فطعنه ، فمشى إلى صاحبه في الرمح حتى ضربه بالسيف فقتله . ثم إن معاوية دعا أخاه عتبة بن أبي سفيان فقال : الق الأشعث بن قيس ، فإنه إن رضي رضيت العامة . وكان عتبة لا يطاق لسانه (3). فخرج عتبة فنادى الأشعث بن قيس ، فقال الناس : يا أبا محمد ، هذا الرجل يدعوك . فقال الأشعث : كما يكون الرجل فسلوه من هو . فقال : أنا عتبة بن أبي سفيان . فقال الأشعث بن قيس : غلام مترف ولا بد من لقائه . [ فخرج إليه ] فقال : ما عندك يا عتبة ؟ فقال : أيها الرجل ، إن معاوية لو كان لاقيا رجلا غير علي للقيك ، إنك رأس أهل العراق ، وسيد أهل اليمن ، وقد سلف من عثمان إليك ما سلف من الصهر والعمل ، ولست كأصحابك . أما الأشتر فقتل عثمان ، وأما عدي فحرض عليه ، وأما سعيد فقلد عليا ديته (4)، وأما شريح وزحر ابن قيس فلا يعرفان غير الهوى ، وإنك حاميت عن أهل العراق تكرما ، ثم حاربت أهل الشام حمية ، وقد بلغنا والله منك وبلغت منا ما أردت ، ____________ ( 1 ) التغبيط ، هو كما ورد في الحديث « أنه جاء وهم يصلون في جماعة فجعل يغبطهم » . قال ابن الأثير : « هكذا روى بالتشديد ، أي يحملهم على الغبط ويجعل هذا الفعل عندهم مما يغبط عليه » . وفي الأصل : « تعظيمك عليا في كسرى هذا » وأثبت ما في ح . ( 2 ) في الأصل : « تعقبك جبنا » وأثبت ما في ح . ( 3 ) ح : « وكان عتبة فصيحا » . ( 4 ) في الأصل : « دينه » والوجه ما أثبت من ح . ( 409 ) وإنا لا ندعوك إلى ترك علي ونصر معاوية ، ولكنا ندعوك إلى البقية (1)التي فيها صلاحك وصلاحنا . فتكلم الأشعث فقال : يا عتبة ، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا فإن لقيني والله لما عظم عني ولا صغرت عنه ، فإن أحب أن أجمع بينه وبين علي فعلت . وأما قولك إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن فإن الرأس المتبع والسيد المطاع هو علي بن أبي طالب عليه السلام . وأما ما سلف من عثمان إلى فوالله ما زادني صهره شرفا ، ولا عمله عزا . وأما عيبك أصحابي فإن هذا لا يقربك مني ولا يباعدني عنهم . وأما محاماتي عن أهل العراق فمن نزل بيتا حماه . وأما البقية فلستم بأحوج إليها منا ، وسنرى رأينا فيها إن شاء الله . فلما بلغ معاوية كلام الأشعث قال : « يا عتبة ، لا تلقه بعدها ، فإن الرجل عظيم عند نفسه ، وإن كان قد جنح للسلم » . وشاع في أهل العراق ما قاله عتبة للأشعث وما رده الأشعث عليه : وقال النجاشي يمدحه : يا ابن قيس وحــارث ويزيــد * أنــت والله رأس أهــل العراق أنت والله حيــة تنفث الســـم قليل فيهــا غنـــاء الراقـــي أنت كالشمـــس والرجال نجوم * لا يرى ضوؤهــا مـع الإشراق قد حميت العراقي بالأســل السم * ر وبالبيــض كالبروق ، الرقاق وأجبناك إذ دعوت إلـى الشـــا * م علــى القب كالسحـوق العتاق (2) ____________ ( 1 ) البقية : الإبقاء . والعرب تقول للعدو إذا غلب : « البقية » أي أبقوا علينا ولا تستأصلونا . قال الأعشى : * قالوا البقية والخطى يأخذهم * ( 2 ) القب : الخيل الضامرة . والسحوق ، بالفتح : النخلة الطويلة . ( 410 ) وسعرت القتال في الشــام بالبي * ض المواضي وبالرمــاح الدقاق (1) لا نرى غيــر أذرع وأكــف * ورؤوس بهـــامهـا ، أفـلاق (2) كلما قلت قــد تصرمت الهــي * جــاء سقيتهم بكـأس دهـاق (3) قد قضيت الذي عليك مـن الحق * وســارت بـه القلاص المناقي (4) وبقي حقك العظيم علــى النـا * س وحـق المليك صعب المراقي أنت حلو لمــن تقرب بالــود * وللشــــانئين مــر المذاق لابس تــاج جــده وأبيــه * لــو وقـاه ردى المنيــة واق (5) بئس مـا ظنه ابن هند ومن مثـ * لك للنــاس عنـد ضيق الخناق قال : وإن معاوية لما يئس من جهة الأشعث قال لعمرو بن العاص : إن رأس الناس بعد علي هو عبد الله بن عباس ، فلو ألقيت إليك كتابا لعلك ترققه به (6)؛ فإنه إن قال شيئا لم يخرج علي منه ، وقد أكلتنا الحرب ولا أرانا نصل [ إلى ] العراق إلا بهلاك أهل الشام . قال له عمرو : إن ابن عباس لا يخدع ، ولو طمعت فيه [ ل ] طمعت في علي . فقال معاوية : على ذلك ، فاكتب إليه . فكتب إليه عمرو : « أما بعد فإن الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر (7) ____________ ( 1 ) في الأصل : وأدرنا كأس المنية في الفت * نة بالضرب والطعان الدقاق وقد أشير في هامش الأصل إلى هذه الرواية التي أثبتها من ح . ( 2 ) أفلاق : جمع فلق ، بالكسر ، وهو المفلوق . ( 3 ) كذا في ح وهامش الأصل عن نسخة . وفي الأصل : كلما قلت قد تصرمت الحر * ب سقانا ردى المنية ساق ( 4 ) المناقي : جمع منقية ، كمحسنة ، وهي الناقة ذات الشحم . ( 5 ) في الأصل : « لدى المنية » . ( 6 ) في الأصل : « ترفقه به » وأثبت وجهه من ح ( 2 : 288 ) . ( 7 ) في الأصل . « ليس بأمر » وأثبت ما في ح . ****************** قاده البلاء ، وساقته العافية (1) ، وأنت رأس هذا الجمع (2) بعد علي ، فانظر فيما بقي ودع ما مضى ، فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولكم حياة (3) ولا صبرا . واعلموا أن الشام لا تملك إلا بهلاك العراق ، وأن العراق لا تملك إلا بهلاك الشام ، وما خيرنا بعد هلاك أعدادنا منكم ، وما خيركم بعد هلاك أعدادكم منا . ولسنا نقول ليت الحرب غارت (4) ، ولكنا نقول ليتها لم تكن ، وإن فينا من يكره القتال كما أن فيكم من يكرهه ، وإنما هو أمير مطاع أو مأمور مطيع ، أو مؤتمن مشاور ، وهو أنت . وأما الأشتر الغليظ الطبع ، القاسي [ القلب ] ، فليس بأهل أن يدعى في الشورى ولا في خواص أهل النجوى » . وكتب في أسفل الكتاب : طال البلاء ومــا يرجـى لــه آس بعد الإله سوى رفق ابـن عبــاس قولا له قول مـن يرضـى بحظوته (5) لا تنس حظك إن الخاســر الناسي يا ابن الذي زمزم سقيا الحجيج لــه أعظم بذلك مــن فخر على الناس كل لصــاحبـــه قرن يســاوره أسد العرين أســود بين أخياس (6) ____________ ( 1 ) هذه الجملة ليست في ح . ( 2 ) في الأصل : « أهل الجمع » وأثبت ما في ح . ( 3 ) في الأصل : « حياء » . ( 4 ) في الأصل وح : « عادت » . ( 5 ) ح : « قول من يرجو مودته » . ( 6 ) يساوره : يواثبه . وفي الأصل : « يشاوره » تحريف . والبيت لم يرو في ح . والأخياس : جمع خيس ، بالكسر ، وهو الشجر الكثير الملتف . ( 412 ) لو قيس بينهم في العـــرب لا عتدلوا العجز بالعجز ثــــم الراس بالـراس انظر فدى لك نفسي قبـل قاصمـــة للظهر ليــس لهـــا راق ولا آسى إن العراق وأهل الشـــام لن يجـدوا طعم الحياة مـــع المستغلق القاســي بسر وأصحاب بســـر والذين هــم داء العراق رجـــال أهــل وسواس قوم عراة مــن الخيــرات كلهــم فما يساوي بــه أصحـابــه كاسي إني أرى الخير في سلــم الشآم لكـم والله يعلم ، مـــا بالسلم مــن باس فيها التقى وأمــور ليـس يجهلــها إلا الجهول ومــا النوكى كأكيــاس قال : فلما فرغ من شعره عرضه على معاوية فقال معاوية : « لا أرى كتابك على رقة شعرك » . فلما قرأ ابن عباس الكتاب أتى به عليا فأقرأه شعره فضحك وقال : « قاتل الله ابن العاص ، ما أغراه بك يا ابن العباس ، أجبه وليرد عليه شعره الفضل بن العباس ، فإنه شاعر » . فكتب ابن عباس إلى عمرو : « أما بعد فإني لا أعلم رجلا من العرب أقل حياء منك ، إنه مال بك معاوية إلى الهوى ، وبعته دينك بالثمن اليسير ، ثم خبطت بالناس في عشوة ( 413 ) طمعا في الملك (1) ، فلما لم تر شيئا أعظمت الدنيا إعظام أهل الذنوب (2) ، وأظهرت فيها نزاهة أهل الورع (3) ، فإن كنت ترضى الله بذلك فدع مصر وارجع إلى بيتك وهذه الحرب ليس فيها معاوية كعلي ، ابتدأها علي بالحق وانتهى فيها إلى العذر ، وبدأها معاوية بالبغي وانتهى فيها إلى السرف ، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام ، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم ، وبايع معاوية أهل الشام وهم خير منه . ولست أنا وأنت فيها بسواء ، أردت الله وأردت أنت مصر . وقد عرفت الشيء الذي باعدك مني ، ولا أرى (4) الشيء الذي قربك من معاوية . فإن ترد شرا لا نسبقك به ، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه . [ والسلام ] » . ثم دعا [ أخاه ] الفضل بن العباس فقال له : يا ابن أم ، أجب عمرا . فقال الفضل : يا عمرو حسبك مــن خدع ووسواس * فاذهب فليس لــداء الجهل من آسى إلا تواتــر طعن فــي نحوركــم * يشجي النفوس ويشفي نخــوة الراس هذا الدواء الذي يشفــي جماعتكــم * حتى تطيعوا عليــا وابن عبــاس أمــا علــي فــإن الله فضلــه * بفضل ذي شرف عــال على الناس إن تعقلوا الحرب نعقلهــا مخيســة * أو تبعثوهـــا فإنا غير أنكـــاس قد كان منا ومنكم فـــي عجاجتهـا * ما لا يرد وكــل عرضــة البـاس قتلى العراق بقتلى الشــام ذاهبــة * هذا بهــذا ومــا بالحق من بـاس ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 288 ) : « في الدنيا » . ( 2 ) بدل هذه العبارة في ح : « فاعظمتها إعظام أهل الذنيا » . ( 3 ) النزاهة : التباعد عن السوء كالتنزه . وفي الأصل : « النزهة » . وفي ح : « ثم تزعم أنك تتنزه عنها تنزه أهل الورع » . ( 4 ) ح : « ولا أعرف » . ( 414 ) لا بارك الله في مصــر لقد جلبت * شرا وحظــك منها حسوة الكـاس يا عمرو إنك عار مــن مغارمهـا * والراقصات ومــن يوم الجزا كاسي ثم عرض الشعر والكتاب على علي فقال : « لا أراه يجيبك بشيء بعدها إن كان يعقل ، ولعله يعود فتعود عليه » . فلما انتهى الكتاب إلى عمرو أتى به معاوية فقال : « أنت دعوتني إلى هذا ، ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب » . فقال : « إن قلب ابن عباس وقلب علي قلب واحد ، كلاهما ولد عبد المطلب ، وإن كان قد خشن فلقد لان ، وإن كان قد تعظم أو عظم صاحبه فلقد قارب وجنح إلى السلم » . وإن معاوية كان يكاتب ابن عباس وكان يجيبه بقول لين ، وذلك قبل أن يعظم الحرب ، فلما قتل أهل الشام قال معاوية : « إن ابن عباس رجل من قريش ، وأنا كاتب إليه في عداوة بني هاشم لنا ، وأخوفه عواقب هذه الحرب لعله يكف عنا » . فكتب إليه : « أما بعد فإنكم يا معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع بالمساءة منكم إلى أنصار عثمان بن عفان ، حتى إنكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما دمه ، واستعظامهما ما نيل منه ، فإن يكن ذلك لسلطان بني أمية فقد وليها عدي وتيم ، [ فلم تنافسوهم ] وأظهرتم لهم الطاعة . وقد وقع من الأمر ما قد ترى ، وأكلت هذه الحروب بعضها من بعض حتى استوينا فيها ، فما أطمعكم فينا أطمعنا فيكم ، وما آيسكم منا آيسنا منكم . وقد رجونا غير الذي كان ، وخشينا دون ما وقع ، ولستم بملاقينا اليوم بأحد من حد أمس ، ولا غدا بأحد من حد اليوم ، وقد قنعنا بما كان في أيدينا من ملك الشام فاقنعوا بما في أيديكم من ملك العراق ، وأبقوا على قريش ؛ فإنما بقى من رجالها ستة ، رجلان بالشام ، ورجلان بالعراق ، ورجلان بالحجاز . فأما اللذان بالشام فأنا وعمرو ، وأما اللذان بالعراق فأنت وعلي ، وأما اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر ، واثنان من الستة ناصبان لك ، ( 415 ) واثنان واقفان [ فيك ] ، وأنت رأس هذا الجمع اليوم . ولو بايع لك الناس بعد عثمان كنا إليك أسرع منا إلى علي » في كلام كثير كتب إليه . فلما انتهى الكتاب إلى ابن عباس أسخطه ثم قال : حتى متى يخطب [ ابن هند ] إلى عقلي ، وحتى متى أجمجم على ما في نفسي ؟ ! فكتب إليه : « أما بعد [ فقد أتاني كتابك وقرأته ] ، فأما ما ذكرت من سرعتنا [ إليك ] بالمساءة في أنصار ابن عفان ، وكراهيتنا لسلطان بني أمية ، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره ، حتى صرت إلى ما صرت إليه ، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عقبة (1) . وأما طلحة والزبير [ فإنهما أجلبا عليه ، وضيقا خناقه ، ثم خرجا ] ينقضان البيعة ويطلبان الملك (2) ، فقاتلناهما على النكث وقاتلناك على البغي . وأما قولك إنه لم يبق من قريش غير ستة ، فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها ، [ و ] قد قاتلك من خيارها من قاتلك ، لم يخذلنا إلا من خذلك . وأما إغراؤك إيانا بعدي وتيم فأبو بكر وعمر خير من عثمان ، كما أن عثمان خير منك : وقد بقي لك منا يوم ينسيك (3) ما قبله ويخاف ما بعده (4) . وأما قولك إنه لو بايع الناس لي لاستقامت لي (5) ، فقد بايع الناس عليا وهو خير مني فلم يستقيموا له . وإنما الخلافة لمن كانت له في المشورة . وما أنت يا معاوية والخلافة وأنت طليق وابن طليق ، [ والخلافة للمهاجرين الأولين ، وليس الطلقاء منها في شيء . والسلام ] » . ____________ ( 1 ) هو أخوه لأمه كما سبق في حواشي 247 . ( 2 ) في الأصل : « فنقضا البيعة وطلبا الملك » وأثبت ما في ح . ( 3 ) ح ( 2 : 289 ) : « ما ينسيك » . ( 4 ) ح : « وتخاف ما بعده » . ( 5 ) بدلها في ح : « لاستقاموا » . ( 416 ) فلما انتهى الكتاب إلى معاوية قال : هذا عملي بنفسي . لا والله لا أكتب إليه كتابا سنة [ كاملة ] . وقال معاوية في ذلك : دعوت ابن عباس إلى حــد خطة * وكان امرأ أهدي إليــه رسائلـي فأخلف ظنــي والحوادث جمــة * ولم يــك فيما قال منـي بواصل وما كان فيما جــاء ما يستحقــه * وما زاد أن أغلى عليــه مراجلي فقل لابن عباس تــراك مفرقــا * بقولك مــن حولي وأنــك آكلي وقل لابن عباس تــراك مخوفـا * بجهلك حلمي إنني غيــر غافــل فأبرق وأرعد ما استطعــت فإنني * إليك بمــا يشجيك سبــط الأنامل فلما قرأ ابن عباس الشعر قال : « لن أشتمك بعدها » . وقال الفضل بن عباس : ألا يا ابن هنــد إنني غير غافل * وإنك ما تسعى لــه غيـر نائل لأن الذي اجتبت إلى الحرب نابها * عليك وألقت بركها بالكلا كل (1) فأصبح أهل الشام ضربين خيـرة * وفقعة قــاع أو شحيمة آكل (2) وأيقنت أنا أهل حــق وإنمــا * دعوت لأمر كان أبطــل باطل دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة * وليس لها حتى تديـن بقابــل فلا سلم حتى تشجر الخليل بالقنـا * وتضرب هامات الرجال الأماثل وآليت : لا أهدي إليـه رسالـة * إلى أن يحول الحول من رأس قابل أردت به قطع الجواب وإنمــا * رماك فلــم يخطئ بنـات المقاتل وقلت له لو بايعـوك تبعتهــم * فهذا علـي خير حــاف وناعـل وصي رسول الله من دون أهلـه * وفارسه إن قيل هــل من منازل ____________ ( 1 ) كذا ورد صدر هذا البيت . والمقطوعة لم تزد في مظنها من ح . ( 2 ) انظر ص 367 . ( 417 ) فدونكه إن كنت تبغي مهاجـــرا * أشم كنصل السيف عيــر حلاحل (1) فعرض شعره على علي فقال : « أنت أشعر قريش » . فضرب بها الناس إلى معاوية . وذكروا أنه اجتمع عند معاوية تلك الليلة عتبة بن أبي سفيان والوليد ابن عقبة ، ومروان بن الحكم ، وعبد الله بن عامر ، وابن طلحة الطلحات ، فقال عتبة : إن أمرنا وأمر علي لعجب ، ليس منا إلا موتور محاج . أما أنا فقتل جدي ، واشترك في دم عمومتي يوم بدر . وأما أنت يا وليد فقتل أباك يوم الجمل ، وأيتم إخوتك . وأما أنت يا مروان فكما قال الأول (2) : وأفلتهن علبــاء جريضــا * ولــو أدركنــه صفر الوطاب (3) قال معاوية : هذا الإقرار فأين الغير (4) ؟ قال مروان : أي غير تريد ؟ قال : أريد أن يشجر بالرماح . فقال : والله إنك لهازل ، ولقد ثقلنا عليك . فقال الوليد بن عقبة في ذلك : يقول لنــا معاوية بــن حرب * أمــا فيكم لواتركــم طلـوب يشــد على أبي حســن علي * بــأسمر لا تهجنــه الكعـوب فيهتــك مجمـع اللبات منــه * ونقع القـــوم مطرد يثــوب فقلت لـــه أتلعب يا ابـن هند * كأنك وسطنــا رجل غريــب أتأمرنــا بحيــة بطــن واد * إذا نهشــت فليــس لها طبيب ____________ ( 1 ) عير القوم : سيدهم . والحلاحل ، بفتح أوله : جمع الحلاحل بضمه ، وهو السيد في عشيرته ، الشجاع ، الركين في مجلسه . وفي الأصل : « بنعل السيف غير حلاحل » تحريف . ( 2 ) هو امرؤ القيس ، من أبيات له في ديوانه ص 160 . ( 3 ) علباء هذا هو قاتل والد امرئ القيس ، وهو علباء بن حارث الكاهلي . والجريض : الذي يأخذ بريقه . صفر وطابه : قتل . ( 4 ) الغير : جمع غيور ، والغيرة : الحمية والأنفة . ( 418 ) ومــا ضبع يدب ببطـن واد * أتيح لــه بــه أسد مهيــب بأضعــف حيلة منا إذا مــا * لقينــــاه وذا منــا عجيب دعـــا للقاه فـي الهيجاء لاق * فأخطــأ نفسه الأجـل القريب سوى عمــرو وقتـه خصيتاه * نجــا ولقلبــه منهـا وجيب كأن القــوم لمــا عاينــوه * خلال النقــع ليس لهـم قلوب لعمر أبــي معاوية بن حرب * ومــا ظني بملقحــة العيوب (1) لقد ناداه فـي الهيجــا علي * فأسمعـــه ولكــن لا يجيـب فغضب عمرو وقال : إن كان الوليد صادقا فليلق عليا ، أو ليقف حيث يسمع صوته . وقال عمرو : يذكرني الوليــد دعــا علـي * وبطــن المرء يملؤه الوعيــد متى يذكــر مشاهده قريــش * يطر مــن خوفه القلب الشديـد فأمــا في اللقاء فأين منـــه * معاويــة بـن حرب والوليــد وعيرنــي الوليد لقاء ليــث * إذا مــا زار هابتــه الأســود(2) لقيــت ولست أجهله عليـــا * وقــد بلت مــن العلق الكبـود فأطعنــه ويطعنني خلاســا * ومــاذا بعــد طعنته أريـــد فرمهــا منه يابن أبي معيـط * وأنت الفــارس البطـل النجيـد فإقســم لو سمعت ندا علــي * لطــار القلــب وانتفخ الوريد ولـــو لاقيته شقت جيــوب * عليــك ولطمت فيك الخــدود ____________ ( 1 ) كذا ورد هذا العجز . ( 2 ) زار : زأر وصاح . ( 419 ) آخر الجزء السادس ويتلوه في السابع : « ثم إنهم التقوا بصفين واقتتلوا أشد القتال حتى كادوا أن يتفانوا » : والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما يا إله العالمين آمين رب العالمين . ــــــــــ وجدت في الجزء العاشر من نسخة عبد الوهاب بخطه : « سمع جميعه من الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار ، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان [ أبو عبد الله محمد (1) ] وأبو الحسين أحمد ، وأبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفتح بن البيضاوي ، والشريف أبو الفضل محمد بن علي بن أبي يعلى الحسيني ، وأبو منصور محمد بن محمد بن [ قرمي ، بقراءة (2) ] عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي . وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة » . ____________ ( 1 ) ليست في الأصل ، وإكمالها مما سلف في نظائرها . ( 2 ) موضعها بياض في الأصل ، وتكملتها مما مضى في أشباهها . ( 420 ) ( 421 ) الجزء السابع من كتاب صفين لنصر بن مزاحم ــــــــــ ـــــــ ــــ رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي رواية الشيخ الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له ( 422 ) ( 423 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي قال : أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه قال : أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر قال : أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي قال : أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة قال : أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز قال : أبو الفضل نصر بن مزاحم : ثم إنهم التقوا بصفين ، واقتتلوا أشد القتال حتى كادوا أن يتفانوا ، ثم إن عمرو بن العاص مر بالحارث بن نصر الجشمي وكان عدوا لعمرو ، وكان عمرو قلما يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرب (1) . فقال الحارث في ذلك : ليس عمــرو بتارك ذكره الحــر * ب مدى الدهــر أو يلاقي عليــا واضــع السيف فوق منكبه الأيــ * مــن لا يحسـب الفوارس شيــا ليت عمــرا يلقاه في حمس النقـ * ـع وقــد صارت السيوف عصيـا (1) حيث يدعــو البراز حامية القــو * م إذا كــان بالبـــراز مليـــا ____________ ( 1 ) في الأصل : « الحرث » أي الحارث . والشعر يقتضي ما أثبت . ( 2 ) في الأصل : « ليس عمرو » والوجه ما أثبت . والمقطوعة لم ترو في مظنها من ح . وحمس النقع : شدته . والنقع : الغبار . صارت عصيا ، جعل المقاتلة يضربون بها ضرب العصي ويأخذونها أخذها . ( 424 ) فوق شهب مثل السحوق من النخـ * ـل ينــادي المبارزيـن : إليــا (1) ثم يا عمــرو تستريح من الفخـ * ـر وتلتقي بــه فتـى هاشميــا فالقــه إن أردت مكرمـة الدهـ * ـر أو المــوت كـل ذاك عليــا فلما سمع عمرو شعره قال : والله لو علمت أني أموت ألف موتة لبارزت عليا في أول ما ألقاه ، فلما بارزه طعنه علي فصرعه ، واتقاه عمرو بعورته ، فانصرف علي عنه . وقال علي حين بدت له عورة عمرو فصرف وجهه عنه : ضربي ثبي الأبطال في المشاعب (2) * ضرب الغلام البطل الملاعــب أين الضراب فـي العجاج الثــائب * حيــن احمرار الحدق الثواقـب بالسيــف في تهتهة الكتائــب (3) * والصبــر فيه الحمد للعواقـب ثم إن معاوية عقد لرجال من مضر ، منهم بسر بن أرطاة ، وعبيد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ومحمد وعتبة أبنا أبي سفيان ، قصد بذلك إكرامهم ورفع منازلهم ، وذلك في الوقعات الأولى من صفين ، فغم ذلك رجالا من أهل اليمن ، وأرادوا ألا يتأمر عليهم أحد إلا منهم ، فقام رجل من كندة يقال له عبد الله بن الحارث السكوني ، فقال : يا معاوية ، إني قلت شيئا فاسمعه ، وضعه مني على النصيحة . فقال : هات . قال : ____________ ( 1 ) السحوق من النخل : الطويلة ، شبه بها الخيل . ( 2 ) الثبة : الجماعة ، والعصبة من الفرسان ، وثبي ، هي ثبين جمع ثبة ، مع الجمع الملحق بالسالم ، كعزين وعضين ، وحذفت النون للاضافة : وفي الأصل : « ضرب ثبا » ، والوجه ما أثبت . ( 3 ) التهتهة : مصدر قولهم تهته في الشيء ـ بالبناء للمفعول : أي ردد فيه . وقد تكون : « نهنهة » بنونين ، وهو الكف والزجر . ( 425 ) معاوي أحييت فينــا الإحـــن * وأحدثــت في الشام مــا لم يكن عقدت لبســر وأصحابــــه * ومــا الناس حولــك إلا اليمـن فلا تخلطـــن بنا غيرنــــا * كمــا شيب بالماء محض اللبـن (1) وإلا فدعنــــا على مالنـــا * وإنـــا وإنا إذا لــم نهـــن ستعلــم إن جاش بحر العـراق * وأبدى نواجــذه فــي الفتــن ونــادى علي وأصحابــه (2) * ونفســك إذ ذاك عنــد الذقــن بأنا شعــارك دون الدثــــار * وأنــا الرمــاح وأنا الجنــن وأنــا السيوف وأنــا الحتوف * وأنــا الدروع وأنــا المجــن فكبا له معاوية ، ونظر إلى وجوه أهل اليمن فقال : أعن رضاكم قال هذا ما قال : فقال القوم : لا مرحبا بما قال : الأمر إليك فاصنع ما أحببت (3) . قال معاوية : إنما خلطت بكم ثقاتي وثقاتكم (4) ، ومن كان لي فهو لكم ومن كان لكم فهو لي . فرضى القوم وسكتوا ، فلما بلغ أهل الكوفة مقالة عبد الله بن الحارث لمعاوية فيمن عقد له من رءوس أهل الشام قام [ الأعور ] الشنى إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا لا نقول لك كما قال أصحاب أهل الشام لمعاوية ، ولكنا نقول : زاد الله في هداك وسرورك (5) ، نظرت بنور الله فقدمت رجالا ، وأخرت رجالا ، فعليك أن تقول وعلينا أن نفعل ، أنت الإمام ، فإن هلكت فهذان من بعدك ـ يعني حسنا وحسينا ـ وقد قلت شيئا فاسمعه . قال : هات . فقال : ____________ ( 1 ) ح ( 2 : 290 ) : « صفو اللبن » . ( 2 ) ح : « وشد علي بأصحابه » . ( 3 ) في الأصل : « بما أحببت » وأثبت ما في ح . ( 4 ) في الأصل : « أهل ثقاتي وثقاتكم » وكلمة : « أهل » مقحمة ، وفي ح : « أهل ثقتي » فقط . ( 5 ) ح : « في سرورك وهداك » . ( 426 ) أبــا حسن أنت شمـس النهــار * وهذان فــي الحادثــات القمـر وأنــت وهذان حتــى الممـات * بمنــزلة السمــع بعد البصــر وأنتـــم أنــاس لكم ســورة * يقصـــر عنها أكــف البشــر (1) يخبرنــا الناس عــن فضلكـم * وفضلكــم اليوم فــوق الخبــر (2) عقــدت لقــوم ذوي نجــدة * مــن أهل الحيــاء وأهل الخطر مساميــح بالمـوت عنـد اللقاء * منــا وإخواننــا من مضـــر ومــن حي ذي يمــن جلــة * يقيمــون في الحادثــات الصعر فكــل يســـرك في قومــه * ومــن قــال لا فبفيه الحجــر ونحــن الفوارس يــوم الزبير * وطلحــة إذ قيــل أودى غـدر ضربناهــم قبل نصف النهــار * إلى الليــل حتى قضينــا الوطر ولم يأخــذ الضـرب إلا الرؤوس * ولــم يأخذ الطعــن إلا الثغـر فنحــن أولئك فــي أمسنــا * ونحــن كـذلك فيمــا غبــر (3) فلم يبق أحد من الناس به طرق (4) أوله ميسرة إلا أهدي للشنى أو أتحفه . قال [ نصر : وحدثنا عمر بن سعد قال ] : ولما تعاظمت الأمور على معاوية [ قبل قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب ] دعا عمرو بن العاص ، وبسر بن أرطاة وعبيد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقال لهم : إنه قد غمني رجال من أصحاب علي ، منهم سعيد بن قيس في همدان والأشتر في قومه ، والمرقال وعدي بن حاتم وقيس بن سعد في الأنصار ، وقد وقتكم ____________ ( 1 ) السورة ، بالضم : المنزلة الرفيعة . ( 2 ) في الأصل : « يخبر بالناس » صوابه في ح ( 2 : 290 ) . ( 3 ) غبر : بقي . والغابر من الأضداد ، يقال للماضي وللباقي . في الأصل : « فيمن غبر » وأثبت ما في ح . ( 4 ) الطرق ، بكسر الطاء : القوة والقدرة . وفي الأصل : « ظرف » تحريف . ( 427 ) يمانيتكم بأنفسها [ أياما كثيرة ] حتى لقد استحييت لكم ، وأنتم عدتهم من قريش : وقد أردت أن يعلم الناس أنكم أهل غناء ، وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم ، فاجعلوا ذلك إلى . فقالوا : ذلك إليك . قال : فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا ، وأنت يا عمرو لأعور بني زهرة المرقال ، وأنت يا بسر لقيس بن سعد ، وأنت يا عبيد الله للأشتر النخعي ، وأنت يا عبد الرحمن بن خالد لأعور طيء ـ يعني عدي بن حاتم ـ ثم ليرد كل رجل منكم عن حماة الخيل . فجعلها نوائب في خمسة أيام ، لكل رجل منهم يوم . فأصبح معاوية [ في غده ] فلم يدع فارسا إلا حشده ، ثم قصد لهمدان [ بنفسه ] وتقدم الخيل وهو يقول : لا عيش إلا فلــق قحف الهــام * مــن أرحــب وشاكر وشبـام لــن تمنع الحرمة بعـد العــام * بيـــن قتيــل وجريــح دام سأملــك العــراق بالشـــآم * انعــى ابــن عفان مدى الأيـام فطعن في أعراض الخيل مليا . ثم إن همدان تنادت بشعارها ، وأقحم سعيد بن قيس فرسه على معاوية واشتد القتال ، وحجز بينهم الليل ، فذكرت همدان أن معاوية فاتها ركضا . وقال سعيد بن قيس في ذلك : يــا لهف نفسي فاتني معاويــه * فـوق طمــر كالعقـاب هاويـه والراقصــات لا يعود ثانيـه (1) * إلا علــى ذات خصيـل طاويـه إن يعـــد اليوم فكفى عاليـــه فانصرف معاوية ولم يعمل شيئا . وإن عمرو بن العاص غدا في اليوم الثاني ____________ ( 1 ) يقسم بالراقصات ، وهي الإبل ترقص في سيرها ، والرقص : ضرب من الخبب . انظر أيمان العرب للنجيرمي ص 20 وأمالي القالي ( 3 : 51 ) . ( 428 ) في حماة الخيل ، فقصد المرقال ، ومع المرقال ، لواء على الأعظم ، في حماة الناس ، وكان عمرو من فرسان قريش ، فتقدم وهو يقول : لا عيش إن لم ألق يوما هاشمــا * ذاك الـــذي أجشمني المجاشمــا ذاك الــذي أقـام لي المآتمــا * ذاك الــذي يشتــم عرضي ظالما ذاك الـــذي إن ينج مني سالما * يكــن شجـا حتى الممات لازمــا فطعن في أعراض الخيل مزبدا ، فحمل هاشم وهو يقول : لا عيش إن لم ألق يومي عمـرا * ذاك الـــذي أحدث فينـــا الغدرا أو يحــدث الله لأمــر أمـرا * لا تجزعي يا نفس صبـرا صبــرا ضربا هذا ذيك وطعنا شزرا (1) * يا ليت مــا تجني يكــون قبرا (2) فطاعن عمرا حتى رجع (3) ، واشتد القتال وانصرف الفريقان [ بعد شدة القتال ] ، ولم يسر معاوية ذلك . وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقى قيس ابن سعد في كماة الأنصار ، فاشتدت الحرب بينهما ، وبرز قيس كأنه فنيق مقرم ، وهو يقول : أنا ابن سعـــد زانه عبــاده * والخزرجيــون رجــال سـاده ليس فــراري في الوغى بعاده * إن الفـــرار للفتــى قلــاده يــا رب أنت لقنى الشهــاده * والقتــل خير من عناق غاده حتى متـــى تثني لــــي الوســادة ____________ ( 1 ) هذاذيك : أي هذا بعد هذ ، يعتي قطعا بعد قطع . وفي الأصل : « مداريك » صوابه في ح ( 2 : 291 ) . ( 2 ) في الأصل : « يا ليت ما تحيى » والوجه ما أثبت من ح . ( 3 ) في الأصل : « فطعن عمرا » صوابه في ح . ( 429 ) وطاعن خيل بسر (1) ، وبرز له بسر بعد ملى (2) ، وهو يقول : أنـــا ابن أرطاة عظيم القــدر * مــردد في غالب بن فهـــر (3) ليس الفرار مــن طبـاع بســر * أن يـرجـــع اليوم بغير وتـر وقــد قضيت في عدوي نـذري * يا ليت شعري ما بقي من عمري (4) ويطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فرده على عقبيه ، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل . وإن عبيد الله بن عمر تقدم في اليوم الرابع ولم يترك فارسا مذكورا ، وجمع من استطاع ، فقال له معاوية : إنك تلقى أفاعي أهل العراق (5) فارفق واتئد . فلقيه الأشتر أمام الخيل مزبدا ـ وكان الأشتر إذا أراد القتال أزبد ـ وهو يقول : في كــل يوم هامتـي مقيــره * بالضــرب أبغي منــة مؤخره والدرع خير من برود حبـره (6) * يــا رب جنبني سبيل الكفــره واجعل وفاتي بأكــف الفجــرة * لا تعــدل الدنيا جميعــا وبره ولا بعوضـــا في ثــواب البــرره وشد على الخيل خيل الشام فردها (7) ، فاستحيا عبيد الله فبرز أمام الخيل وكان فارسا [ شجاعا ] وهو يقول : ____________ ( 1 ) في الأصل : « فطعن خيل بسر » والصواب في ح . ( 2 ) يقال مضى ملي من النهار ، أي ساعة طويلة . ( 3 ) في الأصل : « مراود » ووجهه من ح . وفي ح : « غالب وفهر » وغالب هو ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة . ( 4 ) بقي ، بكسر القاف وإسكان الياء للشعر ، وفي لغة طيئ بقي يبقى بفتح القاف ، كما يقولون فني يفني ، يفعلون ذلك في كل ياء انكسر ما قبلها ، يجعلونها ألفا . انظر اللسان ( بقى ) . ( 5 ) ح ( 2 : 291 ) : « أفعى أهل العراق » . ( 6 ) ح : « فالقتل خير من ثياب الحبره » . ( 7 ) هذا ما في ح . وبدل هذه العبارة في الأصل : « فرد الخيل » . ****************** أنعى ابن عفان وأرجـــو ربي * ذاك الــذي يخرجني من ذنبي ذاك الذي يكشف عنـــي كربي * إن ابــن عفان عظيم الخطب يأبى له حبي بكـــل قلبي (1) * إلا طعاني دونــــه وضربي حسبي الذي أنويـــه حسبي حسبـي فحمل عليه الأشتر فطعنه ، واشتد الأمر ، وانصرف القوم وللأشتر الفضل ، فغم ذلك معاوية . وإن عبد الرحمن بن خالد غدا في اليوم الخامس ، وكان أرجاهم عند معاوية أن ينال حاجته ، فقواه معاوية بالخيل والسلاح ، وكان معاوية بعده ولدا ، فلقيه عدي بن حاتم في حماة مذحج وقضاعة ، فبرز عبد الرحمن أمام الخيل وهو يقول : قل لعــدي ذهــب الوعيــد * أنــا ابن سيـــف الله لا مزيـد وخالـــد يزينـــه الوليـد * ذاك الـــذي هــو فيكـم الوحيد (2) قــد ذقتم الحرب فزيدوا زيـدوا * فمـــا لنـــا ولا لكم محيــد * عن يومنـــا ويومكــم فعــودوا * ثم حمل فطعن الناس ، وقصده عدي بن حاتم [ وسدد إليه الرمح ] وهو يقول : أرجو إلهي وأخـــاف ذنبي * وليس شيء مثل عفـــو ربي (3) يا ابن الوليد بغضكم في قلبي * كالهضب بل فوق قنان الهضب (4) ____________ ( 1 ) في الأصل : « قلب » صوابه في ح . ( 2 ) ح ( 2 : 292 ) : « الذي قيل له » . ( 3 ) ح : « ولست أرجو غير عفو ربي » . ( 4 ) القنان : جمع قنة ، وقنة كل شيء : أعلاه . ( 431 ) فلما كاد أن يخالطه بالرمح توارى عبد الرحمن في العجاج واستتر بأسنة أصحابه ، واختلط القوم ، ورجع عبد الرحمن إلى معاوية مقهورا ، وانكسر معاوية . وإن أيمن بن خريم الأسدي (1) لما بلغه ملقى معاوية وأصحابه شمت ، وكان أنسك رجل من أهل الشام وأشعره ، وكان في ناحية معتزلا (2) ، فقال في ذلك : معـــاوي إن الأمر لله وحــده * وإنــك لا تستطيــع ضـرا ولا نفعا عبأت رجالا من قريش لمعشـــر * يمانيــة لا تستطيــع لهـا دفعــا فكيــف رأيت الأمر إذ جد جــده * لقـــد زادك الذي جئتــه جدعـا تعبي لقيس أو عــدي بن حاتــم * والأشتر ، يا للناس ، أغمارك الجدعا (3) تعبــئ للمرقال عمــرا وإنــه * لليــث لقى مـن دون غابته ضبعــا وإن سعيـــدا إذ برزت لرمحــه * لفارس همــدان الذي يشعب الصدعـا ملى بضرب الدارعيـــن بسيفـه * إذا الخيــل أبدت مـــن سنابكها نقعا رجعت فلم تظفـــر بشيء أردتـه * سوى فرس أعيـــت وأبت بها ظلعـا فدعهم فــلا والله لا تستطيعهـــم * مجاهــرة فاعمل لقهــرهم خدعـا (4) ____________ (1) أيمن بن خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك بن العليب بن عمرو بن أسد ابن خزيمة بن مدركة الأسدي . قال المبرد في الكامل : له صحبه . وقال ابن عيد البر : أسلم يوم الفتح . وكان يسمى خليل الخلفاء ، لإعجابهم في تحديثه بفصاحته وعلمه . وكان به وضح يغيره بزعفران . انظر الإصابة 390 . وفي الأصل وح : « بن خزيم » صوابه بالراء المهملة ، كما في ترجمة ( خريم ) من الإصابة 2242 . ( 2 ) ح : « وكان معتزلا للحرب من ناحية عنها » . ( 3 ) الأغمار : جمع غمر ، وهو من لا تجربة له . والجدع ، جمع أجدع . وفي الأصل : « الخدعا » وفي ح : " الجذعا " والوجه ما أثبت . ( 4 ) في الأصل : « فانظر تطيقهم خدعا » وأثبت ما في ح . ( 432 ) قال : وإن معاوية أظهر لعمرو شماتة [ وجعل يقرعه ويوبخه ] وقال : لقد أنصفتكم إذ لقيت سعيد بن قيس في همدان وقررتم ، وإنك لجبان . فغضب عمرو ثم قال : والله لو كان عليا ما قحمت عليه يا معاوية ، فهلا برزت إلى علي إذ دعاك إن كنت شجاعا كما تزعم . وقال عمرو في ذلك : تسير إلى ابن ذي يـزن سعيــد * وتترك في العجاجــة مــن دعاكا فهل لك في أبــي حسـن علـي * لعــل الله يمكـن مــن قفاكــا دعاك إلى النزال فلـــم تجبــه * ولو نـــازلته تربــت يداكــا وكنت أصم ، إذ نــاداك ، عنهـا * وكــان سكوته عنها (1) مناكـــا فآب الكبش قد طحنــت رحــاه * بنجدتــه ولــم تطحن رحاكــا فما انصفت صحبك يا ابــن هند * أتفرقـــه وتغضب مـن كفاكــا فلا والله ما أضمــرت خيــرا * ولا أظهــرت لــي إلا هواكــا [ قال ] : وإن القرشيين استحيوا مما صنعوا ، وشمتت بهم اليمانية [ من أهل الشام ] ، فقال معاوية « يا معشر قريش ، والله لقد قربكم لقاء القوم من الفتح ، ولكن لا مرد لأمر الله (2) ، [ ومم تستحيون ؟ ! ] ، إنما لقيتم كباش أهل العراق ، وقتلتم وقتل منكم ، ومالكم علي من حجة ، لقد عبأت نفسي (3) لسيدهم سعيد بن قيس » . فانقطعوا عن معاوية أياما ، فقال معاوية في ذلك : ____________ ( 1 ) أي عن الدعوة أو المنازلة . وفي الأصل : « عنه » وأثبت ما في ح ليتلاءم الكلام . ( 2 ) في الأصل : « الأمر لأمر الله » صوابه في ح . ( 3 ) في الأصل : « تعبئتي » ، والوجه ما أثبت من ح . انظر السطر الثاني . ( 433 ) لعمري لقد أنصفت والنصف عــادة * وعاين طعنــا في العجاج المعاين (1) ولولا رجائـي أن تبوءوا (2) بنهـزة * وأن تغسلوا عــارا وعتـه الكنائن لناديت للهيجـــا رجالا سواكــم * ولكنمـــا تحمي الملوك البطائـن أتدرون من لاقيتم فــل جيشكــم * لقيتــم جيوشا أصحرتهـا العرائن (3) لقيتم صناديد العراق ومــن بهــم * إذا جاشـت الهيجاء تحمي الظعائن وما كــان منكم فارس دون فـارس * ولكنـــه ما قــدر الله كائــن قال : فلما سمع القوم ما قال معاوية أتوه فاعتذروا له ، واستقاموا له على ما يحب . قال [ نصر : وحدثنا عمرو بن شمر قال ] : ولما اشتد القتال [ وعظم الخطب ] أرسل معاوية إلى عمر وأن قدم عكا والأشعريين إلى من بإزائهم . فبعث عمرو إلى معاوية : « إن همدان بإزاء عك » . فبعث [ إليه ] معاوية : « أن قدم عكا إلى همدان » . فأتاهم عمرو فقال : يا معشر عك ، إن عليا قد عرف أنكم حي أهل الشام ، فعبأ لكم حي أهل العراق همدان ، فاصبروا وهبوا لي جماجمكم ساعة من النهار ، وقد بلغ الحق مقطعه . فقال ابن مسروق العكي : أمهلوني (4) حتى آتى معاوية . فأتاه فقال : يا معاوية ، اجعل لنا فريضة ألفي رجل في ألفين ، ومن هلك فابن عمه مكانه ، لنقر اليوم عينك . قال : ذلك لك . فرجع ابن مسروق إلى أصحابه فأخبرهم الخبر فقالت عك : نحن لهمدان . ____________ ( 1 ) النصف ، بالكسر : الإنصاف . ( 2 ) ح : « أن تؤوبوا » . ( 3 ) أصحرتها : أبرزتها . وفي الحديث : فلا تصحريها « معناه لا تبرزيها إلى الصحراء . قال ابن الأثير : هكذا جاء في هذا الحديث متعديا ، على حذف الجار وإيصال الفعل ، فإنه غير متعد . والعرائن : جمع عرينة ، وهي مأوى الأسد ، كالعرين . ( 4 ) ح ( 2 : 293 ) : « أمهلني » . ( 434 ) قال : فتقدمت عك ، ونادى سعيد بن قيس : يال همدان خدموا (1) . فأخذت السيوف أرجل عك ، فنادى أبو مسروق العكي : يالعك ، بركا كبرك الكمل (2) . فبركوا تحت الجحف وشجروهم بالرماح (3) ، وتقدم شيخ من همدان وهو يقول : يا لبكيل لخمهــا وحاشــد (4) * نفسي فــداكم طاعنــوا وجالدوا حتى تخر منكــم القماحــد (5) * وأرجــل تتبعهــا سواعـــد بذاك أوصى جدكــم والوالـــد * إنـــي لقاضي عصبتي ورائد وتقدم رجل من عك وهو يقول : يدعون همدان وندعــو عكــا * نفسي فداكــم يــال عــك بكا إن خدم القـوم فبــركا بركــا * لا تدخلــوا نفسي (6) عليكم شكا قد محك القوم فزيــدوا محكــا قال : فألقى القوم الرماح وصاروا إلى السيوف ، وتجالدوا حتى أدركهم الليل ، فقالت همدان : يا معشر عك ، إنا والله لا ننصرف حتى تنصرفوا . وقالت عك مثل ذلك ، فأرسل معاوية إلى عك : » أبروا قسم القوم (7) [ وهلموا ] » . فانصرفت عك ثم انصرفت همدان ، وقال عمرو : يا معاوية ، لقد لقيت أسد أسدا ، لم أر كاليوم قط ، لو أن معك حيا كعك ، أو مع علي ____________ ( 1 ) انظر ما سبق ص 257 س 15 وص 329 س 13 . ( 2 ) الكمل : الجمل ، في لغة عك ، وهم يقبلون الجيم كافا . انظر ما مضى ص 228 ، 329 . وفي الأصل : " الجمل " صوابه في ح . ( 3 ) شجروهم : طعنوهم . وفي ح : « فشجرتهم همدان بالرماح » . ( 4 ) في الاشتقاق 250 : « بنو حاشد وبنو بكيل منهم تفرقت همدان » . ( 5 ) القماحد : جمع قمحدوة ، وهي ما أشرف على القفا من عظم الرأس . ( 6 ) ح : « لا تدخلوا اليوم » . ( 7 ) ح ( 2 : 293 ) : « أن أبروا قسم إخوتكم » . ( 435 ) حيا كهمدان لكان الفناء . وقال عمرو في ذلك : إن عكـــا وحاشــدا وبكيــلا * كأسود الضــراب لاقت أسـودا وجثا القوم بالقنــا وتســاقــوا * بظبــات السيوف موتا عتيـدا ليس يدرون مــا الفرار وإن كـا * ن فــرارا لكــان ذاك سديـدا (1) ازورار المنــاكب الغلـــب بالشــم وضـرب المسوميــن الخدودا يعلم الله ما رأيت مــن القـــو * م ازورارا ولا رأيـــت صـدودا غير ضرب فوق الطلى وعلى الهـا * م وقــرع الحديــد يعلو الحديدا ولقد فضل المطيــع على العــا * صـي ولــم يبلغوا بـه المجهودا ولقد قال قائـل خدمــوا الســو * ق فخــرت هناك عــك قعـودا كبروك الجمــال أثقلهــا الحـم * ل فمــا تستقــل إلا وئيـــدا (2) ولما اشترطت عك والأشعرون على معاوية ما اشترطوا من الفريضة والعطاء فأعطاهم ، لم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض إلا طمع في معاوية وشخص بصره إليه (3) ، حتى فشا ذلك في الناس ، وبلغ ذلك عليا فساءه . وجاء المنذر بن أبي حميصة الوادعي (4) ، وكان فارس همدان وشاعرهم فقال : ____________ ( 1 ) في الأصل : « وكان ذلك شديدا » صوابه في ح . ( 2 ) في الأصل وح : « كبراك » ولا وجه لها . ( 3 ) ح : « وشخص ببصره إليه » . ( 4 ) الوادعي : نسبة إلى وادعة ، وهم بطن من همدان . الاشتقاق 253 . وفي الأصل : « الأوزاعي » صوابه في ح والإصابة 8459 . قال ابن حجر : « له إدراك ، هو أول من جعل سهم البراذين دون سهم العراب ، فبلغ عمر فأعجبه » . وفي الأصل أيضا : « بن أبي حميضة » وفي ح : « بن أبي حمضمة » صوابهما في الإصابة . ( 436 ) « يا أمير المؤمنين ، إن عكا والأشعريين طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء (1) فأعطاهم ، فباعوا الدين بالدنيا ، وإنا رضينا بالآخرة من الدنيا ، وبالعراق من الشام ، وبك من معاوية . والله لآخرتنا خير من دنياهم ، ولعراقنا خير من شامهم ، ولإمامنا أهدى من إمامهم ، فاستفتحنا بالحرب ، وثق منا بالنصر (2) واحملنا على الموت » . ثم قال في ذلك : إن عكا سالــوا الفرائض والأشـ * ـعر سالـــوا جوائزا بثنيـه (3) تركوا الديــن للعطـــاء وللفر * ض فكــانوا بذاك شر البريـه وسألنا حســن الثواب مــن الله وصبـرا على الجهــاد ونيــه فلكل مــا سالـــه ونـــواه * كلنا يحسـب الخلاف خطيــه ولأهل العـــراق أحسن في الحر * ب إذامــا تدانت السمهريـه ولأهل العــراق أحمـل للثـقـ * ل إذا عمــت العبــاد بليـه (4) ليس منـــا من لم يكن لك في الله وليــا يا ذا الولا والوصيـــه فقال علي : حسبك ، رحمك الله . وأثنى عليه خيرا وعلى قومه . وانتهى شعره إلى معاوية فقال معاوية : والله لأستميلن بالأموال ثقات (5) علي ، ولأقسمن فيهم المال حتى تغلب دنياي آخرته . وإنه لما أصبح الناس غدوا على مصافهم ، وإن معاوية نادى في أحياء اليمن فقال : عبوا إلى (6) كل فارس مذكور فيكم ، أتقوى به لهذا الحي من ____________ ( 1 ) في الأصل : « والعقار » صوابه في ح . ( 2 ) بدل هاتين الجملتين في ح : « فامنحنا بالصبر » وهو نقص وتحريف . ( 3 ) سالوا : مخفف سألوا . والبثنية : المنسوبة إلى قرية بالشام بين دمشق وأذرعات . وإليها تنسب الحنطة البثنية ، وهي أجود أنواع الحنطة . ح ( 2 : 294 ) : « لبثيه » ، تحريف . ( 4 ) ح : « إذا عمت البلاد » . ( 5 ) في الأصل : « أهل ثقات علي » والوجه ما أثبت من ح . ( 6 ) ح : « عبوا لي » . ( 437 ) همدان (1) . فخرجت خيل عظيمة ، فلما رآها علي عرف أنها عيون الرجال فنادى : يا لهمدان . فأجابه سعيد بن قيس ، فقال له علي عليه السلام : احمل . فحمل حتى خالط الخيل واشتد القتال ، وحطمتهم همدان حتى ألحقوهم بمعاوية فقال : ما لقيت من همدان ، وجزع جزعا شديدا وأسرع في فرسان أهل الشام القتل ، وجمع على همدان فقال : يا معشر همدان ، أنتم درعي ورمحي يا همدان ، ما نصرتم إلا الله ولا أجبتم غيره . فقال سعيد بن قيس : « أجبنا الله وأجبناك (2) ، ونصرنا نبي الله صلى الله عليه في قبره ، وقاتلنا معك من ليس مثلك ، فارم بنا حيث أحببت » . قال نصر : وفي هذا اليوم قال علي عليه السلام : ولو كنت بوابــا على باب جنــة * لقلـت لهمــدان ادخلي بســلام فقال علي عليه السلام لصاحب لواء همدان : اكفني أهل حمص ؛ فإني لم ألق من أحد ما لقيت منهم . فتقدم وتقدمت همدان وشدوا شدة واحدة على أهل حمص فضربوهم ضربا شديدا متداركا بالسيوف وعمد الحديد ، حتى ألجؤوهم إلى قبة معاوية ، وارتجز من همدان رجل [ عداده (3) ] في أرحب ، وهو يقول : قــد قتل الله رجــال حمــص * حرصــا على المــال وأي حرص غــروا بقول كـــذب وخرص * قــد نكص القــوم وأي نكــص (4) * عــن طاعـــة الله وفحــوى النص * ____________ ( 1 ) ح : « علي هذا الحي من همدان » . ( 2 ) في الأصل : « أجبنا الله وأنت » صوابه في ح . ( 3 ) أي عدده ونسبته . وموضع هذه الكلمة بياض في الأصل . ( 4 ) الخرص : الكذب ، والخراص : الكذاب . ح : « وحرص » تحريف . ( 438 ) وحمل أهل حمص ورجل من كندة يقدمهم وهو يقول : قــد قتل الله رجــال العاليــه * في يومنــا هذا وغـــدوا ثانيـه حتى يكونــوا كرجــام باليـه (1) * مــن عهـد عاد وثمــود الثاويـه * بالحجـــر أو يملكهــم معــاويـــه * قال : ولما عبأ معاوية حماة الخيل لهمدان فردت خيله أسف ، فخرج بسيفه فحملت عليه فوارس همدان ، ففاتها (2) ركضا ، وانكسر حماة أهل الشام ورجعت همدان إلى مكانها . وقال حجر بن قحطان الوادعي (3) ، [ يخاطب سعيد بن قيس ] : ألا يا ابن قيس قرت العيـن إذ رأت فوارس همدان بــن زيد بن مالك على عارفات للقــاء عوابــس طوال الهوادي مشرفات الحوارك موقرة بالطعن فــي ثغراتهــا يجلن ويحطمـن الحصى بالسنابك (4) عباها علي لابن هنــد وخيلـه فلو لم يفتها كـــان أول هالـك ____________ ( 1 ) الرجام : الحجارة ، وربما جمعت على القبر ليسنم . وفي الأصل : « كرجال » . ( 2 ) في الأصل : « ففارقها » . ( 3 ) وادعة : بطن من همدان . انظر 435 وفي ح : « الهمداني » . ( 4 ) الموقرة : المصلبة الممرنة ، يقال وقرتني الأسفار أي صلبتني ومرنتني عليها . ح : « معودة للطعن » . والثغرة ، بالضم : نقرة النحر . وفي الأصل : « يزلن ويلحقن القنا » صوابه من ح . ( 439 ) وكانت له في يومه عنـــد ظنــه وفي كل يوم كاسف الشمـــس حالك وكانت بحمد الله في كــل كربــة * حصونــا وعزا للرجــال الصعالك فقــل لأمير المؤمنين أن ادعنــا * إذا شئت (1) إنــا عرضة للمهالــك ونحن حطمنا السمر في حي حميــر وكنــدة والحي الخفاف السكاســـك (2) وعــك ولخم شائليــن سياطهم * حـــذار العوالي كالإمــاء العوارك (3) [ قال نصر ] : و [ حدثنا عمر بن سعد ، عن رجاله ] ، أن معاوية دعا مروان بن الحكم فقال : يا مروان ، إن الأشتر قد غمني [ وأقلقني ] ، فاخرج بهذه الخيل في كلاع ويحصب ، فالقه فقاتل بها . فقال له مروان : ادع لها عمرا فإنه شعارك دون دثارك . قال : وأنت نفسي دون وريدي . قال : لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء ، أو ألحقته بي في الحرمان ، ولكنك أعطيته ما في يديك ومنيته ما في يدي غيرك ، فإن غلبت طاب له المقام ، وإن غلبت خف عليه الهرب . فقال معاوية : يغني الله عنك (4) . قال : أما اليوم فلا . ودعا معاوية عمرا وأمره بالخروج إلى الأشتر فقال : والله إني لا أقول لك كما قال لك مروان . قال : ولم تقوله (5) وقد قدمتك وأخرته ، وأدخلتك وأخرجته . قال عمرو : [ أما ] والله لئن كنت فعلت لقد قدمتني كافيا وأدخلتني ناصحا . وقد أكثر القوم عليك في أمر مصر ، وإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها (6) . ____________ ( 1 ) ح : « متى شئت » . ( 2 ) انظر ص 81 س 9 . ( 3 ) العوالي : أعالي الرماح . العوارك : الحوائض . ( 4 ) ح ( 1 : 295 ) : « سيغنى الله عنك » . ( 5 ) ح : « وكيف تقوله » . ( 6 ) ح : « فإن كان لا يرضيهم إلا رجوعك فيما وثقت لي به منها فارجع فيه » . ( 440 ) فخرج عمرو في تلك الخيل فلقيه الأشتر أمام الخيل ، [ وقد علم أنه سيلقاه ] ، وهو [ يرتجز ] ويقول : يا ليـــت شعري كيف لـي بعمرو * ذاك الـــذي أوجبت فيــه نذري ذاك الــذي أطلبــــه بوتــري * ذاك الـــذي فيــه شفاء صدري ذاك الــذي إن ألقـــه بعمــري * تغلى بــه عنـــد اللقاء قـدري أولا فربــــي عـــاذري بعــذري فعرف عمرو أنه الأشتر ، وفشل حيله (1) وجبن ، واستحيا أن يرجع ، فأقبل نحو الصوت وهو يقول : ياليت شعري كيـــف لي بمالــك * كـــم كاهل جببته وحـــارك (2) وفـــارس قتلتـــه وفاتـــك * ونابـــل فتكتـــه وباتـــك (3) ومقــدم آب بوجــه حالـــك * هـــذا وهـــذا عرضة المهـالك قال : فلما غشيه الأشتر بالرمح زاغ عنه عمرو ، فطعنه الأشتر في وجهه فلم يصنع [ الرمح ] شيئا ، وثقل عمرو فأمسك [ عنان فرسه وجعل يده ] على وجهه ، ورجع راكضا إلى العسكر ، ونادى غلام من يحصب : يا عمرو ، عليك العفا ، ماهبت الصبا ، يالحمير (4) ، إنما لكم ما كان معكم ، أبلغوني اللواء (5) . فأخذه ثم مضى ـ وكان غلاما شابا (6) ـ وهو يقول : ____________ ( 1 ) الفشل : الضعف . والحيل : القوة . وفي الأصل : « خيله » تحريف ، وهذه الكلمة ليست في ح . ( 2 ) الكاهل : مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق . والحارك : أعلى الكاهل . جببته : قطعته . في الأصل : « كداجل خيبته » وفي ح : « كم جاهل جببته » والوجه ما أثبت . ( 3 ) هذا البيت ليس في ح . والمعروف في اللغة « فتكت به » . ( 4 ) ح ( 2 : 295 ) : « يا آل حمير » . ( 5 ) ح : « هاتوا اللواء » . ( 6 ) ح : « غلاما حدثا » . ( 441 ) إن يـــــك عمرو قد علاه الأشتر * بأسمــــر فيه سنــان أزهــر فــذاك والله لعمـــري مفخـر * يا عمـــرو هيهات الجناب الأخضر (1) يــا عمرو يكفيك الطعــان حمير * واليحصبـــي بالطعـان أمهـــر * دون اللواء اليــــوم موت أحمـــر * فنادى الأشتر إبراهيم ابنه : خذ اللواء ، فغلام لغلام . فتقدم وهو يقول : يا أيها السائـــل عني لا تــرع * أقــــدم فإني من عرانين النخــع كيف ترى طعن العراقـــي الجذع * أطيـــر في يوم الوغى ولا أقــع ما ساءكم سر ومــا ضر نفـع (2) * أعـــددت ذا اليوم لهول المطلــع ويحمل على الحميري فالتقاه الحميري بلوائه ورمحه ، ولم يبرحا يطعن كل منهما صاحبه حتى سقط الحميري قتيلا ، وشمت مروان بعمرو ، وغضب القحطانيون على معاوية فقالوا : تولى علينا من لا يقاتل معنا ؟ ! ول رجلا منا ، وإلا فلا حاجة لنا فيك . فقال المزعف اليحصبي ـ وكان شاعرا ـ أيها الأمير ، اسمع : معاوي إما تدعنــــا لعظيمـــة يلبس من نكرائها الغرض بالحقــب (3) فول علينا مـــن يحوط ذمارنــا من الحميريين الملوك على العــرب ____________ ( 1 ) يشير إلى مصر . ( 2 ) أي ما ساءكم سرنا وما ضركم نفعنا . في الأصل : « ولا ضر » صوابه في ح . ( 3 ) الغرض : حزام الرحل . وفي الأصل : « العرض » صوابه في ح . والحقب ، بالتحريك : حبل يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير . ( 442 ) ولا تأمرنا بالتـــي لا نريـــدهــا ولا تجعلنا للهــوى موضـــع الذنب ولا تغضبنــا ، والحــوادث جمــة عليك ، فيفشو اليوم في يحصب الغضب فإن لنا حقا عظيمــــا وطاعـــة وحبـا دخيلا في المشاشة والعصب (1) فقال لهم معاوية : [ والله ] لا أولى عليكم بعد موقفي هذا (2) إلا رجلا منكم . [ قال نصر ] : و [ حدثنا عمر بن سعد قال ] : إن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام قال : هذا يوم تمحيص ، [ وإن لهذا اليوم ما بعده ] . إن القوم قد أسرع فيهم كما أسرع فيكم ، فاصبروا وكونوا كراما (3) . قال : وحرض علي بن أبي طالب أصحابه ، فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال : يا أمير المؤمنين ، قدمني في البقية من الناس ، فإنك لا تفقد لي اليوم صبرا ولا نصرا . أما أهل الشام فقد أصبنا منهم ، وأما نحن ففينا بعض البقية ، ائذن لي فأتقدم . فقال علي : تقدم باسم الله والبركة . فتقدم وأخذ رايته ، فمضى وهو يقول : حتى متى ترجو البقايــا أصبغ * إن الرجـــاء بالقنوط يدمـغ أما ترى أحداث دهـر تنبــغ * فادبغ هـــواك ، والأديم يدبـغ ____________ ( 1 ) المشاشة : واحدة المشاش ، وهي رءوس العظام . ح : « في المشاش وفي العصب » . ( 2 ) ح : « بعد هذا اليوم » . ( 3 ) ح : « وموتوا كراما » . ( 443 ) والرفق فيما قـــد تريـد (1) أبلغ * اليـــوم شغل وغـــدا لا تفرغ فرجع الأصبغ وقد خصب سيفه دما ورمحه ، وكان شيخا ناسكا عابدا ، وكان إذا لقى القوم بعضهم بعضا يغمد سيفه ، وكان من ذخائر على ممن قد بايعه على الموت ، وكان من فرسان أهل العراق ، وكان علي عليه السلام يضن به على الحرب والقتال . وقال : وكانوا قد ثقلوا عن البراز حين عضتهم الحرب ، فقال الأشتر : يا أهل العراق ، أما من رجل يشري نفسه [ لله ] ؟ ! فخرج أثال بن حجل فنادى بين العسكرين : هل من مبارز ؟ فدعا معاوية حجلا فقال : دونك الرجل . وكانا مستبصرين في رأيهما ، فبرز كل واحد منهما إلى صاحبه فبدره الشيخ بطعنة فطعنه الغلام ، وانتمى (2) فإذا هو ابنه ، فنزلا فاعتنق كل وأحد منهما صاحبه وبكيا ، فقال له الأب : أي أثال ، هلم إلى الدنيا . فقال له الغلام : يا أبه ، هلم إلى الآخرة ، والله : يا أبه ، لو كان من رأيي الانصراف إلى أهل الشام لوجب عليك أن يكون من رأيك لي أن تنهاني . واسوأتاه (3) ، فماذا أقول لعلي وللمؤمنين الصالحين ؟ ! كن على ما أنت عليه ، وأنا أكون على ما أنا عليه . وانصرف حجل إلى أهل الشام ، وانصرف أثال إلى أهل العراق ، فخبر كل واحد منهما أصحابه . وقال في ذلك حجل : أن حجـل بن عامــر وأثـــالا * أصبحــا يضربــان في الأمثــال أقبل الفـــارس المدجـج في النق * ع أثـــال يدعو يريـــد نزالــي دون أهل العــراق يخطـر كالفح * ل علـــى ظهــر هيكـل ذيــال ____________ ( 1 ) في الأصل : « قديدين » صوابه في ح ( 2 : 296 ) . ( 2 ) انتمى : انتسب . وفي ح : « وانتسبا » . ( 3 ) في الآصل : « واسوأتنا » وأثبت ما في ح . ( 444 ) فدعاني له ابــن هنـد ومــا زا * ل قليــلا في صحبــه أمثالي (1) فتناولتـــه ببـــادرة الرمــ * ح وأهـــوى بأسمر عســال فاطعنا وذاك مـــن حدث الدهر * عظيـــم ، فتـى لشيـخ بجال (2) شاجرا بالقنـاة صــدر أبيـــه * وعظيـــم علي طعـن أثـال لا أبالي حيـــن اعترضـت أثالا * وأثـــال كذاك ليس يبــالي فافترقنـــا على السلامـة والنفـ * س يقيهـــا مؤخر الآجــال لا يراني علـــى الهــدى وأراه * من هداي على سبيـــل ضلال فلما انتهى شعره إلى أهل العراق قال أثال ـ وكان مجتهدا مستبصرا : إن طعني وســط العجاجــة حجلا * لم يكــن في الذي نويـت عقوقا كنت أرجو بــه الثواب مــن اللـ * ـه وكونــي مع النبي رفيقــا لم أزل أنصـــر العراق على الشـا * م (3) أرانــي بفعـل ذاك حقيقا قال أهل العــراق إذ عظم الخــط * ب ونـــق المبارزون نقيقــا من فتى يـأخذ الطريق إلـى اللــ * ـه فكنـت الذي أخذت الطريقـا (4) حاســر الرأس لا أريد سوى المـو * ت أرى كـــل ما يرون دقيقا (5) فــإذا فارس تقحــم فـي النقــ * ع خدبــا مثل السحوق عتيقـا (6) فبــداني حجل ببــادرة الطعــ * ن ومــا كنت قبلها مسبوقـــا ____________ ( 1 ) في الأصل : « وما ذاك قليلا » صوابه في ح . ( 2 ) البجال ، بالفتح : الكبير العظيم . ح : « بشيخ بجال » . ( 3 ) في الأصل : « من الشام » وأثبت ما في ح . ( 4 ) ح : « يسلك الطريق » و « سلكت الطريق » . ( 5 ) ح : « أرى الأعظم الجليل دقيقا » . ( 6 ) الخدب : الضخم العظيم . والسحوق : النخلة الطويلة . ( 445 ) فتلافيتـــه بعاليــة الرمــ * ح ، كلانـــا يطـاول العيوقــا (1) أحمد الله ذا الجلالـــة والقـد * رة حمـــدا يــزيدنـي توفيقــا لم أنل قتلـــه ببادرة الطعــ * نــة مني ولــم أنـل ثفروقـــا (2) قلت للشيخ لست أكفرك الدهــ * ر لطيــف الغــذاء والتفنيقـــا (3) غير أني أخاف أن تدخل النــا * ر فلا تعصنــي وكن لـي رفيقــا وكذا قــال لي ، فغـرب تغري * بــا وشــرقت راجعا تشريقـــا وإن معاوية دعا النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ، ومسلمة بن مخلد الأنصاري ، ولم يكن معه من الأنصار غيرهما ، فقال : يا هذان ، لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج ، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال ، حتى والله جبنوا أصحابي ، الشجاع والجبان ، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا قتلته الأنصار . أما والله لألقينهم بحدي وحديدي ، ولأعبين لكل فارس منهم فارسا ينشب في حلقه ، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش ، رجال لم يغذهم التمر والطفيشل (4) ، يقولون نحن الأنصار ، قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم . ____________ ( 1 ) التلافي : التدارك . وعالية الرمح : أعلاه . وفي الأصل : « ببادرة الرمح » صوابه في ح . وفي ح أيضا : « فتلقيته » . ( 2 ) الثفروق : قمع البسرة والتمرة ، يقول : لم أنل منه أقل شئ . وفي الأصل : « لم أكن مفروقا » وفي ح : إذا كففت السنان عند ولم أد * ن فتيلا أبي ولا ثفروقا وصواب إنشاد هذا : « منه ولا ثفروقا » . ( 3 ) التفنيق : التنعيم . ح : « لست أكفر نعماك » . ( 4 ) الطفيشل ، بوزن سميدع ، كما في القاموس ، ويقال له أيضا « طفشيل » . ولفظه فارسي معرب ، وهو بالفارسية « تفشله » أو « تفشيله » وقد فسره استينجاس في 313 بأنه ضرب من اللحم يعالج بالبيض والجزر والعسل ، وفسر في القاموس بأنه نوع من المرق . وجعله البغدادي في كتاب الطبيخ ضربا من التنوريات ، أي الأطعمة التي تنضج في التنور . وفي منهاج الدكان 220 : « طفشيل كل طعام يعمل من القطاني ، أعتى الحبوب كالعدس والجلبان وما أشبه ذلك » . انظر حواشي الحيوان ( 3 : 24 / 5 : 226 ) . ( 446 ) فغضب النعمان فقال : يا معاوية ، لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية . فأما دعاؤهم الله فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه [ يفعلون ذلك كثيرا ] . وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم [ قديما ] ، فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا فافعل . وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا ، فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه . وأما الطفيشل فكان لليهود ، فلما أكلناه غلبناهم عليه ، كما غلبت قريش على السخينة (1) . ثم تكلم مسلمة بن مخلد فقال : يا معاوية ، إن الأنصار لا تعاب أحسابها ولا نجداتها . وأما غمهم إياك فقد والله غمونا ، ولو رضينا ما فارقونا وما فارقنا جماعتهم ، وإن في ذلك لما فيه من مباينة العشيرة ، ومباعدة الحجاز وحرب العراق ، ولكن حملنا ذلك لك ، ورجونا منك عوضه . وأما التمر والطفيشل فإنهما يجران (2) عليك نسب السخينة والخرنوب . وانتهى الكلام إلى الأنصار ، فجمع قيس بن سعد الأنصاري ، الأنصار ثم قام خطيبا فيهم فقال : إن معاوية قد قال ما بلغكم ، وأجاب عنكم صاحباكم (3) ، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس ، وإن وترتموه في الإسلام فقد وترتموه في الشرك ، ومالكم إليه من ذنب [ أعظم ] من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه ، فجدوا اليوم جدا تنسونه [ به ] ما كان أمس ، وجدوا غدا [ جدا ] تنسونه (4) [ به ] ما كان اليوم ، وأنتم مع هذا ____________ ( 1 ) السخينة : طعام يتخذ من دقيق وسمن ـ وقيل من دقيق وتمر ـ أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة . وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة . ( 2 ) في الأصل : « يجبران » وأثبت ما في ح ( 4 : 297 ) . ( 3 ) أي النعمان ومسلمة . وفي الأصل : « صاحبكم » صوابه في ح . ( 4 ) في الأصل : « فتنسونه » وأثبت ما في ح . ( 447 ) اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرائيل وعن يساره ميكائيل ، والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب . وأما التمر فإنا لم نغرسه ، ولكن غلبنا عليه من غرسه . وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به اسما كما سميت قريش السخينة . ثم قال قيس بن سعد في ذلك : يا ابن هند دع التوثب في الحــر * ب إذا نحــن في البــلاد نأينــا (1) نحن من قد رأيت فـادن (2) إذ شئـ * ت بمــن شئت في العجــاج إلينا إن برزنا بالجمع نلقك فـي الجمــ * ع وإن شئــت محضـة أسرينــا فالقنـــا في اللفيف نلقك في الخـز * رج ندعــو في حربنــا أبوينـا أي هذيــن مــا أردت فخـــذه * ليــس منا وليس منــك الهوينـا ثم لا تنـــزع العجاجــة حتـى * تنجلــي حربنا لنــا أو علينــا (3) ليــت ما تطلب الغـداة أتانـــا * أنعـــم الله بالشهــادة عينـــا إننا إننـــا الذيـــن إذا الفتــ * ح شهدنــا وخيبــرا وحنينـــا بعـــد بدر وتلك قاصمـــة الظهر وأحــــد وبالنضيـــر ثنينـا يوم الاحــزاب ، قــد علم النا * س ، شفينــا من قبلكــم واشتفينـا (4) فلما بلغ شعره معاوية دعا عمرو بن العاص فقال : ما ترى في شتم الأنصار ؟ قال : أرى أن توعد ولا تشتم ، ما عسى أن نقول لهم ؟ إذا أردت ذمهم فذم أبدانهم ولا تذم أحسابهم . قال معاوية : إن خطيب الأنصار قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيبا ، وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس الفيل ، فما الرأي ؟ قال : الرأي التوكل والصبر . فأرسل معاوية إلى رجال ____________ ( 1 ) ح : « بالجياد سرينا » . ( 2 ) في الأصل : « فأذن » صوابه في ح ( 2 : 297 ) . ( 3 ) العجاجة : واحدة العجاج ، وهو ما ثورته الريح . تنزع : تكف . وفي الأصل : « ينزع » وفي ح : « لا نسلخ » . ( 4 ) لعلها : « وبيوم الأحزاب » . ( 448 ) من الأنصار فعاتبهم ، منهم عقبة بن عمرو ، وأبو مسعود ، والبراء بن عازب ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وخزيمة بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وعمرو بن عمير (1) والحجاج بن غزية ، وكان هؤلاء يلقون في تلك الحرب ، فبعث معاوية بقوله : لتأتوا قيس بن سعد . فمشوا بأجمعهم إلى قيس ، فقالوا : إن معاوية لا يريد شتما فكف عن شتمه . فقال : إن مثلي لا يشتم ، ولكني لا أكف عن حربه حتى ألقى الله . وتحركت الخيل غدوة فظن قيس بن سعد أن فيها معاوية ، فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية ، وحمل الثانية [ على آخر ] يشبهه أيضا فضربه ، ثم انصرف وهو يقول : قولوا لهــذا الشاتمــي معاويــه * إن كــل ما أوعدت ريـح هاويـه خوفتنا أكلـــب قــوم عاويــه * إلى يــا بــن الخاطئين الماضيـة ترقل إرقــال العجوز الجارية (2) * في أثــر الساري ليالــى الشاتيــه (3) فقال معاوية : يا أهل الشام ؛ إذا لقيتم هذا الرجل فأخبروه بمساويه . وغضب النعمان ومسلمة على معاوية فأرضاهما بعد ما هما أن ينصرفا إلى قومهما ، ولم يكن مع معاوية من الأنصار غيرهما . ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم . فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين فقال : يا قيس ، أنا النعمان بن بشير . فقال قيس : هيه يا ابن بشير فما حاجتك ؟ فقال النعمان : يا قيس ، إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضى لنفسه ، ألستم معشر الأنصار ، ____________ ( 1 ) عمرو بن عمير الأنصاري ، أحد الصحابة ، وقد اختلف في اسمه فقيل عمرو بن عمرو ، وقيل عامر بن عمير أيضا . وفي الأصل : « عمير بن عمر » تحريف . الإصابة 4404 ، 5914 . ( 2 ) العجوز : الكلبة . وفي الأصل : « العجوز الحاوية » . ( 3 ) الساري : السحاب الذي يسري ليلا . والكلاب تنبح السحاب . انظر الحيوان ( 2 : 73 ) . ( 449 ) تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ، وقتلتم أنصاره يوم الجمل وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين ، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكانت واحدة بواحدة ، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا ، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب ودعوتم إلى البراز ، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة ، ووعدتموه الظفر . وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم . فاتقوا الله في البقية . فضحك قيس ثم قال : ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذه المقالة ، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه ، وأنت والله الغاش الضال المضل . أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذها مني ، واحدة قتل عثمان من لست خيرا منه ، وخذله من هو خير منك . وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث . وأما معاوية فو الله أن لو اجتمعت عليه العرب [ قاطبة ] لقاتلته الأنصار . وأما قولك إنا لسنا كالناس ، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله ، نتقي السيوف بوجوهنا ، والرماح بنحورنا ، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ، ولكن انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور . انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان ، الذين رضي الله عنهم ، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ، ولستما والله ببدريين [ ولا عقبيين ] ولا أحديين ، ولا لكما سابقة في الإسلام ولا آية في القرآن . ولعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك » . وقال قيس في ذلك : والراقصات بكل أشعث أغبـــر * خوص العيــون تحثها الركبــان ما ابن المخلد ناسيـــا أسيافنــا * في من نحاربـــه ولا النعمـان (1) ____________ ( 1 ) ابن المخلد يعني به مسلمة بن مخلد الآنصاري . وفي الأصل : « عمن تحاربه » والوجه ما أثبت . والمقطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 29 ـ صفين ) ****************** تركا البيــان وفي العيان كفايـة * لو كــان ينفع صاحبيه عيان [ قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد ، عن مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب قال ] : (1) كان فارس أهل الكوفة الذي لا ينازع رجل كان يقال له العكبر ابن جدير الأسدي ، وكان فارس أهل الشام الذي لا ينازع عوف بن مجزأة الكوفي [ المرادي ] المكنى أبا أحمر ، وهو أبو الذي استنقذ الحجاج بن يوسف يوم صرع في المسجد بمكة . وكان العكبر له عبادة ولسان لا يطاق ، فقام إلى علي فقال : « يا أمير المؤمنين ، إن في أيدينا عهدا من الله لا نحتاج فيه إلى الناس ، وقد ظننا بأهل الشام الصبر وظنوه بنا فصبرنا وصبروا . وقد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة ، وصبر أهل الحق على أهل الباطل ، ورغبة أهل الدنيا ، ثم نظرت فإذا أعجب ما يعجبني جهلي بآية من كتاب الله : ( الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) . وأثنى عليه على خيرا ، وقال خيرا . وخرج الناس إلى مصافهم وخرج [ عوف بن مجزأة ] المرادي نادرا من الناس ، وكذلك كان يصنع . وقد كان قتل قبل ذلك نفرا [ من أهل العراق ] مبارزة ، فنادى : يا أهل العراق ، هل من رجل عصاه سيفه يبارزني ، ولا أغركم من نفسي ، فأنا فارس زوف (2) . فصاح الناس بالعكبر ، فخرج إليه منقطعا من أصحابه والناس وقوف ، ووقف المرادي وهو يقول : بالشام أمــن ليس فيــه خوف * بالشــام عدل ليس فيــه حيف ____________ ( 1 ) قبل هذا الأصل : « وذكروا أنه » ، وضعت مكان السند المتقدم . ( 2 ) زوف ، بفتح الزاي : أبو قبيلة ، وهو زوف بن زاهر ـ أو أزهر ـ بن عامر بن عويثان . انظر القاموس ( زوف ) . وفي الأصل : « دوف » تحريف . ( 451 ) بالشام جود ليس فيـــه ســوف (1) * أنــا المرادي ورهطــي زوف (2) أنا ابن مجــزاة واسمـي عــوف * هل مـــن عراقي عصــاه سيف * يبـــرز لي وكيف لـــي وكيف * فبرز إليه العكبر وهو يقول : الشام محل والعـــراق تمطــر * بهــا الإمـام والإمــام معـذر (3) والشام فيها للإمـــام معــور (4) * أنــا العراقـي واسمـي العكبـر ابن جدير وأبـــوه المنـــذر * ادن فإنـــي للكمى مصحــر (5) فاطعنا فصرعه العكبر فقتله ، ومعاوية على التل في أناس من قريش (6) ونفر من الناس قليل (7) ، فوجه العكبر فرسه فملأ فروجه ركضا يضربه بالسوط ، مسرعا نحو التل ، فنظر إليه معاوية فقال : إن هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن ، فاسألوه . فأتاه رجل وهو في حمى فرسه (8) فناداه فلم يجبه ، فمضى [ مبادرا ] حتى انتهى إلى معاوية وجعل يطعن في أعراض الخيل ، ورجا العكبر أن يفردوا له معاوية ، فقتل رجالا (9) ، وقام القوم دون معاوية بالسيوف والرماح ، فلما لم يصل إلى معاوية نادى : أولى لك يا ابن هند ، أنا الغلام الأسدي . فرجع إلى علي (10) فقال له : ماذا دعاك إلى ما صنعت ____________ ( 1 ) يقال فلان يقتات السوف أي يعيش بالأماني . ( 2 ) في الأصل : « روف » وانظر التحقيق فيما قبل . ( 3 ) المعذر : المنصف . ح : « بها إمام طاهر مطهر » . ( 4 ) المعور : القبيح السريرة . ح : « فيها أعور ومعور » . ( 5 ) مصحر ، أي هو من أمره على أمر واضح منكشف . ح : « فإني في البراز قسور » . ( 6 ) ح ( 2 : 297 ) : « في وجوه قريش » . ( 7 ) في الأصل : « وأناس من الناس قليل » وفي ح : « ونفر قليل من الناس » . ( 8 ) الحمى : اشتداد العدو . وفي الأصل : « حمو » والوجه ما أثبت . قال الأعشى : كأن احتدام الجوف من حمى شده * وما بعده من شده غلى قمقم ( 9 ) ح : « فاستقبله رجال قتل منهم قوما » . ( 10 ) ح : « ورجع إلى صف العراق ولم يكلم » . ( 452 ) يا عكبر ؟ [ لا تلق نفسك إلى التهلكة ] قال : أردت غرة ابن هند . وكان شاعرا فقال : قتلت المرادي الذي جـــاء باغيا * ينــادي وقد ثـار العجـاج : نزال يقول أنا عوف بن مجزاة ، والمنى * لقــاء ابن مجزاة بيـوم قتـــال فقلت له لما علا القــوم صوتـه * منيت بمشبـــوح الذراع طــوال فأوجرته في معظــم النقع صعدة * ملأت بهـــا رعبــا قلوب رجال فغادرته يكبو صريعـــا لوجهه * ينـــادي مرارا في مكــر مجـال فقدمت مهري آخذا حــد جريـه * فأضربــه في حومــة بشمالــي (1) أريد به التل الذي فــوق رأسـه * معاويـــة الجاني لكـل خبـــال يقول ومهري يغرف الجرى جامحا * بفارســه قد بان كـــل ضــلال (2) فلما رأوني أصدق الطعــن فيهـم * جلا عنهـــم رجم الغيوب فعـالي فقام رجــال دونــه بسيوفهـم * وقــال رجال دونـــه بعوالــي فلو نلته نلت التـــي ليس بعدها * مــن الأمر شئ غير قيـل وقــال (3) ولو مت في نيل المنى ألف ميتـة * لقلت إذا مــا مت لســت أبالــي وانكسر أهل الشام لقتل [ عوف ] المرادي ، وهدر معاوية دم العكبر ، فقال العكبر : يد الله فوق يد معاوية ، فأين دفاع الله عن المؤمنين (4) . وقال نصر : حيث شرك الناس عليا في الرأي . ____________ ( 1 ) ح ( 2 : 299 ) : « أصرفه في جريه بشمالي » . ( 2 ) في الأصل : « يعرف الجرى » تحريف . وفي القاموس : « وخيل مغارف كأنها تغرف الجرى » . ( 3 ) ح : « وفزت بذكر صالح وفعال » . ( 4 ) في الأصل : « من المؤمنين » . وفي ح : « فأين الله جل جلاله ودفاعه عن المؤمنين » . ( 453 ) فجزع النجاشي من ذلك وقال : كفى حزنــا أنا عصينــا إمامنــا * عليــا وأن القوم طاعــوا معاويه (1) وإن لأهل الشــام في ذاك فضلهــم * علينــا بما قالوه فالعين باكيـــه فسبحان من أرسـى ثبيــرا مكانــه * ومــن أمسك السبع الطباق كماهيه أيعصــى إمــام أوجب الله حقــه * علينــا وأهل الشام طوع لطاغيـه (2) ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا ، وسوده على الأنصار ، وكانت طلائع أهل الشام وأهل العراق يلتقون فيما بين ذلك ويتناشدون الأشعار ، ويفخر بعضهم على بعض ، ويحدث بعضهم بعضا على أمان ، فالتقوا يوما وفيهم النجاشي ، فتذاكر القوم رجراجة على وخضرية معاوية ، فافتخر كل بكتيبتهم فقال أهل الشام : إن الخضرية مثل الرجراجة . وكان مع علي أربعة آلاف مجفف (3) من همدان ، مع سعيد بن قيس رجراجة ، وكان عليهم البيض والسلاح والدروع ، وكان الخضرية مع عبيد الله بن عمر بن الخطاب أربعة آلاف عليهم الخضرة ، فقال فتى من جذام من أهل الشام ممن كان في طليعة معاوية : ألا قــل لفجــار أهل العراق * وليـــن الكلام لهــم سيـه (4) ____________ ( 1 ) اللسان : « الطوع نقيض الكره ـ أي بفتح الكاف ـ طاعه يطوعه وطاوعه » . ( 2 ) في الأصل وح : « طوعا لطاغيه » . ( 3 ) المجفف : لابس التجفاف ، وأصله ما يوضع على الخيل من حديد وغيره . وفي الأصل : « مجفجف » تحريف . ( 4 ) السية هي مخفف السيئة ، ثم سهلت همزتها وقلبت ياء وأدغمت في أختها ، كما أن السي مخفف السيء ، ومنه قول أفنون التغلبي ( انظر اللسان 1 : 91 والقصيدة 66 من المفضليات ) : أني جزوا عامرا سيئا بفعلهم * أم كيف يجزونني السوأى من الحسن ( 454 ) متى مــا تجيئــوا برجراجــة * نجئكـــم بجــأواء (1) خضرية فوارسهــا كأســود الضــراب * طــوال الرمــاح يمـانيــه قصـار السيـــوف بأيديهـــم * يطولهــا الخطـــو والنيــه (2) يقول ابــن هنـــد إذا أقبلــت * جــزى الله خيــرا جذاميــه فقال اليوم للنجاشي : أنت شاعر أهل العراق وفارسهم ، فأجب الرجل فتنحى ساعة ثم أقبل يهدر مزبدا يقول : معـــاوي إن تأتنــا مزبـــدا * بخضـــرية تلق رجراجــــه أسنتها مــن دمـــاء الرجــال * إذا جــالت الخيــل مجاجـــه فوارسهــا كأســـود الضـراب * إلى الله فــــي القتـل محتاجــه وليست لـــدى المـوت وقافــة * وليســت لدى الخــوف فجفاجـه (3) وليس بهــم غيـــر جـد اللقاء * إلى طـــول أسيافهــم حاجــه خطــاهم مقــدم أسيـــافهــم * وأذرعهــــم غيــر خداجــه وعنــدك مــن وقعهــم مصـدق * وقــد أخرجــت أمس إخراجـه فشنــت عليهم ببيــض السيـوف * بهــــا فقـــــع لجاجـــه (4) فقال أهل الشام : يا أخا بني الحارث أروناها فإنها جيدة . فأعادها عليهم حتى رووها . وكانت الطلائع تلتقي ، يستأمن بعضهم بعضا فيتحدثون . [ قال نصر : وروى عمر بن سعد ، عن الحارث بن حصيرة ، عن ابن أبي ____________ ( 1 ) الجأواء : الكتيبة التي علاها الصدأ . وفي الأصل : « بجا » فقط ، وهذه المقطوعة وتاليتها لم تردا في مظنهما من ح . ( 2 ) ينظر إلى قول الأخنس بن شهاب في المفضلية 41 : وإن قصرت أسيافنا كان وصلها * خطانا إلى القوم الذين نضارب ( 3 ) الفجفاج : الكثير الصياح والجلبة . وفي الأصل : « فجاجة » تحريف . ( 4 ) كذا ورد هذا الشطر . ( 445 ) الكنود ] ، قال : جزع أهل الشام (1) على قتلاهم جزعا شديدا ، فقال معاوية ابن خديج : يا أهل الشام ، قبح الله ملكا يملكه المرء بعد حوشب وذي الكلاع و [ الله ] لو ظفرنا بأهل العراق بعد قتلهما بغير مؤونة ما كان ظفرا . وقال يزيد بن أنس لمعاوية : لا خير في أمر لا يشبه أوله آخره ، لا يدمل جريح (2) ، ولا يبكي على قتيل حتى تنجلي هذه الفتنة ، فإن يكن الأمر لك دملت (3) وبكيت على قرار ، وإن كان الأمر لغيرك فما أصبت فيه أعظم . فقال معاوية : " يا أهل الشام ، ما جعلكم أحق بالجزع على قتلاكم من أهل العراق على قتلاهم ، فوالله ما ذو الكلاع فيكم بأعظم من عمار بن ياسر فيهم ، ولا حوشب فيكم بأعظم من هاشم فيهم ، وما عبيد الله بن عمر فيكم بأعظم من ابن بديل فيهم ، وما الرجال إلا أشباه ، وما التمحيص إلا من عند الله . فأبشروا فإن الله قد قتل من القوم ثلاثة ، قتل عمار بن ياسر وهو كان فتاهم ، وقتل هاشما وكان جمرتهم ، وقتل ابن بديل وهو فاعل الأفاعيل ، وبقى الأشعث والأشتر وعدي ابن حاتم . فأما الأشعث فحماه مصره ، وأما الأشتر وعدي فغضبا للفتنة ، والله قاتلهما غدا إن شاء الله فقال ابن خديج : إن يكن الرجال عندك أشباها فليست عندنا كذلك . وغضب معاوية [ من ] ابن خديج . وقال الحضرمي في ذلك شعرا (4) : ____________ ( 1 ) بدل ما بعد التكملة في الأصل : « ثم ذكروا أن أهل الشام جزعوا » وأثبت ما في ح . ( 2 ) يدمل : يصلح ويعالج . وفي الأصل : « لا يدمن على جريح » . ح ( 2 : 299 ) : « لا يدمى جريح » ، ووجههما ما أثبت . ( 3 ) في الأصل : « أدمنت » وفي ح : « أدميت » وانظر التحقيق السالف . ( 4 ) ح : « وقال شاعر اليمن يرثى ذا الكلاع وحوشبا » . ( 456 ) معاوي قـد نلنا ونيلت سراتنـــا * وجــدع أحياء الكلاع ويحصــب بـذي كلـــع لا يبعــد الله داره * وكل يمـــان قد أصيب بحوشـب هما ما هما كانا ، معاوي ، عصمـة * متـــى ما أقلـــه جهرة لا أكذب ولو قبلت في هالك بــذل فديــة * فديناهمـــا بــالنفس والأم والأب وقد علقت أرماحنــــا بفوارس * مني قومهـــم منا بجـدع موعـب (1) وليس ابن قيس أو عدي بن حاتـم * والأشتــر إن ذاقوا فنــا بتحـوب (2) ثم رجع إلى حديث عمر بن سعد . نصر ، عن عمر ، عن عبد الرحمن بن عبد الله (3) ، أن عبد الله بن كعب (4) قتل يوم صفين ، فمر به الأسود بن قيس (5) بآخر رمق فقال : عز على والله مصرعك . أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ، ولو رأيت الذي أشعرك (6) لأحببت ألا يزايلني حتي [ أقتله أو ] يلحقني بك . ثم نزل إليه فقال : [ رحمك الله يا عبد الله ] ، والله إن كان جارك ليأمن بوائقك ، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا . أوصني رحمك الله . قال : « أوصيك ____________ ( 1 ) في الأصل : « وقد علقت أرحامنا » والوجه ما أثبت ، والبيت لم يرو في ح . أراد أخذت أرماحنا هؤلاء الفوارس الذين يتمنى قومهم لنا الجدع الموعب . وهذا البيت ترتيبه الثالث في الأصل ، كما أن تاليه كان ترتيبه الخامس في الأصل ، ولم يرويا في ح ، وقد رددتهما إلى هذا الوضع الذي يتساوق به الشعر . ( 2 ) فنا : مقصور فناء ، قصره للشعر . وفي الأصل : « فلا » . ( 3 ) ح : « عن عبيد الرحمن بن كعب » . ( 4 ) عبد الله بن كعب المرادي قتل يوم صفين ، وكان من أعيان أصحاب علي . الإصابة 4909 . وفي ح : « عبد الله بن بديل » . وعبد الله بن بديل ، وأخوه عبد الرحمن بن بديل ، قتلا أيضا بصفين . ( 5 ) ح : « الأسود بن طهمان الخزاعي » . ( 6 ) في اللسان : « أشعره سنانا : خالطه به » . وأنشد قول أبي عازب الكلابي : فأشعرته تحت الظلام وبيننا * من الخطر المنضود في العين واقع قال : « يريد أشعرت الذئب بالسهم » . وفي الأصل : « ولو أعرف » وأثبت ما في ح . ( 457 ) بتقوى الله ، وأن تناصح أمير المؤمنين وأن تقاتل معه المحلين ، حتى يظهر الحق أو تلحق بالله . وأبلغه عني السلام وقل له : قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك ، فإنه من أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب » . ثم لم يلبث أن مات ، فأقبل الأسود إلى علي فأخبره فقال : « رحمه الله ، جاهد معنا عدونا في الحياة ، ونصح لنا في الوفاة » . ثم إن عليا غلس بالناس بصلاة الفجر ، ثم زحف بهم فخرج الناس على راياتهم وأعلامهم ، وزحف إليهم أهل الشام . قال : فحدثني عمرو بن شمر ، عن جابر عن عامر ، عن صعصعة بن صوحان والحارث بن أدهم ، أن أبرهة بن الصباح بن أبرهة الحميري قام فقال : ويلكم يا معشر أهل اليمن ، والله إني لأظن أن قد أذن بفنائكم ، ويحكم خلوا بين هذين الرجلين فليقتتلا ، فأيهما قتل صاحبه ملنا معه جميعا . وكان [ أبرهة ] من رؤساء أصحاب معاوية . فبلغ ذلك عليا فقال : صدق أبرهة بن الصباح ، والله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سرورا مني بهذه . وبلغ معاوية كلام أبرهة فتأخر آخر الصفوف وقال لمن حوله : إني لأظن أبرهة مصابا في عقله . فأقبل أهل الشام يقولون : والله إن أبرهة لأفضلنا دينا ورأيا وبأسا ، ولكن معاوية كره مبارزة علي . فقال أبرهة في ذلك : لقد قــال ابــن أبرهــة مقالا * وخالفــــه معاوية بــــن حرب لأن الحـــق أوضح مـن غرور * ملبســة غرائضـــه بحقـــب (1) رمــى بالفيلقين بــــه جهارا * وأنتـــم ولــد قحطان بحـــرب فخلوا عنهمــــا ليثي عــراك * فإن الحــــق يدفع كــل كــذب ومـــا إن يعتصم يومـــا بقول * ذوو الأرحـــام إنهـــم لصحبـي ____________ ( 1 ) كذا ورد هذا الشطر . وانظر أواخر ص 441 . ( 458 ) وكم بين المنــــادي مـــن بعيد * ومـن يغشى الحروب بكل عضــب ومــن يرد البقاء ومــن يلاقــي * بإسمـــاح الطعان وصفح ضــرب أيهجرنـــي معاويـــة بن حرب * ومـــا هجرانــه سخطـا لربــي وعمـــرو إن يفارقنـــي بقـول * فإن ذراعــه بــالغــدر رحـب (1) وإنــي إن أفارقهــــم بدينــي * لفـــي سعـــة إلى شرق وغـرب وبرز يومئذ عروة بن داود الدمشقي (2) فقال : إن كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم إلى . فتقدم إليه علي فقال له أصحابه : ذر هذا الكلب فإنه ليس لك بخطر (3) . فقال : والله ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه . دعوني وإياه . ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين ، سقطة إحداهما يمنة والأخرى يسرة ، فارتج العسكران لهول الضربة ، ثم قال : اذهب يا عروة فأخبر قومك . أما والذي بعث محمدا بالحق لقد عاينت النار وأصبحت من النادمين . وقال ابن عم لعروة : واسوء صباحاه ، قبح الله البقاء بعد أبي داود . ثم أنشأ يقول في ذلك : فقـــدت عروة الأرامـل والأيــ * تــام يوم الكريهـــة الشنعــاء (4) كـــان لا يشتم الجليس ولا يــن * كـــل يوم العظيمــة النكبـــاء (5) آمـــن الله مـن عدي ومن ابــ * ن أبــــي طالـب ومـن عليـــا يالعيني ألا بكــت عروة [ الأقــ * وام ] يـــوم العجــاج والتربــاء (6) ____________ ( 1 ) الذراع أنثى ، وقد تذكر . وفي البيت إقواء . ( 2 ) ح ( 2 : 300 ) : « أبو داود عروة بن داود العامري » . ( 3 ) في اللسان : « وهذا خطير لهذا وخطر له ، أي مثل له في القدر » . ( 4 ) في الأصل : « الشغباء » تحريف . والمقطوعة لم ترد في ح . ( 5 ) نكل ، كضرب ونصر وعلم ، نكولا : نكص وجبن . ( 6 ) كلمة « الأقوام » بمثلها يتم البيت ، وليست في الأصل . والترباء ، إحدى لغات التراب ، وهي إحدى عشرة لغة . ( 459 ) فليبكيه نسوة مـــن بني عــا * مـــر من يثرب وأهـل قبــاء رحم الله عروة الخيـر ذا النجــ * دة وابـــن القماقــم النجبــاء أرهقته المنون في قــاع صفين صريعــا قــد غاب في الجـرباء (1) غادرتـــه الكمـاة من أهل بدر * ومـــن التابعيــن والنقبــاء وقال عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري : عرو يـــا عرو قد لقيت حماما * إذ تقحمـــت في حمى اللهـوات أعليـــا ، لـك الهوان ، تنادي * ضيغمــا في أياطــل الحومـات إن لله فارســـا كأبي الشبـــ * لميـــن ما إن يهولــه المتلفات (2) مؤمنا بالقضــاء محتسبـا بالـ * خيـــر يرجو الثواب بالسابقـات ليس يخشى كريهـــة في لقاء * لا ولا مـــا يجي بـه الآفـــات فلقد ذقت في الجحيـــم نـكالا * وضـــراب المقامـــع المحميات يا ابن داود قد وقيت ابن هنــد * أن يكــــون القتيــل بالمقفـرات قال : وحمل ابن عم أبي داود على علي فطعنه فضرب الرمح فبراه ، ثم قنعه ضربة فألحقه بأبي داود ، ومعاوية واقف على التل يبصر ويشاهد ، فقال : تبا لهذه الرجال وقبحا ، أما فيهم من يقتل هذا مبارزة أو غيلة ، أو في اختلاط الفيلق وثوران النقع . فقال الوليد بن عقبة : ابرز إليه أنت فإنك أولى الناس بمبارزته . فقال : والله لقد دعاني إلى البراز حتى استحييت من قريش ، وإني والله لا أبرز إليه ، ما جعل العسكر بين يدي الرئيس إلا وقاية له . فقال عتبة ابن أبي سفيان : الهوا عن هذا كأنكم لم تسمعوا نداءه ، فقد علمتم أنه قتل حريثا وفضح عمرا ، ولا أرى أحدا يتحكك به إلا قتله . فقال معاوية لبسر ____________ ( 1 ) الجرباء : الأرض الممحلة المقحوطة . وفي الأصل : « قد عاين الحوباء » . ( 2 ) في الأصل : « ليس لله فارس » . ( 460 ) ابن أرطاة أتقوم لمبارزته ؟ فقال : ما أحد أحق بها منك ، وإذا أبيتموه فأنا له . فقال له معاوية : أما إنك ستلقاه في العجاجة غدا في أول الخيل . وكان عند بسر بن أرطاة ابن عم له قد قدم من الحجاز يخطب ابنته فأتى بسرا فقال له : إني سمعت أنك وعدت من نفسك أن تبارز عليا . أما تعلم أن الوالي من بعد معاوية عتبة ، ثم بعده محمد أخوه ، وكل من هؤلاء قرن لعلي (1) ، فما يدعوك إلى ما أرى . قال : الحياء ، خرج مني كلام (2) فأنا أستحيي أن أرجع عنه . فضحك الغلام وقال في ذلك : تنازله يا بسـر إن كنـت مثلــه * وإلا فـــإن الليث للضبــع آكل (3) كأنك يا بسر بـــن أرطاة جاهـل * بآثاره في الحــرب أو متجاهــل معاوية الوالـي وصنــواه بعــده * وليس ســـواء مستعــار وثاكل أولئك هـم أولى بـــه منك إنـه * على فـــلا تقربه ، أمـك هابـل متى تلقــه فالموت في رأس رمحه * وفي سيفه شغــل لنفسك شاغـل وما بعده في آخـر الحرب عاطف * ولا قبلـــه في أول الخيل حامل (4) فقال بسر : هل هو إلا الموت ، لابد والله من لقاء الله تعالى . فغدا على [ عليه السلام ] منقطعا من خيله ومعه الأشتر ، وهو يريد التل وهو يقول : إني علـي فاسألــوا لتخبــروا * ثم ابرزوا إلى الوغــى أو أدبـروا سيفي حســام وسنــاني أزهر * منــا النبي الطيــب المطهـــر ____________ ( 1 ) في الأصل : « وكل هؤلاء من قرن لعلي » صوابه في ح . ( 2 ) في الأصل : « شيء » والوجه ما أثبت من ح ( 2 : 300 ) . ( 3 ) ح : « للشاة آكل » . ( 4 ) عاطف ، أراد به الذي يحمي المنهزمين . وفي اللسان : « ورجل عطوف وعطاف ، يحمي المنهزمين » . وفي الأصل : « خاطف » موضع « عاطف » صوابه في ح . ( 461 ) وحمزة الخيـــر ومنا جعفــر * لــه جناح في الجنان أخضــر (1) ذا أســـد الله وفيـــه مفخر * هذا وهـــذا وابن هند مجحــر مذبــــذب مطــرد مؤخــــر فاستقبله بسر قريبا من التل وهو مقنع في الحديد لا يعرف ، فناداه : ابرز إلى أبا حسن . فانحدر إليه على تؤدة غير مكترث ، حتى إذا قار به طعنه وهو دارع ، فألقاه على الأرض ، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه ، فاتقاه بسر [ بعورته ] وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه ، فانصرف عنه علي عليه السلام مستدبرا له ، فعرفه الأشتر حين سقط فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا بسر بن أرطاة ، عدو الله وعدوك . فقال : دعه عليه لعنة الله ، أبعد أن فعلها . فحمل ابن عم لبسر شاب على علي عليه السلام وهو يقول : أرديت بسرا والغلام ثائــــره * أرديت شيخـــا غاب عنه ناصـره وكلنــــا حام لبســر واتــره فحمل عليه الأشتر وهو يقول : أكل يوم رجــل شيــخ شاغـره * وعورة وســط العجــاج ظاهـره تبرزها طعنـــة كــف واتـره * عمــرو وبسر رميـــا بالفاقـره (2) فطعنه الأشتر فكسر صلبه ، وقام بسر من طعنة علي [ موليا ] وولت خيله ، وناده علي : يا بسر ، معاوية كان أحق بهذا منك (3) . فرجع بسر إلى ____________ ( 1 ) هو جعفر بن أبي طالب ، أخو علي عليه السلام ، وكان جعفر أسن من علي بعشر سنين . وكان مصرعه يوم مؤتة في الثامنة من الهجرة ، وكان قد حمل لواء المسلمين زيد بن حارثة فقتل ، فحمله جعفر بيمينه فقطعت ، ثم بشماله فقطعت ، فاحتضنها بعضديه فقتل وخر شهيدا . ويسمى جعفر « ذا الجناحين » و « ذا الهجرتين » . انظر الإصابة ، وكتب المغازي ، والحيوان ( 3 : 233 ) . ( 2 ) الفاقرة : الداهية تكسر فقار الظهر . ح : « منيا بالفاقرة » . ( 3 ) ح ( 2 : 301 ) : « بها منك » . ( 462 ) معاوية ، فقال له معاوية : ارفع طرفك قد أدال الله عمرا منك . فقال في ذلك النضر بن الحارث : أفي كل يوم فـــارس تندبونــه * له عــورة وسط العجاجة باديــه يكف بهـــا عنه علـي سنانــه * ويضحــك منها في الخلاء معاويه بدت أمس من عمرو فقنع رأســـه * وعورة بسر مثلها حـذو حاذيــه فقولا لعمرو وابـــن أرطاة أبصرا * سبيلكمـــا لا تلقيا الليث ثانيــه ولا تحمدا إلا الحيــا وخصا كمــا * همــا كانتا والله للنفس واقيـــه فلولا هما لم تنجـوا مــن سنانــه * وتلك بمــا فيها عن العود ناهيـه متى تلقيا الخيل المشيحــة صبحـة * وفيهــا علي فاتركا الخيل ناحيـه (1) وكونــا بعيدا حيــث لا يبلغ القنا * وخمى الوغى إن التجــارب كافيه وإن كــان منه بعد في النفس حاجة * فعودا إلى ما شئتمــا هي ماهيـه فكان بسر بعد ذلك إذا لقي الخيل التي فيها علي تنحى ناحية . وتحامى فرسان أهل الشام عليا . [ قال نصر : وحدثنا عمر بن سعد ، عن الأجلح بن عبد الله الكندي ، عن أبي جحيفة قال ] : ثم إن معاوية جمع كل قرشي بالشام فقال : العجب يا معشر قريش أنه ليس لأحد منكم في هذه الحرب فعال يطول به لسانه (2) غدا ما عدا عمرا ، فما بالكم ، وأين حمية قريش ؟ ! فغضب الوليد بن عقبة ____________ ( 1 ) المشيحة : المجدة ، صبحة : صبحا . وفي الأصل : « صيحة » صوابه في ح ، وفيها : « الخيل المغبرة ؟ ؟ » . ( 2 ) الفعال ، بالفتح : الفعل الحسن . وفي ح : « فعال يطول بها لسانه » وهو بالكسر : جمع فعل . ( 463 ) وقال : وأي فعال تريد ، والله ما نعرف في أكفائنا من قريش العراق من يغني غناءنا باللسان ولا باليد . فقال معاوية : بل إن أولئك قد وقوا عليا بأنفسهم . قال الوليد : كلا بل وقاهم علي بنفسه . قال : ويحكم ، أما منكم من يقوم لقرنه منهم مبارزة أو مفاخرة . فقال مروان : أما البراز فإن عليا لا يأذن لحسن ولا لحسين ولا لمحمد بنيه فيه ، ولا لابن عباس وإخوته ، ويصلي بالحرب دونهم ، فلأيهم نبارز . وأما المفاخرة فبماذا نفاخرهم أبا لإسلام أم بالجاهلية . فإن كان بالإسلام فالفخر لهم بالنبوة ، وإن كان بالجاهلية فالملك فيه لليمن . فإن قلنا قريش قالت العرب : فأقروا لبني عبد المطلب . فغضب عتبة بن أبي سفيان فقال : الهوا عن هذا فإني لاق بالغداة جعدة بن هبيرة . فقال معاوية : بخ بخ ، قومه بنو مخزوم ، وأمه أم هانئ بنت أبي طالب ، وأبوه هبيرة بن أبي وهب ، كفو كريم . وظهر العتاب بين عتبة والقوم حتى أغلظ لهم وأغلظوا له . فقال مروان : أما والله لولا ما كان منى يوم الدار مع عثمان ، ومشهدي بالبصرة لكان مني في علي رأي كان يكفي امرأ ذا حسب ودين ، ولكن ولعل . ونابذ معاوية الوليد بن عقبة دون القوم ، فأغلظ له الوليد فقال معاوية : يا وليد ، إنك إنما تجترئ علي بحق عثمان (1) ، وقد ضربك حدا ، وعزلك عن الكوفة . ثم إنهم ما أمسوا حتى اصطلحوا وأرضاهم معاوية من نفسه ، ووصلهم بأموال جليلة . وبعث معاوية إلى عتبة فقال : ما أنت صانع في جعدة ؟ فقال : ألقاه اليوم وأقاتله غدا . وكان لجعدة في قريش شرف عظيم ، وكان له لسان ، وكان من أحب الناس إلى علي ، فغدا عليه عتبة فنادى : أيا جعدة ، أيا جعدة . فاستأذن عليا عليه السلام في الخروج إليه ، فإذن له ، واجتمع الناس لكلامهما فقال عتبة : يا جعدة ، إنه والله ما أخرجك علينا إلا حب خالك وعمك ابن ____________ ( 1 ) ح ( 2 : 301 ) « بنسبك من عثمان » . ( 464 ) أبي سلمة عامل البحرين (1) ، وإنا والله ما نزعم أن معاوية أحق بالخلافة من علي لولا أمره في عثمان ، ولكن معاوية أحق بالشام لرضا أهلها به فاعفوا لنا عنها ، فوالله ما بالشام رجل به طرق (2) إلا وهو أجد من معاوية في القتال ، ولا بالعراق من له مثل جد علي [ في الحرب ] . ونحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم ، وما أقبح بعلي أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس ، حتى إذا أصاب سلطانا أفنى العرب . فقال جعدة : أما حبي لخالي فوالله أن لو كان لك خال مثله لنسيت أباك . وأما ابن أبي سلمة فلم يصب أعظم من قدره ، والجهاد أحب إلى من العمل . وأما فضل علي على معاوية فهذا ما لا يختلف فيه [ اثنان ] . وأما رضاكم (3) اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس [ فلم نقبل ] . وأما قولك إنه ليس بالشام من رجل إلا وهو أجد من معاوية ، وليس بالعراق لرجل مثل جد علي ، فهكذا ينبغي أن يكون ، مضى بعلي يقينه ، وقصر بمعاوية شكه ، وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل . وأما قولك نحن أطوع لمعاوية منكم لعلي عليه السلام ، فو الله ما نسأله إن سكت ، ولا نرد عليه إن قال . وأما قتل العرب فإن الله كتب [ القتل و ] القتال فمن قتله الحق فإلى الله . فغضب عتبة وفحش على جعدة ، فلم يجبه وأعرض عنه وانصرفا جميعا مغضبين . فلما انصرف عتبة جمع خيله فلم يستبق منها [ شيئا ] ، وجل أصحابه السكون والأزد والصدف ، وتهيأ جعدة بما استطاع فالتقيا ، وصبر القوم جميعا ، وباشر جعدة يومئذ القتال بنفسه ، وجزع عتبة فأسلم خيله ____________ ( 1 ) في الأصل : « عامل البحرين » وأثبت ما في ح . ( 2 ) الطرق ، بالكسر : القوة . وفي الحديث : « لا أرى أحدا به طرق يتخلف » . وفي الأصل : « طرف » صوابه بالقاف . ( 3 ) في الأصل : « رضاكم » وأثبت ما في ح . ****************** وأسرع هاربا إلى معاوية ، فقال له : فضحك جعدة ، وهزمتك (1) لا تغسل رأسك منها أبدا . قال عتبة : لا والله لا أعود إلى مثلها أبدا ، ولقد أعذرت ، وما كان على أصحابي من عتب ، ولكن الله أبي أن يديلنا منهم فما أصنع . فخطى بها جعدة عند علي . فقال النجاشي فيما كان من شتم عتبة لجعدة شعرا : إن شتم الكريم يــا عتب خطـب * فاعلمنــه مــن الخطوب عظيم أمــــه ام هانـــئ وأبــوه * مـــن معد ومن لؤى صميــم ذاك منهـــا هبيرة بـن أبي وه * ب أقـــرت بفضلــه مخـزوم كان في حربكـــم يعــد بألف * حيــن تلقى بهـــا القروم القروم وابنه جعـــدة الخليفة منـــه * هكـذا يخلــف الفــروع الأروم كـــل شيء تريده فهــو فيـه * حسب ثـــاقب وديــن قويــم وخطيـــب إذا تمعــرت الأو * جـــه يشجى به الألد الخصيــم وحليم إذا الحبــى حلها الجهــ * ل وخفــت مـن الرجال الحلـوم (2) وشكيــم الحروب قـد علم النا * س إذا حـــل في الحروب الشكيـم وصحيـــح الأديم من نغل العي * ب إذا كــــان لا يصح الأديــم حامــل للعظيم في طلب الحمـ * د إذا أعظـــم الصغيـر اللئيــم ما عسى أن تقــول للذهب الأح * مر عيبــا ، هيهات منك النجــوم كل هــذا بحمد ربـك فيـــه * وسوى ذاك كــان وهـو فطيــم وقال الشنى في ذلك لعتبة : مازلت تنظــــر في عطفيك أبهة لا يرفع الطرف منك التيه والصلف (3) ____________ ( 1 ) في الأصل : « بهزمك » والوجه ما أثبت من ح . ( 2 ) الحبى ، تقال بضم الحاء جمع حبوة بضم الحاء ، وبكسر الحاء جمع حبوة بكسرها ، وهي أن يجمع ظهره وساقيه بعمامة . ح : « إذا الجبال جللها الجهل » . ( 3 ) في الأصل : « وظلت تنظر » وأثبت ما في ح ( 1 : 302 ) . ( 466 ) لا تحسب القوم إلا فقـــع قرقـرة * أو شحمــة بزها شاو لها نطــف (1) حتى لقيت ابــن مخزوم وأي فتـى * أحيـــا مآثر آباء لــه سلفــوا إن كــان رهط أبي وهب جحاجحة * في الأوليــن فهذا منهــم خلــف أشجــاك جعدة إذ نادى فوارســه * حامــوا عن الدين والدنيا فما وقفـوا حتى رمــوك بخيل غيــر راجعة * إلا وسمــر العوالي منكــم تكـف قد عاهــدوا الله لن يثنوا أعنتهــا * عنــد الطعان ولا في قولهم خلــف لمـــا رأيتهم صبحــا حسبتهـم * أســد العرين حمى أشبالهـا الغرف (2) ناديت خيلك إذ عض الثقاف بهـم : * خيـلي إلي ، فمـا عاجوا ولا عطفوا (3) هلا عطفت على قتلــى مصرعـة * منهــا السكون ومنها الأزد والصدف قد كنت في منظر مــن ذا ومستمع * يا عتب لولا سفاه الرأي والســـرف فاليوم يقــرع منك السن عن نـدم * مــا للمبارز إلا العجــز والنصـف نصر ، عن عمر في إسناده قال : وكان من أهل الشام بصفين رجل يقال له الأصبغ بن ضرار الأزدي ، وكان يكون طليعة ومسلحة لمعاوية ، فندب علي له الأشتر فأخذه أسيرا من غير أن يقاتل . وكان علي ينهي عن قتل الأسير الكاف فجاء به ليلا وشد وثاقه وألقاه عند أصحابه (4) ينتظر به الصباح ، وكان الأصبغ شاعرا مفوها ، ونام أصحابه ، فرفع صوته فأسمع الأشتر فقال : ____________ ( 1 ) في الأصل : « لم يصبح القوم » وأثبت ما في ح . وفي الأصل أيضا : « شحمة يشوها » صوابه من ح ، وانظر ما سبق في ص 367 س 13 . ( 2 ) الغرف : جمع غريف ، وهو الشجر الملتف . وفي الأصل : « العرف » تحريف . وهذا البيت والثلاثة قبله والبيت الذي بعده ليس في ح . ( 3 ) خيلك : أي فوارسك . عض الثقاف بهم : دخلوا في مأزق الحرب . وأصل الثقاف خشبة تسوى بها الرماح والقسى ، بها خرق يتسع لهما ، ثم يغمز منهما حيث ينبغي أن يغمز ، وهما مدهونان مملولان أو مضهوبان على النار ، حتى يصيرا إلى ما يراد منهما . وفي الأصل : « إذا غض النقاف » تحريف . ( 4 ) في الأصل : « مع أضيافه » وأثبت ما في ح ( 2 : 302 ) . ( 467 ) ألا ليت هــذا الليل طبق سرمــدا * على النــاس لا يأتيهم بنهـــار (1) يكــون كذا حتـى القيامة إننــي * أحـــاذر في الإصباح ضرمة نار (2) فيــاليل طبق إن في الليل راحـة * وفي الصبــح قتلى أو فكاك إساري ولو كنت تحت الأرض ستين واديـا * لمـــا رد عني مـا أخاف حذاري فيـــا نفس مهلا إن للموت غايـة * فصبرا علــى ما ناب يا ابن ضرار أأخشــى ولي في القوم رحم قريبة * أبى الله أن أخشــى والاشتر جاري (3) ولو أنه كـــان الأسيــر ببلـدة * أطـــاع بها شمـرت ذيل إزاري ولو كنت جار الأشعث الخير فكنـى * وقـــل من الأمر المخوف فراري وجار سعيد أو عـدي بــن حاتـم * وجــار شريح الخير قــر قراري وجار المـــرادي العظيم وهانـئ * وزحر بن قيس ما كرهت نهــاري (4) ولو أنني كنت الأسيــر لبعضهـم * دعــوت رئيس القوم عند عثـاري أولئــك قومي لا عدمـت حياتهـم * وعفوهــم عني وستــر عواري (5) فغذا به الأشتر على علي فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا رجل من المسلحة لقيته بالأمس ، فوالله لو علمت أن قتله الحق قتلته ، وقد بات عندنا الليلة وحركنا [ بشعره ] ، فإن كان فيه القتل فاقتله وإن غضبنا فيه ، وإن ساغ لك العفو عنه (6) فهبه لنا . قال : هو لك يا مالك ، فإذا أصبت [ منهم ] أسيرا فلا تقتله ، فإن أسير أهل القبلة لا يفادي ولا يقتل . فرجع به الأشتر إلى منزله وقال : لك ما أخذنا منك ، ليس لك عندنا غيره ____________ ( 1 ) ح : « أصبح سرمدا » . ( 2 ) ح : « يوم بوار » . والبوار : الهلاك . ( 3 ) ح ( 2 : 303 ) : « ومالك جاري » ، ومالك هو الأشتر . ( 4 ) ح : « المرادي الكريم » . ( 5 ) العوار ، مثلثة : العيب . ( 6 ) في الأصل : « وإن كنت فيه بالخيار » وأثبت ما في ح . ( 468 ) وذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح غدا معاوية ومناجزه ، فبلغ ذلك معاوية ، وفزع أهل الشام لذلك وانكسروا لقوله . وكان معاوية بن الضحاك ابن سفيان صاحب راية بني سليم مع معاوية ، وكان مبغضا لمعاوية [ وأهل الشام ، وله هوى مع أهل العراق وعلي بن أبي طالب عليه السلام ] ، وكان يكتب بالأخبار (1) إلى عبد الله بن الطفيل العامري ويبعث بها إلى علي عليه السلام (2) فبعث إلى عبد الله بن الطفيل : إني قائل شعرا أذعر به أهل الشام وأرغم به معاوية (3) . وكان معاوية لا يتهمه ، وكان له فضل ونجدة ولسان ، فقال ليلا ليسمع أصحابه : ألا ليت هذا الليل أطبـق سرمــدا * علينا وأنـــا لا نرى بعده غــدا ويا ليتــه إن جاءنــا بصباحـه * وجدنا إلى مجرى الكواكب مصعــدا حـذار على إنــه غيــر مخلف * مدى الدهر ، ما لبي الملبون ، موعدا فأما قراري فـي البلاد فليس لــي * مقام ولو جاوزت جـابلق مصعــدا كأني به في الناس كاشف رأســـه * على ظهــر خوار الرحالة أجـردا يخوض غمار الموت في مرجحنــة * ينادون في نقع العجــاج محمــدا فوارس بدر والنضيــر وخيبــر * وأحــد يروون الصفيـح المهنــدا ويوم حنين جالدوا عــن نبيهــم * فريقــا مــن الأحزاب حتـى تبددا هنالك لا تلوى عجوز على ابنهــا * وإن أكثرت في القول نفسي لك الفــدا فقل لابن حرب ما الذي أنت صانع * أتثبت أم ندعوك فــي الحرب قعددا (4) وظني بأن لا يصبر القــوم موقفـا * يقفه وإن لــم يجر في الدهر للمدى ____________ ( 1 ) ح ( 3 : 423 ) : « بأخبار معاوية » . ( 2 ) ح : « فيخبر بها عليا عليه السلام » . ( 3 ) في الأصل : « وأذعر به معاوية » وأثبت ما في ح . ( 4 ) القعدد ، بضم القاف والدال ، وبفتح الدال أيضا : الجبان اللئيم القاعد عن الحرب والمكارم . ( 469 ) فلا رأي إلا تركنــا الشام جهــرة * وإن أبرق الفجفــاج فيهـا وأرعدا (1) فلما سمع أهل الشام شعره أتوا به معاوية فهم بقتله ، ثم راقب فيه قومه وطرده عن الشام فلحق بمصر ، وندم معاوية على تسييره إياه . وقال معاوية : والله لقول السلمي أشد على أهل الشام من لقاء علي ، ماله ـ قاتله الله ـ لو أصاب خلف جابلق مصعدا نفذه (2) . وجابلق : مدينة بالمشرق . وجابلص : مدينة بالمغرب ليس بعدهما شيء (3) . وقال الأشتر حين قال علي : « إنني مناجز القوم إذا أصبحت » : قد دنا الفصل في الصباح وللسلم رجال وللحروب رجال فرجال الحروب كــل خــدب * مقحــم لا تهــده الأهــوال يضرب الفارس المدجج بالسيــ * ف إذا فـل في الوغى الأكفال (4) يا ابن هند شد الحيازيـم للمــو * ت ولا يذهبــن بك الآمــال إن في الصبح إن بقيت لأمــرا * تتفادى مــن هوله الأبطــال فيه عز العراق أو ظفر الشـــا * م بأهــل العراق والزلــزال فاصبروا للطعان بالأسل الســم * ر وضــرب تجري به الأمثال إن تكونوا قتلتم النفــر البيـــ * ض وغــالت أولئك الآجـال ____________ ( 1 ) الفجفاج : الكثير الكلام والفخر بما ليس عنده . ( 2 ) نفذه : جازه . ح : « لو صار خلف جابلق مصعدا لم يأمن عليا » . ( 3 ) ذكر ياقوت أن جابلق بأقصى المغرب ، ومدينة أخرى من رستاق أصبهان لها ذكر في التواريخ . ولم يرسم لجابلص . وفي ح ( 3 : 423 ) : « ألا تعلمون ما جابلق ؟ يقول لأهل الشام . قالوا : لا . قال : مدينة في أقصى المشرق ليس بعدها شيء » . ( 4 ) فل : هزم . ح ( 3 : 424 ) : « فر » . والأكفال : جمع كفل ، بالكسر ، هو من الرجال الذي يكون في مؤخر الحرب ، إنما همته في الفرار والتأخر . ( 670 ) فلنا مثلهم وإن عظــم الخــط * ب ، قليـــل أمثالهم أبــدال (1) يخضبون الوشيج طعنـــا إذا جرت مــن الموت بينهم أذيــال (2) طلب الفوز في المعاد وفــي ذا * تستهــان النفوس والأمــوال ــــــــــــ آخر الجزء الحادي عشر من نسخة أجزاء عبد الوهاب ــــــــــــ فلما انتهى إلى معاوية شعر الأشتر قال : شعر منكر من شاعر منكر ، رأس أهل العراق وعظيمهم ومسعر حربهم ، وأول الفتنة وآخرها . وقد رأيت أن أكتب إلى علي كتابا أسأله الشام ـ وهو الشيء الأول الذي ردني عنه ـ وألقى في نفسه الشك والريبة . فضحك عمرو بن العاص ، ثم قال : أين أنت يا معاوية من خدعة علي ؟ ! فقال : ألسنا بني عبد مناف ؟ قال : بلى ، ولكن لهم النبوة دونك ، وإن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية إلى علي مع رجل من السكاسك ، يقال له عبد الله بن عقبة ، وكان من ناقلة أهل العراق ، فكتب : « أما بعد ، فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا ، لم يجنها بعضنا على بعض ؛ وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقى لنا منها ما نندم به على ما مضى ، ونصلح به ما بقى . وقد كنت سألتك الشام على ألا يلزمني لك طاعة ولا بيعة ، فأبيت ذلك علي ، فأعطاني الله ____________ ( 1 ) ح : « فلنا مثلهم غداة التلاقي » . ( 2 ) في الأصل : « جرت للموت » صوابه من ح . ( 471 ) ما منعت ، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس ، فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو ، ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف . وقد والله رقت الأجناد ، وذهبت الرجال ، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز ، ولا يسترق حربه . والسلام » فلما انتهى كتاب معاوية إلى علي قرأه ، ثم قال : العجب لمعاوية وكتابه . ثم دعا علي عبيد الله بن أبي رافع كاتبه ، فقال : اكتب إلى معاوية : « أما بعد فقد جاءني كتابك ، تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض . فإنا وإياك منها في غاية لم تبلغها . وإني لو قتلت في ذات الله وحييت ، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة ، لم أرجع عن الشدة في ذات الله ، والجهاد لأعداء الله . وأما قولك إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى ، فإني ما نقصت عقلي ، ولا ندمت على فعلي . فأما طلبك الشام ، فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك [ منها ] أمس . وأما استواؤنا في الخوف والرجاء ، فإنك لست أمضى على الشك مني على اليقين ، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة . وأما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل ؛ فلعمري إنا بنو أب واحد ، ولكن ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا المحق كالمبطل . وفي أيدينا [ بعد ] فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ، وأعززنا بها الذليل . والسلام » . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة قال : فلما أتى معاوية كتاب علي كتمه عن عمرو بن العاص أياما ، ثم دعاه بعد ذلك فأقرأه الكتاب ، فشمت به عمرو . ولم يكن أحد من قريش أشد تعظيما لعلي من عمرو منذ يوم ( 472 ) لقيه وصفح عنه . فقال عمرو بن العاص فيما كان أشار به على معاوية : ألا لله درك يــا ابن هنـــد * ودر الآمـــرين لك الشهـــود أتطمع لا أبالــك في علــي * وقـــد قرع الحديد على الحديـد وترجو أن تحيـــره بشــك * وترجــو أن يهابــك بالوعيـد (1) وقد كشف القناع وجـر حربـا * يشيب لهولهـــا رأس الوليــد له جأواء مظلمــة طحــون * فوارسهـــا تلهـب كالأســود (2) يقول لها إذا دلفــت إليــه * وقد ملت طعـــان القوم عـودي (3) فـإن وردت فأولهــا ورودا * وإن صدت فليــس بذي صــدود (4) وما هي من أبي حسـن بنكر * وما هي مـــن مسائك بالبعيـــد وقلت له مقالـــة مستكيـن * ضعيف الركـــن منقطع الوريـد دعن الشـام حسبك يا ابن هند * مـن السوءات والـرأي الــزهيد ولو أعطاكـها ما أزددت عزا * ولا لك لو أجــابك مـن مــزيد ولم تكسر بذاك الرأي عـودا * لـركـتـه ولا مـــا دون عــود فلما بلغ معاوية قول عمرو دعاه ، فقال : يا عمرو ، إنني قد أعلم ما أردت بهذا . قال : ما أردت ؟ قال : أردت تفييل رأيي وإعظام علي ، وقد فضحك . قال : أما تفييلي رأيك فقد كان . وأما إعظامي عليا فإنك بإعظامه أشد معرفة مني ، ولكنك تطويه وأنا أنشره . وأما فضيحتي ، فلم يفتضح امرؤ لقي أبا حسن . ____________ ( 1 ) في الأصل : « أن تخبره » صوابه في ح ( 3 : 424 ) . وفي ح أيضا : « وتأمل أن يهابك » . ( 2 ) الجأواء : الكتيبة يعلوها لون السواد لكثرة الدروع . ( 3 ) ح : « إذا رجعت إليه » . ( 4 ) في الأصل : « وإن صدرت » وأثبت ما في ح . ( 473 ) وقد كان معاوية شمت بعمرو ، حيث لقي من علي عليه السلام ما لقي ، فقال عمرو في شماتة معاوية : معاوي لا تشمت بفــارس بهمــة * لقى فارســـا لا تعتريـه الفوارس معاوي إن أبصرت في الخيل مقبـلا * أبا حســن يهوى دهتك الوســاوس وأيقنت أن المـــوت حــق وأنه * لنفسك إن لم تمض في الركض حابس فإنك لـو لاقيته كنــت بومـــة * أتيح لهــــا صقر من الجـو آنس وماذا بقاء القوم بعـــد اختباطـه * وإن امـــرأ يلقى عليـــا لآيـس دعاك فصمت دونــه الأذن هاربـا * بنفسك قد ضاقت عليـــك الأمـالس وأيقنت أن الموت أقـــرب موعد * وأن التي نـــاداك فيها الدهــارس وتشمت بي أن نالني حــد رمحه * وعضضني ناب مــن الحرب ناهس (1) أبي الله إلا أنــه ليــث غابــة * أبو أشبل تهــدي إليــه الفرائـس وأني امرؤ باق فلـــم يلف شلـوه * بمعترك تسفى عليــه الروامـــس فإن كنت في شك فأرهج عجاجـــة * وإلا فتلك الترهـــات البســابس نصر : حدثنا عمرو بن شمر قال : حدثنا أبو ضرار قال : حدثني عمار ابن ربيعة قال : غلس علي بالناس صلاة الغداة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين ، وقيل عاشر شهر صفر ، ثم زحف إلى أهل الشام بعسكر العراق والناس عل راياتهم ، وزحف إليهم أهل الشام ، وقد كانت الحرب أكلت الفريقين ولكنها في أهل الشام أشد نكاية وأعظم وقعا ، فقد ملوا الحرب وكرهوا القتال ، وتضعضعت أركانهم . قال : فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب ، عليه السلاح ، لا يرى منه إلا عيناه ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « عضعضني » والوجه ما أثبت . والمطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 474 ) وبيده الرمح ، فجعل يضرب رءوس أصحاب علي بالقناة ويقول : سووا صفوفكم [ رحمكم الله ] . حتى إذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : الحمد لله الذي جعل فينا ابن عم نبيه (1) ، أقدمهم هجرة ، وأولهم إسلاما ، سيف من سيوف لله صبه على أعدائه . فانظروا (2) . إذا حمى الوطيس وثار القتام وتكسر المران ، وجالت الخيل بالأبطال ، فلا أسمع إلا غمغمة أو همهمة ، [ فاتبعوني وكونوا في إثري ] . قال : ثم حمل على أهل الشام وكسر فيهم رمحه ثم رجع ، فإذا هو الأشتر . قال وخرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين : يا أبا الحسن ، يا علي ، ابرز إلي . قال : فخرج إليه علي حتى إذا اختلف أعناق دابتيهما بين الصفين فقال : يا علي ، إن لك قدما في الإسلام وهجرة (3) ، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء ، وتأخير هذه الحروب حتى ترى من رأيك ؟ فقال له علي : وما ذاك ؟ قال : « ترجع إلى عراقك فنخلي بينك وبين العراق ، ونرجع إلى شامنا فتخلي بيننا وبين شامنا » . فقال له علي : لقد عرفت ، إنما عرضت هذا نصيحة وشفقة . ولقد أهمني هذا الأمر وأسهرني ، وضربت أنفه وعينيه ، فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه . إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون ، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم » . ____________ ( 1 ) في الأصل : « فيكم ابن عم نبيكم » وأثبت ما في ح ( 1 : 183 ) . ( 2 ) في الأصل : « فانظروا إلى » . وكلمة « إلى » ليست في ح . ( 3 ) ح : « والهجرة » . ( 475 ) فرجع الشامي وهو يسترجع . قال : وزحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل [ والحجارة ] حتى فنيت ، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت واندقت ، ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيف وعمد الحديد ، فلم يسمع السامع إلا وقع الحديد بعضه على بعض ، لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق ، ومن جبال تهامة يدك بعضها بعضا . قال : وانكشفت الشمس [ بالنقع ] وثار القتام ، وضلت الألوية والرايات . قال : و [ أخذ ] الأشتر يسير فيما بين الميمنة والميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالإقدام على التي تليها . قال : فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل ، لم يصلوا لله صلاة . فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح والمعركة خلف ظهره ، وافترقوا عن سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم وتلك الليلة ، وهي « ليلة الهرير » . و [ كان ] الأشتر في ميمنة الناس ، وابن عباس في الميسرة ، وعلي في القلب ، والناس يقتتلون . ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى ، والأشتر يقول لأصحابه وهو يزحف بهم نحو أهل الشام : ازحفوا قيد رمحي هذا . وإذا فعلوا قال : ازحفوا قاب هذا القوس (1) . فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس الإقدام (2) . فلما رأى ذلك قال : أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم . ثم دعا بفرسه وركز رايته ، وكانت مع حيان بن هوذة النخعي ، وخرج يسير في الكتائب ويقول : ألا من يشري نفسه لله ويقاتل مع الأشتر حتى ____________ ( 1 ) وكذلك في ح . والقوس يذكر ويؤنث . ) في الأصل : « حتى بل » صوابه من ح . ( 476 ) يظهر أو يلحق بالله (1) » . فلا يزال الرجل من الناس يخرج إليه ويقاتل معه . نصر ، عن عمر بن سعد قال : حدثني أبو ضرار ، عن عمار (2) بن ربيعة قال : مر بي والله الأشتر وأقبلت معه حتى رجع إلى المكان الذي كان به ، فقام في أصحابه فقال : شدوا ، فدى لكم عمي وخالي ، شدة ترضون بها الله وتعزون بها الدين ، فإذا شددت فشدوا . قال : ثم نزل وضرب وجه دابته ثم قال لصاحب رايته : أقدم . فأقدم بها ثم شد على القوم ، وشد معه أصحابه يضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم . ثم إنهم قاتلوا عند العسكر قتالا شديدا فقتل صاحب رايته . وأخذ علي ـ لما رأى الظفر قد جاء من قبله ـ يمده بالرجال . قال : وإن عليا قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « أيها الناس قد بلغ بكم الأمر وبعدوكم ما قد رأيتم ، ولم يبق منهم إلا آخر نفس ، وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها ، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتى بلغنا منهم ما بلغنا ، وأنا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله عز وجل » . فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فقال : يا عمرو ، إنما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفيصل (3) فما ترى ؟ قال : إن رجالك لا يقومون لرجاله ، ولست مثله . هو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على غيره . أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء . وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم ، وأهل الشام ____________ ( 1 ) في الأصل : « ويلحق بالله » صوابه في ح . ( 2 ) في الأصل : « عمارة » وأثبت ما في ح ( 1 : 184 ) مطابقا ما سلف في ص 473 . ( 3 ) ح : « بالفصل » . ( 477 ) لا يخافون عليا إن ظفر بهم . ولكن ألق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا ، وإن ردوه اختلفوا . ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم ، فإنك بالغ به حاجتك في القوم ، فإني لم أزل أؤخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه (1) . فعرف ذلك معاوية فقال : صدقت . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر بن عمير الأنصاري (2) قال : والله لكأني أسمع عليا يوم الهرير حين سار أهل الشام ، وذلك بعد ما طحنت رحى مذحج فيما بينها (3) وبين عك ولخم وجذام والأشعريين ، بأمر عظيم تشيب منه النواصي من حين استقلت الشمس (4) حتى قام قائم الظهيرة . ثم إن عليا قال : حتى متى نخلي بين هذين الحيين ؟ قد فنيا وأنتم وقوف تنظرون إليهم . أما تخافون مقت الله . ثم انفتل إلى القبلة ورفع يديه إلى الله ثم نادى : « يا الله ، يا رحمن [ يا رحيم ] يا واحد [ يا أحد ] ، يا صمد ، يا الله يا إله محمد . اللهم إليك نقلت الأقدام ، وأفضت القلوب ، ورفعت الأيدي ، وامتدت الأعناق ، وشخصت الأبصار ، وطلبت الحوائج . [ اللهم ] إنا نشكو إليك غيبة نبينا صلى الله عليه ، وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا . ( ربنا افتح بينا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) . سيروا على بركة الله » . ثم نادى : لا إله إلا الله والله أكبر كلمة التقوى . ثم قال (5) : لا والله الذي بعث محمدا صلى الله عليه بالحق نبيا ، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السموات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب . إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « لحاجتك إليه » وأثبت ما في ح . ( 2 ) في الأصل : « بن نمير » تحريف . انظر الإصابة 1030 . ( 3 ) في الأصل : « بيننا » والوجه ما أثبت من ح . ( 4 ) استقلت الشمس : ارتفعت في السماء . وفي الأصل : « استقبلت » صوابه في ح . ( 5 ) القائل هو الراوي ، جابر بن عمير الأنصاري . ( 478 ) يخرج بسيفه منحنيا فيقول : معذرة إلى الله عزوجل وإليكم من هذا ، لقد هممت أن أصقله (1) ولكن حجزني عنه أني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول كثيرا : « لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي » . وأنا أقاتل به دونه . قال : فكنا نأخذه فنقومه ثم يتناوله من أيدينا فيتقحم به في عرض الصف ، فلا والله ما ليث بأشد نكاية في عدوه منه . رحمة الله عليه رحمة واسعة . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر (2) قال : سمعت تميم بن حذيم (3) يقول : لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا ، فإذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام وسط الفيلق من حيال موقف معاوية ، فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف الرماح ، وهي عظام مصاحف العسكر ، وقد شدوا ثلاثة أرماح جميعا وقد ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط . وقال أبو جعفر وأبو الطفيل : استقبلوا عليا بمائة مصحف ، ووضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف (4) ، وكان جميعها خمسمائة مصحف . قال أبو جعفر : ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي ، وقام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة ، وقام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة ، ثم نادوا : يا معشر العرب ، الله الله في نسائكم وبناتكم ، فمن للروم (5) والأتراك وأهل فارس غدا إذا فنيتم . الله الله في دينكم . هذا كتاب الله بيننا وبينكم . فقال علي : اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون ، فاحكم بيننا وبينهم ، إنك أنت الحكم الحق المبين . فاختلف أصحاب علي في الرأي ، فطائفة قالت القتال ، وطائفة قالت المحاكمة ____________ ( 1 ) إنما يريد أن يصقله ليزيل ما به من الفقار ، وهي الحفر الصغار . وفي الأصل : « أفلقه » . ( 2 ) جابر هذا هو جابر بن يزيد الجعفي المترجم في ص 245 . ( 3 ) سبقت ترجمته في ص 169 . ( 4 ) المجنبة ، بكسر النون المشددة : ميمنة الجيش وميسرته ، وبفتحها : مقدمة الجيش . ( 5 ) ح : « من الروم » . ( 479 ) إلى الكتاب ، ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا إلى حكم الكتاب . فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها . فقال محمد بن علي : فعند ذلك حكم الحكمان . قال نصر : وفي حديث عمرو بن شمر بإسناده قال : فلما أن كان اليوم الأعظم قال أصحاب معاوية ، والله ما نحن لنبرح اليوم العرصة حتى يفتح الله لنا أو نموت . فبادروا القتال غدوة في يوم من أيام الشعري طويل شديد الحر (1) فتراموا حتى فنيت النبل ، ثم تطاعنوا حتى تقصفت رماحهم ، ثم نزل القوم عن خيولهم فمشى بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى كسرت جفونها وقامت الفرسان في الركب ، ثم اضطربوا بالسيوف وبعمد الحديد ، فلم يسمع السامع إلا تغمغم القوم وصليل الحديد في الهام ، وتكادم الأفواه ، وكسفت الشمس ، وثار القتام ، وضلت الألوية والرايات (2) ، ومرت مواقيت أربع صلوات لم يسجد لله فيهن إلا تكبيرا ، ونادت المشيخة في تلك الغمرات : يا معشر العرب ، الله الله في الحرمات ، من النساء والبنات . قال جابر : فبكى أبو جعفر وهو يحدثنا بهذا الحديث (3) . قال : وأقبل الأشتر على فرس كميت محذوف ، قد وضع مغفره على قربوس السرج ، وهو يقول : « اصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمى الوطيس » . ورجعت الشمس من الكسوف ، واشتد القتال ، وأخذت السباع بعضها بعضا ، فهم ____________ ( 1 ) في الأصل : « فباكروا القتال غدا يوما من أيام الشعري طويلا شديد الحر » . وأثبت ما في ح . ( 2 ) في الأصل : « في الرايات » وجهه من ح ( 1 : 185 ) . ( 3 ) في الأصل : « وهو يحدثني » وأثبت ما في ح . ****************** كما قال الشاعر (1) : مضت واستأخر القرعــاء عنها * وخلى بينهــم إلا الوريــع (2) قال : يقول واحد [ لصاحبه ] في تلك الحال : أي رجل هذا لو كانت له نية . فيقول له صاحبه : وأي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك وهبلتك . إن رجلا فيما قد ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب ، وقد غلت هام الكماة الحر ، وبلغت القلوب الحناجر ، وهو كما تراه جذعا يقول هذه المقالة ! اللهم لا تبقنا بعد هذا (3) . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن صعصعة قال : قام الأشعث بن قيس الكندي ليلة الهرير في أصحابه من كندة فقال : " الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، وأومن به وأتوكل عليه ، وأستنصره وأستغفره ، وأستخيره وأستهديه ، [ وأستشيره وأستشهد به ] ، فإنه من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه « . ثم قال : " قد رأيتم يا معشر المسلمين ____________ ( 1 ) في الأصل : « فأنتم » ووجهه من ح . والشاعر هو عمرو بن معد يكرب ، من قصيدة في خزانة الأدب ( 3 : 462 ـ 463 ) والأصمعيات 43 ـ 45 . وقبل البيت : وزحف كتيبة دلفت لأخرى * كأن زهاءها رأس صليع ( 2 ) القرعاء : جمع قريع ، وهو المغلوب المهزوم . وفي الأصل وح : « الفرعاء » تحريف . وفي الخزانة والأصمعيات : « الأوغال » جمع وغل ، وهو النذل من الرجال . والوريع ، الكاف ، وفي الخزانة : « والوريع ، بالراء المهملة ، وكذلك الورع بفتحتين ، وهو الصغير الضعيف الذي لا غناء عنده » . وفي الأصل وح : « الوزيع » ولا وجه له . ( 3 ) كتب ابن أبي الحديد بعد هذا في ( 1 : 185 ) : « قلت : لله أم قامت عن الأشتر . لو أن إنسانا يقسم أن الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلا أستاذه عليه السلام لما خشيت عليه الإثم . ولله در القائل وقد سئل عن الأشتر : ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام ، وهزم موته أهل العراق . وبحق ما قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام : كان الأشتر كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله » . ( 481 ) ما قد كان في يومكم هذا الماضي ، وما قد فنى فيه من العرب ، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط . ألا فليبلغ الشاهد الغائب ، أنا إن نحن تواقفنا غدا إنه لفناء العرب وضيعة الحرمات (1) . أما والله ما أقول هذه المقالة جزعا من الحتف ، ولكني رجل مسن أخاف على [ النساء و ] الذراري غدا إذا فنينا . اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آل ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب ، والرأي يخطئ ويصيب ، وإذا قضى الله أمرا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا . أقول قولي هذا وأستغفر الله [ العظيم ] لي ولكم » . قال صعصعة : فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فقال : أصاب ورب الكعبة ، لئن نحن التقينا غدا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا ، ولتميلن (2) أهل فارس على نساء أهل العراق وذراريهم . وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى . اربطوا المصاحف على أطراف القنا . قال صعصعة : فثار (3) أهل الشام فنادوا في سواد الليل : يا أهل العراق ، من لذرارينا إن قتلتمونا ومن لذراريكم إن قتلناكم ؟ الله الله في البقية . فأصبح أهل الشام وقد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح وقلدوها الخيل ، والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه ، ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمله عشرة رجال على رءوس الرماح ، ونادوا : يا أهل العراق ، كتاب الله بيننا وبينكم . وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون أبيض وقد وضع المصحف على رأسه ينادي : يا أهل العراق ، كتاب الله بيننا وبينكم ____________ ( 1 ) في الأصل : « الحرمان » صوابه في ح . ( 2 ) في الأصل : « لتمكن » في هذا الموضع وسابقه ، ووجههما ما أثبت من ح . ( 3 ) في الأصل : « فأمر » وصوابه في ح . ( 482 ) وأقبل عدي بن حاتم فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق فإنه لم يصب عصبة منا إلا وقد أصيب مثلها منهم ، وكل مقروح ، ولكنا أمثل بقية منهم . وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما تحب (1) ، فناجز القوم ، فقام الأشتر النخعي فقال : يا أمير المؤمنين ، إن معاوية لا خلف له من رجاله ، ولك بحمد الله الخلف ، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا بصرك ، فاقرع الحديد بالحديد ، واستعن بالله الحميد . ثم قام عمرو بن الحمق فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا والله ما أجبناك (2) ولا نصرناك عصبية على الباطل ولا أجبنا إلا الله عز وجل ، ولا طلبنا إلا الحق ، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوت إليه لا ستشري فيه اللجاج (3) وطالت فيه النجوى ، وقد بلغ الحق مقطعه ، وليس لنا معك رأي . فقام الأشعث بن قيس مغضبا فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس ، وليس آخر أمرنا كأوله ، وما من القوم أحد أحنى على أهل العراق ولا أوتر لأهل الشام مني ، فأجب القوم إلى كتاب الله فإنك أحق به منهم . وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال . فقال علي عليه السلام : إن هذا أمر ينظر فيه . وذكروا أن أهل الشام جزعوا فقالوا : يا معاوية ، ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه ، فأعدها جذعة (4) ، فإنك قد غمرت بدعائك القوم وأطمعتهم فيك . ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 185 ) : « نحب » بالنون . ( 2 ) في الأصل : « ما اخترناك » والوجه ما أثبت من ح . ( 3 ) استشري : اشتد وقوي . وفي الأصل : « لكان فيه اللجاج » وأثبت ما في ح . ( 4 ) أي ابدأها مرة أخرى . وفي اللسان : « وإذا طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم إن شئتم أعدناها جذعة ، أي أول ما يبتدأ فيها » . ح ( 1 : 188 ) : « فأعدوها خدعة » تحريف . ( 483 ) فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأمره أن يكلم أهل العراق . فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى : يا أهل العراق ، أنا عبد الله بن عمرو ابن العاص ، إنها قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا ، فإن تكن للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم ، وإن تكن للدنيا فقد والله أسرفنا وأسرفتم . وقد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم ، فإن يجمعنا وإياكم الرضا فذلك من الله . فاغتنموا هذه الفرجة لعله أن يعيش فيها المحترف (1) وينسى فيها القتيل . فإن بقاء المهلك بعد الهالك قليل . فخرج سعيد بن قيس فقال : يا أهل الشام ، إنه قد كان بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على الدين والدنيا ، سميتموها غدرا وسرفا ، وقد دعوتمونا اليوم إلى ما قاتلناكم عليه بالأمس ، ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم ، ولا أهل الشام إلى شامهم ، بأمر أجمل من أن يحكم بما أنزل الله . فالأمر في أيدينا دونكم ، وإلا فنحن نحن وأنتم أنتم . وقام الناس إلى علي فقالوا : أجب القوم إلى ما دعوك إليه فإنا قد فنينا . ونادى إنسان من أهل الشام في سواد الليل بشعر سمعه الناس ، وهو : رءوس العـــراق أجيبوا الدعــاء * فقـــد بلغت غــاية الشـــده وقــد أودت الحـــرب بالعالميـن * وأهـــل الحفائــظ والنجــده فلسنا ولستـــم مــن المشركيــن * ولا المجمعيـــن على الـــرده ولكن أنـــاس لقـــوا مثلهـــم * لنــا عــدة ولهـــم عـــده فقاتــــل كل علـــى وجهــه * يقحمــه الجـــــد والحــده فــــإن تقبلوها ففيهـــا البقـاء * وأمـــن الفريقيـــن والبلــده وإن تدفعوهــــا ففيها الفنـــاء * وكـــــل بـــلاء إلى مــده ____________ ( 1 ) ح : " المحترق " . ( 484 ) وحتى متى مخض هــذا السقـــاء * ولا بــد أن يخرج الزبـــده ثلاثة رهــــط هـــم أهلهـــا * وإن يسكتـــوا تخمـد الواقده سعيد بــن قيس وكبــش العـراق * وذاك المســــود من كنــده نصر (1) : هؤلاء النفر المسمون في الصلح . قال : فأما المسود من كندة وهو الأشعث ، فإنه لم يرض بالسكوت ، بل كان من أعظم الناس قولا في إطفاء الحرب والركون إلى الموادعة . وأما كبش العراق ، وهو الأشتر ، فلم يكن يرى إلا الحرب ، ولكنه سكت على مضض . وأما سعيد بن قيس ، فتارة هكذا وتارة هكذا . قال : ذكروا أن الناس ماجوا وقالوا : أكلتنا الحرب وقتلت الرجال . وقال قوم : نقاتل القوم على ما قاتلناهم عليه أمس . ولم يقل هذا إلا قليل من الناس . ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة ، وثارت الجماعة بالموادعة . فقام علي أمير المؤمنين فقال : « إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب إلى أن أخذت منكم الحرب ، وقد والله أخذت منكم وتركت ، وأخذت من عدوكم فلم تترك ، وإنها فيهم أنكى وأنهك . ألا إني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأمورا ، وكنت ناهيا فأصبحت منهيا . وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » . ثم قعد ، ثم تكلم رؤساء القبائل ، فأما من ربيعة وهي الجبهة العظمى فقام كردوس بن هانئ البكري فقال : أيها الناس ، إنا والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه ، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه . وإن قتلانا لشهداء ، وإن أحياءنا لأبرار ، وإن عليا لعلى بينة من ربه ، ما أحدث إلا الإنصاف ، وكل محق منصف ، فمن سلم له نجا ، ومن خالفه هلك . ____________ ( 1 ) في الأصل : « فمحمد » . ( 485 ) ثم قام شقيق بن ثور البكري فقال : أيها الناس ، إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله فردوه علينا فقاتلناهم عليه ، وإنهم دعونا إلى كتاب الله فإن رددناه عليهم حل لهم منا ما حل لنا منهم . ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ولا رسوله . وإن عليا ليس بالراجع الناكص ، ولا الشاك الواقف ، وهو اليوم على ما كان عليه أمس . وقد أكلتنا هذه الحرب ، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة . ثم قام حريث بن جابر البكري ، فقال : أيها الناس ، إن عليا لو كان خلفا من هذا الأمر لكان المفزع إليه ، فكيف وهو قائده وسائقه . وإنه والله ما قبل من القوم اليوم إلا ما دعاهم إليه أمس ، ولو رده عليهم كنتم له أعنت . ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه أو مستدرج بغرور . فما بيننا وبين من طغى علينا إلا السيف . ثم قام خالد بن المعمر فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا والله ما اخترنا هذا المقام أن يكون أحد هو أولى به منا ، غير أنا جعلناه ذخرا ، وقلنا : أحب الأمور إلينا ما كفينا مؤنته (1) . فأما إذ سبقنا في المقام فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك إليه القوم ، إن رأيت ذلك ، فإن لم تره فرأيك أفضل . ثم إن الحضين الربعي ، وهو أصغر القوم سنا قام فقال : أيها الناس ، إنما بني هذا الدين على التسليم فلا توفروه بالقياس ولا تهدموه بالشفقة ، فإنا والله لو لا أنا لا نقبل إلا ما نعرف لأصبح الحق في أيدينا قليلا ، ولو تركنا ما نهوى لكان الباطل في أيدينا كثيرا ، وإن لنا داعيا قد حمدنا ورده ____________ ( 1 ) المؤنة ، بالضم وسكون الهمزة : لغة في المؤونة ، بفتح الميم وضم الهمزة . واستشهد صاحب المصباح لها بقوله : * أميرنا مؤنته خفيفه * ( 486 ) وصدره ، وهو المصدق على ما قال ، المأمون على ما فعل . فإن قال لا قلنا لا ، وإن قال نعم قلنا نعم . فبلغ ذلك معاوية فبعث إلى مصقلة بن هبيرة فقال : يا مصقلة ، ما لقيت من أحد ما لقيت من ربيعة . قال : ما هم منك بأبعد من غيرهم ، وأنا باعث إليهم فيما صنعوا . فبعث مصقلة إلى الربعيين فقال : لن يهلك القوم أن تبدى نصيحتهــم * إلا شقيــق أخو ذهــل وكـردوس وابن المعمر لا تنفــك خطبتـــه * فيها البيان وأمر القــوم ملبــوس أمـا حريث فـــان الله ضللــه * إذ قــام معترضا ، والمرء كـردوس طاطا حضين هنا في فتنة جمحـت * إن ابــن وعلة فيها ، كان ، محسوس منوا علينا ومناهم وقــال لهــم * قولا يهيــج لــه البزل القناعيــس كل القبائل قـــد أدى نصيحتـه * إلا ربيعة زعـــم القــوم محبـوس وقال النجاشي : إن الأراقم لا يغشــاهم بـوس * ما دافع الله عن حــوباء كـردوس (1) نمته من تغلب الغلبا فوارسهـا * تلك الرؤوس وأبنــاء المرائيــس (2) ما بال كل أمير يستراب بـــه * دين صحيح ورأي غيـر ملبــوس وإلى عليا بغدر بــذ منــه إذا * ما صرح الغدر عـن رد الضغابيس نعم النصير لأهل الحق ، قد علمت * عليا معـــد ، على أنصار إبليس ____________ ( 1 ) الأراقم ، هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحت ومعاوية ، بنو بكر بن حبيب ابن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط . والحوباء : النفس . وفي الأصل : « من حوباء » . ( 2 ) الغلباء لقب لتغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار . انظر القاموس ( غلب ) رالمعارف 41 ـ 42 . وفي الأصل : « العليا » . والمرائيس : جمع مرآس ، وهو المتقدم السابق . ( 487 ) قل للذين تـــرقوا في تعنتــه * إن البكارة ليســـت كالقناعيس (1) لن تدركوا الدهر كردوسا وأسرته * أبناء ثعلبة الحادي وذو العيــس (2) وقال فيما قال خالد بن المعمر : وفت لعلي مــن ربيعة عصبــة * بصم العوالي والصفيــح المذكــر شقيق وكردوس ابن سيـــد تغلب * وقــد قام فيها خالد بــن المعمـر وقارع بالشورى حريث بــن جابر * وفاز بهــا لولا حضين بن منـذر (3) لأن حضينا قــام فينـــا بخطبة * من الحق فيهــا ميتــة المتجبر (4) أمرنا بمر الحق حتــى كأننـــا * خشاش تفادى مــن قطام بقرقـر (5) وكان أبوه خير بكــر بــن وائل * إذا خيف مــن يوم أغر مشهــر نماه إلى عليـا عكابــة عصبــة * وآب أبــي للدنيــة أزهــر (6) وقال الصلتان : شقيق بن ثور قام فينــا بخطبــة * يحدثهــا الركبان أهــل المشاعر بما لم يقف فينا خطيــب بمثلهــا * جزى الله خيرا من خطيب وناصـر وقد قام فينا خالـد بـــن معمــر * وكردوس الحامي ذمــار العشائـر بمثل الذي جاءا بــه حــذو نعلـه * وقد بين الشورى حريث بن جابـر ____________ ( 1 ) البكارة بالكسر : جمع البكر ، بالفتح ، وهو الفتى من الإبل . والقناعيس : جمع قنعاس ، وهو الجمل الضخم العظيم . ( 2 ) هم بنو ثعلبة بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم . انظر ما سبق في التنبيه الأول من الصفحة السابقة . وفي الأصل : « بني ثعلبة » ولا يستقيم به الشعر . ( 3 ) سبقت ترجمة حضين في ص 287 . وفي الأصل : « حصين » تحريف . ( 4 ) في الأصل : « حصينا » صوابه بالضاد المعجمة . وفي الأصل أيضا : « منية المتجبر » . ( 5 ) في الأصل : « حتى كأنها » . والخشاش : ضعاف الطير . والقطام كالقطامي : الصقر . والقرقر : الأرض المطمئنة اللينة . ( 6 ) في هذا البيت إقواء . ( 488 ) فلا يبعدنك الدهر ما هبت الصبــا * ولا زلت مسقيــا بأسحم ماطــر ولا زلت تدعي فــي ربيعـة أولا * باسمـك في أخرى الليالي الغوابـر (1) وقال حريث بن جابر : أتى نبأ مـــن الأنبـاء ينمــي * وقــد يشفي مــن الخبر الخبير قال : فلما ظهر قول حضين رمته بكر بن وائل بالعداوة ، ثم إن عليا أصلح بينهم . وقال رفاعة بن شداد البجلي : « أيها الناس ، إنه لا يفوتنا شئ من حقنا ، وقد دعونا في آخر أمرنا إلى ما دعوناهم إليه في أوله . وقد قبلوه من حيث لا يعقلون . فإن يتم الأمر على ما نريد فبعد بلاء وقتل ، وإلا أثرناها جذعة ، وقد رجع إليه جدنا » . وقال في ذلك : تطاول ليلي للهمــوم الحواضــر * وقتلي أصيبــت من رءوس المعاشر بصفين أمسـت والحوادث جمـــة * يهيل عليها الترب ذيـل الأعاصــر فإنهم في ملتقى الخيــل بكـــرة * وقــد جالت الأبطال دون المساعـر (2) فإن يك أهل الشــام نالوا سراتنـا * فقد نيــل منهم مثل جـزرة جــازر وقام سجال الدمـــع منا ومنهــم * يبكين قتلي غيــر ذات مقــابــر فلن يستقيل القوم مـــا كان بيننـا * وبينهم أخرى الليـــالى الغوابــر (3) ____________ ( 1 ) الغوابر : الباقيات . والغابر من الأضداد ، يقال للماضي وللباقي . ( 2 ) دونهم : أي قريبا منهم . والمساعر : جمع مسعر ، بكسر الميم ، يقال رجل مسعر حرب إذا كان يؤرثها ، أي تحمي به . وفي الأصل : « المشاعر » تحريف . والمقطوعة لم ترد في مظنها من ح . ( 3 ) أخرى الليالي : آخرها . وفي الأصل « إحدى » تحريف ، ونحوه قول الشنفري : هنا لك لا أرجو حياة تسرني * سجيس الليالي مبسلا بالجرائر وسجيس الليالي : آخرها ، أي أبدا . ( 489 ) وماذا علينا أن تريـــح نفوسنـا * إلى سنــة من بيضنا والمغافــر (1) ومن نصبنا وسط العجاج جباهنـا * لوقع السيوف المرهفـات البواتـــر وطعن إذا نادى المنادي أن اركبوا * صــدور المذاكي بالرماح الشواجـر أثرنا التي كانت بصفين بكـــرة * ولم نـــك في تسعيرها بعواثــر فإن حكما بالحق كانــت سلامـة * ورأي وقانــا منه من شؤم ثائــر (2) وفي حديث عمر بن سعد قال : لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن قال علي عليه السلام : « عباد الله ، إني أحق من أجاب إلى كتاب الله ، ولكن معاوية وعمرو بن العاص ، وابن أبي معيط ، وحبيب ابن مسلمة ، وابن أبي سرح ، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، إني أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال (3) . إنها كلمة حق يراد بها باطل . إنهم والله ما رفعوها أنهم يعرفونها ويعملون بها (4) ، ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة (5) . أعيروني سواعد كم وجماجمكم ساعة واحدة ، فقد بلغ الحق ، مقطعه ، ولم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا » . فجاءه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح ، سيوفهم على عواتقهم ، وقد اسودت جباههم من السجود ، يتقدمهم مسعر بن فدكى ، وزيد بن حصين ، وعصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد ، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين : يا علي ، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « من بيننا » . ( 2 ) الثائر : الذي يطلب الثأر . في الأصل : « في شؤم » . ( 3 ) ح ( : 186 ) : « صحبتهم صغارا ورجالا فكانوا شر رجال » . وما أثبت من الأصل يوافق ما في الطبري ( 6 : 27 ) . ( 4 ) في الأصل : « ولا يعلمون بها » وتصح هذه القراءة على الاستئناف . وأثبت ما في ح . ( 5 ) في الأصل : « وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة » وأثبت ما في ح . ( 490 ) وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان ، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم . فقال لهم : ويحكم ، أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه ، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعي إلى كتاب الله فلا أقبله ، إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ، ونقضوا عهده ، ونبذوا كتابه ، ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم ، وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون . قالوا : فابعث إلى الأشتر ليأتيك . وقد كان الأشتر صبيحة ليل الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله . نصر : فحدثني فضيل بن خديج ، عن رجل من النخع قال : رأيت إبراهيم ابن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير فسأله عن الحال كيف كانت (1) . فقال : كنت عند علي حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه ، وقد [ كان الأشتر ] أشرف على معسكر معاوية ليدخله ، فأرسل [ إليه ] علي يزيد بن هانئ : أن ائتني . فأتاه فبلغه فقال الأشتر : ائته فقل له : ليس هذه بالساعة [ التي ] ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي . إني قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني . فرجع يزيد بن هانئ إلى علي فأخبره ، فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر ، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ، ودلائل الخذلان والإدبار على أهل الشام ، فقال له القوم : والله ما نراك إلا أمرته بقتال القوم . قال : أرأيتموني ساررت رسولي [ إليه ] ؟ أليس إنما كلمته على رءوسكم علانية وأنتم تسمعون . قالوا : فابعث إليه فليأتك ، وإلا فوالله اعتزلناك . قال : ويحك يا يزيد ، قل له أقبل إلي ، فإن الفتنة قد وقعت . فأتاه فأخبره فقال له الأشتر : الرفع هذه المصاحف (2) ؟ قال : نعم . قال : ____________ ( 1 ) السائل ، هو مصعب بن الزبير . وفي ح : « قال : سألت مصعب بن إبراهيم بن الأشتر عن الحال كيف كانت » ، تحريف . ( 2 ) ح : « أبرفع هذه المصاحف » . وما في الأصل يوافق الطبري ( 6 : 27 ) . ( 491 ) أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة ، إنها من مشورة ابن النابغة ـ يعني عمرو بن العاص ـ قال : ثم قال ليزيد : [ ويحك ] ألا ترى إلى ما يلقون ، ألا ترى إلي الذي يصنع الله لنا ، أيتبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ ! فقال له يزيد : أتحب أنك ظفرت هاهنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلم إلى عدوه ؟ ! قال : سبحان الله ، [ لا ] والله ما أحب ذلك . قال : فإنهم قالوا : لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك [ بأسيافنا ] كما قتلنا عثمان ، أو لنسلمنك إلى عدوك . قال : فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح فقال : يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم قاهرون ورفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ؟ ! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه ، فلا تجيبوهم . أمهلوني فواقا (1) ، فإني قد أحسست بالفتح . قالوا : لا . قال : فأمهلوني عدوة الفرس (2) ، فإني قد طمعت في النصر . قالوا : إذن ندخل معك في خطيئتك . قال : فحدثوني عنكم ـ وقد قتل أماثلكم وبقى أراذلكم ـ متى كنتم محقين ، أحين كنتم تقتلون أهل الشام (3) ، فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون أم [ أنتم ] الآن [ في إمساككم عن القتال ] محقون ؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم ، في النار . قالوا : دعنا منك يا أشتر ، قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله . إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا . قال : خدعتم والله فانخدعتم ، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود ، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله ، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت . ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة ، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا ، فابعدوا ____________ ( 1 ) الفواق ، بالضم وبالفتح : ما بين الحلبتين . يقال : أنظرني فواق ناقة . ( 2 ) في الأصل : « عدو الفرس » وأثبت ما في ح . ( 3 ) في الأصل : « حيث كنتم » صوابه في ح ( 1 : 186 ) . ( 492 ) كما بعد القوم الظالمون . فسبوه وسبهم ، وضربوا بسياطهم وجه دابته ، وضرب بسوطه وجوه دوابهم ، فصاح بهم علي فكفوا . وقال الأشتر : يا أمير المؤمنين ، احمل الصف على الصف يصرع القوم . فتصايحوا (1) : إن عليا أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضى بحكم القرآن ولم يسعه إلا ذلك . قال الأشتر : إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضى بحكم القرآن ، فقد رضيت بما رضي أمير المؤمنين . فأقبل الناس يقولون : قد رضي أمير المؤمنين ، قد قبل أمير المؤمنين . وهو ساكت لا يبض بكلمة (2) ، مطرق إلى الأرض . وقال أبو محمد نافع بن الأسود التميمي (3) : ألا أبلغا عني عليـــا تحيــة * فقد قبـــل الصماء لمـــا استقلت بني قبة الإسلام بعد انهدامهـــا * وقامــت عليه قصـرة فاستقــرت (4) كأن نبيا جاءنا حيــن هدمهــا * بمــا سن فيها بعــد ما قد أبـرت (5) قال : ولما صدر على من صفين أنشأ يقول : وكم قد تركنا في دمشق وأرضهـا * من أشمط موتور وشمطاء ثاكــل وعانية صاد الرمــاح حليلهــا * فأضحت تعد اليوم إحدى الأرامـل ____________ ( 1 ) بدلها في الأصل : « فقالوا له » وأثبت ما في ح ( 1 : 187 ) . ( 2 ) لا يبض بكلمة ، أي ما يتكلم . وفي حديث طهفة : « ماتبض ببلال » أي ما يقطر منها لبن . وفي الأصل : « لا يفيض » صوابه في ح . ( 3 ) هو أبو محمد نافع بن الأسود بن قطبة بن مالك التميمي ثم الأسيدي بتشديد الياء ، من بني أسيد بن عمرو بن تميم . قال المرزباني : شاعر مخضرم يكنى أبا محمد . وقال الدارقطني في المؤتلف : أبو محمد نافع بن الأسود شهد فتوح العراق . انظر الإصابة 8849 . وفي الأصل : « أبو مجيد » تحريف . ( 4 ) قصرة ، أي دون الناس . وفي اللسان : « أبلغ هذا الكلام بني فلان قصرة ومقصورة ، أي دون الناس » . ( 5 ) أبرت : غلبت . والمقطوعة لم ترد في ح . ( 493 ) تبكي على بعل لها راح غاديــا * فليس إلى يــوم الحسـاب بقافـل (1) وإنا أناس ما تصيب رماحنـــا * إذا ما طعنا القوم غيــر المقاتـل قال : وقال الناس : قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما . وبعث معاوية أبا الأعور السلمي على برذون أبيض ، فسار بين الصفين صف أهل العراق وصف أهل الشام ، والمصحف على رأسه وهو يقول : كتاب الله بيننا وبينكم . فأرسل معاوية إلى علي : « إن الأمر قد طال بيننا وبينك ، وكل واحد منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه ، ولن يعطي واحد منا الطاعة للآخر ، وقد قتل فيما بيننا بشر كثير ، وأنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى ، وإنا [ سوف ] نسأل عن ذلك الموطن ، ولا يحاسب به غيري وغيرك ، فهل لك في أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وبراءة ، وصلاح للأمة ، وحقن للدماء ، وألفة للدين ، وذهاب للضغائن والفتن : أن يحكم بيننا وبينك حكمان رضيان ، أحدهما من أصحابي والآخر من أصحابك ، فيحكمان بما في كتاب الله بيننا ، فإنه خير لي ولك ، وأقطع لهذه الفتن . فاتق الله فيما دعيت له ، وارض بحكم القرآن إن كنت من أهله . والسلام » . فكتب إليه علي بن أبي طالب : « من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه اتباع ما يحسن به فعله ، ويستوجب فضله ، ويسلم من عيبه . وإن البغي والزور يزريان بالمرء في دينه ودنياه ، ويبديان من خلله عند من يغنيه ما استرعاه الله ما لا يغني عنه تدبيره . فاحذر الدنيا فإنه لا فرح في شئ وصلت إليه منها . ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته . وقد رام قوم أمرا بغير الحق ____________ ( 1 ) قافل : راجع ، قفل يقفل قفولا . وفي الأصل : « بغافل » والوجه ما أثبت . ( 494 ) فتأولوا على الله تعالى (1) ، فأكذبهم ومتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ . فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ، ويندم فيه من أمكن الشيطان من قياده ولم يحاده ، فغرته الدنيا واطمأن إليها . ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن ، ولقد علمت انك لست من أهل القرآن ، ولست حكمه تريد . والله المستعان . وقد أجبنا القرآن إلى حكمه ، ولسنا إياك أجبنا . ومن لم يرض بحكم فقد ضل ضلالا بعيدا » . ــــــــــ آخر الجزء . يتلوه في الذي يتلوه قصة الحكمين . والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله والطاهرين . والسلام . ــــــــــ وجدت في الجزء الثاني عشر (2) من أجزاء عبد الوهاب بخطه : « سمع علي الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي الأجل السيد الإمام قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد وأبو الحسين أحمد ، وأبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفتح بن البيضاوي ، والشريف أبو الفضل محمد بن علي بن أبي يعلى الحسيني ، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمي ، بقراءة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي . في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة » . ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 188 ) : « وتأولوه على الله عز وجل » . ( 2 ) في الأصل : « الثامن » وصوابه ما أثبت . ****************** الجزء الثامن من كتاب صفين لنصر بن مزاحم ــــــــــــ ــــــــــ ــــــــ رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي رواية الشيخ الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي سماع مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له ( 496 ) ( 497 ) بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي قراءة عليه وأنا أسمع ، قال : أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه ، قال أبو يعلى أحمد ابن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري : قال أبو الحسن محمد بن ثابت ابن عبد الله بن [ محمد (1) ] بن ثابت الصيرفي : قال أبو الحسن علي بن محمد بن محمد ابن عقبة : قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز : قال أبو الفضل نصر بن مزاحم : قصة الحكمين نصر عن عمر بن سعد ، عن رجل ، عن شقيق بن سلمة قال : جاءت عصابة من القراء قد سلوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم فقالوا : يا أمير المؤمنين ، ما تنتظر بهؤلاء القوم أن نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق . فقال لهم علي : قد جعلنا حكم القرآن بيننا وبينهم ، ولا يحل قتالهم حتى ننظر بم يحكم القرآن . قال : وكتب معاوية إلى علي : « أما بعد ، عافانا الله وإياك ، فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا وألفة بيننا ، وقد فعلت وأنا أعرف حقي ، ولكن ____________ ( 1 ) ساقطة من الأصل . ( 498 ) اشتريت بالعفو صلاح الأمة ، ولا أكثر فرحا بشيء جاء ولا ذهب (1) ، وإنما أدخلني في هذا الأمر القيام بالحق فيما بين الباغي والمبغى عليه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فدعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك ، فإنه لا يجمعنا وإياك إلا هو ، نحيي ما أحيا القرآن ، ونميت ما أمات القرآن . والسلام » . وكتب علي إلى عمرو بن العاص [ يعظه ويرشده ] : « أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، ولم يصب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا يزيده فيها رغبة ، ولن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغه ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع . والسعيد من وعظ بغيره . فلا تحبط أبا عبد الله أجرك ، ولا تجار معاوية في باطله » . فأجابه عمرو بن العاص : « أما بعد فإن ما فيه صلاحنا وألفتنا الإنابة إلى الحق ، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا فأجبنا إليه . وصبر الرجل منا نفسه على ما حكم عليه القرآن ، وعذره الناس بعد المحاجزة . [ والسلام ] » . فكتب إليه علي : « أما بعد فإن الذي أعجبك من الدنيا مما نازعتك إليه نفسك ووثقت به منها لمنقلب عنك ، ومفارق لك . فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة . ولو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقى ، وانتفعت بما وعظت به . والسلام » . فأجابه عمرو : « أما بعد فقد أنصف من جعل القرآن إماما ودعا الناس إلى أحكامه . فاصبر أبا حسن ، وأنا غير منيلك (2) إلا ما أنالك القرآن » . وجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال : [ يا أمير المؤمنين ] ما أرى الناس إلا وقد رضوا وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم ____________ ( 1 ) كذا ورد في الأصل وح على الاكتفاء ، أي ولا بشيء ذهب . ( 2 ) ح ( 1 : 189 ) : « فإنا غير منيليك » . ( 499 ) القرآن ، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ، ونظرت ما الذي يسأل . قال : ائته إن شئت . فأتاه فسأله فقال : يا معاوية ، لأي شئ رفعتم هذه المصاحف ؟ قال : لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه (1) . فابعثوا منكم رجلا ترضون به ، ونبعث منا رجلا ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ، ثم نتبع ما أتففا عليه . فقال الأشعث : هذا هو الحق . فانصرف إلى علي فأخبره بالذي قال . وقال الناس : قد رضينا وقبلنا . فبعث على قراء من أهل العراق ، وبعث معاوية قراء من أهل الشام ، فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف ، فنظروا فيه وتدارسوه ، وأجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ، وأن يميتوا ما أمات القرآن . ثم رجع كل فريق إلى أصحابه ، وقال الناس : قد رضينا بحكم القرآن . فقال أهل الشام : فإنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص . وقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج فيما بعد : فإنا قد رضينا واخترنا أبا موسى الأشعري . فقال لهم علي : إني لا أرضى بأبي موسى ، ولا أرى أن أوليه . فقال الأشعث ، وزيد بن حصين (1) ، ومسعر بن فدكي ، في عصابة من القراء : إنا لا نرضى إلا به ، فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه . قال علي : فإنه ليس لي برضا ، وقد فارقني وخذل الناس عني (2) ثم هرب ، حتى أمنته بعد أشهر . ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك . قالوا : والله ما نبالي ، أكنت أنت أو ابن عباس ، ولا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ، وليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر . قال علي : فإني أجعل الأشتر . قال نصر : قال عمرو : فحدثني أبو جناب قال : قال الأشعث : وهل سعر ____________ ( 1 ) ح : « به فيها » . ( 2 ) هو زيد بن حصين الطائي ، ذكره ابن حجر في الإصابة 2887 . وقد سبقت خطبة له في ص 99 ، وانظر أيضا ص 100 . وفي الأصل « يزيد بن حصن » والصواب مما أثبت من ح . ( 3 ) التخذيل : حمل الرجل على خذلان صاحبه ، وتثبيطه عن نصرته . ( 500 ) الأرض علينا غير الأشتر ، وهل نحن إلا في حكم الأشتر . قال له علي : وما حكمه ؟ قال : حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : لما أراد الناس عليا على أن يضع حكمين قال لهم علي : إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص ، وإنه لا يصلح للقرشي إلا مثله ، فعليكم بعبد الله بن عباس فارموه به ، فإن عمرا لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله ، ولا يحل عقدة إلا عقدها ، ولا يبرم أمرا إلا نقضه ، ولا ينقض أمرا إلا أبرمه . فقال الأشعث : لا والله لا يحكم فيها مضريان حتى تقوم الساعة ، ولكن أجعله رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر . فقال علي : إني أخاف أن يخدع يمنيكم ، فإن عمرا ليس من الله في شيء إذا كان له في أمر هوى (1) . فقال الأشعث : والله لأن يحكما ببعض ما نكره ، وأحدهما من أهل اليمن ، أحب إلينا من أن يكون [ بعض ] ما نحب في حكمهما وهما مضريان . وذكر الشعبي مثل ذكر الشعبي مثل ذلك . وفي حديث عمر قال : قال علي : قد أبيتم إلا أبا موسى ؟ قالوا : نعم . قال : فاصنعوا ما أردتم . فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل بأرض من أرض الشام يقال لها ( عرض (2) ) واعتزل القتال ، فأتاه مولى له فقال : إن الناس قد اصطلحوا . قال : الحمد لله رب العالمين . قال : وقد جعلوك حكما . قال : إنا لله وإنا إليه راجعون . فجاء أبو موسى حتى دخل عسكر علي ، وجاء الأشتر حتى أتى عليا فقال له : يا أمير المؤمنين الزنى بعمرو بن العاص (3) ، فوالله الذي ____________ ( 1 ) في الأصل : « حتى إذا كان له في أمر هواه » صوابه في ح . ( 2 ) عرض ، بضم أوله وسكون ثانيه : بلد ببن تدمر والرصافة الشامية . ( 3 ) ألزه به : ألزمه إباه . ( 501 ) لا إله غيره لئن ملأت عيني منه لأقتلنه . قال : وجاء الأحنف بن قيس التميمي فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك قد رميت بحجر الأرض (1) ومن حارب الله ورسوله أنف الإسلام (2) ، وإني قد عجمت هذا الرجل ـ يعني أبا موسى ـ وحلبت أشطره ، فوجدته كليل الشفرة ، قريب القعر . وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفهم ، ويتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم ، فإن تجعلني حكما فاجعلني ، وإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا (3) ، فإنه لا يعقد عقدة إلا حللتها ، ولن يحل عقدة إلا عقدتها وعقدت لك أخرى أشد منها . فعرض ذلك على الناس فأبوه وقالوا : لا يكون إلا أبا موسى . نصر : وفي حديث عمر قال : قام الأحنف بن قيس إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين ، إني خيرتك يوم الجمل أن آتيك فيمن أطاعني وأكف عنك بني سعد ، فقلت كف قومك فكفى بكفك نصيرا (4) فأقمت بأمرك . وإن عبد الله بن قيس (5) رجل قد حلبت أشطره فوجدته قريب القعر كليل المدية ، وهو رجل يمان وقومه مع معاوية . وقد رميت بحجر الأرض وبمن حارب الله ورسوله ، وإن صاحب القوم من ينأي حتى يكون مع النجم ، ويدنو حتى يكون في أكفهم . فابعثني ووالله لا يحل عقدة إلا عقدت لك أشد منها ____________ ( 1 ) في اللسان : « يقال رمى فلان بحجر الأرض ، إذا رمى بداهية من الرجال » . وروى صاحب اللسان حديث الأحنف في ( 3 : 237 ) . ( 2 ) أي في أول الإسلام . ( 3 ) في الأصل : « فإن شئت أن تجعلني ثانيا أو ثالثا » ، وصوابه وتكملته من الطبري . ( 4 ) في الأصل : « نصرا » وأثبت ما في ح . ( 5 ) عبد الله بن قيس ، هو أبو موسى الأشعري . توفى سنة 42 أو 43 وهو ابن نيف وستين سنة . ( 502 ) فإن قلت : إني لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ، فابعث رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه غير عبد الله بن قيس (1) ، وابعثني معه . فقال علي : إن القوم أتوني بعبد الله بن قيس مبرنسا ، فقالوا (2) : ابعث هذا ، فقد رضينا به ، والله بالغ أمره . وذكروا أن ابن الكواء قام إلى علي فقال : هذا عبد الله بن قيس وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه ، وصاحب مقاسم أبي بكر (3) ، وعامل عمر ، وقد [ رضى به القوم . و ] عرضنا على القوم عبد الله بن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك ، ظنون في أمرك (4) . فبلغ ذلك أهل الشام فبعث أيمن بن خريم الأسدي ، وهو معتزل لمعاوية ، هذه الأبيات ، وكان هواه أن يكون هذا الأمر لأهل العراق فقال : لو كان للقوم رأي يعصمـون بــه * مــن الضلال رموكم بابــن عباس (5) لله در أبيــه أيمـــا رجــــل * مـــا مثله لفصال الخطب في الناس لكن رموكم بشيخ مــن ذوي يمــن * لم يــدر مـا ضرب أخماس لأسداس إن يخل عمرو به يقذفه فـي لجــج * يهــوى بـه النجم تيسا بين أتيــاس أبلغ لديك عليا غيــر عاتبــه (6) * قول امرئ لا يرى بالحق مـن بــاس ما الأشعري ، بمأمون ، أبـا حسن ، * فاعلم هديت وليس العجــز كــالراس فاصــدم بصاحبك الأدنى زعيمهـم * إن ابـــن عمك عباس هــو الآسى ____________ ( 1 ) « غير عبد الله بن قيس » ليست في ح . ( 2 ) في الأصل : « فقال » صوابه في ح . ( 3 ) صاحب المقاسم : الذي يتولى أمر قسمة المغانم ونحوها . ( 4 ) الظنون كالظنين : المتهم . ( 5 ) في الأصل : « يعظمون به * بعد الخطار » صوابه في ح . ( 6 ) في الأصل : « غير عائبه » وأثبت ما في ح ( 1 : 190 ) . ( 503 ) قال : فلما بلغ الناس قول أيمن طارت أهواء قوم من أولياء علي عليه السلام وشيعته (1) إلى عبد الله بن عباس ، وأبت القراء إلا أبا موسى . وفي حديث عمر بن سعد قال : قال بسر بن أرطاة : لقد رضى معاوية بهذه المدة ، ولئن أطاعني لينقصن هذه المدة . قال أيمن بن خريم بن فاتك ، وكان قد اعتزل عليا ومعاوية ثم قارب أهل الشام ولم يبسط بدا : أما والذي أرسى ثبيــرا مكانــه * وأنزل ذا الفرقان في ليلــة القــدر لئن عطفت خيل العـراق عليكــم * ولله لا للنــاس عاقبـــة الأمــر تقحمها قدما عــدي بــن حاتـم * والاشتر يهدى الخيل في وضح الفجـر وطاعنكم فيهـا شريح بــن هانئ * وزحر بـن قيس بالمثقفــة السمــر وشمر فيها الأشعث اليــوم ذيلـه * تشبهه (2) بالحــارث بن أبي شمـر لتعرفه يابسر يومــا عصبصبـا * يحرم أطهار النسـاء مــن الذعـر (3) يشيب وليد الحي قبــل مشيبـه * وفي بعض ما أعطـوك راغية البكـر (4) وعهدك يابسر بن أرطاة والقنــا * رواء من أهل الشام أظماؤهــا تجـري وعمرو بن سفيان على شر آلــة * بمعترك حام أحــر مــن الجمـر (5) قال : فلما سمع القوم الذين كرهوا المدة قول أيمن بن خريم كفوا عن الحرب وكان أيمن رجلا عابدا مجتهدا ، قد كان معاوية جعل له فلسطين على أن يتابعه ويشايعه على قتال علي (6) ، فبعث إليه أيمن : ____________ ( 1 ) بدلها في الأصل : « طارت أهواؤهم » وما هنا من ح . ( 2 ) في الأصل : « يشبهه » والمقطوعة لم ترد في ح . ( 3 ) انظر ص 46 س 2 . ( 4 ) انظر ص 45 السطر الأخير . ( 5 ) الآلة : الحالة . قال : * قد أركب الآلة بعد الآله * ( 6 ) في الأصل : « على أن يبايعه على قتل علي » ، و أثبت ما في ح . ( 504 ) ولســت مقاتـلا رجـلا يصلـي * علــى سلطان آخر مــن قريش له سلطانـه وعلــي إثمــــي * معــاذ الله مــن سفه وطيــش أأقتل مسلما فـي غيــر جــرم * فليــس بنافعي مــا عشت عيشي قال : وبعث [ بسر (1) ] إلى أهل الشام : « أما والله إن من رأيى إن دفعتم هذه الموادعة أن ألحق بأهل العراق فأكون يدا من أيديها عليكم ، وما كففت عن الجمعين إلا طلبا للسلامة » . قال معاوية : يا بسر ، أتريد أن تمن علينا بخير ؟ ! قال : فرضى أهل الشام ببعث الحكمين . فلما رضى أهل الشام بعمرو بن العاص ، ورضى أهل العراق بأبي موسى ، أخذوا في كتاب الموادعة ، ورضوا بالحكم حكم القرآن . نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن زيد بن حسن قال عمرو : قال جابر : سمعت زيد بن حسن ـ وذكر كتاب الحكمين فزاد فيه شيئا على ما ذكره محمد بن علي الشعبي ، في كثرة الشهود وفي زيادة في الحروف ونقصان ، أملاها علي من كتاب عنده فقال ـ : هذا ما تقاضي عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه ، قضية علي على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب ، [ وقضية معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب ] . إنا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم ، وأن نقف عند أمره فيما أمر ، وإنه لا يجمع بيننا إلا ذلك . وإنا جعلنا كتاب الله فيما بيننا حكما فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته ، نحيى ما أحيا ونميت ما أمات (2) . على ذلك تقاضيا ، وبه تراضيا . وإن عليا وشيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله ____________ ( 1 ) تكملة يقتضيها السياق . ( 2 ) ح ( 1 : 191 ) : « نحيى ما أحيا القرآن ونميت ما أماته » . ( 505 ) ابن قيس (1) ناظرا ومحاكما ، ورضى معاوية وشيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظرا ومحاكما . على أنهما (2) أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه ، ليتخذان الكتاب إماما فيما بعثا له ، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورا . وما لم يجداه مسمى في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله صلى الله عليه الجامعة ، لا يتعمدان لهما خلافا ، ولا يتبعان في ذلك لهما هوى ، ولا يدخلان في شبهة . وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص علي على ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره ، وأنهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأهلهما ما لم يعدوا الحق ، رضى بذلك راض أو أنكره منكر ، وأن الأمة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل . فإن توفى أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون مكانه رجلا ، لا يألون عن أهل المعدلة والإقساط ، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق ، والحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله . وله مثل شرط صاحبه . وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولوا مكانه رجلا يرضون عدله . وقد وقعت القضية ومعها الأمن والتفاوض ووضع السلاح والسلام والموادعة . وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه ألا يألوا اجتهادا ، ولا يتعمدا جورا ، ولا يدخلا في شبهة ، ولا يعدوا حكم الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإن لم يفعلا برئت الأمة ( سقط من كتاب بن عقبة ) من حكمهما ، ولا عهد لهما ولا ذمة . وقد وجبت القضية على ما قد سمى في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الأميرين والحكمين والفريقين ____________ ( 1 ) عبد الله بن قيس ، هو أبو موسى الأشعري . ( 2 ) في الأصل : « أنهم » وأثبت ما في ح . ( 506 ) والله أقرب شهيدا ، وأدنى حفيظا . والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل ، والسلاح موضوع ، والسبل مخلاة ، والغائب والشاهد من الفريقين سواء في الأمن . وللحكمين أن ينزلا منزلا عدلا بين أهل العراق وأهل الشام ولا يحضرهما فيه إلا من أحبا ، عن ملأ منهما وتراض وإن المسلمين قد أجلوا القاضيين إلى انسلاخ رمضان ، فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجها له عجلاها ، وإن أرادا تأخيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإن ذلك إليهما . فإن هما لم يحكما بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأول في الحرب . ولا شرط بين واحد من الفريقين . وعلى الأمة عهد الله وميثاقه على التمام ، والوفاء بما في هذا الكتاب . وهم يد على من أراد فيه إلحادا وظلما ، أو حاول له نقضا . وشهد بما في الكتاب من أصحاب علي (1) عبد الله بن عباس ، والأشعث بن قيس ، والأشتر مالك بن الحارث ، وسعيد بن قيس الهمداني ، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن المطلب ، وأبو أسيد مالك بن ربيعة الأنصاري (2) ، وخباب بن الأرت ، وسهل بن حنيف ، وأبو اليسر بن عمرو الأنصاري (3) ، ورفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري ، وعوف بن الحارث بن المطلب القرشي ، ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 192 ) : « وشهد فيه من أصحاب علي عشرة ، ومن أصحاب معاوية عشرة » . وقد فصل الطبري في ( 6 : 130 ) فذكر هؤلاء العشرة وهؤلاء العشرة . لكن ما في الأصل هنا يربى على هذا العدد كثيرا . ( 2 ) هو أبو أسيد ، بهيئة التصغير ، مالك بن ربيعة بن البدن بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي . وكان معه راية بني ساعدة يوم الفتح ، اختلف في وفاته ما بين سنة ثلاثين إلى ثمانين . انظر الإصابة 7622 . وفي الأصل : « ربيعة بن مالك » تحريف . ( 3 ) هو أبو اليسر ، بفتحتين ، الأنصاري ، واسمه كعب بن عمرو بن عباد . شهد بدرا والمشاهد ، وهو الذي أسر العباس . ومات بالمدينة سنة خمس وخمسين . الإصابة ( 7 : 218 ) . وفي الأصل : « أبو اليسير » تحريف . ( 507 ) وبريدة الأسلمي (1) ، وعقبة بن عامر الجهني ، ورافع بن خديج الأنصاري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، والحسن والحسين ابنا علي ، وعبد الله بن جعفر الهاشمي ، والنعمان بن عجلان الأنصاري ، وحجر بن عدي الكندي ، وورقاء بن مالك بن كعب الهمداني ، وربيعة بن شرحبيل ، وأبو صفرة ابن يزيد ، والحارث بن مالك الهمداني ، وحجر بن يزيد ، وعقبة بن حجية ، ( إلى هنا السقط ) . ومن أصحاب معاوية حبيب بن مسلمة الفهري ، وأبو الأعور بن سفيان السلمي (2) ، وبسر بن أرطاة القرشي ، ومعاوية بن خديج الكندي ، والمخارق بن الحارث الحميري ، ورعبل بن عمرو السكسكي ، وعبد الرحمن ابن خالد المخزومي ، وحمزة بن مالك الهمداني ، وسبيع بن يزيد الهمداني ، ويزيد بن الحر الثقفي ، ومسروق بن حرملة العكي (3) ، ونمير بن يزيد الحميري ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعلقمة بن يزيد الكلبي ، وخالد ابن المعرض السكسكي ، وعلقمة بن يزيد الجرمي ، وعبد الله بن عامر القرشي ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة القرشي ، وعتبة بن أبي سفيان ، ومحمد بن أبي سفيان ، ومحمد بن عمرو بن العاص ، ويزيد بن عمر الجذامي ، وعمار ابن الأحوص الكلبي ، ومسعدة بن عمرو التجيبي ، والحارث بن زياد القيني ، وعاصم بن المنتشر الجذامي ، وعبد الرحمن بن ذي الكلاع الحميري ، والقباح بن جلهمة الحميري (4) ، وثمامة بن حوشب ، وعلقمة بن حكيم ، وحمزة بن مالك . وإن بيننا على ما في هذه الصحيفة عهد الله وميثاقه . وكتب عمر يوم الأربعاء ____________ ( 1 ) هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج الأسلمي ، ينتمي إلى أسلم بن أفصي . مات سنة ثلاث وستين . الإصابة 629 . وفي الأصل : ( السلمي ) تحريف . ( 2 ) هو أبو الأعور عمرو بن سفيان بن عبد شمس ، وهو ممن قدم مصر مع مروان سنة خمس وستين . انظر الإصابة 5846 . ( 3 ) ذكره ابن حجر في الإصابة 7938 ولم يعرف اسم والده . ( 4 ) لم أعثر له على ترجمة ، والمعروف في أعلامهم مما يقاربه « القباع » . ( 508 ) لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين . قال نصر : وفي كتاب عمر بن سعد : « هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين » . فقال معاوية : بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته . وقال عمرو : اكتب اسمه واسم أبيه ، إنما هو أميركم ، وأما أميرنا فلا . فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه ، فقال الأحنف : لا تمح اسم إمرة المؤمنين عنك ، فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا ، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا . فأبى مليا من النهار أن يمحوها ، ثم إن الأشعث بن قيس جاء فقال : امح هذا الإسم . فقال علي : لا إله إلا الله والله أكبر ، سنة بسنة ، أما والله لعلى يدي دار هذا يوم الحديبية ، حين كتبت الكتاب عن رسول الله صلى الله عليه : « هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسهيل بن عمرو » ، فقال سهيل : لا أجيبك إلى كتاب تسمى [ فيه ] رسول الله صلى الله عليه ، ولو أعلم أنك رسول الله لم أقاتلك ، إني إذا ظلمتك إن منعتك أن تطوف ببيت الله وأنت رسول الله ، ولكن اكتب : « محمد بن عبد الله » أجبك . فقال محمد صلى الله عليه : « يا علي إني لرسول الله ، وإني لمحمد بن عبد الله ، ولن يمحو عني الرسالة كتابي إليهم من محمد بن عبد الله ، فاكتب : محمد بن عبد الله » . فراجعني المشركون في هذا (1) إلى مدة . فاليوم أكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول الله صلى الله عليه إلى آبائهم سنة ومثلا . فقال عمرو بن العاص : سبحان الله ، ومثل هذا شبهتنا بالكفار ونحن مؤمنون ؟ فقال له علي : يا ابن النابغة ، ومتى لم تكن للكافرين وليا وللمسلمين عدوا ، وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك (2) . فقام عمرو فقال : والله لا يجمع بيني وبينك ____________ ( 1 ) في الأصل : « في عهد » . ( 2 ) هذه العبارة بعينها في الطبري ( 6 : 29 ) . ( 509 ) مجلس أبدا بعد هذا اليوم . فقال علي : والله إني لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك . قال : وجاءت عصابة قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم فقالوا : يا أمير المؤمنين مرنا بما شئت . فقال لهم ابن حنيف : أيها الناس اتهموا رأيكم فوالله لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه يوم الحديبية ولو نرى قتالا لقاتلنا . وذلك في الصلح الذي صالح عليه النبي صلى الله عليه . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن بريدة الأسلمي (1) ـ يعني ابن سفيان ـ عن محمد بن كعب القرظي ، عن علقمة بن قيس النخعي قال : لما كتب علي الصلح يوم صالح معاوية فدعا الأشتر ليكتب ، قال قائل : أكتب بينك وبين معاوية . فقال (2) : إني والله لأنا كتبت الكتاب بيدي يوم الحديبية ، وكتبت « بسم الله الرحمن الرحيم » ، فقال سهيل : لا أرضى ، اكتب « باسمك اللهم » فكتب : « هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو » ، فقال . لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك . قال علي : فغضبت فقلت : بلى والله إنه لرسول الله وإن رغم أنفك . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « اكتب ما يأمرك ، إن لك مثلها ، ستعطيها وأنت مضطهد » . نصر ، عن عمر بن سعد قال : حدثني أبو إسحاق الشيباني قال : قرأت كتاب الصلح عند سعيد بن أبي بردة ، في صحيفة صفراء عليها خاتمان خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها . في خاتم علي : « محمد رسول الله » وفي خاتم معاوية : « محمد رسول الله » . فقيل لعلي حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية وأهل الشام : أتقر أنهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال علي : ما أقر لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون ، ولكن يكتب ____________ ( 1 ) هذا غير بريدة الأسلمي ، المترجم في ص 507 . وقد ترجم لبريدة بن سفيان . في تهذيب التهذيب . ( 2 ) أي علي عليه السلام . ( 510 ) معاوية ما شاء ، ويقر بما شاء لنفسه وأصحابه ، ويسمى نفسه وأصحابه ما شاء . فكتبوا : « بسم الله الرحمن الرحيم » . هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان . قاضى علي بن أبي طالب على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين ، وقاضي معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين : إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ، والا يجمع بيننا إلا إياه ، وأن كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته : نحيى ما أحيا القرآن ، ونميت ما أمات القرآن . فما وجد الحكمان في كتاب الله بيننا وبينكم فإنهما يتبعانه ، وما لم يجداه في كتاب الله أخذا بالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة ، والحكمان عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص . وأخذنا عليهما عهد الله وميثاقه ليقضيا بما وجدا في كتاب الله ، فإن لم يجدا في كتاب الله فالسنة الجامعة غير المفرقة . وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين ـ مما هما عليه من أمر الناس بما يرضيان به من العهد والميثاق والثقة من الناس ـ أنهما آمنان على أموالهما وأهليهما . والأمة لهما أنصار على الذي يقضيان به عليهما (1) . وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيها عهد الله أنا على ما في هذه الصحيفة ، ولنقومن عليه ، وإنا عليه لأنصار . وإنها قد وجبت القضية بين المؤمنين بالأمن والإستقامة ووضع السلاح ، أينما ساروا ، على أنفسهم وأموالهم وأهليهم وأرضيهم ، وشاهدهم وغائبهم وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليحكمان بين الأمة بالحق ، ولا يردانها في فرقة ولا بحرب حتى يقضيا . وأجل القضية إلى شهر رمضان فإن أحبا أن يعجلا عجلا . وإن توفى واحد من الحكمين فإن أمير شيعته يختار مكانه رجلا لا يألو عن المعدلة والقسط ، وإن ميعاد قضائهما الذي ____________ ( 1 ) في الأصل : « عليه » . ( 511 ) يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الشام وأهل الكوفة ، فإن رضيا مكانا غيره فحيث رضيا لا يحضرهما فيه إلا من أرادا . وأن يأخذ الحكمان من شاءا من الشهود ثم يكتبوا شهادتهم على ما في الصحيفة . ونحن براء من حكم بغير ما أنزل الله . اللهم إنا نستعينك على من ترك ما في هذه الصحيفة ، وأراد فيها إلحادا وظلما . وشهد علي ما في الصحيفة عبد الله بن عباس ، والأشعث ابن قيس ، وسعيد بن قيس ، و ورقاء بن سمى (1) ، وعبد الله بن الطفيل ، وحجر ابن يزيد ، وعبد الله بن جمل ، وعقبة بن جارية ، ويزيد بن حجية ، وأبو الأعور السلمي ، وحبيب بن مسلمة ، والمخارق بن الحارث ، وزمل بن عمرو (2) ، وحمزة ابن مالك ، وعبد الرحمن بن خالد ، وسبيع بن يزيد (3) وعلقمة بن مرثد ، وعتبة ابن أبي سفيان ، ويزيد بن الحر . وكتب عميرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين . واتعد الحكمان أذرح (4) ، وأن يجيء على بأربعمائة من أصحابه ، ويجيء معاوية بأربعمائة من أصحابه فيشهدون الحكومة . نصر ، عن عمر بن سعد ، قال أبو جناب (5) ، عن عمارة بن ربيعة الجرمي قال : لما كتبت الصحيفة دعى لها الأشتر فقال : لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة . أو لست على بينة من ربي ، ويقين من ضلالة عدوي ؟ ! أو لستم قد رأيتم ____________ ( 1 ) الطبري ( 6 : 30 ) : « ووفاء بن سمى » . ( 2 ) زمل ، بالكسر ، بن عمرو بن عنز العذري ، عقد له النبي صلى الله عليه لواء ، وشهد بهذا اللواء صفين مع معاوية ، وقتل بمرج راهط مع مروان سنة أربع وستين . انظر الإصابة 2810 . وفي الأصل : « زامل » تحريف ، صوابه في الإصابة والطبري . ( 3 ) في الأصل : « سمع بن زيد » وأثبت ما في الطبري ( 6 : 30 ) . ( 4 ) أذرح ، بضم الراء : بلد في أطراف الشام مجاور لأرض الحجاز . ( 5 ) هو أبو جناب الكلبي ، كما في الطبري ( 6 : 30 ) وفي الأصل « أبو خباب » . ****************** الظفر إن لم تجمعوا على الخور ؟ ! فقال له رجل من الناس : إنك والله رأيت ظفرا ولا خورا ، هلم فأشهد على نفسك ، وأقرر بما كتب في هذه الصحيفة فإنه لا رغبة بك عن الناس . قال : بلى والله ، إن بي لرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة . ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت بخير منهم عندي ولا أحرم دما . فقال عمار بن ربيعة : فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم (1) ، وهو الأشعث بن قيس . ثم قال : ولكن قد رضيت بما صنع علي أمير المؤمنين ، ودخلت فيما دخل فيه ، وخرجت مما خرج منه ، فإنه لا يدخل إلا في هدى وصواب . نصر ، عن عمر ، عن أبي جناب ، عن إسماعيل بن سميع (2) ، عن شقيق بن سلمة (3) وغيره ، أن الأشعث خرج في الناس بذلك الكتاب يقرؤه على الناس ، ويعرضه عليهم ويمر به على صفوف أهل الشام وراياتهم فرضوا بذلك ، ثم مر به على صفوف أهل العراق وراياتهم يعرضه عليهم حتى مر برايات عنزة وكان مع علي من عنزة بصفين أربعة آلاف مجفف (4) ـ فلما مربهم الأشعث فقرأه عليهم قال فتيان منهم : لا حكم إلا لله . ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما [ فقاتلا ] حتى قتلا على باب رواق معاوية ، وهما أول من حكم (5) واسماهما معدان وجعد ، أخوان . ثم مر بها على مراد فقال صالح بن شقيق وكان من رؤسائهم : ____________ ( 1 ) القصع : الضرب والدلك . والحمم : الرماد والفحم وكل ما احترق من النار ، واحدته حمة . وفي ح ( 1 : 192 ) : « الحميم » . وما أثبت من الأصل يطابق ما في الطبري . ( 2 ) ح : « شفيع » . ( 3 ) ح : « سفيان بن سلمة » . ( 4 ) المجفف : لابس التجفاف ، وأصله ما يجلل به الفرس من سلاح وآلة تقية الجراحة . ( 5 ) في اللسان : « والخوارج يسمون المحكمة ، لإنكارهم أمر الحكمين وقولهم لا حكم إلا لله » . ( 513 ) ما لعلي في الدمـــاء قـد حكـم * لو قاتــل الأحزاب يومــا ما ظلم لا حكم إلا لله ولو كره المشركون . ثم مر على رايات بني راسب فقرأها عليهم فقالوا : لا حكم إلا لله ، لا نرضى ولا نحكم الرجال في دين الله . ثم مر على رايات بني تميم (1) فقرأها عليهم فقال رجل منهم : لا حكم إلا لله ، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين . فقال رجل منهم لآخر : أما هذا فقد طعن طعنة نافذة . وخرج عروة بن أدية أخو مرداس بن أدية التميمي فقال : أتحكمون الرجال في أمر الله ، لا حكم إلا لله ، فأين قتلانا يا أشعث . ثم شد بسيفه ليضرب به الأشعث ، فأخطأه وضرب به عجز دابته ضربة خفيفة ، فاندفع به الدابة وصاح به الناس أن أمسك يدك . فكف ورجع الأشعث إلى قومه ، فأتاه ناس كثير من أهل اليمن ، فمشى إليه الأحنف بن قيس ، ومعقل بن قيس ، ومسعر بن فدكي ، ورجال من بني تميم ، فتنصلوا إليه واعتذروا ، فقبل منهم الأشعث فتركهم وانطلق إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين ، قد عرضت الحكومة على صفوف أهل الشام وأهل العراق ، فقالوا جميعا : قد رضينا . حتى مررت برايات بني راسب ونبذ من الناس سواهم (2) ، فقالوا : لا نرضى ، لا حكم إلا لله . فلنحمل بأهل العراق وأهل الشام عليهم فنقتلهم . فقال علي : هل هي غير راية أو رايتين ونبذ من الناس ؟ قال : بلى (3) . قال : دعهم . قال : فظن علي عليه السلام أنهم قليلون لا يعبأ بهم . فما راعه إلا نداء الناس من كل جهة وفي كل ناحية : لا حكم إلا لله ، الحكم لله يا علي لا لك ، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله . إن الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه ، أن يقتلوا ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 192 ) : « رايات تميم » . ( 2 ) النبذ ، بالفتح : الشئ القليل ، وجمعه أنباذ . ( 3 ) في الأصل وح ( 1 : 193 ) : « لا » . ( 33 ـ صفين ) ( 514 ) أو يدخلوا في حكمنا عليهم (1) . وقد كانت منازلة حين رضينا بالحكمين ، فرجعنا وتبنا ، فارجع أنت يا علي كما رجعنا ، وتب إلى الله كما تبنا ، وإلا برئنا منك . فقال علي : ويحكم ، أبعد الرضا [ والميثاق ] العهد نرجع . أو ليس الله الله تعالى قال : ( أوفوا بالعقود (2) ) ، وقال : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ) . فأبى على أن يرجع ، وأبت الخوارج إلا تضليل التحكيم والطعن فيه ، وبرئت من علي عليه السلام ، وبرئ منهم ، وقام خطيب أهل الشام حمل بن مالك بين الصفين فقال : أنشدكم الله يا أهل العراق إلا أخبرتمونا لم فارقتمونا ؟ قالوا : فارقناكم لأن الله عز وجل أحل البراءة ممن حكم بغير ما أنزل الله ، فتوليتم الحاكم بغير ما أنزل الله ، وقد أحل عداوته وأحل دمه إن لم يرجع إلى التوبة ويبؤ بالدين (3) . وزعمتم أنتم خلاف حكم الله فتوليتم الحاكم بغير ما أنزل الله وقد أمر الله بعداوته ، وحرمتم دمه وقد أمر الله بسفكه ، فعاديناكم لأنكم حرمتم ما أحل الله ، وحللتم ما حرم الله ، وعطلتم أحكام الله واتبعتم هواكم بغير هدى من الله . قال الشامي حمل بن مالك (4) : قتلتم أخانا وخليفتنا ونحن غيب عنه ، بعد أن استتبتموه فتاب ، فعجلتم عليه فقتلتموه ، فنذكركم الله لما أنصفتم الغائب (5) المتهم لكم ، فإن قتله لو كان عن ملأ من الناس ومشورة كما كانت إمرته ، لم يحل لنا الطلب بدمه ، وإن أطيب التوبة والخير في العاقبة أن يعرف من لا حجة له الحجة عليه ____________ ( 1 ) ح : « تحت حكمنا عليهم » . ( 2 ) من الآية الأولى في سورة المائدة . وفي الأصل : « بالعهود » تحريف . ( 3 ) يبوء : يقر ويعترف . وفي الأصل : « ويبوء بالدين » . ( 4 ) في الأصل : « حمزة بن مالك » . ( 5 ) لما ، هنا ، بمعنى إلا ، كما في قول الله : ( إن كل نفس لما عليها حافظ ) . ( 515 ) وذلك أقطع للبغي ، وأقرب للمناصحة . وقد رضينا أن تعرضوا ذنوبه على كتاب الله أولها وآخرها ، فإن أحل الكتاب دمه برئنا منه وممن تولاه ومن يطلب دمه ، وكنتم قد أجرتم في أول يوم وآخره . وإن كان كتاب الله يمنع دمه ويحرمه تبتم إلى الله ربكم ، وأعطيتم الحق من أنفسكم في سفك دم بغير حله بعقل أو قود ، أو براءة ممن فعل ذلك وهو ظالم . ونحن قوم نقرأ القرآن وليس يخفى علينا منه شئ ، فأفهمونا الأمر الذي استحللتم عليه دماءنا . قالوا : نعم ، قد بعثنا منا رجلا ومنكم رجلا يقرآن القرآن كله ويتدارسان ما فيه ، وينزلان عند حكمه علينا وعليكم . وإنا قد بعثنا منا من هو عندنا مثل أنفسنا ، وجعلنا لهما أن ينتهيا إليه ، وأن يكون أمرهما على تؤدة ، ونسأل عما يجتمعان عليه وما يتفرقان عنه ، فإنما فارقناكم في تفسيره ولم نفارقكم في تنزيله . ونحن وأنتم نشهد أنه من عند الله ، فإنما نريد أن نسأل عنه مما تفسرون ، مما جهلنا (1) نحن تفسيره ، فنسأل عنه أهل العلم (2) منا ومنكم ، فأعطيناكم على هذا الأمر ما سألتم من شأن الحكمين . وإنما بعثا ليحكما بكتاب الله ، يحييان ما أحيا الكتاب ويميتان ما أمات الكتاب ، فأما ما لم يجدا في الكتاب فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة . ولم يبعثا ليحكما بغير الكتاب . ولو أرادا اللبس على أمة محمد لبرئت منهما الذمة (3) وليس لهما على أمة محمد حكم . فلما سمع المسلمون قولهم علموا أن على كل مخاصم إنصاف خصيمه وقبول الحق منه وإن كان قد منعه فقاتل عليه ، لأنهم إلى الحق دعوا أول يوم ، وبه عملوا يقينا غير شك ، ومن الباطل استعتبوا ، وعلى عماية قتلوا من قتلوا . ونظر القوم في أمرهم ، وشاوروا قائدهم ، وقالوا : قد قبلنا من عثمان بن عفان حين ____________ ( 1 ) في الأصل : « ما جعلنا » . ( 2 ) في الأصل : « السلم » . ( 3 ) في الأصل : « فبرئت منهما الذمة » . ( 516 ) دعى إلى الله والتوبة من بغيه وظلمه ، وقد كان منا عنه كف حين أعطانا أنه تائب حتى جرى علينا حكمه بعد تعريفه ذنوبه ، فلما لم يتم التوبة وخالف بفعله عن توبته قلنا اعتزلنا ونولي أمير المؤمنين رجلا يكفيك ويكفينا ، فإنه لا يحل لنا أن نولي أمر المؤمنين رجلا نتهمه في دمائنا وأموالنا ، فأبى ذلك وأصر ، فلما أن رأينا ذلك منه قتلناه ومن تولاه بعد قتلنا إياه ، وهم يعرضون كتاب الله بيننا وبينهم ، ويسألونا حجتنا عليهم ، وإنما هم صادقون أو كاذبون في نيتهم ، وليس لنا عذر في إنصافهم والموادعة والكف عنهم حتى يرجعوا بتوبة أو مناصحة بعد أن نقررهم ونعرفهم ظلمهم وبغيهم ، أو يصروا فيغلبنا عليهم ما غلبنا على قائدهم فنقتلهم ، فإنما نطلب الحجة بعد العذر ، ولا عذر إلا ببينة ، ولا بينة إلا بقرآن أو سنة (1) . وهم خلطاء في الدين ، ومقرون بالكتاب والنبي صلى الله عليه ، ليسوا بمنزلة أحد ممن حارب المسلمين ، أهل بغى أمر الله أن يقاتلوا حتى يفيئوا من بغيهم إلى أمر الله ، وبرئوا ببغيهم من الإيمان . قال الله عز وجل على لسان نبيه داود : ( وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) . هؤلاء منافقون ، لأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف وقتالهم عليه ، ولا تباعهم ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم . بذلك تفنى حسناتهم ، وذلك أنه كانت لهم حسنات لم تنفعهم حين عاداهم . فقبل أمير المؤمنين مناصفتهم في المنازعة عند الحكمين بالدين بأن يحكم بكتاب الله ويرد المحق والمبطل إلى أمره ، و [ ما (2) ] يرضى به ، وفيما نزل بهم أمر ليس فيه قرآن يعرفونه فالسنة الجامعة العادلة غير المفرقة ، ____________ ( 1 ) في الأصل : « وسنة » . ( 2 ) ليست في الأصل . ( 517 ) فلم يكن يسع أحدا من الفريقين ترك كتاب الله والسنة بعد قول الله عزوجل في صفة عدوه ومن يرغب عن كتابه وهو مقر بتنزيله ، حامل لميثاقه : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) . وقال الله تعالى يعيرهم بذلك : ( أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ) . وما أولئك بالمؤمنين ، إنهم لو كانوا مؤمنين رضوا بكتابي ورسولي . ثم أنزل : ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ) . يعني أنهم أصابوا حقائق الإيمان والصلح . فلم يسع عليا أمير المؤمنين إلا الكف بعد توكيدهم الميثاق ، وضربهم الأجل ، والرضا بأن يحكم بينهم رجلان بكتاب الله ـ فيما تنازع فيه عباد الله ـ بما أنزل الله وسنة رسوله ، ليبلغ الشاهد الغائب منهم سبيل المحق من المبطل ، ألا يغير بمؤمن غائب برضا غوى (1) أو عم (2) غير مهتد ، فيسمى أمير المؤمنين من كل باسمه حتى يقره الكتاب (3) على منزلته . قال : فنادت الخوارج أيضا في كل ناحية : لا حكم إلا الله ، لا نرضى بأن تحكم الرجال في دين الله ، قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم ، وقد كانت منا خطيئة وزلة حين رضينا بالحكمين ، وقد تبنا إلى ربنا ورجعنا عن ذلك ، فارجع كما رجعنا ، وإلا فنحن منك براء . فقال علي : ويحكم ، بعد الرضا والعهد والميثاق أرجع ؟ أو ليس الله يقول : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ____________ ( 1 ) كذا وردت هذه العبارة . ( 2 ) في الأصل : « عمى » . ( 3 ) في الأصل : « يفرده الكتاب » . ( 518 ) وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ) . فبرئوا من علي وشهدوا عليه بالشرك ، وبرئ علي منهم . نصر ، عن عمر بن سعد قال : حدثني أبو عبد الله يزيد الأودي أن رجلا منهم كان يقال له عمرو بن أوس ، قاتل مع علي يوم صفين وأسره معاوية في أسرى كثيرة ، فقال له عمرو بن العاص : اقتلهم . قال عمرو بن أوس لمعاوية : إنك خالي فلا تقتلني . فقامت إليه بنو أود (1) فقالوا : هب لنا أخانا . فقال : دعوه فلعمري لئن كان صادقا ليستغنين عن شفاعتكم ، وإن كان كاذبا فإن شفاعتكم لمن ورائه . فقال له معاوية : من أين أنا خالك ؟ فما بيننا وبين أود من مصاهرة . فقال : فإذا أخبرتك فعرفت فهو أماني عندك ؟ قال : نعم . قال : ألست تعلم أن أم حبيبة (2) ابنة أبي سفيان زوجة النبي صلى الله عليه هي أم المؤمنين ؟ قال : بلى . قال : فأنا ابنها وأنت أخوها ، فأنت خالي . فقال معاوية : ما له لله أبوه ، ما كان (3) في هؤلاء الأسرى أحد يفصن لها غيره . وقال : خلوا سبيله . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن الشعبي قال : أسر علي أسرى يوم صفين ، فخلى سبيلهم فأتوا معاوية ، وقد كان عمرو بن العاص يقول لأسرى أسرهم معاوية : اقتلهم . فما شعروا إلا بأسراهم قد خلى سبيلهم علي فقال ____________ ( 1 ) أود ، بالفتح . وهم من بني معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان . ( 2 ) أم حبيبة كنية لها . واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس . وقيل بل اسمها هند . وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية . وقد تزوجها رسول الله وهي في الحبشة ، زوجه إياها سعيد بن العاص ، وأصدقها النجاشي عن رسول الله أربعمائة . دينار ، وعمل النجاشي لذلك طعاما . وقد دخل بها الرسول قبل إسلام أبيها . وماتت بالمدينة سنة 44 . انظر الإصابة ( قسم النساء ) والروض الأنف ( 2 : 368 ) . وفي الأصل : « أن حبيبة » صوابه « أن أم حبيبة » . ( 3 ) ح ( 1 : 193 ) : « أما كان » . ( 519 ) معاوية : يا عمرو ، لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر . ألا تراه (1) قد خلى سبيل أسرانا . فأمر بتخلية من في يديه من أسرى علي . وكان علي إذا أخذ أسيرا من أهل الشام خلى سبيله ، إلا أن يكون قد قتل أحدا من أصحابه فيقتله به ، فإذا خلى سبيله فإن عاد الثانية قتله ولم يخل سبيله . وكان علي لا يجهز على الجرحى (2) ولا علي من أدبر بصفين ، لمكان معاوية . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن الصقعب بن زهير ، عن عون بن أبي جحيفة (3) قال : أتى سليمان بن صرد عليا أمير المؤمنين بعد الصحيفة ، ووجهه مضروب بالسيف ، فلما نظر إليه علي قال : ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) . فأنت ممن ينتظر وممن لم يبدل . فقال : يا أمير المؤمنين ، أما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة أبدا . أما والله لقد مشيت في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأول فما وجدت أحدا عنده خير إلا قليلا . وقام إلى علي محرز بن جريش (4) بن ضليع فقال : يا أمير المؤمنين ، ما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل ، فو الله إني لأخاف أن يورث ذلا . فقال علي : أبعد أن كتبناه ننقضه (5) ، إن هذا لا يحل . وكان محرز يدعى « مخضخضا » وذاك أنه أخذ عنزة بصفين (6) ، وأخذ معه إداوة من ماء ، فإذا وجد رجلا من أصحاب علي جريحا سقاه من الماء ، وإذا وجد رجلا من أصحاب معاوية خضخضه بالعنزة حتى يقتله . ____________ ( 1 ) في الأصل : « ألا ترى » . ( 2 ) أجهز على الجريح : أسرع قتله . وفي اللسان : « ومنه حديث علي رضوان الله عليه : « لا يجهز علي جريحهم » . وفي الأصل : « لا يجبر » تحريف . ( 3 ) عون بن أبي جحيفة ، بتقديم الجيم وبهيئة التصغير ، السوائي ، بضم السين ، الكوفي . ثقة من الرابعة . مات سنه 116 . تقريب التهذيب . ( 4 ) ح ( 1 : 193 ) : « محمد بن جريش » . ( 5 ) في الأصل : « أما بعد » بإقحام « ما » ، صوابه في ح . ( 6 ) العنزة ، بالتحريك : رميح صغير . ( 520 ) نصر ، عن عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن أبي الوداك قال : لما تداعى الناس إلى الصلح بعد رفع المصاحف ـ قال ـ قال علي : إنما فعلت ما فعلت لما بدا فيكم الخور والفشل ـ هما الضعف ـ فجمع سعيد بن قيس قومه ، ثم جاء في رجراجة (1) من همدان كأنها ركن حصير (2) ـ يعني جبلا باليمن ـ فيهم عبد الرحمن (3) ، غلام له ذؤابة ، فقال سعيد : هأنذا وقومي ، لا نرادك ولا نرد عليك (4) ، فمرنا بما شئت . قال : أما لو كان هذا قبل رفع المصاحف (5) لأزلتهم عن عسكرهم أو تنفرد سالفتي قبل ذلك ، ولكن انصرفوا راشدين ، فلعمري ما كنت لأعرض قبيلة واحدة للناس . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن إسحاق بن يزيد ، عن الشعبي ، أن عليا قال يوم صفين حين أقر الناس بالصلح : إن هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحق (6) ، ولا ليجيبوا إلى كلمة السواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر ، وحتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب ، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس ، وحتى يدعوا الخيل في نواحي أرضهم وبأحناء مساربهم ومسارحهم ، وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج ، وحتى يلقاهم قوم صدق صبر ، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله ، وحرصا على لقاء الله . ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا ____________ ( 1 ) كلمة : « في » ليست في الأصل . ( 2 ) حصير : حصن باليمن من أبنية ملوكهم القدماء ، عن ياقوت . وفي الأصل وح : « حصين » تحريف . ( 3 ) هو عبد الرحمن بن سعيد بن قيس ، كما في ح . ( 4 ) بدلهما في ح : « لا نرد أمرك » . ( 5 ) بدلها في ح : « قبل سطر الصحيفة » أي كتابتها . ( 6 ) ح : « لينيبوا إلى الحق » وهما بمعنى . ( 521 ) على أمض الألم ، وجدا على جهاد العدو ، والاستقلال بمبارزة الأقران . ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين ، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقى صاحبه كأس المنون ، فمرة لنا من عدونا ، ومرة لعدونا منا . فلما رآنا الله صبرا صدقا أنزل الله بعدونا الكبت ، وأنزل علينا النصر . ولعمري لو كنا نأتي مثل الذين أتيتم ما قام الدين ولا عز الإسلام . وايم الله لتحلبنها دما ، فاحفظوا ما أقول لكم ـ يعني الخوارج . نصر ، عن عمر ، عن فضيل بن خديج قال : قيل لعلي لما كتبت الصحيفة إن الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ، ولا يرى إلا قتال القوم . فقال علي : بلى إن الأشتر ليرضى إذا رضيت ، وقد رضيت ورضيتم ، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ، ولا التبديل بعد الإقرار ، إلا أن يعصي الله ويتعدى ما في كتابه . وأما الذي ذكرتم من تركه أمرى وما أنا عليه فليس من أولئك ، وليس أتخوفه على ذلك (1) ، وليت فيكم مثله اثنين ، بل ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوه مثل رأيه ، إذن لخفت على مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم . وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها ، فقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين . وكان الكتاب في صفر ، والأجل في شهر رمضان لثمانية أشهر يلتقى الحكمان . ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم . قال : وكان عمر بن الخطاب دعا حابس بن سعد الطائي فقال له : إني أريد أن أوليك قضاء حمص فكيف أنت صانع . قال : أجتهد رأيي ، وأستشير جلسائي . فانطلق فلم يمض إلا يسيرا حتى رجع فقال : يا أمير المؤمنين ، إني رأيت رؤيا أحببت أن أقصها عليك . قال : هاتها . قال : رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق ومعها جمع عظيم ، ____________ ( 1 ) ح : « ولا أعرفه على ذلك » . ( 522 ) وكأن القمر أقبل من المغرب ومعه جمع عظيم ، فقال له عمر : مع أيهما كنت ؟ قال : كنت مع القمر . قال عمر : كنت مع الآية الممحوة ، [ اذهب ، ف ] لا والله لا تعمل لي عملا . فرده فشهد مع معاوية صفين وكانت راية طيئ (1) معه ، فقتل يومئذ فمر به عدي بن حاتم ، ومعه ابنه زيد بن عدي فرآه قتيلا فقال : يا أبه ، هذا والله خالي . قال : نعم ، لعن الله خالك فبئس والله المصرع مصرعه . فوقف زيد فقال : من قتل هذا الرجل ـ مرارا ـ فخرج إليه رجل من بكر بن وائل طوال يخضب ، فقال : أنا والله قتلته . قال له : كيف صنعت به (2) . فجعل يخبره ، فطعنه زيد بالرمح فقتله ، وذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها . فحمل عليه عدي يسبه ويسب أمه ويقول : يا ابن المائقة ، لست على دين محمد إن لم أدفعك إليهم . فضرب [ زيد ] فرسه فلحق بمعاوية ، فأكرمه معاوية وحمله وأدنى مجلسه ، فرفع عدي يديه فدعا عليه فقال : اللهم إن زيدا قد فارق المسلمين ، ولحق بالمحلين (3) اللهم فارمه بسهم من سهامك لا يشوى (4) ـ أو قال : لا يخطئ ـ فإن رميتك لا تنمي (5) ، لا والله لا أكلمه من رأسي (6) كلمة أبدا ، ولا يظلني وإياه سقف بيت أبدا . قال وقال زيد في قتل البكري : من مبلغ أبناء طــي بأننــي * ثأرت بخــالي ثم لــم أتأثـم ____________ ( 1 ) في الأصل : « راية علي » صوابه في ح ( 1 : 194 ) . ( 2 ) في الأصل : « له » وأثبت ما في ح . ( 3 ) ح : « بالملحدين » . ( 4 ) أشوى : رمى فأصاب الشوى ـ وهي الأطراف ـ ولم يصب المقتل . ( 5 ) الإنماء : أن ترمى الصيد فيغيب عنك فيموت . والإصماء : أن ترميه فتقتله على المكان بعينه قبل أن يغيب عنه . وفي حديث ابن عباس : « كل ما أصميت ودع ما أنميت » وفي قول امرئ القيس : فهو لا تنمـــى رميتـــه * مالـــه لا عـــد مـن نفره وفي الأصل : « لا تمنى » تحريف . وهذه العبارة ليست في ح . ( 6 ) في الأصل : « رأس » صوابه في ح ( 1 : 194 ) . ( 523 ) تركت أخـــا بكر ينــوء بصدره * بصفين مخضوب (1) الجيوب من الدم وذكرنـــي ثأري غـداة رأيتــه * فأوجرتـــه رمحي فخـر على الفم لقد غادرت أرمـــاح بكر بن وائل * قتيلا عـــن الأهوال ليس بمحجـم قتيلا يظل الحــي يثنـون بعــده * عليـــه بأيد من نــداه وأنعـــم لقد فجعــت طي بحلــم ونائــل * وصاحــب غارات ونهـب مقسـم لقد كان خالــي ليس خال كمثلــه * دفاعـــا لضيم واحتمــالا لمغرم (2) قال : ولما لحق زيد بن عدي بمعاوية تكلم رجال من أهل العراق في عدي بن حاتم ، وطعنوا في أمره ، وكان عدي سيد الناس مع علي في نصيحته وغنائه ، فقام إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين ، أما عصم الله رسوله من حديث النفس والوساوس وأماني الشيطان بالوحي ؟ وليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه . وقد أنزل في عائشة وأهل الإفك . والنبي صلى الله عليه خير منك ، وعائشة يومئذ خير مني . وقد قربني زيد للظن وعرضني للتهمة . غير أني إذا ذكرت مكانك من الله ومكاني منك ارتفع حناني (3) ، وطال نفسي . ووالله أن لو وجذت زيدا لقتلته ، ولو هلك ما حزنت عليه . فأثنى عليه علي خيرا . وقال عدي في ذلك : يا زيد قــد عصبتني بمصابــة * وما كنت للثــوب المدنس لابســا فليتك لــم تخلق وكنت كمن مضى * وليتك إذ لــم تمض لم تـر حابسا ألا زاد أعداء وعق ابــن حاتــم * أبــاه وأمسى بالفريقيــن ناكسـا وحامت عليه مذحـج دون مذحــج * وأصبحت للأعداء ساقــا ممارسـا ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 195 ) : « مخضوب الجبين » . ( 2 ) المغرم : ما يلزم أداؤه من حمالة وغيرها . وفي الأصل : « لمعدم » صوابه في ح . ( 3 ) أراد ذهب حناني . وفي الأصل : « أرانسع حناني » . ( 524 ) نكصت على العقبين يا زيــد ردة * وأصبحت قــد جدعت منا المعاطسا قتلت امرأ مــن آل بكر بحابـس * فأصبحت ممــا كنت آمل آيســـا نصر عن عمرو بن شمر ، عن إسماعيل السدي قال : حدثني نويرة بن خالد الحارثي ، أن ابن عمه النجاشي قال في وقعة صفين ـ رواه نصر قال : رواه أيضا عن عمر بن سعد بإسناده ـ : ونجى ابــن حرب سابــح ذو علالة * أجش هزيــم والرمــاح دوانـي سليم الشظاعبــل الشوى شنج النسـا * أقب الحشــا مستطلــع الرديـان إذا قلت أطــراف العـوالي ينلنه (1) * مرتــه به الساقــان والقدمــان حسبتم طعان الاشعريــن ومذحــج * وهمدان أكــل الزبـد بالصرفان (2) فما قتلت عــك ولخــم وحميــر * وعيلان إلا يــوم حرب عــوان وما دفنت قتلـى قريــش وعامــر * بصفيــن حتى حكـم الحكمــان غشيناهم يــوم الهريــر بعصبـة * يمانيــة كالسيل سيــل عـران (3) ____________ ( 1 ) في كتاب الخيل لأبي عبيدة ص 162 : « تناله » . وبعض أبيات هذه القصيدة فيه ، وهي على هذا الترتيب : 1 ، 3 ، 2 ، 30 ثم بيتان آخران ، وهما : من الأعوجيات الطوال كأنـه * على شـرف التقريب شاة إران أجش هزيم مقبل مدبر معـا * كتيس ظبـاء الحلب الغذوان وروى ابن الشجري في حماسته ص 33 قبل الأبيات : أيا راكبا إما عرضت فبلغـن * تميمـا وهذا الحي من غطفان فما لكم لو لم تكونوا فخرتـم * بإدراك مسعـاة الكرام يدان وكنتم كذي رجلين رجل سويـة * ورجل بهـا ريب من الحدثان فأما التي شلت فأزد شنـوءة * وأما الثي صحـت فأزاد عمان ( 2 ) الصرفان ، بالتحريك : ضرب من التمر أخمر مثل البرني إلا أنه صلب الممضغة علك ، لواحدة صرفانة . وفي الاصل : « حسبت » صوابه من اللسان ( صرف ) . وفي حماسة ابن الشجري : « أخلتم » . ونحوه قول عمران الكلي : أكنتم حسبتـم ضربنا وجلادنا * على الحجـر أكل الزيد بالصرفان ( 3 ) عران ، بالكسر : موضع قرب اليمامة . ( 525 ) فأصبح أهل الشــام قد رفعوا القنـا * عليهـــا كتـاب الله خير قــران ونادوا : عليا ، يا ابن عــم محمـد * أمــا تتقـى أن يهلــك الثــقلان فمن للذراري بعــدهــا ونسائنـا * ومــن للحريــم أيهــا الفتيــان أبكي عبيدا إذ ينــوء بصــدره (1) * غداة الوغى يــوم التقــى الجبلان وبتنا نبكــي ذا الكلاع وحوشبــا * إذا مــا أني أن يذكـر القمــران (2) ومالك واللجلاج والصخــر والفتى * محمــد قد ذلت لــه الصدفــان (3) فلا تبعـدوا لقاكــم الله حبــرة * وبشركـــم من نصـره بجنـــان (4) وما زال من همدان خيل تدوسهــم * سمــان وأخرى غير جـد سمــان فقاموا ثلاثا يأكل الطيــر منهــم * على غير نصــف والأنــوف دوان ومــا ظن أولاد الإماء بنو استهـا * بكل فتـــى رخــو النجاد يمــان فمن يــر خيلينا غــداة تلاقيــا * يقــل جبلا جيـــلان ينتطحـان (5) كأنهما نار ان في جــوف غمـرة * بلا حطــب حــد الضحى تقــدان وعارضـة براقــة صوبهــا دم * تكشف عــن برق لهــا الافقـــان تجود إذا جــادت وتجلو إذا انجلت * بلبـس ولا يحمــا لهــا كربــان (6) قتلنا وأبقينا ومـــا كـل ما ترى * بكــف المــذرى يأكــل الرحيـان وفرت ثقيــف فرق الله جمعهــا * إلى جبــل الزيتــون والقطـــران كأني أراهـــم يطرحون ثيابهـم * مــن الروع ، والخيــلان يطــردان ____________ ( 1 ) في الاصل : « أبعد عبيد الله ينوء » . والوزن والمعنى فاسدان . ( 2 ) أني : حان وقته . وفي الاصل : « إذا ما أشا » . ( 3 ) الصدفان ، بضمتين : ناحيتا الشعب أو الوادي ، ويقال لجانبي الجبل إذا تحاذيا صدفان وصدفان ، بضمتين وبفتحتين . ( 4 ) الحبرة ، بالفتح : السرور . وفي الاصل : « خيره » . ( 5 ) جيلان : قرى من وراء طبرستان في مروج بين جبال . ( 6 ) كذا ورد هذا الشطر . ( 526 ) فيا حزنــا ألا أكــون شهدتهــم * فأدهــن من شحــم العبيد سناني (1) وأما بنـــو نصر ففـر شريدهــم * إلى الصلتــان الخور والعجــلان وفرت تميم سعدهــا وربابهــا إلى حيث يضفــو الحمض والشبهـان (2) فأضحى ضحى من ذي صباح كأنه * وإيــــاه رامــا حفرة قلقــان (3) إذا ابتل بالماء الحميـــم رأيتـه * كقادمــة الشـؤبوب ذي النفيــان (4) كأن جنابـي سرجــه ولجامــه * إذا ابتــل ثوبا ماتــح خضـلان (5) جزاه بنعمى كـان قدمهــا لــه * وكــان لدى الاسطبــل غير مهان فرد عليه ابن مقبل العامري : تأمل خليلي هل ترى مــن ظعائـن * تحملـــن بالجرعاء فوق ظعــان على كل حياد اليـــدين مشهــر * يمـــد بـذفــرى درة وجــران فصبحن من مـــاء الوحيدين نقرة * بميزان رعــم إذ بــدا ضــدوان (6) ____________ ( 1 ) في الأصل : « من شحم الثمار » وأثبت ما في حماسة ابن الشجري . ( 2 ) يضفو : يكثر ويطول . وفي الأصل : « يصفو » . والشبهان : ضرب من العضاه . وفي البيت إقواء . ( 3 ) ذو صباح ، بضم الصاد : موضع . والرام : ضرب من الشجر . ( 4 ) الشؤبوب : الدفعة من المطر . ونفيان السيل : ما فاض من مجتمعه . وفي الأصل : « كقادمتي الشؤبوب ذي نفيان » . ( 5 ) الماتح : المستقى من البئر . وفي الأصل : « ثوبا أنجد » ولا وجه له ، وأثبت ما في كتاب الخيل لابي عبيدة ص 162 . ( 6 ) الوحيدان : ماءان في بلاد قيس . والنقرة : الموضع يجتمع فيه الماء . ورعم ، بالفتح : اسم جبل في ديار بجيلة . بميزانه ، أي بما يوازنه ، كما فسر ياقوت في ( رعم ) . وضدوان : جبلان . وقد ورد البيت محرفا : فأصبح من مــاء الوحيدين فقره * بميزان زعــم قد بدا ضدوان وصوابه من معجم البلدان ( رعم ، ضدوان ، الوحيدان ) . ( 527 ) وأصبحن لم يبركن في ليلــة السرى * مــن السوق إلا عقبــة الدبران (1) وعرسن والشعــري تغور (2) كأنهـا * شهاب غضــا يرمى بـه الرجوان فهل يبلغني أهل دهمــاء حـــرة * وأعيس نضـــاح القفا مرجـــان (3) ____________ ( 1 ) الدبران : نجم من منازل القمر . وعقبته : نزول القمر به في كل شهر مرة . ( 2 ) في الأصل : « في الشعري » . ( 3 ) دهماء : موضع في بلاد مزينة من نواحي المدينة ، يقال له دهماء مرضوض . حرة ، عنى بها الناقة الكريمة . والأعيس : ما فيه أدمة من الإبل ، والأنثى عيساء . وفي الأصل : « أغبس » تحريف . وفي الأصل أيضا : « نضاح القرى » ولا وجه له . أراد أنه ينضح ذفراه بالعرق ، والذفري من القفا هو الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن . والمرج ، بالتحريك : الذي يخلى في المرعى يذهب حيث شاء . ****************** مقدم علي من صفين إلى الكوفة نصر ، عن عمر ، عن عبد الرحمن بن جندب قال : لما أقبل علي من صفين أقبلنا معه ، فأخذ طريقا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه ، فقال علي : " آئبون عائدون ، لربنا حامدون . اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في المال والأهل « . قال : ثم أخذ بنا طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى هيت وأخذنا علي صندودا (1) فخرج الأنماريون بنو سعيد ابن حزيم (2) واستقبلوا عليا فعرضوا عليه النزل فلم يقبل ، فبات بها ، ثم غدا وأقبلنا معه حتى جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة ، فإذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت علي وجهه أثر المرض ، فأقبل إليه علي ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا عليه . قال : فرد ردا حسنا ظننا أن قد عرفه ، فقال له علي : مالي أرى وجهك منكفتا (3) ، أمن مرض ؟ قال : نعم . قال : فلعلك كرهته . فقال : ما أحب أنه بغيري (4) . قال : أليس احتسابا للخير (5) فيما أصابك منه ؟ قال : بلى . قال : أبشر برحمة ربك وغفران ذنبك ، من أنت يا عبد الله ؟ قال : بلى . قال : أنا صالح بن سليم . قال : ممن أنت ؟ قال : أما الأصل فمن سلامان بن طي ، وأما الجوار والدعوة فمن بني سليم بن منصور . قال : سبحان الله ، ما أحسن ____________ ( 1 ) صندوداء ، ضبطت في معجم ياقوت بفتح الصاد وسكون النون وفتح الدل ، مع المد . وهي بلدة في الطريق ما بين الشام والعراق . ( 2 ) كذا . وفي الطبري ( 6 : 33 ) : « الأنصاريون بنو سعد بن حرام » . ( 3 ) الطبري : « منكفئا » وهما بمعنى ، أي متغيرا . ( 4 ) في الأصل : « يعترى » صوابه من الطبري . ( 5 ) في الأصل : « احتساب بالخير » صوابه من الطبري . ( 529 ) اسمك واسم أبيك ادعيائك (1) واسم من اعتزيت إليه ، هل شهدت معنا غزاتنا هذه ؟ قال : لا والله ما شهدتها ، ولقد أردتها ، ولكن ما ترى بي من لحب الحمى (2) خذلني عنها قال علي : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ) . أخبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام ؟ قال : منهم المسرور فيما كان بينك وبينهم ، وأولئك أغشاء (3) الناس ، ومنهم المكبوت الآسف لما كان من ذلك ، وأولئك نصحاء الناس لك . فذهب لينصرف فقال : صدقت ، جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك ، فإن المرض لا أجر فيه ، ولكن لا يدع للعبد ذنبا إلا حطه . إنما الأجر في القول باللسان ، والعمل باليد والرجل ، وإن الله عزوجل يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة [ عالما جما (4) ] من عباده الجنة . ثم مضى غير بعيد فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري ، فدنا منه وسأله فقال : ما سمعت الناس يقولون في أمرنا هذا ؟ قال : منهم المعجب به ، ومنهم الكاره له . والناس كما قال الله تعالى : ( ولا يزالون مختلفين ) . فقال له : فما يقول ذوو الرأي ؟ قال : يقولون : إن عليا كان له جمع عظيم ففرقه ، وحصن حصين فهدمه ، فحتى متى يبني مثل ما قد هدم ، وحتى متى يجمع مثل ما قد فرق . فلو أنه كان مضى بمن أطاعه إذا عصاه من عصاه ، فقاتل حتى يظهره الله أو يهلك ، إذن كان ذلك هو الحزم . فقال علي : أنا هدمت أم هم ____________ ( 1 ) أصل الدعى المنسوب إلى غير أبيه ، وأراد بالأدعياء الأحلاف ، من الدعوة وهي الحلف . يقال دعوة فلان في بني فلان . وفي الأصل : « أعدادك » صوابه من الطبري . ( 2 ) لحب الحمى : إنحالها الجسم ، ويقال لحب الرجل ، بالكسر ، إذا أنحله الكبر ( 3 ) في الأصل : « أغنياء الناس » صوابه من الطبري . وهو في مقابل النصحاء . (4) هذه التكملة من الطبري (6 : 34) . ( 34 ـ صفين ) ( 530 ) هدموا ، أم أنا فرقت أم هم فرقوا (1) ؟ وأما قولهم لو أنه مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك ، إذن كان ذلك هو الحزم فو الله ما غبى عني ذلك الرأي (2) ، وإن كنت لسخيا بنفسي عن الدنيا (3) ، طيب النفس بالموت . ولقد هممت بالإقدام [ على القوم (1) ] ، فنظرت إلى هذين [ قد ابتدراني ـ يعني الحسن والحسين - ونظرت إلى هذين (4) ] قد استقدماني ـ [ يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي (4) ] ـ فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد من هذه الأمة ، فكرهت ذلك . وأشفقت على هذين أن يهلكا ، وقد علمت (5) أن لولا مكاني لم يستقدما ـ يعني محمد بن علي وعبد الله بن جعفر ـ (6) وايم الله لئن لقيتهم بعد يومي لألقينهم (7) وليس هما معي في عسكر ولا دار . قال : ثم مضى حتى جزنا دور بني عوف ، فإذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية ، فقال أمير المؤمنين : ما هذه القبور ؟ فقال له قدامة بن عجلان الأزدي : يا أمير المؤمنين ، إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك ، فأوصى أن يدفن في الظهر (8) ، وكان الناس [ إنما (9) ] يدفنون في دورهم وأفنيتهم ، فدفن الناس إلى جنبه . فقال علي : رحم الله خبابا ، قد أسلم راغبا ، وهاجر طائعا ، وعاش مجاهدا ، وابتلى في جسده أحوالا ، ولن يضيع الله أجر ____________ ( 1 ) في الأصل : « تفرقوا » والوجه ما أثبت من الطبري . ( 2 ) غبى عنه : لم يفطن له . وفي الأصل : « ما غنى عن ذلك الرأي » وفي الطبري : « غبى عن رأيي ذلك » ووجههما ما أثبت . ( 3 ) في الأصل : « لسخى النفس بالدنيا » صوابه من الطبري . ( 4 ) التكملة من الطبري . ( 5 ) في الأصل : « ولو علمت » صوابه من الطبري . ( 6 ) في الأصل : « يعني بذلك ابنيه الحسن والحسين » صوابه من الطبري . ( 7 ) في الأصل : « لقيتهم » وأثبت ما في الطبري . ( 8 ) الظهر من الأرض : ما غلظ وارتفع . ( 9 ) هذه من الطبري . ( 531 ) من أحسن عملا . فجاء حتى وقف عليهم ثم قال : عليكم السلام يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة ، من المؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، وأنتم لنا سلف وفرط ، ونحن لكم تبع ، وبكم عما قليل لاحقون . اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز عنا وعنهم . ثم قال : الحمد لله الذي جعل الأرض كفاتا (1) ، أحياء وأمواتا ، الحمد لله الذي جعل منها خلقنا ، وفيها يعيدنا ، وعليها يحشرنا . طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ، وقنع بالكفاف ، ورضى عن الله بذلك . ثم أقبل حتى دخل سكة الثوريين فقال : خشوا بين هذه الأبيات (2) نصر ، عن عمر قال : حدثني عبد الله بن عاصم القائشي ، قال : لما مر علي بالثوريين ـ يعني ثور همدان ـ سمع البكاء فقال : ما هذه الأصوات ؟ قيل : هذا البكاء على من قتل بصفين . فقال : أما إني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة . ثم مر بالفائشيين فسمع الأصوات فقال مثل ذلك ، ثم مر بالشباميين فسمع رنة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا ، فخرج إليه حرب ابن شرحبيل الشبامي (3) فقال علي : أيغلبكم نساؤكم ، ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك ، ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل ، فليس من دار إلا ____________ ( 1 ) الكفات ، بالكسر : الموضع الذي يضم فيه الشئ يقبض . وظهر الأرض كفات للأحياء ، وبطنها كفات للأموات . وفي الكتاب العزيز : ( ألم نجعل الأرض كفاتا . أحياء وأمواتا ) . ( 2 ) خشوا : ادخلوا ، خش في الشيء : دخل . وفي الأصل : « حشوا » تحريف . وكلمة « بين » ليست في الأصل ، وصوابه وتكملته من الطبري ، وعبارته : « خشوا ادخلوا بين هذه الأبيات » . ( 3 ) الشبامي : نسبة إلى شبام ، بالكسر ، وهم حي من همدان . وفي الأصل : « حارب بن شرحبيل الشامي » تحريف . ( 532 ) وفيها بكاء ، أما نحن معشر الرجال فإنا لا نبكي ، ولكن نفرح لهم [ ألا نفرح لهم (1) ] بالشهادة ؟ ! فقال علي : رحم الله قتلاكم وموتاكم . وأقبل يمشي معه وعلي راكب ، فقال له علي : ارجع . ووقف ثم قال له : ارجع ، فإن مشى مثلك فتنة للوالي ومذلة للمؤمنين . ثم مضى حتى مر بالناعطيين (2) فسمع رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن مرثد (3) ، فقال : ما صنع علي والله شيئا ، ذهب ثم انصرف في غير شيء . فلما نظر أمير المؤمنين أبلس (4) فقال علي : وجوه قوم ما رأوا الشام العام . ثم قال لأصحابه : قوم فارقتهم آنفا خير من هؤلاء . ثم قال : أخوك الذي إن أحرضتـك ملمــة * من الدهــر لم يبرح لبثك واجما (5) وليس أخوك بالـذي إن تمنعــت * عليك أمــور ظل يلحــاك لائما (6) ثم مضى ، فلم يزل يذكر الله حتى دخل الكوفة (7) . قال نصر : وفي حديث عمرو بن شمر قال : لما صدر علي من صفين . أنشأ يقول (8) : وكم قد تركنــا في دمشق وأرضها * من أشمط موتور وشمطــاء ثاكل ____________ ( 1 ) التكملة من الطبري . ( 2 ) الناعطيون ، بالنون : حي من همدان ، نسبة إلى جبل لهم يسمى « ناعط » . الاشتقاق 251 ومعجم البلدان . وفي الأصل : « الباعطيين » تحريف ، وهو على الصواب الذي أثبت في الطبري . ( 3 ) الطبري : « عبد الرحمن بن يزيد ، من بني عبيد من الناعطيين » . ( 4 ) الطبري : « فلما نظروا إلى علي أبلسوا » . والإبلاس : أن تنقطع به الحجة ويسكت . ( 5 ) أحرضه : أفسده وأشفى به على الهلاك . الطبري : « أجرضتك » ، أي أغصتك . ( 6 ) الطبري : « إن تشعيت » . ( 7 ) الطبري : « القصر » . ( 8 ) سبقت هذه الأبيات في ص 492 ـ 493 . ( 533 ) وغانية صاد الرمـــاح حليلهــا * فأضحت تعــد اليوم إحدى الأرامل تبكي على بعــل لهــا راح غاديا * فليس إلى يــوم الحساب بقافــل وإنا أنــاس مــا تصيب رماحنـا * إذا مــا طعنا القوم غيـر المقاتل قال : وفي حديث يوسف قال : وقال أبو محمد نافع بن الأسود التميمي (1) : ألا أبلغا عنـي عليـــا تحيــة * فقــد قبل الصماء لمــا استقلـت بني قبــة الإسلام بعد انهدامهــا * فقامــت عليه قصـــرة فاستقرت كأن نبيــا جاءنــا بعد هدمهــا * بمــا سن فيها بعد مــا قـد أبرت قال : لما (2) بعث علي أبا موسى لدى يوم الحكمين . نصر : عمر بن سعد ، عن مجالد (3) ، عن الشعبي ، عن زياد بن النضر أن عليا بعث أربعمائة رجل ، وبعث عليهم شريح بن هانئ الحارثي ، وبعث عبد الله بن عباس يصلي بهم ويلي أمورهم ، وأبو موسى الأشعري معهم . وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل . قال : فكان إذا كتب علي بشيء أتاه أهل الكوفة فقالوا : ما الذي كتب به إليك أمير المؤمنين ؟ فيكتمهم فيقولون له : كتمتنا ما كتب به إليك ، إنما كتب في كذا وكذا ثم يجيء رسول معاوية إلى عمرو بن العاص فلا يدري في أي شيء جاء ولا في أي شيء ذهب ، ولا يسمعون حول صاحبهم لغطا . فأنب ابن عباس أهل الكوفة بذاك وقال : إذا جاء رسول قلتم بأي شيء جاء ، فإن كتمكم قلتم لم ____________ ( 1 ) سبقت ترجمته في 492 . وفي الأصل : « أبو مجيد » تحريف سلف نظيره . والأبيات التالية تقدمت روايتها في ص 492 . ( 2 ) في الأصل : « ولما » وأرى الكلام تعقيبا على الشعر . ( 3 ) هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي ، توفى سنة 144 . وفي الأصل : « عمر بن سعد بن مجالد » تحريف . ( 534 ) تكتمنا ؟ جاء بكذا وكذا . فلا تزالون توقفون وتقاربون حتى تصيبوا ، فليس لكم سر . ثم إنهم خلوا بين الحكمين فكان رأي عبد الله بن قيس أبو موسى في ابن عمر . وكان يقول : والله أن لو استطعت لأحيين سنة عمر . قال نصر : وفي حديث محمد بن عبيدالله ، عن الجرجاني قال : لما أراد أبو موسى المسير قام شريح فأخذ بيد أبي موسى فقال : يا أبا موسى ، إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه ، ولا يستقال فتقه (1) ، ومهما تقل شيئا لك أو عليك يثبت حقه وير صحته وإن كان باطلا (2) ، وإنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية ، ولا بأس على أهل الشام إن ملكها علي . وقد كانت منك تثبيطة أيام قدمت الكوفة ، فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا ، والرجاء منك يأسا . وقال شريح في ذلك : أبا موسى رميت بشــر خصــم * فلا تضــع العراق . فدتــك نفسي وأعط الحــق شامهــم وخــذه * فــإن اليــوم في مهـــل كأمس وإن غـــدا يجيء بمــا عليـه * يـــدور الأمر مــن سعد ونحـس ولا يخدعــك عمرو ، إن عمـرا * عــدو الله ، مطلع كــل شمـــس له خـــدع يحــار العقل فيهـا * ممـــوهة مزخـــرفة بلبــــس فلا تجعل معـــاوية بن حـرب * كشيـــخ في الحوادث غيــر نكـس هــداه الله للإســـلام فــردا * ســوى بنــت النبي ، وأي عــرس ـ في غير كتاب ابن عقبة : « سوى عرس النبي وأي عرس » ـ فقال أبو موسى : ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلا ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 195 ) : « ولا تستقال فتنته » . ( 2 ) في الأصل : « ثبت حقه ويزول باطله » والوجه ما أثبت من ح . ( 535 ) أو أجر إليهم حقا . وكان النجاشي بن الحارث بن كعب صديقا لأبي موسى ، فبعث إليه : يؤمــل أهل الشام عمــرا وإنني * لآمــل عبد الله عنـــد الحقائــق وإن أبــا موسى ، سيدرك حقنــا * إذاما رمى عمرا بإحدى الصـواعق (1) وحققـــه حتى يــدر وريــده * ونحــن على ذاكم كأحنـق حانــق على أن عمــرا لا يشــق غباره * إذا مـــا جرى بالجهد أهل السوابـق فلله مـــا يرمى العــراق وأهله * بــه منه إن لم يرمـه بالبوائــق (2) فقال أبو موسى : والله إني لأرجو أن ينجلي هذا الأمر وأنا فيه على رضا الله . [ قال نصر ] : وإن شريح بن هانئ جهز أبا موسى جهازا حسنا وعظم أمره في الناس ، ليشرف أبا موسى في قومه ، فقال الشنى في ذلك لشريح : زففت ابــن قيس زفاف العـروس * شريـــح إلى دومــة الجنــدل وفي زفك الأشعـــري البـــلاء * ومــا يقض مــن حادث ينــزل وما الأشعــري بـــذي إربــة * ولا صــاحب الخطبــة الفيصل (3) ولا آخذا حـــظ أهــل العـراق * ولـــو قيل هــا خذه لم يفعــل يحاول عمـــرا وعمــرو لــه * خدائـــع يأتي بهــا مـن علي (4) فإن يحكمـــا بالهــدى يتبعــا * وإن يحكمـــا بالهــوى الأميــل يكونــا كتيسيـــن في قفـــرة * أكيلي نقيــف مــن الحنظــل (5) ____________ ( 1 ) ح ( 1 : 196 ) : « البوائق » . ( 2 ) ح : « بالصواعق » . ( 3 ) ح : « صاحب الخطة » . ( 4 ) من على ، بياء ساكنة : من أعلى ، وهي إحدى لغات عل . ( 5 ) التيس ، هنا : الذكر من الظباء . والنقيف : المنقوف ، الذي يكسر ليستخرج حبه . ( 536 ) وقال شريح بن هانئ : والله لقد تعجلت رجال مساءتنا في أبي موسى ، وطعنوا عليه بسوء الظن (1) وما الله عاصمه منه (2) ، إن شاء الله . وسار مع عمرو بن العاص شرحبيل بن السمط الكندي في خيل عظيمة ، حتى إذا أمن عليه خيل أهل العراق ودعه ثم قال : يا عمرو ، إنك رجل قريش ، وإن معاوية لم يبعثك إلا ثقة بك ، وإنك لن تؤتى من عجز ولا مكيدة ، وقد عرفت أن وطأت (3) هذا الأمر لك ولصاحبك ، فكن عند ظننا بك . ثم انصرف ، وانصرف شريح بن هانئ حين أمن أهل الشام علي أبي موسى ، وودعه هو ووجوه الناس . وكان آخر من ودع أبا موسى الأحنف بن قيس ، أخذ بيده ثم قال له : « يا أبا موسى ، اعرف خطب هذا الأمر ، واعلم أن له ما بعده ، وأنك إن أضعت العراق فلا عراق . فاتق الله فإنها تجمع لك دنياك وآخرتك ، وإذا لقيت عمرا غدا فلا تبدأه بالسلام ، فإنها وإن كانت سنة إلا أنه ليس من أهلها ، ولا تعطه يدك (4) فإنها أمانة وإياك أن يقعدك على صدر الفراش فإنها خدعة . ولا تلقه وحده ، واحذر أن يكلمك في بيت فيه مخدع تخبأ فيه الرجال والشهود » . ثم أراد أن يبور (5) ما في نفسه لعلي فقال له : « فإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي فخيره أن يختار أهل العراق من قريش الشام من شاءوا ، فإنهم يولونا الخيار فنختار من نريد . وإن أبوا فليختر أهل الشام من قريش العراق ____________ ( 1 ) ح : « بأسوأ الطعن » . ( 2 ) أي وبما الله عاصمه منه . ( 3 ) ح ( 1 : 196 ) : « أني وطأت » . ( 4 ) في الأصل : « بيدك » وأثبت ما في ح . ( 5 ) ح : « يبلو » ، وهما بمعنى . ( 537 ) من شاءوا ، فإن فعلوا كان الأمر فينا » . قال أبو موسى : قد سمعت ما قلت : ولم يتحاش لقول الأحنف . قال : فرجع الأحنف فأتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين ، أخرج والله أبو موسى زبدة سقائه في أول مخضه ، لا أرانا إلا بعثنا رجلا لا ينكر خلعك . فقال علي : يا أحنف ، إن الله غالب على أمره . قال : فمن ذلك نجزع يا أمير المؤمنين . وفشا أمر الأحنف وأبي موسى في الناس ، فجهز الشنى راكبا فتبع به أبا موسى بهذه الأبيات : أبـــا موسى جزاك الله خيــرا * عراقـــك إن حظك في العــراق وإن الشام قـــد نصبـوا إمامـا * مــن الأحزاب معــروف النفـاق وإنــا لا نـزال لهــم عــدوا * أبــا موســى إلى يــوم التلاقي فلا تجعـــل معاوية بــن حرب * إمامــا ما مشــت قدم بســـاق ولا يخــدعك عمــرو إن عمـرا * أبـــا موسى تحامــاه الرواقي (1) فكن منــه على حــذر وأنهـج * طريقــك لا تزل بــك المراقــي ستلقاه أبـــا موســى مليـــا * بمـــر القول مــن حق الخنـاق ولا تحكم بـــأن ســوى علـي * إمامـــا إن هــذا الشــر بـاق قال : وبعث الصلتان العبدي (2) وهو بالكوفة بأبيات إلى دومة الجندل : لعمرك لا ألفي مدى الدهــر خالعا * عليا بقول الأشعــري ولا عمرو فإن يحكما بالحق نقبلــه منهمــا * وإلا أثرنـــاها كراغية البكـر (3) ____________ ( 1 ) عني أنه حية يعجز الراقون عن استخراجها بالرقي لخبثها . ( 2 ) هو قثم بن خبية ، أحد بني محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس . انظر خزانة الأدب ( 1 : 308 بولاق ) . ( 3 ) انظر ما سبق في نهاية ص 45 . ( 538 ) ولسنا نقول الدهــر ذاك إليهمــا * وفي ذاك لو قلنــاه قاصمــة الظهر ولكن نقول الأمر والنهى كلــه (1) * إليــه ، وفي كفيــه عاقبــة الأمر وما اليوم إلا مثل أمـس وإننــا * لفي وشل الضحضاح أو لجـة البحر (2) فلما سمع الناس قول الصلتان شحذهم ذلك على أبي موسى ، واستبطأه القوم وظنوا به الظنون . وأطبق الرجلان بدومة الجندل لا يقولان شيئا . وكان سعد بن أبي وقاص قد اعتزل عليا ومعاوية ، فنزل علي ماء لبني سليم بأرض البادية يتشوف الأخبار ، وكان رجلا له بأس ورأي [ ومكان ] في قريش ، ولم يكن له في علي ولا معاوية هوى ، فأقبل راكب يوضع من بعيد فإذا هو بابنه عمر بن سعد ، [ فقال له أبوه : مهيم (3) ] . فقال : يا أبي ، التقى الناس بصفين فكان بينهم ما قد بلغك ، حتى تفانوا ، ثم حكموا الحكمين : عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص ، وقد حضر ناس من قريش عندهما ، وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ومن أهل الشورى ، ومن قال له رسول الله : « اتقوا دعواته » ، ولم تدخل في شيء مما تكره هذه الأمة (4) ، فاحضر دومة الجندل فإنك صاحبها غدا . فقال : مهلا يا عمر ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : « يكون من بعدي فتنة خير الناس فيها الخفي التقى » . وهذا أمر لم أشهد أوله فلا أشهد آخره (5) ، ولو كنت غامسا يدي في هذا الأمر لغمستها مع علي . قد رأيت القوم حملوني على حد السيف فاخترته على النار . فأقم عند أبيك ليلتك هذه . فراجعه حتى طمع في الشيخ . فلما جنه ____________ ( 1 ) في الأصل : « الأمر بالحق كله » وأثبت ما في ح ( 1 : 197 ) . ( 2 ) الوشل : الماء القليل . وفي الأصل : « رهق الضحضاح » صوابه في ح . ( 3 ) مهيم : كلمة يمانية ، معناه ما أمرك وما شأنك . ( 4 ) في الأصل : « ما تكن هذه الأمة » صوابه في ح . ( 5 ) في الأصل : « ولن أشهد آخره » والوجه ما أثبت من ح . ( 539 ) الليل رفع صوته ليسمع ابنه (1) فقال : دعــوت أبـــاك اليــوم والله * دعاني إليــه القوم والأمر مقبــل فقلت لهم : للمــوت أهون جرعة * من النار فاستبقوا أخاكــم أو اقتـلوا فكفوا وقالوا إن سعــد بن مالـك * مزخرف جهل والمجهــل أجهـــل فلما رأيت الأمر قد جــد جــده * وكاشفنا يـــوم اغــر محجـــل هربت بديني والحــوادث جمـة * وفي الأرض أمـــن واسـع ومعول فقلت معاذ الله من شــر فتنــة * لهـــا آخـــر لا يستقــال وأول ولو كنت يوماً لا محالـة وافــداً * تبعـــت عليا والهوى حيث يجعـل فارتحل عمر وقد استبان له أمر أبيه . وقد كانت الأخبار أبطأت على معاوية ، فبعث إلى رجال من قريش من الذين كرهوا أن يعينوه في حربه : « إن الحرب قد وضعت أوزارها ، والتقى هذان الرجلان بدومة الجندل فأقدموا على » . فأتاه عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، وأبو الجهم بن حذيفة ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري ، وعبد الله بن صفوان الجمحي ، ورجال من قريش ، وأتاه المغيرة بن شعبة وكان مقيما بالطائف لم يشهد صفين . فقال : يا مغيرة ما ترى ؟ قال : يا معاوية ، لو وسعني أن أنصرك لنصرتك ، ولكن على أن آتيك بأمر الرجلين . ____________ ( 1 ) في الأصل : « أبوه » والصواب ما أثبت . ( 540 ) فركب حتى أتى دومة الجندل فدخل على أبي موسى كأنه زائر له ، فقال : يا أبا موسى ، ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره الدماء ؟ قال : أولئك خيار الناس ، خفت ظهورهم من دمائهم ، وخمصت بطونهم من أموالهم . ثم أتى عمرا فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره هذه الدماء ؟ قال : أولئك شرار الناس ، لم يعرفوا حقا ولم ينكروا باطلا . فرجع المغيرة إلى معاوية فقال له : قد ذقت الرجلين ، أما عبد الله بن قيس فخالع صاحبه وجاعلها لرجل لم يشهد هذا الأمر ، وهواه في عبد الله بن عمر . وأما عمرو فهو صاحبك الذي تعرف ، وقد ظن الناس أنه يرومها لنفسه ، وأنه لا يرى أنك أحق بهذا الأمر منه . ـــــــــ آخر الجزء الثالث عشر من أجزاء شيخنا عبد الوهاب ــــــــ نصر : في حديث عمرو ، قال : أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال : يا عمرو ، هل لك في أمر هو للأمة صلاح ولصلحاء الناس رضا ؟ نولي هذا الأمر عبد الله ابن عمر بن الخطاب ، الذي لم يدخل في شئ من هذه الفتنة ولا هذه الفرقة ـ وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبير قريبان يسمعان هذا الكلام ـ فقال عمرو : فأين أنت عن معاوية ؟ فأبي عليه أبو موسى . قال : وشهدهم عبد الله بن هشام ، وعبد الرحمن بن [ الأسود بن ] ( 541 ) عبد يغوث (1) ، وأبو الجهم بن حذيفة العدوي ، والمغيرة بن شعبة ، فقال عمرو ، ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ؟ قال : بلى . قال اشهدوا ، فما يمنعك يا أبا موسى من معاوية ولى عثمان ، وبيته في قريش ما قد علمت ؟ فإن خشيت أن يقول الناس ولى معاوية وليست له سابقة ، فإن لك بذلك حجة ، تقول : إني وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم ، والطالب بدمه ، الحسن السياسة الحسن التدبير ، وهو أخو أم حبيبة (2) أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه ، وقد صحبه وهو أحد الصحابة . ثم عرض له بالسلطان فقال : إن هو ولي الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط [ مثلها ] . فقال أبو موسى : اتق الله يا عمرو ، أما ذكرك شرف معاوية فإن هذا الأمر ليس على الشرف يولاه أهله ، ولو كان على الشرف كان أحق الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح . إنما هو لأهل الدين والفضل . مع أني لو كنت أعطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي بن أبي طالب . وأما قولك إن معاوية ولي عثمان فوله هذا الأمر ، فإني لم أكن أوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين . وأما تعريضك بالسلطان فوالله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ، ولا كنت لأرتشي في الله ، ولكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب . نصر ، عن عمر بن سعد ، عن أبي جناب (3) أنه قال : « والله أن لو استطعت ____________ ( 1 ) هو عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري ، ولد على عهد رسول الله ، ومات أبوه في ذلك الزمان ، فلذلك عد في الصحابة . وقال العجلي : من كبار التابعين . الإصابة 5072 وتهذيب التهذيب . وكلمة « الأسود » ساقطة من الأصل وح ، وقد سبق الاسم كاملا في ص 539 . ( 2 ) سبقت ترجمتها في ص 518 . ( 3 ) أبو جناب ، أوله جيم مفتوحة فنون خفيفة ، هو يحيى بن أبي حية الكلبي ، وشهرته بكنيته . ضعفوه لكثرة تدليسه . مات سنة 150 . تهذيب التهذيب . وفي الأصل : « أبي خباب » وفي ح : « أبي حباب » والوجه ما أثبت . ( 542 ) لأحيين اسم عمر بن الخطاب » . فقال عمرو بن العاص : إن كنت تريد أن تبايع ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه ؟ قال : إن ابنك رجل صدق ، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة . نصر : عمر بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال أبو موسى لعمرو : إن شئت ولينا هذا الأمر الطيب ابن الطيب عبد الله ابن عمر . فقال عمرو : إن هذا الأمر لا يصلح له إلا رجل له ضرس (1) يأكل ويطعم ، وإن عبد الله ليس هناك . وكان في أبي موسى غفلة (2) . فقال ابن الزبير لابن عمر : اذهب إلى عمرو بن العاص فارشه . فقال عبد الله ابن عمر : لا والله ما أرشو عليها أبدا ما عشت . ولكنه قال له : ويلك يا ابن العاص ، إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعت بالسيوف وتشاجرت بالرماح ، فلا تردهم في فتنة واتق الله . نصر : قال عمر : عن أبي زهير العبسي ، عن النضر بن صالح قال : كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان ، فحدثني أن عليا أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص ، قال له : قل لعمرو إن لقيته : إن عليا يقول لك : إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه ، وإن أبعد الخلق من الله من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده . والله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق ، فلم تتجاهل ؟ أبأن أوتيت طمعا (3) يسيرا فكنت لله ولأوليائه عدوا ، فكأن والله ما أوتيت قد زال عنك فلا تكن للخائنين خصيما ، ولا للظالمين ظهيرا . أما إني أعلم أن يومك الذي ____________ ( 1 ) في الأصل : « إلا كل رجل ضرس » صوابه في ح ( 1 : 198 ) والطبري ( 6 : 39 ) . ( 2 ) الطبري فقط : « في ابن عمر غفلة » . ( 3 ) كذا في الأصل وح والطبري . وأراها : « طعما » . ( 543 ) أنت فيه نادم هو يوم وفاتك ، وسوف تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ولم تأخذ على حكم رشوة . قال شريح : فأبلغته ذلك فتمعر وجه عمرو وقال : متى كنت أقبل مشورة على أو أنيب إلى أمره وأعتد برأيه ؟ ! فقلت : وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه مشورته . لقد كان من هو خير منك ، أبو بكر وعمر ، يستشيرانه ويعملان برأيه . فقال : إن مثلي لا يكلم مثلك (1) . فقلت : بأي أبويك ترغب عن كلامي ؟ بأبيك الوشيظ (2) ، أم بأمك النابغة ؟ فقام من مكانه ، وأقبلت رجال من قريش على معاوية فقالوا : إن عمرا قد أبطأ بهذه الحكومة ، وهو يريدها لنفسه ، فبعث إليه معاوية : نفى النوم ما لا تبتغيـــه الأضالـع * وكل امرئ يومـا إلى الصدق راجع (3) فيا عمـــرو قد لاحت عيون كثيرة * فياليت شعري عمرو ما أنت صانــع ويا ليت شعري عن حديث ضمنتــه * أتحمله يا عمرو ؟ ما أنـت ضالـع (4) وقال رجـــال إن عمرا يريدهــا * فقلت لهـــم عمرو لي اليوم تابــع فإن تـــك قد أبطأت عني تبـادرت * إليــــك بتحقيق الظنون الأصابـع فإنـي ورب الراقصــات عشيــة * خواضـــع بالركبان والنقـع ساطـع بك اليــوم في عقــد الخلافة واثق * ومن دون ما ظنــوا به السـم ناقــع ____________ ( 1 ) في الأصل : « إلا مثلك » ، وكلمة « إلا » مقحعة . ( 2 ) الوشيظ : الخسيس ، والتابع ، والحليف ، والدخيل في القوم ليس من صميمهم ، وفي الأصل : « الوسيط » صوابه في ح والطبري . ( 3 ) في الأصل : « ما لا يبلغنه » . ( 4 ) ضالع ، أراد به المطيق القوى ، من الضلاعة وهي القوة وشدة الأضلاع . ولم يرد هذا المشتق في المعاجم ، وفيها « الضليع » . ( 544 ) فأسرع بهــا ، أو أبط في غير ريبــة * ولا تعــد ، فالأمر الذي حــم واقع (1) عمر بن سعد قال : حدثني أبو جناب الكلبي (2) ، أن عمرا وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم عبد الله بن قيس في الكلام ويقول : إنك قد صحبت رسول الله صلى الله عليه قبلي وأنت أكبر مني فتكلم ثم أتكلم (3) . وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شيء (4) وإنما اغتره بذلك ليقدمه (5) فيبدأ بخلع علي . قال : فنظرا في أمرهما وما اجتمعا عليه فأراده عمرو على معاوية فأبى ، وأراده على ابنه فأبى ، وأراده أبو موسى على عبد الله بن عمر فأبى عليه عمرو . قال : فأخبرني ما رأيك يا أبا موسى ؟ قال : رأيى أن أخلع هذين الرجلين عليا ومعاوية ، ثم نجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاءوا ومن أحبوا . فقال له عمرو : الرأي ما رأيت . وقال عمرو : يا أبا موسى ، إنه ليس أهل العراق بأوثق بك من أهل الشام ، لغضبك لعثمان وبغضك للفرقة ، وقد عرفت حال معاوية في قريش وشرفه في عبد مناف ، وهو ابن هند وابن أبي سفيان فما ترى ؟ قال أرى خيرا . أما ثقة أهل الشام بي فكيف يكون ذلك وقد سرت إليهم مع علي . وأما غضبي لعثمان فلو شهدته لنصرته . وأما بغضي للفتن فقبح الله الفتن . وأما معاوية فليس بأشرف من علي . ____________ ( 1 ) في الأصل : « وكم تعدوا الأمر » . ( 2 ) في الأصل : « أبو خباب » وفي ح ( 1 : 198 ) : « أبو حباب » صوابهما ما أثبت . وانظر ما سبق في ص 541 . ( 3 ) ح : « فتكلم أنت وأتكلم أنا » . الطبري ( 6 : 39 ) : « فتكلم وأتكلم » . ( 4 ) في الأصل : « قد أعد أبا موسى يقدمه في كل شيء » صوابه وتكملته من الطبري . ( 5 ) الطبري : « اغتزى بذلك كله أن يقدمه » وهي صحيحة ، ففي اللسان : اغتزاه : قصده . وأنشد ابن الأعرابي ( اللسان 19 : 359 ) : * قــد يغتزي الهجــران بالتجــرم * ****************** وباعده أبو موسى . فرجع عمرو مغموما . فخرج عمرو ومعه ابن عم له غلام شاب ، وهو يقول : يا عمرو إنك للأمــور مجـرب * فارفق ولا تقــذف برأيك أجمـع واستبق منه مـا استطعت فإنــه * لا خير في رأي إذا لــم ينفــع واخلع معاوية بن حــرب خدعة * يخلع عليــا ساعــة وتصنــع واجعله قبلك ثم قــل مـا بعـده * اذهب فما لك في ابن هند مطمــع تلك الخديعة إن أردت خـداعــه * والراقصات إلى منى ، خـذ أودع فافترصها عمرو (1) وقال : يا أبا موسى ، ما رأيك ؟ قال : رأيى أن أخلع هذين الرجلين ، ثم يختار الناس لأنفسهم من أحبوا . فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون ، فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه فقال : إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة . قال عمرو : صدق ! ثم قال : يا أبا موسى فتكلم . فتقدم أبو موسى ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال : ويحك ، إني لأظنه قد خدعك ، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ثم تكلم أنت بعده ، فإن عمرا رجل غدار ، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت به في الناس خالفك . وكان أبو موسى رجلا مغفلا ـ فقال : [ إيها عنك ] إنا اتفقنا . فتقدم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يأيها الناس ، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة ، فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها وألم لشعثها من ألا تتباين أمورها (2) . وقد أجمع رأيي ورأي صاحبي عمرو على خلع علي ومعاوية ، و [ أن ] نستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين ، فيولون أمورهم من أحبوا . وإني قد خلعت عليا ____________ ( 1 ) يقال : فرص الفرصة وافترصها وتفرصها ، أي أصابها . ( 2 ) في الأصل : « لشعثها الا نبتر أمورها » صوابه في ح . ( 546 ) ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم وولوا من رأيتم لها أهلا . ثم تنحى فقعد . وقام عمرو بن العاص مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن هذا قال ما قد سمعتم وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية [ في الخلافة ] فإنه ولي عثمان والطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه . فقال له أبو موسى : مالك لا وفقك الله ، قد غدرت وفجرت . وإنما مثلك مثل الكلب ( إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) إلى آخر الآية . قال : فقال له عمرو : إنما مثلك مثل ( الحمار يحمل أسفارا ) إلى آخر الآية . وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط ، وحمل على شريح ابن لعمرو فضربه بالسوط ، وقام الناس فحجزوا بينهم ، فكان شريح يقول بعد ذلك : ما ندمت على شيء ندامتي أن لا ضربته بالسيف بدل السوط . والتمس أصحاب علي أبا موسى فركب ناقته فلحق بمكة ، فكان ابن عباس يقول : قبح الله أبا موسى ، حذرته وأمرته بالرأي فما عقل (1) . وكان أبو موسى يقول : قد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت إليه ، وظننت أنه لن يؤثر شيئا على نصيحة الأمة . ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة ، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي . وقال الشنى : ألم تــر أن الله يقضى بحكمــه * وعمــرو وعبد الله يختلفــان وليسا بمهدي أمــة مــن ضلالة * بدرمــاء سخما فتنة عميـان (2) أثارا لما في النفس مــن كل حاجة * شديــدان ضراران مؤتلفـان (3) أصمان عن صوت المنادي تراهمـا * على دارة بيضــاء يعتلجـان ____________ ( 1 ) وكذا في الطبري ( 6 : 40 ) وفي ح ( 1 : 199 ) : « وهديته إلى الرأي فما عقل » . ( 2 ) كذا ورد هذا العجز . ( 3 ) كذا . ( 547 ) فيا راكبــا بلغ تميما وعامــرا * وعبسا وبلغ ذاك أهــل عمــان فما لكم ، إلا تكونـــوا فجرتـم * بإدراك مسعــاة الكرام ، يــدان (1) بكت عين من يبكي ابن عفان بعدما * نفى ورق الفرقــان كل مكــان كلا فئتيه عـاش حيــا وميتــا * يكـــادان لولا الحق يشتبهــان ولما فعل عمرو ما فعل واختلط الناس رجع إلى منزله فجهز راكبا إلى معاوية يخبره بالأمر من أوله إلى آخره . وكتب في كتاب على حدة (2) : أتتـــك الخلافــة مزفوفـة * هنيئــا مريئا تقـــر العيونا تزف إليك كــزف العـروس * بأهون مــن طعنك الدارعينــا ومــا الأشعري بصلد الزنـاد * ولا خامل الذكــر في الأشعرينا ولكن أتيحــت لــه حيــة * يظل الشجــاع لهــا مستكينا فقالوا وقلــت وكنت امــرأ * أجهجــه بالخصم حتى يلينــا فخذها ابن هنــد على بأسهـا * فقد دافع الله مــا تحذرونـــا وقد صرف الله عــن شامكـم * عــدوا شنيا وحربــا زبونـا (3) وقام سعيد بن قيس الهمداني فقال : والله لو اجتمتما على الهدى ما زدتمانا على ما نحن الآن عليه ، وما ضلالكما بلازمنا ، وما رجعتما إلا بما بدأتما ، وإنا اليوم لعلى ما كنا عليه أمس . وتكلم الناس غير الأشعث بن قيس ، وتكلم كردوس بن هانئ فقال : ____________ ( 1 ) في الأصل : « معصات » تحريف . وفي اللسان : « والعرب تسمى مآثر أهل الشرف والفضل مساعي ، واحدتها مسعاة ، لسعيهم فيها ، كأنها مكاسبهم وأعمالهم التي أعنوا فيها أنفسهم » . وقال عبدة بن الطبيب في المفضلية 27 : فلئن هلكت لقــد بنيت مساعيـا * تبقى لكــم منها مآثـر أربــع ( 2 ) في الأصل : « عليحدة » . ( 3 ) ح : « عدوا مبينا » . ( 548 ) أما والله إني لأظنك أول راض بهذا الأمر يا أخا ربيعة . فغضب كردوس فقال : أياليت من يرضى من الناس كلهــم * بعمرو وعبد الله في لجــة البحـر رضينا بحكم الله لا حكــم غيــره * وبــالله ربــا والنبي وبالذكــر وبالأصلع (1) الهادي علي إمامنــا * رضينا بذاك الشيخ في العسر واليسر رضينــا به حيــا وميتا وإنــه * إمــام هدى في الحكم والنهي والأمر فمن قال لا قلنــا بلى إن أمــره * لأفضل مــا تعطاه في ليلـة القــدر وما لابن هنــد بيعة في رقابنــا * وما بيننــا غير المثقفــة السمــر وبيض تزيل الهــام عـن مستقره * وهيهات هيهات الولا (2) آخر الدهـر أبت لي أشيــاخ الأراقم سبـه (3) * أسب بهــا حتى أغيب في القبــر وتكلم يزيد بن أسد القسري ـ وهو من قواد معاوية ـ فقال : يا أهل العراق ، اتقوا الله ، فإن أهون ما يردنا وإياكم إليه الحرب ما كنا عليه أمس ، وهو الفناء . وقد شخصت الأبصار إلى الصلح ، وأشرفت الأنفس على الفناء (4) ، وأصبح كل امرئ يبكي على قتيل . مالكم رضيتم بأول أمر صاحبكم وكرهتم آخره . إنه ليس لكم وحدكم الرضا . فتشاتم عمرو وأبو موسى من ليلته ، فإذا ابن عم لأبي موسى يقول : أبا موسى خدعت وكنــت شيخا (5) * قريب القعر مدهوش الجنـــان رمى عمرو صفاتك يا ابـن قيس * بأمـــر لا تنوء بــه اليــدان وقــد كنا نجمجم عـن ظنـون * فصرحــت للظنــون عن العيان ____________ ( 1 ) انظر ما سبق في ص 233 س 6 ـ 7 . ( 2 ) ح ( 1 : 199 ) : « الرضا » . ( 3 ) انظر للأراقم ما مضى في ص 486 . ( 4 ) في الأصل : « البقاء » صوابه من ح . ( 5 ) في الأصل : « بليت فكنت شيخا » وأثبت ما في ح . ( 549 ) فعض الكف مــن ندم ومــاذا * يرد عليــك عضـك بالبنــان قال : وشمت أهل الشام بأهل العراق . وقال كعب بن جعيل الغلتبي (1) ، وكان شاعر معاوية ، قال : كأن أبــا موسى عشيــة أذرح * يطوف بلقمــان الحكيم يواربــه فلما تلاقوا فــي تراث محمــد * نمت بابـن هند في قريش مضاربه (2) سعى بابن عفــان ليـدرك ثأره * وأولى عبــاد الله بالثـــأر طالبه وقد غشيتنا في الزبير غضاضـة * وطلحــة إذ قامت عليــه نوادبـه فرد ابــن هند ملكه في نصابـه * ومن غالــب الأقدار فالله غالبــه وما لابن هند في لؤى بـن غالب * نطير وإن جاشــت عليــه أقاربه فهذاك ملك الشــام واف سنامـه * وهذاك ملك القوم قد جـب غاربــه يحاول عبد الله عمــرا وإنــه * ليضرب في بحــر عريض مذاهبـه دحا دحوة في صدره فهـوت بـه * إلى أسفل المهــوى ظنون كواذبــه فرد عليه رجل من أصحاب علي فقال : غدرتم وكان الغــدر منكم سجيــة * فما ضرنــا غدر اللئيم وصاحبــه وسميتم شــر البريـــة مؤمنــا * كذبتم فشر النــاس للناس كاذبــه ولكم (3) بـــن حـرب بصيــرة * بلعــن رسول الله إذ كان كاتبــه ____________ ( 1 ) في الأصل : « وقال أبا موسى إنما كان غدرا من عمرو » وما بعد « قال » مقحم . وفي الأصل أيضا « كعب بن جعيل الثعلبي » . والصواب ما أثبت ، وهو كعب بن جعيل ابن قمير بن عجزة بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن تغلب بن وائل . انظر الخزانة ( 1 : 458 ـ 459 ) . ( 2 ) وكذا الرواية في معجم البلدان ( أذرح ) وفي ح : « مناسبه » وهما بمعنى . وفي اللسان : « ابن سيده : ما يعرف له مضرب عسلة ، أي أصل ولا قوم ولا أب ولا شرف » . ( 3 ) كذا وردت هذه الكلمة غير واضحة في الأصل . وهذه المقطوعة لم ترد في ح . ( 550 ) وقال عمرو بن العاص حين خدع أبا موسى : خدعت أبا موسى خديعــة شيظــم * يخادع سقبــا في فلاة من الأرض (1) فقلت لــه إنا كرهنـــا كليهمــا * فنخلعهما قبــل التلاتل والدحـض (2) فإنها لا لا يغضيــان علـى قــذى * من الدهر حتى يفصلان على أمض (3) فطاوعني حتي خلعــت أخــاهـم * وصار أخونا مستقيما لدى القبــض وإن ابـن حــرب معطيهــم الولا * ولا الهاشمي الدهر أو بربع الحمض (4) فرد عليه ابن عباس فقال : كذبــت ولكن مثلك اليــوم فاسق * على أمركم يبغي لنــا الشر والعزلا وتزعم أن الأمر منــك خديعــة * إليــه وكل القول في شأنكــم فضلا فأنتم ورب البيت قد صــار دينكم * خلافا لدين المصطفى الطيــب العدلا أعاديتم حــب النبـي ونفســه * فمــا لكم مــن سابقـات ولا فضلا وأنتم ورب البيت أخبث من مشـى * على الأرض ذا نعليـن أو حافيا رجلا غدرتم وكان الغدر منكــم سجيـة * كأن لم يكن حرثا وأن لم يكن نســلا (5) قال : ولحق أبو موسى وهو يطوف بالبيت بمكة . نصر ، قال : فحدثني عمر بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن طاوس ____________ ( 1 ) في الأصل : « خداعة شيظم » وإنما هي الخديعة . والشيظم : الطويل الجسيم الفتى من الناس والخيل والإبل . والسقب : ولد الناقة . ( 2 ) التلاتل : الشدائد . والدحض : الزلق والزلل . ( 3 ) الأمض : الباطل والشك . وحتى ، في البيت ، ابتدائية ، كما في قوله : * ولا صلح حتى تضبعون ونضبعا * انظر الخزانة ( 3 : 599 ) . ( 4 ) كذا ورد هذا العجز . ( 5 ) في الأصل : « فإن لم يكن حرثا » . ( 551 ) قال : سألت أبا موسى وهو يطوف بالبيت فقلت له : أهذه الفتنة التي كنا نسمع بها ؟ قال : ابن أخي ، هذه حيصة من حيصات الفتن ، فكيف بكم إذا جاءتكم المثقلة الرداح ، تقتل من أشرف لها ، وتموج بمن ماج فيها . وقال الهيثم بن الأسود النخعي : لما تداركــت الوفــود بــأذرح * وبأشعــري لا يحل لــه الغـدر (1) أدى أمانتـــه وأوفــى نــذره * وصبــا فأصبح غـادرا عمــرو (2) يا عمـرو إن تدع القضية تعتـرف * ذل الحيــاة وينــزع النصـــر ترك القــران فمــا تأول آية (2) * وارتــاب إذ جعلت لــه مصــر قال نصر : وفي حديث عمر بن سعد : ودخل عبد الله بن عمر ، وسعد ابن أبي وقاص ، والمغيرة بن شعبة مع أناس معهم ، وكانوا قد تخلفوا عن علي ، فدخلوا عليه فسألوه أن يعطيهم عطاءهم ـ وقد كانوا تخلفوا عن علي حين خرج إلى صفين والجمل ـ فقال لهم علي : ما خلفكم عني ؟ قالوا : قتل عثمان ، ولا ندري أحل دمه أم لا ؟ وقد كان أحدث أحداثا ثم استتبتموه فتاب ، ثم دخلتم في قتله حين قتل ، فلسنا ندري أصبتم أم اخطأتم ؟ مع أنا عارفون بفضلك يا أمير المؤمنين وسابقتك وهجرتك . فقال علي : ألستم تعلمون أن الله عز وجل قد أمركم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر فقال : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) ؟ قال سعد : يا علي ، أعطني ____________ ( 1 ) كذا ورد هذا العجز . وفي معجم البلدان ( أذرح ) : « وفي أشعري لا يحل له غدر » وهذا العجز في هذه الرواية من بحر الطويل ، والأبيات من الكامل . ( 2 ) صبا : خرج ومال بالعداوة . وفي الأصل : « وسما » وبدلها في معجم البلدان : « عنه وأصبح » . ( 3 ) في الأصل : « ترك القرآن فأول » وصوابه من معجم البلدان . ( 552 ) سيفا يعرف الكافر من المؤمن ، أخاف أن أقتل مؤمنا فأدخل النار . فقال لهم علي : ألستم تعلمون أن عثمان كان إماما بايعتموه على السمع والطاعة ، فعلام خذلتموه إن كان محسنا ، وكيف لم تقاتلوه إذ كان مسيئا ؟ ! فإن كان عثمان أصاب بما صنع فقد ظلمتم إذ لم تنصروا إمامكم ، وإن كان مسيئا فقد ظلمتم إذ لم تعينوا من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر . وقد ظلمتم إذ لم تقوموا بيننا وبين عدونا بما أمركم الله به ، فإنه قال : ( قاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله (1) ) . فردهم ولم يعطهم شيئا . وكان علي عليه السلام إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول (2) « اللهم العن معاوية ، وعمرا ، وأبا موسى (3) ، وحبيب بن مسلمة ، والضحاك بن قيس ، والوليد بن عقبة ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد » ، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت (4) لعن عليا ، وابن عباس ، وقيس بن سعد ، والحسن والحسين . وقال الراسبي ، من أهل حرورا ـ : ندمنــا على ما كان منا ومن يــرد * سوى الحق لا يــدرك هواه وينــدم خرجنا على أمــر فلم يـك بيننــا * وبيــن علي غيــر غاب مقـــوم وضــرب يزيل الهام عن مستقـره * كفاحــا كفاحــا بالصفيح المصمــم فجاء علي بالتــي ليـس بعدهــا * مقــال لـذي حلــم ولا متحلــــم ____________ ( 1 ) من الآية 9 في سورة الحجرات . وقد اشتشهد بالآية مع إسقاط الفاء في أولها ، وهو جائز . انظر حواشي الحيوان ( 4 : 57 ) . ( 2 ) في الطبري ( 6 : 40 ) : « وكان إذا صلى الغداة يقنت » . ( 3 ) وكذا في ح ( 1 : 200 ) لكن بدله في الطبري : « وأبا الأعور السلمي » . ( 4 ) وكذا في الطبزي ، لكن في ح : « فكان إذا صلى » . ( 553 ) رمانــا بمر الحق إذ قال جئتــم * إلى بشيــخ للأشاعــر قشعـم فقلتم رضينا با بن قيس ومــا لنا * رضا غير شيخ ناصح الجيب مسلم وقال : ابن عباس يكون مكانـــه * فقالوا لــه : لا لا ألا بالتهجــم فمــا ذنبه فيه وأنتــم دعوتــم * إليه عليــا بالهـوى والتقحــم فأصبح عبد الله بالبيــت عائــذا * يريد المنى بين الحطيم وزمــزم ـ من هنا إلى موضع العلامة ليس عند ابن عقبة ـ وقال نابغة بني جعدة . وقال : [ هي ] عندنا أكثر من مائة بيت فكتبت الذي يحتاج إليه : سألتني جارتـــي عن أمتــي * وإذا مــا عــي ذو اللب سـأل سألتني عـن أنــاس هلكــوا * شرب الدهـــر عليهـم وأكــل (1) بلغوا الملــك فلمــا بلغــوا * بخســار وانتهــى ذاك الأجــل وضع الدهــر عليهم بركــه * فأبيــدوا لم يغــادر غيــر تـل فأراني طربـــا في إثرهــم * طــرب الوالــه أو كالمختبــل (2) أنشد النــاس ولا أنشــدهـم * إنمــا ينشــد مــن كان أضـل (3) ليت شعري إذ مضى ما قد مضى * وتجــلــى الأمــر لله الأجــل مـــا يظنن بنــاس قتلــوا * أهــل صفين وأصحــاب الجمـل أينامـــون إذا مــا ظلمــوا * أم يبيتـــون بخــوف ووجــل وقال طلبة بن قيس بن عاصم المنقري : ____________ ( 1 ) انظر للكلام على نسبة هذا البيت وروايته الحيوان ( 5 : 28 ) . ( 2 ) الطرب ، هاهنا : الحزن . والواله : كل أنثى فارقت ولدها . وفي الأصل : « الوالد » تحريف . ( 3 ) أنشد : أطلب . ولا أنشدهم : لا أدل عليهم . وفي الأصل : « من قال أضل » وصوابه من اللسان ( 4 : 433 ) . ( 554 ) إذا فــاز دوني بالمودة مالــك (1) * وصاحبـه الأدنى عدي بــن حاتم وفاز بــها دوني شريح بن هانئ * ففيــم ننــادي للأمور العظائــم ولو قيل من يفدي عليا فديته (2) * بنفسك يا طلب بن قيس بن عاصــم لقلت نعم تفديــه نفس شحيحـة * ونفدي بسعـــد كلها حــي هاشم نصر : عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي قال : سمعت تميم بن حذيم (3) الناجي يقول : لما استقام لمعاوية أمره لم يكن شيء أحب إليه من لقاء عامر بن واثلة ، فلم يزل يكاتبه ويلطف حتى أتاه ، فلما قدم ساءله عن عرب الجاهلية . قال : ودخل عليه عمرو بن العاص ونفر معه فقال لهم معاوية : تعرفون هذا ؟ هذا فارس صفين وشاعرها ؟ هذا خليل أبي الحسن . قال : ثم قال : يا أبا الطفيل ، ما بلغ من حبك عليا ؟ قال : « حب أم موسى لموسى » . قال : فما بلغ من بكائك عليه ؟ قال : « بكاء العجوز المقلات (4) ، والشيخ الرقوب (5) . إلى الله أشكو تقصيري « فقال معاوية : ولكن أصحابي هؤلاء لو كانوا سئلوا عني ما قالوا في ما قلت في صاحبك . قال : « إنا والله لا نقول الباطل » : فقال لهم معاوية : لا والله ولا الحق . قال : ثم قال معاوية : هو الذي يقول : إلى رجب السبعيــن تعترفوننــي * مع السيــف في خيـل وأحمي عديدها (6) وقال معاوية : يا أبا الطفيل ، أجزها . فقال أبو الطفيل : زحوف كركــن الطود كل كتيبــة * إذا استمكنــت منها يفــل شديدها ____________ ( 1 ) مالك ، هو مالك بن الحارث ، المعروف بالأشتر النخعي . وفي الأصل : « هالك » ( 2 ) في الأصل : « ولو قيل بعدي من علي » صوابه ما أثبت . ( 3 ) الوجه فيه : « بن حذلم » كما سبق في ص 169 ، 245 . ( 4 ) المقلات : التي لا يبقى لها ولد . وفي الأصل : « الملغاة » تحريف . ( 5 ) الرقوب : الذي لا يبقى له ولد . ( 6 ) الإجازة هنا تقتضي أن يكون « عديدها » بالرفع ، فيبدو أن في البيت تحريفا ( 555 ) كأن شعاع الشمس تحــت لوائهــا * مقارمهــا حمر النعـام وسودها (1) شعارهم سيمــا النبــي ورايــة * بها ينصــر الرحمن ممن يكيدهـا لها سرعان مــن رجــال كأنهـا * دواهـــي السباع نمرها وأسودها (2) يمورون مــور الموج ثم ادعاؤهـم * إلى ذات أنــداد كثير عديــدهـا إذا نهضت مدت جنــاحين منهــم * على الخيل فرسان قليل صدودهــا كهول وشبان يــرون دمــاءكـم * طهــورا وثارات لهــا تستقيدها (3) كأني أراكم حين تختلــف القنــا * وزالت بأكفــال الرجــال لبودها (4) ونحن نكــر الخيل كــرا عليكم * كخطف عتاق الطير طيـرا تصيدهــا إذا نعيت مــوتي عليكم كثيــرة * وعيت أمور غاب عنكــم رشيدهــا هنالك النفــس تابعــة الهـدى * ونــار إذا ولــت وأز شديـدهــا (5) فلا تجزعوا إن أعقب الدهر دولـة * وأصبــح منآكــم قريبــا بعيدهــا فقالوا : نعم ، قد عرفناه ، هذا أفحش شاعر ، وألام جليس (6) فقال معاوية يا أبا الطفيل ، أتعرف هؤلاء ؟ قال : ما أعرفهم بخير ولا أبعدهم من شر . فأجابه [ أيمن بن (7) ] خريم الأسدي : إلى رجب أو غرة الشهــر بعــده * يصبحكــم حمر المنايــا وسودها ____________ ( 1 ) مقارمها ، كذا وردت . ( 2 ) السرعان ، بالتحريك : أوائل القوم المستبقون إلى الأمر . وفي الأصل : « لها شرعاء » والوجه ما أثبت . وفي الأصل أيضا : « دواعي السباع » تحريف . ( 3 ) تستقيدها : تطلب القود فيها . والقود ، بالتحريك : قتل النفس بالنفس . وفي الأصل : « يستعيدها » محرفة . ( 4 ) الأكفال : جمع كفل ، بالكسر ، وهو الذي لا يثبت على ظهور الخيل . ( 5 ) كذا ورد هذا البيت . ( 6 ) في الأصل : « والم جليس » . ( 7 ) هاتان الكلمتان ساقطتان من الأصل . وانظر 431 ، 502 ، 503 . ( 556 ) ثمانين ألفا ديـــن عثمان دينهــم * كتائــب فيها جبرئيـل يقودها فمن عاش عبدا عاش فينا ومن يمت * ففي النار يسقى ، مهلها وصديدها ـ من هنا عند ابن عقبة ـ نصر ، عن عمرو بن شمر عن جابر قال : سمعت تميم بن حذيم (1) الناجي يقول : أصيب في المبارزة من أصحاب علي (2) : عامر بن حنظلة الكندي يوم النهر ، وبسر بن زهير الأزدي ، ومالك بن كعب العامري ، وطالب بن كلثوم الهمداني ، والمرتفع بن الوضاح الزبيدي أصيب بصفين ، وشرحبيل بن طارق البكري ، وأسلم بن يزيد الحارثي ، وعلقمة بن حصين الحارثي ، والحارث بن الجلاح الحكمي ، وعائذ بن كريب الهلالي ، وواصل بن ربيعة الشيباني ، وعائذ بن مسروق الهمداني ، ومسلم بن سعيد الباهلي ، وقدامة بن مسروق العبدي ، والمخارق بن ضرار المرادي ، وسلمان بن الحارث الجعفي ، وشرحبيل بن الأبرد الحضرمي ، والحصين بن سعيد الجرشي ، وأبو أيوب بن باكر الحكمي ، وحنظلة بن سعد التميمي ، ورويم بن شاكر الأحمري ، وكلثوم بن رواحة النمري ، وأبو شريح بن الحارث الكلاعي ، وشرحبيل بن منصور الحكمي ، ويزيد بن واصل المهري ، وعبد الرحمن بن خالد القيني ، وصالح بن المغيرة اللخمي ، وكريب بن الصباح الحميري من آل ذي يزن قتله علي (3) ، والحارث بن وداعة الحميري ، وروق بن الحارث الكلاعي ، والمطاع بن المطلب القيني ، والوضاح بن أدهم السكسكي ، ____________ ( 1 ) انظر ما سبق في ص 555 . ( 2 ) كذا . ونجد في جملة من سرد من الأعلام أسماء كثير من أصحاب معاوية . وقد تعذر التمييز الدقيق بين هؤلاء وهؤلاء لندرة تراجمهم . كما أن هذه الأسماء تضمنت بعض من قتل في غير صفين . ( 3 ) قتله علي يوم صفين . انظر الإصابة 7483 . ( 557 ) وجلهمة بن هلال الكلبي ، وابن سلامان الغساني ، وعبد الله بن جريش العكي وابن قيس ، والمهاجر بن حنظلة الجهني ، والضحاك بن قيس ، ومالك بن وديعة القرشي ، وشريح بن العطاء الحنظلي ، والمخارق بن علقمة المازني ، وأبو جهل بن ظالم الرعيني ، وعبيدة بن رياح الرعيني ، ومالك بن ذات (1) الكلبي ، وأكيل بن جمعة الكناني ، والربيع بن واصل الكلاعي ، ومطرف بن حصين العكي ، وزبيد بن مالك الطائي ، والجهم بن المعلي ، والحصين بن تميم الحميريان والأبرد بن علقمة الحرقي من أصحاب طلحة والزبير ، والهذيل بن الأشهل التميمي والحارث بن حنظلة الأزدي ، ومالك بن زهير الرقاشي ، وعمرو بن يثربي الضبي (2) ، والمجاشع بن عبد الرحمن ، والنعمان بن جبير اليشكري (3) ، والنضر بن الحارث الضبي ، والقاسم بن منصور الضبي ، وزامل بن طلحة الأزدي ، وكرز بن عطية الضبي ، ورفاعة بن طالب الجرهمي ، والأشعث بن جابر ، وعبد الله بن المنهال الساعدي ، وعبد الله بن الحارث المازني ، والحكم بن حنظلة الكندي ، وأبرهة بن زهير المذحجي ، وهند الجملي (4) ، ورافع بن زيد الأنصاري ، وزيد ____________ ( 1 ) كذا . ولعلها : « زرارة » . ( 2 ) عمرو بن يثربي الضبي ، كان من رءوس ضبة في الجاهلية ثم أسلم . وهو قاتل علباء بن الهيثم السدوسي ، وهند بن عمرو الجملي ، وزيد بن صوحان العبدي ، قتلهم يوم الجمل ، فأسره عمار بن ياسر فجاء به إلى علي رضى الله عنه فأمر بقتله . ولم يقتل أسيرا غيره . وهو القائل : إن تقتلونــي فأنا ابــن يثربـي * قاتــل علبــاء وهنــد الجملي ثم ابن صوحان على دين علي انظر الإصابة 6513 والاشتقاق 246 - 247 . ( 3 ) في الأصل : « والمجاشع بن عبد الرحمن النعماني بن حبير اليشكري » . والوجه ما أثبت . ( 4 ) هو هند بن عمرو الجملي ، نسبة إلى جمل بن سعد العشيرة ، حي من مذحج . انظر المعارف 48 والاشتقاق 246 واللسان ( مادة جمل ) ، قتله عمرو بن يثربي ، كما سبقت الإشارة إليه في التنبيه الثاني . انظر الإصابة 9056 . وفي الأصل : « همد الحملي » تحريف . ( 558 ) ابن صوحان العبدي (1) ، ومالك بن حذيم الهمداني (2) ، وشرحبيل بن امرئ القيس الكندي ، وعلباء بن الهيثم البكري (3) ، وزيد بن هاشم المري ، وصالح بن شعيب القيني ، وبكر بن علقمة البجلي ، والصامت بن قنسلي الفوطي (4) ، وكليب بن تميم الهلالي ، وجهم الراسبي ، والمهاجر بن عتبة الأسدي ، والمستنير بن معقل الحارثي ، والأبرد بن طهرة الطهوي ، وعلباء بن المخارق الطائي ، وبواب بن زاهر (5) ، وأبو أيوب بن أزهر السلمي . زهاء عشرة آلاف . وأصيب يوم الوقعة العظمي أكثر من ذلك ، وأصيب فيها من أصحاب علي ما بين السبعمائة إلى الألف . وأصيب بصفين من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا . وأصيب بها من أهل العراق خمسة وعشرون ألفا . وأصيب يوم النهروان على قنطرة البردان (6) من المحكمة خمسة آلاف . ____________ ( 1 ) وهذا زبد قتله كذلك عمرو بن يثربي الضبي في وقعة الجمل . اختلف في صحبته . الإصابة 2991 . ( 2 ) هذا غير مالك بن حريم الهمداني الشاعر الجاهلي الذي ذكره المرزباني في معجمه ص 357 . ( 3 ) هو علباء بن الهيثم بن جرير السدوسي البكري ، نسبة إلى سدوس بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل . استشهد في وقعة الجمل ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في ترجمة عمرو بن يثربي ص 557 . ( 4 ) كذا ورد هذا الاسم . ( 5 ) المعروف في أعلامهم « ثواب » . ومنه المثل : « أطوع من ثواب » . ( 6 ) قنطرة البردان ، بفتح الباء والراء . والبردان : محلة ببغداد . انظر معجم البلدان . وفي الأصل : « البودان » تحريف . ( 559 ) وأصيب منهم ألف بالنخيلة بعد مصاب علي . وأصيب من أصحاب علي يوم النهروان ألف وثلاثمائة . قال : وذكر جابر عن الشعبي وأبي الطفيل ، ذكروا في عدة قتلى صفين والنهروان والنخيلة نحوا مما ذكر تميم الناجي . ـــــــــ آخر كتاب صفين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما كثيرا