حجر بن عدی الکندی نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

حجر بن عدی الکندی - نسخه متنی

هاشم محمد

| نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
توضیحات
افزودن یادداشت جدید

ومن الواضح ان هذه شهادة زور, ودعوى باطلة , اذ ان حجرا كان بريئا من هذه التهم , ولم يقم بمثل هـذه الاعـمـال الـتي نص عليها في هذه الشهادة , مع تصريح حجر نفسه , وتصريح سائر الصحابة
والمستنكرين لمصرع حجر.

وشهد مع ابي بردة رؤوس الارباع الباقون , ولم يكتف زياد بهذا العدد من الشهود, بل اراد ان يعطي
لـهـذه الشهادة صورة جماعية , بمستوى الاستفتاءالشعبي , او على الاقل بمستوى مجلس اهل الحل
والـعـقـد, فـجـمـع الـنـاس وطلب منهم تاييد هذه الشهادة , فسارع بعض المنتفعين حتى اجتمع له
سبعون رجلا.

لـقـد قال زياد عن الصيغة الاولى للشهادة , وعن عدد الشهود وهم اربعة (مااظن هذه شهادة قاطعة
واحـب ان يـكون الشهود اكثر من اربعة ). ثم بعد ان وضع ابو بردة صيغة الشهادة الثانية , وامضاها
رؤوس الاربـاع الـبـاقـون قـال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا, اما واللّه لاجهدن على قطع
عنق الخائن الاحمق . ثم ان زيادا دعا الناس فقال : اشهدوا على مثل ما شهد عليه رؤوس الارباع , فقام
عـنـاق بن شرحبيل التيمي اول الناس , فقال : بينوااسمي , فقال زياد: ابداوا باسامي قريش ثم اكتبوا
اسـم عـنـاق في الشهود ومن نعرفه , ويعرفه امير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة . وكان من جملة
الشهودشداد بن المنذر اخو الحصين بن المنذر, وكان يدعى ابن بزيعة , فقال زياد: مالهذا اب ينسب
الـيه القوا هذا من الشهود, فقيل له : انه اخو الحصين وهو ابن المنذر, قال : فانسبوه الى ابيه فنسب ,
فبلغ ذلك شدادا فقال : ويلي على ابن الزانية , او ليست امه اعرف من ابيه ؟ سمية((158)) .

اذن , فـكـان يـخـتـار تـلك الاسماء المعروفة لاعتبارات اجتماعية او قبلية , ويترك الاسماء غير
المعروفة , لتكون الشهادة اكثر وقعا في النفوس .

كـمـا انـهـم اضافوا للشهود اسماء بعض الشخصيات آنذاك , دون ان توافق على هذه الشهادة , امثال
شريح بن الحارث , وشريح بن هانى , فاما شريح بن الحارث فقال : سالني عنه ـ اي عن حجر ـ فقلت :
اما انه كان صواما قواما.واما شريح بن هانى , فقال : ما شهدت . ولقد بلغني ان قد كتبت شهادتي فاكذبته
ولمته . وكتب كتابا الى معاوية وبعثه اليه بيد وائل بن حجر, وفي الكتاب : اما بعد فانه بلغني ان زيادا
كـتـب الـيـك بـشهادتي على حجر بن عدي , وان شهادتي على حجر, انه ممن يقيم الصلاة , ويؤتي
الـزكـاة , ويـديـم الـحج والعمرة , ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر, حرام الدم والمال , فان شئت
فـاقـتـلـه , وان شـئت فـدعـه . فـلـمـا قرا معاوية الكتاب قال : ما ارى هذا الا قد اخرج نفسه من
شهادتكم((159)) .

وكتب ايضا شهادة السري بن وقاص الحارثي , وهو غائب في عمله .

(فـغـضـبـت ربـيـعـة عـلى هؤلاء الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم :شهدتم على اوليائنا
وحلفائنا؟((160)) .

وقـد طلبوا من بعض الافراد ان يشهدوا, ولكنهم لم يستجيبوا له , وهم اسماءبن خارجة الفزاري ,
والهيثم بن الاسود النخعي , ودعا المختار بن ابي عبيدوعروة بن المغيرة بن شعبة فراغا.

ونحن لو تاملنا في الشهادة وظروفها, وشهودها لراينا:
1 ـ ان زيـادا لـم يقتل حجرا بنفسه , لئلا يفقد رصيده في العراق . مركز الشيعة ,ومركز زياد, فان
حـدث رد فعل واستنكار بعد ذلك , فسوف تتجه النقمة الى معاوية , ليحتفظ هو بمركزه , كما توجه
بـالـفـعـل اسـتـنـكار الامة الى معاوية , بل ربما يعطي لمعاوية ايضا سبيل الخلاص من هذه النقمة
والاسـتنكار, حيث يمكن لمعاوية ان يلقي اللوم على الشهود, ويجنب نفسه رياح الثورة والاستنكار,
وبذلك يتجنب زياد نفسه , ويتجنب معاوية ايضا الضجة التي سيحدثها مصرع حجر.

2 ـ ان الـشـهـادة اشتملت على العناصر التي كان ينشدها زياد, لمواجهة الضجة التي سيحدثها مقتل
حجر او تقليلها, من حيث زيادة عدد الشهود,وكونهم من الاسماء المعروفة لبعض الاعتبارات , ومن
حيث بنود الشهادة ,حيث نص فيها على نقض حجر لبيعة معاوية وتحريضه الناس على نقضها,وكفره
بـاللّه وخـروجه عن الدين , وهذه العناصر ربما اثرت في اسكات الغضب الجماهيري الذي سينجم
عن قتل حجر وجماعته .

وربـمـا اثـرت هذه العناصر على بعض الافراد غير الواعين , ولكنها لم تؤثر على اصحاب الوعي
الـذيـن عرفوا واقع الشهادة والشهود, ولذلك استنكروامقتل حجر, ومن ثم تسرب هذا الاستنكار
الـى سـائر الامـة . فكان مقتل حجر من جملة الحوافز التي دفعت بعض الجماعات للانتفاض بوجه
الحكم الاموي .

وعلق الشيخ الاميني على هذه الشهادة , وهؤلاء الشهود بقوله : (هذه شهادة زور لفقها ابن ابيه او ابن
امـه عـلـى اصـنـاف من الناس , منهم الصلحاءالاخيار الذين اكذبوا ذلك العزو المختلق , كشريح بن
الحارث , وشريح بن هانى , ومن حذا حذوهما, وشهدوا بخلاف ما كتب عنهما. ومنهم من كانواغائبين
عـن سـاعـة الشهادة وساحتها, لكن يد الافك اثبتتها عليهم كابن وقاص الحارثي ومن يشاكله . ومنهم
رجرجة من الناس يستسهلون شهادة الزور, ويستسوغون من جرائها اراقة الدماء, ليس لهم من الدين
مـوضـع قـدم ولا قـدم , كـعمر بن سعد, وشمر بن ذي الجوشن , وشبث بن ربعي , وزجربن قيس ,
فتناعقوا بشهادة باطلة لاجلها وصفهم الدعي بانهم خيار اهل المصر واشرافهم , وذوو النهى والدين .

وان مـعـاويـة جـد عـليم بحقيقة الحال ,لكن شهوة الوقيعة في كل ترابي((161)) حبذت له قبول
الـشـهـادة الـمزورة والتنكيل بحجر واصحابه الصلحاء الاخيار, فصرم بهم اصول الصلاح ,وقطع
اواصـرهـم يـوم اودى بـهـم , ولـم يـكـتـرث لـمـغـبة ما ناء به من عمل غيرمبرور, فالى اللّه
المشتكى )((162)) .

والـحـديـث عـن بـعض الشهود وانحرافهم عن مبادى الاسلام , امثال عمر بن سعد وشمر بن ذي
الـجوشن وشبث بن ربعي وغيرهم طويل , يعرفه كل من قرا تاريخ حياتهم , وجرائمهم في كربلاء
معروفة , ولكن نكتفي هنا بذكر موقف واحد من مواقف ابي بردة , وهو من رؤوس هذه الشهادة .

قـال عـنـه ابـن ابـي الـحـديد: (ومن المبغضين القالين ـ للامام علي (ع ) ـ ابو بردة بن ابي موسى
الاشـعـري , ورث الـبغضة له لاعن كلالة((163)) . وروى عبدالرحمن بن جندب قال , قال : ابو
بردة لزياد: اشهد ان حجر بن عدي قد كفرباللّه كفرة اصلع . قال عبدالرحمن : انما عنى بذلك نسبة
الـكـفـر الـى عـلي بن ابي طالب (ع ), لانه كان اصلع . قال : وقد روى عبد الرحمن المسعودي عن
ابن عياش المنتوف , قال : رايت ابا بردة قال لابي العادية الجهني قاتل عمار بن ياسر: اانت قتلت عمار
بن ياسر؟ قال : نعم . قال : ناولني يدك , فقبلها وقال :لا تمسك النار ابدا)((164)) .

وقد تنكر ابو بردة في موقفه هذا للكثير من الاحاديث التي وردت عن الرسول (ص ) في عمار منها:
((مـا لـهـم ولعمار عاداه اللّه , ومن ابغض عمارا ابغضه اللّه ))((165)) .

ومـمـا يـجـدر الاشـارة الـيه موقف اهل الكوفة من حجر وجماعته , حيث لم يندفعوا للدفاع عنه ,
والـوقـوف بوجه زياد, او منعه عن السير بهم الى معاوية , بعد ان كانوا ملتفين حول حجر ومؤيدين
لـحـركـتـه . وهـناك عوامل كثيرة ادت الى حصول هذا الموقف , ومنها اساليب الترهيب والاغراء
التي استخدمها زياد ومعاوية وغيرهما من الحكام والولاة , التي صنعت مثل هذه الحالة بين المسلمين ,
بـالـرغـم مـن احساسهم الداخلي ببشاعة اعمال الحكام والولاة , وانحرافها عن الاسلام , ومواقفهم
الـمـجرمة بحق اهل البيت :والموالين لهم . وليس هذا الموقف من اهل الكوفة اول موقف ولا آخره ,
فـقـدوقـفـوا امـثـاله مع الامام امير المؤمنين (ع ) والامام الحسن (ع ) قبل حجر,وكذلك مع الامام
الحسين (ع ) في واقعة الطف الدامية ومع زيد في ثورته ,وغيرها, بالرغم من شعورهم بالاستنكار
لمواقف السلطات الحاكمة . وكان مثل هذا الشعور بالندم والاستنكار احيانا يغلي في نفوسهم , ويفجر
بعض الانتفاضات بوجه السلطات المجرمة , امثال حركة التوابين ولكن بعد فوات الاوان .

مرج عذراء:
دفـع زيـاد حـجر بن عدي واصحابه الى وائل بن حجر الحضرمي , وكثير بن شهاب , وامرهما ان يسيرا بهم الى الشام , وبعث زياد الى معاوية كتاباارسله مع الركب ونص الكتاب : (بسم اللّه الرحمن
الـرحـيـم لـعـبـد اللّه معاوية امير المؤمنين من زياد بن ابي سفيان . اما بعد فان اللّه قد احسن عند
امـيرالمؤمنين البلاء, فكاد له عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه . ان طواغيت من هذه الترابية السبائية
راسهم حجر بن عدي خالفوا امير المؤمنين وفارقواجماعة المسلمين ونصبوا لنا الحرب , فاظهرنا
اللّه عـلـيـهـم وامـكـنـنا منهم . وقددعوت خيار اهل المصر واشرافهم وذوي السن والدين منهم
فـشهدواعليهم بما راوا وعملوا. وقد بعثت بهم الى امير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء اهل المصر
وخـيارهم في اسفل كتابي هذا), فخرجوا عشية , ـ ولعل السير بهم ليلا, وتحت ستار الظلام كان
خـوفا من اثارة اهل الكوفة لو ساروابهم في وضح النهار امام عيون الناس ـ وقد حذر البعض زيادا
ان هناك من يحاول اعتراض الركب . ففي الطبري : ((فاتاه ـ زياد ـ قيس بن الوليد فقال انه قد بلغني
ان هـؤلاء اذا خرج بهم عرض لهم , فبعث زياد الى الكناسة فابتاع ابلا صعابا فشد عليها المحامل , ثم
حـمـلهم عليها في الرحبة اول النهار,حتى اذا كان العشاء قال زياد: فليعرض , فلم يتحرك من الناس
احـد)),وسـار معهم صاحب الشرطة , حتى اخرجهم من الكوفة , فلما انتهوا الى جبانة عرزم , نظر
قـبـيصة بن ضبيعة العبسي الى داره , وهي في جبانة عرزم ,فاذا بناته مشرفات , فقال لوائل وكثير:
ائذنا لي فاوصي اهلي , فاذنا له , فلمادنا منهن وهن يبكين , سكت عنهن ساعة , ثم قال : اسكتن , فسكتن ,
فـقال :اتقين اللّه عزوجل , واصبرن , فاني ارجو من ربي في وجهي هذا احدى الحسنيين , اما الشهادة
وهـي السعادة , واما الانصراف اليكن في عافية , وان الذي رزقكن ويكفيني مؤونتكن هو اللّه تعالى ,
وهـو حـي لايموت , ارجو ان لا يضيعكن , وان يحفظني فيكن , ثم انصرف فمر بقومه , فجعل القوم
يدعون اللّه له بالعافية .

فـساروا حتى انتهوا بهم الى مرج عذراء عند دمشق , وهم اثنا عشر رجلا,حجر بن عدي , الارقم
بـن عـبداللّه , شريك بن شداد, صيفي بن فسيل , قبيضة بن ضبيعة , كريم بن عفيف , عاصم بن عوف ,
ورقـاء بن سمي , كدام بن حيان ,عبدالرحمن بن حسان , محرز بن شهاب , عبداللّه بن حوية , واتبعهم
زيادبرجلين مع عامر بن الاسود, فتموا اربعة عشر رجلا, حبسوا بمرج عذراء.

وقـد عـفا معاوية , بعد الحاح بعض حاشيته الذين لهم تاثير كبير عليه , ولهم علاقة ببعض اصحاب
حـجـر, عن سبعة منهم , فيكون عدد من قتل منهم مع حجر, سبعة اشخاص , ذكرهم الطبري وهم :
(حـجـر بن عدي , شريك بن شداد الحضرمي , صيفي بن فسيل الشيباني , قبيصة بن ضبيعة العبسي ,
مـحـرزبـن شـهاب السعدي , كدام بن حيان العنزي . واما عبدالرحمن بن حسان العنزي فبعث به الى
زياد, فدفن حيا بقس الناطف , فهم سبعة قتلوا, وكفنواوصلي عليهم )((166)) .

ومـرج عـذراء كما يقول صاحب الاغاني (تقع على بعد اميال من دمشق ).واما الطبري فيقول : (بينها
وبين دمشق اثنا عشر ميلا).

ولما علم معاوية بوصول ركب العقيدة والولاء الى مرج عذراء, بعث الى قائدي الركب , وهما وائل بن
حـجـر, وكـثـير بن شهاب , ان ياتيا اليه , وقرارسالة زياد, الا ان معاوية تجاهل او جهل خطورة
الـمـوقـف , كـمـا كـان يـدركهازياد, وخطورة وجود حجر وجماعته , وان حجرا يهدد سلطان
مـعـاوية ,وربما ادى وجوده الى ظهور حركة تمرد ضد زياد, تهدد ولايته , وتهددسلطان معاوية ,
فـاسـتـشار معاوية بعض حاشيته حول الموقف الذي يلزم اتخاذه ضد حجر وجماعته , فاشار عليه
الـبعض بنفيهم الى بعض قرى الشام ,فتردد معاوية في قتلهم , وربما كان سبب التردد ما كان يخشاه
مـن التذمروالاستنكار بين المسلمين , الذي يعقب قتله لحجر وجماعته , فكتب الى زيادرسالة ذكر
فـيـهـا تـردده : (امـا بعد فقد فهمت ما اقتصصت به من امر حجرواصحابه وشهادة من قبلك عليهم
فـنـظـرت فـي ذلـك , فاحيانا ارى قتلهم افضل من تركهم واحيانا ارى العفو عنهم افضل من قتلهم .

والـسـلام ). حـيـنئذاضطر زياد ان يكشف عن وجهه الحقيقي امام معاوية , وعن السبب الحقيقي في
قتلهم , فليس السبب دافعا دينيا, كما هو مذكور في متن الشهادة , بل سببه الخوف من انهيار سلطته في
الـكـوفة , والعراق , فكتب اليه زياد مع يزيد بن حجية : (اما بعد. فقد قرات كتابك , وفهمت رايك في
حـجـر واصحابه ,فعجبت لاشتباه الامر عليك فيهم , وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هواعلم بهم ,
فان كانت بك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا واصحابه الي )((167)) .

وهـنـا انـكـشف السبب الحقيقي , وهو بقاء العراق تحت سيطرة الحكم الاموي ,او تحت ولاية زياد
فاقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء فقال : (ياهؤلاء اما واللّه ما ارى براءتكم , ولقد جئت بكتاب
فـيـه الـذبـح فـمـرونـي بـمـااجبتم مما ترون انه لكم نافع اعمل به لكم وانطق به ) فقال حجر:
((ابـلـغ مـعـاوية انا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها وانه انما شهد علينا الاعداءوالاظناء)) ولما
اخبروا معاوية بما قاله حجر, اجاب : ((زياد اصدق عندنا من حجر)).

قـال ابن الاثير: ((فوصل اليهم , وهم بمرج عذراء, الرجلان اللذان الحقهمازياد بحجر واصحابه ,
وهما عتبة بن الاخنس السعدي , وسعيد او سعد بن نمران الهمداني الناعطي , فلما وصلا سار عامر
بن الاسود العجلي من عذراءالى معاوية ليعلمه بهما. فقام اليه حجر بن عدي يرسف في القيود, فقال :
((ياعامر, اسمع مني , ابلغ معاوية ان دماءنا عليه حرام , واخبره انا قد اومناوصالحناه وصالحنا, وانا
لم نقتل احدا من اهل القبلة فتحل له دماؤنا, فليتق اللّه , ولينظر في امرنا))((168)) .

ولعله اشار بالامان الى اعطاء زياد الامان لهم , واراد من الصلح صلح الامام الحسن (ع ) وبنوده , ومنها
عدم مطاردته لشيعة الامام (ع ).

وفـي الاصابة : ((من طريق ابي اسحاق , قال : رايت حجر بن عدي وهو يقول :الا اني على بيعتي لا
اقـيـلها واستقيلها))((169)) وفي المستدرك : ((فلما قدم ـ حجرـ عليه ـ معاوية ـ قال : السلام
عليك يا امير المؤمنين . قال : وامير المؤمنين انااني لا اقيلك ولا استقيلك . فامر بقتله , فلما انطلقوا به
طـلـب مـنـهـم ان يـاذنوا له فيصلي ركعتين , فاذنوا له فصلى ركعتين ثم قال : لا تطلقو عني حديدا
ولاتغسلوا عني دما وادفنوني في ثيابي فاني مخاصم , فقتل ))((170)) .

وعدد الذين استشهدوا مع حجر ستة :
1 ـ حجر بن عدي .

2 ـ شريك بن شداد الحضرمي .

3 ـ قبيصة بن ضبيعة العبسي .

4 ـ صيفي بن فسيل الشيباني .

5 ـ محرز بن شهاب السعدي .

6 ـ كدام بن حيان العنزي .

واما عبد الرحمن بن حسان العنزي , فانه ارسل لزياد ودفنه حيا, وهو اول من دفن حيا في الاسلام .

ويـذكـر الـطـبري : انه بعد ان سير حجر الى معاوية , اجتمعت كندة وغيرهاعند مالك بن هبيرة ,
وتـشاوروا فيما بينهم , وصمموا على انقاذ حجر, ولذلك ساروا الى الشام من اجل ذلك , ولكن عندما
وصـلـوا الـى مـرج عـذراءفـاسـتـقـبلهم بعض من جاء منها فاخبروهم ان القوم قد قتلوا, وحين
اخـبـروامـعاوية بمسير مالك بن هبيرة ومن معه من الناس قال (اسكنوا فانما هي حرارة يجدها في
نـفـسـه وكـانـهـا قـد طـفـئت ). وارسـل الى مالك ان ياتي اليه ,فابى , فبعث اليه بمائة الف درهم ,
واسترضاه((171)) , وهكذا كان دهاء معاوية واساليبه , ومواقف بعض الناس .

مواقف بطولية في مرج عذراء:
لـقـد ظهرت منهم في مرج عذراء مواقف بطولية , سجلها التاريخ , وتحدث بهاالرواة والناس . وهذه الـمـواقـف تـتـلاءم وعـقـيـدتهم الثابتة وولائهم , وعدالة قضيته وما يتمتعون به من خصال الفتوة
والشجاعة .

يقول الطبري : ((حينما قدموا الى مرج عذراء, قال لهم رسول معاوية : انا قدامرنا ان نعرض عليكم
الـبـراءة مـن عـلـي واللعن له , فان فعلتم تركناكم , وان ابيتم قتلناكم , فابرؤوا من هذا الرجل نخل
سبيلكم , قالوا: اللهم انا لسنافاعلي ذلك ))((172)) .

ولـعـل مـعاوية وجلاوزته طلبوا من حجر واصحابه البراءة من اميرالمؤمنين (ع ) لا مجرد السب
واللعن , وهذا مما لا يجوز للمؤمن ارتكابه كما ذكرذلك في رواية عن حجر. حيث روى في رجال
الـكـشي باسناده عن حجر بن عدي قال : ((قال علي كيف تصنع انت اذا ضربت وامرت بلعني ؟ قال :
قـلت له : كيف اصنع ؟ قال : العني ولا تبرا مني , فاني على دين اللّه )) وبهذا المضمون روايات عديدة
سنذكرها في فصل آخر.

وفـي مروج الذهب , يذكر القصة بعبارة اخرى مشابهة لها: ((فلما وصل اليهم آرسول معاوية ـ قال
لـحـجر: ان امير المؤمنين قد امرني بقتلك يا راس الضلال , ومعدن الكفر والطغيان , والمتولي لابي
تـراب , وقـتـل اصـحـابك , الا ان ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم ,وتتبراوا منه , فقال حجر
وجـماعته ممن كان معه : ان الصبر على حد السيف لايسر علينا مما تدعونا اليه , ثم المقدم على اللّه ,
وعلى نبيه وعلى وصيه , احب الينا من دخول النار))((173)) .

والـمـلاحـظ في ذلك ان القتلة لم يشيروا الى ما ذكر في نص الشهادة من نقضه لبيعة معاوية , وانما
كـانوا يؤكدون على ولائه للامام (ع ), وكانوا يطلبون منه البراءة من امامه خليفة رسول اللّه (ص )
ولكنه ابى ذلك .

وقـام حـجر واصحابه يصلون عامة الليل , فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم ,فقال لهم حجر بن عدي :
((اتركوني اتوضا واصلي , فاني ما توضات الا صليت , فتركوه فصلى , ثم انصرف منها, وقال : واللّه
مـا صـلـيـت صـلاة قـطاخـف مـنها, ولولا ان في جزعا من الموت لاستكثرت منها, ثم قال : اللهم
انـانـستعديك على امتنا, فان اهل الكوفة شهدوا علينا, وان اهل الشام يقتلوننااما واللّه لئن قتلتموني
بـهـا, فـانـي لاول فـارس مـن الـمـسـلـمـيـن هـلـك في واديها,واول رجل من المسلمين نبحته
كـلابـها))((174)) . وقال حجر: ((لا تنزعوا عني حديدا ولاتغسلوا عني دما, فاني لاق معاوية
على الجادة )).

وقيل : ان حجرا لما قدم ليقتل , قيل له : مد عنقك , فقال : ((ما كنت لاعين الظالمين ))((175)) .

وفي الاصابة : ((وروى ابراهيم بن الجنيد في كتاب الاولياء بسند منقطع ان حجر بن عدي اصابته
جنابة , فقال للموكل به : اعطني شرابي اتطهر به , ولاتعطني غدا شيئا, فقال : اخاف ان تموت عطشا
فـيـقـتـلـنـي مـعاوية . قال : فدعااللّه فانسكبت له سحابة بالماء, فاخذ منها الذي احتاج اليه , فقال له
اصحابه :ادع اللّه ان يخلصنا, فقال : اللهم خر لنا, قال : فقتل هو وطائفته ..))((176)) .

وقـال المرزباني : ((ثم مشى اليه ـ حجر ـ هدبه الاعور بالسيف فشخص اليه حجر, فقال : الم تقل
انك لا تجزع من الموت ؟ فقال : ارى كفنا منشورا وقبرامحفورا, وسيفا منشورا, فمالي لا اجزع ؟
امـا واللّه لـئن جزعت لا اقول مايسخط الرب , فقال له : فابرا من علي , وقد اعد لك معاوية جميع ما
تريد ان فعلت , فقال : الم اقل لك : اني لا اقول ما يسخط الرب , ثم قال : ان كنت امرت بقتل ولدي فقدمه ,
فقدمه فضربت عنقه , فقيل له : تعجلت الثكل , فقال :خفت ان يرى ولدي هول السيف على عنقي فيرجع
عن ولاية امير المؤمنين علي (ع ). ولم يذكر قتل ولده غير المرزباني ))((177)) .

فقد ذكر السيد الامين انه ((لم يذكر قتل ولده معه في مرج عذراء غيرالمرزباني , ولكنه بعد ذلك
يـقـول ((وقـال الشهيد: كان اسم ابن حجر الذي قتل معه همام , وفي الدرجات الرفيعة , قال شيخنا
الـشـيخ محمد بن مكي المعروف بالشهيد الاول قدس اللّه روحه : الشهداء الذين بعذراء دمشق الذين
قـتـلـهم معاوية , بعد ان بايعوه واعطاهم العهود والمواثيق , حجر بن عدي الكندي حامل راية رسول
اللّه (ص ) وولده همام ..))((178)) .

ومن ابطال مرج عذراء, عبدالرحمن بن حسان . قالوا له : ((يا اخا ربيعة ماتقول في علي ؟ قال : دعني
ولاتـسالني , فهو خير لك , قال : واللّه لا ادعك . قال :اشهد انه كان من الذاكرين للّه تعالى كثيرا, من
الامـريـن بالحق , والقائمين بالقسط, والعافين عن الناس . قال : فما قولك في عثمان ؟ قال : هو اول من
فـتح ابواب الظلم , واغلق ابواب الحق قال : قتلت نفسك قال : بل اياك قتلت , ولاربيعة بالوادي ـ يعني
ليشفعوا فيه ـ . فرده معاوية الى زياد وامره ان يقتله شر قتلة , فدفنه حيا))((179)) .

وقد ذكر في مروج الذهب وغيره عن حجر: ((وهو اول من قتل صبرا في الاسلام ))((180)) .

((وقـال عـبـدالرحمن بن حسان العنزي : اللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وانت عني راض , فطالما
عرضت نفسي للقتل فابى اللّه الا ما اراد))((181)) .

استنكار المجزرة :
حـدثت بعد مقتل حجر وجماعته رجة بين المسلمين , حيث اثارت هذه الجريمة الوحشية , استنكارا شديدا عند الكثير من الصحابة والتابعين ,والافراد الذين يعرفون منزلة حجر واهدافه .

ومـن الذين استنكروا هذه المجزرة , معاوية نفسه , فقد ذكر الطبري : ((زعموانه ـ معاوية ـ قال
عند موته : يوم لي من ابن الادبر طويل , ثلاث مرات ,يعني حجرا))((182)) , وهناك اقوال اخرى
تـنـقـل عن معاوية , تؤكد ندمه على فعلته الشنعاء هذه((183)) , ولعله اراد ان يخفف حدة الغضب
الجماهيري , الذي التهب بعد اقترافه هذه الجريمة , باعلان توبته وندمه ظاهرا.

والـتذمر والاستنكار الذي اعلنه الكثير من الشخصيات الذائعة الصيت آنذاك , ادى بدوره الى تذمر
واسـتـنكار عامين , بين المسلمين , فينقل الطبري عن ابن ابي اسحاق انه قال : ((ادركت الناس وهم
يـقـولـون : ان اول ذل دخـل الـكـوفـة , مـوت الـحـسـن بـن علي , وقتل حجر بن عدي , ودعوة
زياد))((184)) .

ولـعـل هذا التعبير يدل على انه قد وجدت آنذاك بين المسلمين حالة من الشعور بالندم والاستنكار
لهذه المجزرة .

والملاحظ ان الرسول (ص ) كان اول من استنكر قتل حجر و اصحابه , كماسياتي في حديث عائشة
عـنـه (ص ), وهـذا الحديث النبوي , يشبه الرواية المنقولة عن الامام امير المؤمنين (ع ), في دلالة
الاخبار عن المغيبات , وان حجرا وجماعته على حق , وقتلته على باطل , واستنكار قتلهم .

كما ان استنكار الاخرين من الصحابة والتابعين وغيرهم يحمل نفس هذه الدلالات .

واسـتنكر الامام امير المؤمنين (ع ) قتل حجر واصحابه في الرواية التي نقلناهاسابقا, حينما دخل
حجر عليه بعد ضربة ابن ملجم له (ع ), وهناك رواية اخرى رواها ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد
عـن عبد اللّه بن زرير الغافقي قال : ((سمعت عليا(ع ) يقول : يا اهل العراق سيقتل سبعة نفر بعذراء
مـثـلـهم كمثل اصحاب الاخدود, منهم حجر بن الادبر واصحابه , يقتلهم معاوية بالعذراء من دمشق ,
كلهم من اهل الكوفة ))((185)) .

ويـشـيـر(ع ) في قوله : ((مثلهم كمثل اصحاب الاخدود)) للاية الشريفة (ومانقموا منهم الا ان
يؤمنوا باللّه العزيز الحميد)((186)) .

واسـتـنـكـر الامام الحسين (ع ) على معاوية قتله حجرا واصحابه , وجاء هذاالاستنكار في احدى
الرسائل التي كتبها الامام (ع ) الى معاوية , قال فيها:((الست قاتل حجر واصحابه العابدين المخبتين ,
الذين كانوا يستفظعون البدع , ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر, فقتلتهم ظلما وعدوانا, من بعد
ما اعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة , جراة على اللّه واستخفافابعهده ))((187)) , وهذه
الرسالة طويلة يذكر فيها الامام (ع ) جرائم معاوية وانحرافاته((188)) .

ويـشـيـر بالعهود والمواثيق الى البند الذي ذكر في بنود الصلح مع الامام الحسن (ع ), من ان الناس
جميعا آمنون حيث كانوا من ارض اللّه تعالى ,وكذلك يشير الى اعطاء الامان لهم حين القبض عليهم .

وفـي كـشـف الغمة : ((لما قتل معاوية حجر بن عدي رحمه اللّه واصحابه , لقي في ذلك العام الامام
الحسين (ع ) فقال : يا ابا عبداللّه هل بلغك ما صنعت بحجر واصحابه من شيعة ابيك ؟ قال : لا. قال : انا
قـتـلناهم وكفناهم وصلينا عليهم ,فتبسم الحسين (ع ) ثم قال : خصمك القوم يوم القيامة يا معاوية , اما
واللّه لوولينا مثلها من شيعتك ما كفناهم , ولا صلينا عليهم , وقد بلغني وقوعك بابي حسن وقيامك به ,
واعتراضك بني هاشم بالعيوب , وايم اللّه , لقد اوترت غير قوسك , ورميت غير غرضك , وتناولتها
بـالـعـداوة مـن مـكـان قـريب ,ولقد اطعت امراء ما قدم ايمانه , ولا حدث نفاقه وما نظر لك فانظر
لنفسك اودع (يريد عمرو بن العاص ) ))((189)) .

وكـذلـك استنكرت عائشة قتله , ففي الاستيعاب : ((وروينا عن سعيد المقبري قال : لما حج معاوية
جاء المدينة زائرا, فاستاذن على عائشة فاذنت له , فلماقعد قالت له : يا معاوية اما خشيت اللّه في قتل
حجر واصحابه ؟ قال : انماقتلهم من شهد عليهم ))((190)) .

وفـي الاصـابة : ((دخل معاوية على عائشة , فعاتبته في قتل حجر واصحابه ,وقالت : سمعت رسول
اللّه (ص ) يـقول : (يقتل بعدي اناس يغضب اللّه لهم واهل السماء) وفي بعض المصادر: ذكر (سيقتل
بعذراء ناس ..) ))((191)) , كما في تاريخ دمشق .

وفي اعلام الورى (دخل معاوية على عائشه فقالت : ما حملك على قتل اهل عذراء, حجر واصحابه ؟
فـقـال : يـا ام المؤمنين اني رايت قتلهم صلاحا للامة وبقاءهم فسادا للامة , فقالت : سمعت رسول اللّه
يقول : سيقتل بعذراء اناس يغضب اللّه لهم واهل السماء)((192)) .

وفـي اسد الغابة : ((قال نافع : كان ابن عمر في السوق , فنعي اليه حجر, فاطلق حبوته , وقام , وقد
غلبه النحيب ))((193)) .

((وسـئل مـحـمـد بـن سـيـريـن عـن الركعتين عند القتل , فقال : صلا هما خبيب وحجر, وهما
فاضلان ))((194)) .

وقـال الـحسن البصري : (اربع خصال كن في معاوية , لو لم يكن فيه منهن الا واحدة , لكانت موبقة ,
انـتـزاؤه على هذه الامة بالسفهاء, حتى ابتزها امرهابغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة , وذوو
الـفـضيلة , واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا, يلبس الحرير, ويضرب بالطنابير, وادعاؤه زيادا
وقـد قـال رسـول اللّه (ص ): ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)), وقتله حجرا, ويلا له من حجر
واصحاب حجر), مرتين ))((195)) .

وفي اسد الغابة : ((وكان الحسن البصري يعظم قتل حجر واصحابه ))((196)) .

وفـي الاسـتـيـعاب : ((قال مبارك بن فضالة , سمعت الحسن البصري يقول . وقدذكر معاوية وقتله
حجرا واصحابه : ويل لمن قتل حجرا واصحاب حجر))((197)) .

قال الاعمش : ((اول من قتل في الاسلام صبرا حجر بن عدي , واول راس اهدي من بلد الى بلد راس
عمرو بن الحمق ))((198)) .

وذكر الكامل في حوادث سنة ثلاث وخمسين : ((وفيها مات الربيع بن زيادالحارثي , عامل خراسان
من قبل زياد, وكان سبب موته انه سخط قتل حجر بن عدي , حتى انه قال : لا تزال العرب تقتل صبرا
بعده , ولو نفرت عند قتله , لم يقتل رجل منهم صبرا, ولكنها اقرت فذلت ..))((199)) .

وقيل لابي اسحاق السبيعي : ((متى ذل الناس ؟ فقال : حتى مات الحسن ,وادعي زياد, وقتل حجر بن
عدي ))((200)) .

وروى الـشـيـخ الـطـوسـي فـي اماليه باسناده عن الحسن البصري , قال : ((كنت غازيا من معاوية
بخراسان , وكان علينا رجل من التابعين , فصلى بنا يوماالظهر, ثم صعد المنبر فحمد اللّه واثنى عليه
وقال : ايها الناس قد حدث في الاسلام حدث عظيم , لم يكن منذ قبض اللّه نبيه مثله . بلغني ان معاوية
قـتل حجر بن عدي واصحابه , فان يك عند المسلمين خير قبيل , ذلك وان لم يكن عندهم خير فاسال
اللّه يقبضني اليه , وان يعجل ذلك .

قـال الحسن : ((فلا واللّه ما صلى بنا صلاة غيرها حتى سمعنا عليه الصياح ))((201)) ولعل هذا
الـرجـل الـذي مات تالما واستنكارا لمقتل حجرواصحابه هو الربيع بن زياد الحارثي لتشابه قصة
وفاته في المصادر((202)) .

وكـانـت شهادة حجر واصحابه , من الشعارات التي رفعها ابطال كربلاء, ففي الكامل انه حين خرج
زهير بن القين , خاطب اهل الكوفة , وكان مما قال : ((..انا ندعوكم الى نصره ـ الامام الحسين (ع ) ـ
وخـذلان الـطـاغـيـة ابـن الـطاغية عبيد اللّه بن زياد, فانكم لا تدركون منهما الا سوءا, يسملان
اعـيـنكم ,ويقطعان ايديكم وارجلكم , ويمثلان بكم , ويرفعانكم على جذوع النخل ,ويقتلان اماثلكم
وقراءكم , امثال حجر بن عدي واصحابه وهانى بن عروة واشباهه ))((203))
حيث استعرض الجرائم البشعة التي ارتكبها زياد وابنه عبيد اللّه , في حق القراء والاخيار.

المبررات الشرعية للصمود والتضحية :
ربـمـا يتساءل البعض ان الشيعة تجيز التقية , فلماذا لم يستخدم حجر و اصحابه التقية , حفاظا على حـيـاتهم , ولماذا صمدوا في موقفهم المعارض الى حدالتضحية بارواحهم ؟ واننا وان كنا لانجرؤ
عـلـى تـحديد رايهم وموقفهم , لانهم اعرف منا واكثر علما بالحكم الشرعي والواقع الموضوعي ,
ولكننا نطرح بعض الاراء التي ربما سلطت الضوء على شرعية الصمود والتضحية في بعض المواقف
ودوافعها وآثارها, ولعل البعض منها تجسد في موقف حجر وامثاله من الموالين والمؤمنين الحقيقيين
عبر التاريخ الطويل . وذلك خلال ذكر اربعة مبررات :
1 ـ قسمت التقية الى تقية واجبة , وتقية محرمة , وتقية جائزة . ومثل السيدالخوئي في التنقيح للتقية
الـمحرمة بموردين احدهما: كما اذا اجبره الجائر بقتل النفس المحترمة فانه لا يجوز له ان يقتلها
تـقـيـة , لـما دل على ان التقية انماشرعت لحقن الدماء فاذا بلغت التقية الدم فلا تقية , فاذا مثلها تقية
ارتكب محرما ذاتيا لا محالة .

والثاني : كما اذا كانت المفسدة على فعل التقية اشد واعظم من المفسدة المترتبة على تركها, او كانت
الـمـصـلحة في ترك التقية اعظم من المصلحة المترتبة على فعلها, كما اذا علم بانه ان عمل بالتقية
ترتب عليه اضمحلال الحق واندراس الدين الحنيف وظهور الباطل وترويج الجبت والطاغوت ,واذا
تـرك الـتقية ترتب عليه قتله فقط او قتله مع جماعة آخرين , ولا اشكال حينئذ في ان الواجب ترك
الـعمل بالتقية وتوطين النفس للقتل , لان المفسدة الناشئة عن التقية اعظم واشد من مفسدة قتله , نعم
ربـمـا تـكـون الـمـفـسـدة في قتله اعظم واكثر كما اذا كان العامل بالتقية ممن يترتب على حياته
تـرويـج الـحق بعد الاندراس , وانجاء المؤمنين من المحن بعد الابتلاء ونحو ذلك , ولكنه امر آخر
والـتـقية بما هي تقية متصفة بالحرمة في تلك الصورة كما عرفت ,ولعله من هنا اقدم الحسين سلام
اللّه وصـلـواتـه عليه واصحابه رضوان اللّه عليهم لقتال يزيد بن معاوية وعرضوا انفسهم للشهادة
وتـركـوا الـتقية عن يزيد,وكذا بعض اصحاب امير المؤمنين (ع ) بل بعض علمائنا الابرار قدس
اللّه ارواحهم وجزاهم عن الاسلام خيرا كالشهيدين وغيرهما)((204)) .

وسنذكر في المبرر الثالث للتضحية بما له علاقة بهذا القسم من التقية .

ومن موارد (جواز) التقية , ما لو فرض على المؤمن سب الامام (ع ) فهناك بعض الروايات عن ائمتنا
تـجيز التقية , والسب . ولكنها لا توجبه وتلزمه ,فيجوز للمؤمن السب تقية , كما يجوز له عدم السب
وان يـبـقى صامدا, وان تعرض للتعذيب والشهادة , وربما كان اعلى درجة ومقاما من الاول , لان خير
الامور احمزها واشقها.

ونذكر هنا بعض هذه الروايات :
(عـن عـبد اللّه بن عطا قال : قلت لابي جعفر(ع ): رجلان من اهل الكوفة اخذافقيل لهما: ابرآ من
امـيـر الـمؤمنين (ع ), فبرى واحد منهما, وابى الاخر, فخلي سبيل الذي برى وقتل الاخر, فقال :
((اما الذي برى فرجل فقيه في دينه ,واما الذي لم يبرا فرجل تعجل الى الجنة )))((205)) .

اذن , فـكـلا الـرجلين عمل عملا مشروعا يثاب عليه , والمراد من البراءة هنا,هي البراءة باللسان
فـحـسب , لا في الاعتقاد القلبي كما هو واضح , فالمراد من البراءة في هذه الرواية ان تشمل السب
باللسان ايضا دون ان تسري الى القلب , اضافة الى ان الاعتقاد القلبي لا يقبل الاكراه .

وقـال امـير المؤمنين (ع ): ((ستدعون الى سبي فسبوني , وتدعون الى البراءة مني فمدوا الرقاب ,
فاني على الفطرة ))((206)) .

ولـعـل الـمـراد مـن البراءة هنا هي البراءة في الاعتقاد القلبي , بان يتبرا الانسان اعتقادا عن الولاء
لـلامام (ع ), وهذا يعني الخروج عن الاسلام . واما السب فهو ما كان باللسان فحسب , وهذا ما اجازه
الامام (ع ), واما البراءة الاعتقادية القلبية فلم يجزها, لانها تعني الخروج عن الاسلام .

ومن هذه الروايات , ما رواه الكشي باسناده عن حجر بن عدي قال : ((قال علي (ع ): كيف تصنع انت
اذا ضـربـت وامـرت بـلـعـنـي , قـال : قلت له : كيف اصنع ؟ قال : العني ولا تبرا مني فاني على دين
اللّه )((207)) .

وقد وردت بهذا المعنى عدة روايات , تفرق بين السب واللعن فيجوز,والبراءة فلا تجوز, وقد ذكر
العلماء بعض الاراء في الفرق بين البراءة والسب واللعن , تعرض لها الشيخ المجلسي في مرآة العقول
مـنـهـا (... واقـول : الـجمع بين تلك الروايات في غاية الاشكال , ويمكن الجمع بينها بحمل البراءة
المنهي عنها على البراءة القلبية , والمجوزة على اللفظية )((208)) .

وبـهـذا الـجـمع ايضا يجمع بين الروايات التي تدل على جواز البراءة فتحمل على البراءة اللفظية ,
والـروايات التي تدل على عدم جواز البراءة حيث تحمل على البراءة القلبية , وهناك آراء اخرى في
الجمع بين هذه الروايات ذكرتها بعض الكتب ومنها مرآة العقول .

وفـي هامش البحار (ولا يخفى انه لا يستفاد من الرواية جواز التبرؤ مطلقاعند التقية , فان التبرؤ
اعـم مـن الـقـلب واللسان , والتبرؤ بالقلب لا يجوز, بل ولا يجبر الانسان بالامر القلبي اصلا, واما
التبرؤ باللسان دون القلب فعندالتقية يجوز, وبما ذكرنا يجمع بين روايات الباب الناظرة الى جواز
السب والتبرؤ وعدم جوازهما)((209)) .

وفي التنقيح , يذكر, من موارد جواز التقية , ما اذا اكره على التبرؤ من اميرالمؤمنين (ع ), فقد ورد
فـي عـدة من الاخبار من الامر بمد الاعناق والنهي عن التبرؤ منه , ثم يذكر الروايات , التي ذكرنا
بـعضها في هذا المجال , ويناقش بعض الروايات التي يستفاد منها وجوب التقية او ترجيحها في هذا
الـمـجـال ,واخـيـرا يقول (وعليه فالاخبار انما تدلنا على الجواز في كل من التقية باظهارالتبرؤ
منه (ع ) باللسان وتركها باختيار القتل ومد الاعناق )((210)) .

ويـذكـر: ان بعض الروايات يستفاد منها وجوب ترك التقية , واختيار القتل ,ولكن يناقشها ان الامر
فيها باختيار القتل , في مقام توهم الحضر, فلا تدل على الوجوب ((211)) .

ثـم يـذكر رواية ربما استفاد منها البعض وجوب التقية او ارجحيتها ولكن يناقش هذا التفسير, بما
يلقي الضوء على هذا الموضوع :
والـرواية هي (ما رواه محمد بن مروان قال : قال لي ابو عبداللّه (ع ) ما منع ميثم , من التقية , فواللّه
لقد علم ان هذه الاية نزلت في عمار واصحابه : الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ).

وذكـر فـي تفسير الرواية (لابد من قراءة كلمة منع ) مجهولة ومبنية للمفعول ,هكذا (ما منع ميثم )
اي لم تكن التقية ممنوعة وغير سائغة في حقه , بل كانت مرخصة بالنسبة اليه , وهو ايضا كان عالما
بـجـوازهـا ومـع ذلـك اخـتار القتل باختياره , اذا فلا يستفاد منها توبيخ ميثم على عمله , بل معناها
احدامرين :
احدهما: ان تكون هذه الجملة (ما منع ميثم ) دفعا للاعتراض على ميثم بانه لماذا اختار القتل ولم يتق
وهـل كـان مـمنوعا من التقية , فاجاب (ع ) عن ذلك بانه ما كان ممنوعا عن التقية , وانما اختار القتل
لتساوي التقية وتركها في الرجحان عند اللّه سبحانه , وحينئذ لا يستفاد منها مدح ميثم ولا قدحه .

وثـانـيـهـما: ان تكون الجملة دالة على مدح ميثم وانه مع علمه بالحال وان التقية جائزة في حقه قد
اخـتار القتل لعدم طيب نفسه بالتبرؤ من سيده ومولاه ولوبحسب الظاهر واللسان لقوة ايمانه وشدة
حبه وعلاقته بمولاه (ع ). اذن تكون الرواية دالة على مدحه رضوان اللّه عليه . وعلى كل لا يستفاد
منها ارجحية التقية عن القتل .

ويحتمل ان يكون الوجه في اختيار ميثم القتل على التقية هو علمه بانتفاءموضوع التقية في حقه لانه
كان يقتل على كل حال لمعروفيته بالولاءواشتهاره بالتشيع والاخلاص لامير المؤمنين صلوات اللّه
عليه .

وعـلى الجملة : فالرواية اما ان تدلنا على ارجحية القتل من التقية , واما ان تدل على تساوي التعرض
لـلـقتل والتقية , واما ان التقية بالتبري منه (ع )ارجح من التعرض للقتل فلا يكاد يستفاد من الرواية
بوجه فالحكم بارجحية التقية من القتل في نهاية الاشكال )((212)) .

/ 8