فصل :
أملى علي شيخي رحمه الله أن في الرأس و الجسد أربع فرائض و عشر سننففريضتان في الرأس و هما غسل الوجه في الوضوء و المسح بالرأس و فريضتان في الجسد وهما غسل اليدين و مسح الرجلين و أما السنن فهي سنن إبراهيم الخليل (ع) و هي الحنيفيةخمس منها في الرأس و هي فرق الشعر لمن كان على رأسه شعر و قص الشارب و السواك والمضمضة و الاستنشاق و خمس منها في الجسد و هي الختان و قص الأظافير و نتف الإبط وحلق العانة و الاستنجاء .
قضية لأمير المؤمنين (ع) :
روي أن امرأةعلقت بغلام فراودته عن نفسه فامتنع عليها فقالت و الله لئن لم تفعل لأفضحنك فلميفعل فأخذت بيضة فألقت بياضها على ثوبها و تعلقت به واستغاثت بأمير المؤمنين (ع) و قالت يا أمير المؤمنين إن هذا الغلام كابرني على نفسيو قد أصاب مني و هذا ماؤه على ثوبي فسأله أمير المؤمنين (ع) فبكى و قال و الله ياأمير المؤمنين لقد كذبت و ما فعلت شيئا مما ذكرت فوعظها أمير المؤمنين فقالت والله لقد فعل و هذا ماؤه فقال أمير المؤمنين (ع) علي بقنبر فجي ء به فقال له مر منيغلي ماء حتى تشتد حرارته و صوبه إلي فلما أتي بالماء الحار أمر أن يلقى على ثوبهافانسلق بياض البيض و ظهر أمره فأمر رجلين من المسلمين أن يطعماه و يلفظاه ليقعاليقين به ففعلا فرأيا بيضا فخلى الغلام و أمر بالمرأة فأوجعها أدبا
مسألة في المني و نجاسته و وجوب غسل الثوب منه :
إن سأل سائل فقال ما الحكم عندكم في المني فهل هو طاهر أم نجس .
قيل له المني نجس يجب غسل ما أصاب الثوب منه و إن كان قليلا و لا تجوز الصلاة في ثوب فيهشي ء منه سواء كان رطبا أو يابسا.
فإن قال ما الدليل على ذلك ?
قيل له نقل الشيعة بأسرهم على كثرتهم و استحالة التواطؤ على ذلك منهم و الخبر يتواتر بنقل بعضهم و قدروى جميعهم ما ذكرناه عن سلفهم عن أئمتهم (ع) عن رسول الله (ص) جدهم و في هذا الدليل غنى عن غيره . و بعد ذلك فقد نستدل :
بما روى عمار بنياسر رحمه الله أنه قال رآني رسول الله (ص) و أنا أغسل من ثوبي موضعا فقال ماتصنع يا عمار فقلت يا رسول الله نخمت نخامة فكرهت أن تكون في ثوبي فغسلتها فقال يا عمار و هل نخامتك و دموع عينيك و ما في أدواتكإلا سواء إنما يغسل الثوب من البول أو الغائط أو المني .
و وجوب غسل الثوب منه :
لأن رسول الله (ص) أضاف الطاهر إلى الطاهر والنجس إلى النجس فلو كان المني طاهرا لا يغسل الثوب منه لأضافه إلى ما ميزهبالطهارة و لم يخلطه بما قد علم منه النجاسة التي أوجب غسل الثوب منها في الشريعة.
فإن قال السائل خبركم هذا الذي رويتموه عن عمار غير سالم لأنه قد عارضه خبر عائشة و قولها إن رسولالله (ص) كان يصلي و أنا أفرك الجنابة من ثوبه و في صلاة النبي (ص) بها و هي في ثوبهدلالة على طهارتها قيل له هذا غير صحيح لما روي من أن رسول الله (ص) كان له بردانمعزولان للصلاة لا يلبسها إلا فيها و كان يحث أمته على النظافة و يأمرهم بها و إنمن المحفوظ عنه في ذلك قوله إن اللهيبغض الرجل القاذورة قيل و ما القاذورة يا رسول الله قال الذي يتأفف به جليسه .
و من يكون هذا قوله و أمره لا يجلس و المني في ثوبه فضلا عن أن يصلي و هو فيه. و ليس يشك العاقل في أن المني لو لم يكن من الأنجاس المفترض إماطتها لكان من الأوساخ التييجب التنزه عنها و فيما صح عندنا من اجتهاد رسول الله (ص) في النظافة و كثرةاستعماله للطيب على ما أتت به الرواية دال على بطلان خبر عائشة و شي ء آخر و هو أنعمارا رحمه الله قد اجتمعت الأمة على صحة إيمانه و اتفقت على تزكيته و عائشة قداختلف فيها و في إيمانها و لم يحصل الاتفاق على تزكيتهافالأخذ بما رواه عمار رضي الله عنه أولى.
و شي ء آخر و هو أن خبر عمار يحظر الصلاةفي ثوب فيه مني أو يغسل و خبر عائشة يبيح ذلك و المصير إلى الحاظر من الخبر أولى وأحوط في الدين .
و شي ء آخر و هو أن عمارا رضي الله عنه حفظ قولا عن رسول الله صرواه و عائشة لم تحفظ في هذا قولا و إنما أخبرت عن فعلها و قد يجوز أن يكون توهمتأن في ثوبه جنابة أو رأت شيئا شبيها بها هذا مع تسليمنا لخبرها فروت بحسب ظنها.
ثم يقال للخصم إذا كانت الجنابة عندك طاهرة يجوز الصلاة فيها فلم فركتها عائشة واجتهدت في قلعها فألا تركتها كما تركها عندكم رسول الله (ص) و صلى فيها .
فإن قالالسائل إذا كان المني نجسا فكيف خلق الله تعالى منه الطاهرين من الأنبياء المصطفينو العباد الصالحين.
قيل له هذا السؤال عائد على سائله و هو أن يقال له إذا كانالمني طاهرا فكيف خلق الله تعالى النجسين من الفراعنة و الشياطين و الكفار والمشركين.
و بعد فالمني جسم و نجاسته عرض و الأعراض تنتقل و قد رأينا نجسا صارطاهرا و طاهرا عاد نجسا و لو قال للخصم قائل إذا كان الدم نجسا فكيف جعله اللهتعالى قوام جسم المؤمن و صحة كونه حيا و إذا كانت العذرة نجسة فكيف حملها المؤمن واستقرت في جسمه و السؤال عن هذه المواضع ساقط لا معنى له .
فصل :
جاء في الحديثأن قوما أتوا إلى رسول الله (ص) فقالوا له أ لست رسولا من الله تعالى قال لهم بلىقالوا له و هذا القرآن الذي أتيت به كلام الله تعالى قال نعم قالوا فأخبرنا عنقوله إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
إذا كان معبودهم معهم في النار فقدعبدوا المسيح (ع) أ فنقول إنه في النار فقال لهم رسول الله (ص) إن الله أنزل القرآنعلي بكلام العرب و المتعارف في لغتها و عند العرب أن ما لما لا يعقل و من لمن يعقلو الذي يصلح لهما جميعا فإن كنتم من العرب فأنتم تعلمون هذا قال الله تعالى إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ
يريد الأصنام التي عبدوها و هي لا تعقل و المسيح (ع) لايدخل في جملتها لأنه يعقل و لو قال إنكم و من تعبدون لدخل المسيح (ع) في الجملة فقالالقوم صدقت يا رسول الله.
و في هذا الخبر دليل على أن رسول الله (ص) كان يحاج و يناظر و يعارض ويفصل و يوضح الجواب لسائله و يثبت الحجة على خصمه و لا يدعو إلى التقليد بل يوضحالتقليد بإقامة الدليل فإن قال قائل إذا كان الذين عبدوا الأصنام في شركهم و كفرهمفلأي وجه تكون الأصنام في النار معهم و هي لم تكفر و لا يصح أن يعذب أيضا ما ليسبحي. قلنا إن المراد بذلك أن يرى العابدون لها أنها لم تغن عنهم شيئا و أنها بحيثهم لا تدفع عن أنفسها لو كانت حية قادرة و لا عنهم و على هذا المعنى يتأول قولهسبحانه وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ
بأنها الحجارة التي عبدوها و هيالأصنام قال الله تعالى حكاية عن أهل النار
لَوْ كانَهؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ .
سؤال عن آيات :
إن سأل سائل فقال ما معنى قول الله تبارك و تعالى ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
و قولهتعالى في موضع آخر هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ و قال في موضع آخر وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
و ظاهر هذه الآيات مختلف لأن بعضها ينبئ عن أن النطق لا يقع منهم فيذلك اليوم و لا يؤذن لهم فيه و بعضها ينبئ عن خلافه. فالجواب أنه تعالى إنما أرادبما نفاه نفي النطق المسموع المقبول الذي يكون لهم فيه حجة أو عذر و لم ينف الذيليست هذه حاله و يجري هذا المجرى قولهم خرس فلان عن حجته و مرادهم بذلك أنه لم يأتبحجة ينتفع بها و إن كان قد تكلم كلاما كثيرا و قولهم حضرنا فلانا يناظر فلم يقلشيئا و المراد أنه لم يأت بكلام سديد و لا قول صحيح و إن كان قد قال قولا غزيرافأطلقوا اللفظ في الكلام و المراد ما ذكرناه و قد قال الشاعر .
أعمى إذا ما جارتي خرجت
و يصم عما كان بينهما
سمعي و ما بي غيره وقر
حتى يواري جارتي الخدر
سمعي و ما بي غيره وقر
سمعي و ما بي غيره وقر
على معنى أنه لا يسمع منهم و لا يقبل عذرهم و العلة في امتناع قبول عذرهم هي ما قد بينا منأنهم لا يعتذرون بعذر صحيح و لا يأتون بقول مصيب. سؤال آخر فإن قال فقد قال اللهتعالى في موضع من كتابه وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
فأوجب السؤال و قال فيموضع آخر فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌّ
فنفى السؤالو ظاهره متناقض و اختلاف فالجواب أن السؤال الذي أوجبه سبحانه هو سؤال المطالبة بالواجبات و تضييع المفروضات. و السؤال الذي نفاه عز و جل هو سؤال الاستعلام والمعنى في ذلك أن الله تعالى علم جميع ما فعلوه و لا يخفى عليه شي ء مما أتوه فلا حاجة إلى السؤال عن ذنبهمو لا حاجة للملائكة أيضا إلى السؤال عن المذنب منهم لأن الله تعالى يجعل لهم سيماء يعرفون به و ذلك قوله عز و جل
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُبِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ .
فصل مما ورد في ذكر النصف :
روي أن رسول الله (ص) قال التودد إلى الناس نصف العقل .
و حسن السؤال نصف العلم .
و التقدير في النفقة نصف العيش .
و جاء في خبر آخر عنه (ع) التقدير نصف المعيشة .
و روي عن أميرالمؤمنين (ع) أنه قال الهم نصف الهرم و السلامة نصف الغنيمة .
و قال بعض الحكماء الخوف نصف الموت و قال آخر المخافة شطر المنية وقيل الراحة نصف السلامة و حسن الطلب نصف العلم و التودد نصف الحزم و حسن التدبيرنصف الكسب. و قال بعض الحكماء نصف رأيك مع أخيك يريد بذلك وجوب المشاورة ليجتمعالرأي و قيل إذا بان منك أخوك بان شطرك و إذا اعتل خليلك فقد اعتل نصفك. و أنشد :
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده
فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم
فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم
فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم
و كتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف :
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم
سأصرف نفسي حيث تبقى المكارم
سأصرف نفسي حيث تبقى المكارم
سأصرف نفسي حيث تبقى المكارم
بسطت لساني ثم أوثقت نصفه
فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني
و باقي لسان الشكر باليأس موثق
فنصف لساني في امتداحك مطلق
و باقي لسان الشكر باليأس موثق
و باقي لسان الشكر باليأس موثق
يا قبر أنت سلبتني إلفا
و أخذت نصف الروح من جسدي
فقبرته و تركتني نصفا
قدمته و تركتني خلفا
فقبرته و تركتني نصفا
فقبرته و تركتني نصفا
لابن عيينة :
إن دنيا هي التي
بسحر العين سافرة سرقوها نصف اسمها هي دنيا و آخرة لابن المعتز في جارية له :
يا دهر كيف شققت نفسا
و تركت نصفا للأسى جعل
سقيا لوجه حبيبه
أودعتها كنفا و رمسا
فخلست منها النصف خلسا
البقاء عليه نحسا
أودعتها كنفا و رمسا
أودعتها كنفا و رمسا
و أنشد لذي الرمة :
و إن امرأ في بلدة نصف قلبه
و نصف بأخرى إنه لصبور
و نصف بأخرى إنه لصبور
و نصف بأخرى إنه لصبور
فصل في الأدب :
روي عن بعض الأدباء أنه قال لابنه اقتن من مكارم الأخلاق خمسا و ارفضستا و اطلب العز بسبع و احرص على ثمان فإن فزت بتسع بلغت المدى و إن أحرزت عشراأحرزت الدنيا و الآخرة فأما الخمس المقتناة فخفض الجانب و بذل المعروف و إعطاءالنصفة من نفسك و تجنب الأذى و توقي الغرم و أما الست المرفوضة فطاعة الهوى وارتكاب البغي و سلوك التطاول و قساوة القلب و فظاظة القول و كثرة التهاون. و أماالسبع التي ينال بها العز فأداء الأمانة و كتمان السر و تأليف المجانب و حفظالإخاء و إقالة العثرة و السعي في حوائج الناس و الصفح عند الاعتذار و أما الثمانالتي تحرص عليها فتعظيم أهل الفضل و سلوك طرق الكرم و المواساة في ملك اليد و حفظالنعم بالشكر و اكتساب الأجر بالصبر و الإغضاء عن زللالصديق و احتمال النوائب و ترك الامتنان بالإحسان و أما التسع التي تبلغ بها المدىفالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و حرز اللسان عن سقوط الكلام و غض الطرف و صدقالنية و الرحمة لأهل البلاء و الموالاة على الدين و المسامحة في الأمور و الرضابالمقسوم. و أما العشرة الكاملة التي تنال بها الدنيا و الآخرة فالزهد فيما يفنى والاستعداد لما يأتي و كثرة الندم على ما فات و إدمان الاستغفار و استشعار التقوى وخشوع القلب و كثرة الذكر لله تعالى و الرضا بأفعال الله سبحانه و ملازمة الصدق و العملبما ينجي .
فصل في ذكر الغنى و الفقر :
قال رسول الله (ص) : ليس الغنى في كثرة العرض و إنما الغنى غنى النفس .
و قال (ص) ثلاثخصال من صنعة أولياء الله تعالى : الثقة بالله في كل شي ء و الغنى به عن كل شي ء والافتقار إليه عن كل شي ء .
و قال (ص) أ لاأخبركم بأشقى الأشقياء قالوا بلى يا رسول الله قال من اجتمع عليه فقر الدنيا و عذاب الآخرة نعوذ بالله من ذلك .
و قال أميرالمؤمنين (ع) الفقر يخرس الفطن عن حجته و المقل غريب في بلده من فتح على نفسه بابامن المسألة فتح الله عليه بابا من الفقر .
و قال (ع) العفاف زينة الفقر و الشكر زينة الغنى.
و قال من كساه الغنى ثوبه خفي عن العيون عيبه .
و قال من أبدى إلى الناس ضره فقد فضح نفسه و خير الغنى ترك السؤال و شر الفقر لزوم الخضوع .
و قال استغنبالله عمن شئت تكن نظيره و احتج إلى من شئت تكن أسيره و أفضل على من شئت تكن أميره .
و قال لا ملكأذهب للفاقة من الرضا بالقنوع .
و روي أن الماءصب على صخرة فوجد عليها مكتوبا إنما يتبين الفقر و الغنى بعد العرض على الله عز و جل .
و قال رجلللصادق (ع) عظني فقال لا تحدث نفسك بفقر و لا بطول عمر .
و قيل ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه و قيل الفقير من طمع و الغني من قنع و أنشد لأمير المؤمنين (ع) :
ادفع الدنيا بما اندفعت
يطلب المرء الغنى عبثا
و الغنى في النفس لو قنعت
و اقطع الدنيا بما انقطعت
و الغنى في النفس لو قنعت
و الغنى في النفس لو قنعت
و النفس راغبة إذا رغبتها
و إذا ترد إلى قليل تقنع لمحمود الوراق :
أراك يزيدك الإثراء حرصا
فهل لك غاية إن صرت يوما
تظل على الغنى أبدا فقيرا
و أغنى منك ذو طمرين راض
و له أيضا يا عائب الفقر أ لا تزدجر
من شرف الفقر و من فضله
أنك تعصي لتنال الغنى
و لست تعصي الله إن تفتقر
على الدنيا كأنك لا تموت
إليها قلت حسبي قد غنيت
تخاف فوات شي ء لا يفوت
من الدنيا ببلغة ما يفوت
عيب الغنى أكبر لو تعتبر
على الغنى إن صح منك النظر
و لست تعصي الله إن تفتقر
و لست تعصي الله إن تفتقر
لغيره :
أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
و لا أراهم رضوا في العيشبالدون
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
فصل في الكلام في الأرزاق :
اعلم أن الرزق في الحقيقة هو التمليك و أصل التمليك من الله تعالى وهو الرازق للعباد و قد جعل بحكمته و علمه من مصالح بريته أرزاقهم على قسمين أحدهماما يوصله إليهم من غير سعي يكون منهم و لا اكتساب و لا تحمل شي ء من المشاقكالمواريث و نحوها من الأمور المتيسرات. و الآخر مشترط بحركة العبد و سعيه واجتهاده و حرصه فمن سعى ناله و من قعد فاته و قد أمر الله تعالى بالاكتساب والطلبة قال تعالى فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ و قال إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ
فلا يجوز مخالفة أمر الله تعالى و ترك التكسب و الطلب و ليس ذلك بمضادللتوكل على الله تعالى لأن له التعرض و منه الطلب. و قد أجرى العادة بأن لا يؤتىهذا القسم من الرزق إلا بعد الحركة و الطلب و مثل ذلك كثير في أفعاله تعالى التيقد أجرى العادة بأن لا يفعلها إلا بعد فعل يقع من العبادقبلها كالولد بعد الوطء و النبات بعد الزرع و السقي و ليس المجتهد في كل وقتمرزوقا و ذلك لأن العطاء و المنع و الزيادة في الرزق و النقص منوط كله بالمصالحالمعلومة عند الله تعالى و إنما يحسن من العاقل أن يسأل الله تعالى في الرزق بشرطأن لا يكون له مفسدا قال الله تعالى
وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْفِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ.
و كل شي ء رزقه الله تعالى للعبد فقدأباحه التصرف فيه قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ و قال كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ و قال
قُلْ لِعِبادِيَالَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ
و ما رزقه الله و أباح التصرف فيه فإنه لا يعاتب عليه. فأما المغتصبات فليست بأرزاقلغاصبيها و لا ملكهم الله تعالى إياها و إنما تسمى أرزاقا على المجاز من حيث إنها من الأشياء التي خلقها الله تعالى ليغتذى بها و الدليل على أن الله تعالى لميرزقهم ما اغتصبوه إخباره بأنهم ظالمون فيه و أنه يعاقبهم عليه قال الله تعالى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً.
و أمره سبحانه بقطع يد السارق فيقوله تعالى
وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِماكَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ
و لو كان الغاصب قد أخذ ما رزقه الله تعالى على الحقيقة لكان المطالب له برد ما أخذه ظالما له و لم يجزفي العدل أن يعاقب عليه في الدنيا و الآخرة بل أن يكون ممدوحا على تصرفه فيه وإنفاقه له كما مدح الله تعالى من أنفقه من حله فقال
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْآياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُالْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌكَرِيمٌ.
فجعل إنفاق الرزق من صفات المؤمنين فلما لم يكن للغاصبين إنفاق مااغتصبوه و كانوا مذمومين عليه معاقبين على تصرفهم فيه دل ذلك على أن الله تعالى لميرزقهم إياه في الحقيقة و إذا لم يكن رزقا للغاصب فهو رزق للمغصوب منه و إن حيلبينه و بينه .
فصل مما روي في الأرزاق :
روي عن سيدنارسول الله (ص) أنه قال أكثروا الاستغفار فإنه يجلب الرزق .
و قال (ع) من رضيباليسير من الرزق رضي الله عنه باليسير من العمل .
و روي أن اللهتعالى أوحى إلى عيسى (ع) ليحذر الذي يستبطئني في الرزق أن أغضب فافتح عليه بابا من الدنيا .
و قال أمير المؤمنين (ع) الرزق رزقان رزق تطلبه و رزق يطلبك فإن لم تأته أتاك .
و روي عن أحدالأئمة (ع) أنه قال في الرزق المقسوم بالحركة إن من طلبه من غير حله فوصل إليه حوسب من حله و بقي عليه وزره .
فالواجب أن لا يطلب إلا من الوجه المباح دون المحظور .
و روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال من حسن نيته زيد في رزقه .
و اعلم أن الدليل على جواز الزيادة في الأرزاق هو الدليل على جوازالزيادة في الأعمار لأن الله تعالى إذا زاد في عمر عبده وجب أن يرزقه ما يتغذى بهذكروا أن إبراهيم بن هرمة انقطع إلى جعفر بن سليمان الهاشمي فكان يجري له رزقا فقطعه فكتب إليه ابن هرمة :
إن الذي شق فمي ضامن
حرمتني خيرا قليلا فما
إن زادني مالك حرماني
للرزق حتى يتوفاني
إن زادني مالك حرماني
إن زادني مالك حرماني
و أنشد لبعضهم :
التمس الأرزاق عند الذي
من يبغض التارك تسئاله
و من إذا قال جرى قوله
بغير توقيع إلى كاتب
ما دونه إن سيل من حاجب
جوداو من يرضى عن الطالب
بغير توقيع إلى كاتب
بغير توقيع إلى كاتب
لابن وكيع التنيسي :
لا تحيلن على سعدك
و إذا أغفلك الدهر
لا تعجل بلزوم بيتك
يحمد حسن الرزق
من جدة حسك
في الرزق و نحسك
فذكره بنفسك
ما قبل رمسك إنما
من جدة حسك
من جدة حسك
و قيل لبعض لو تعرضت لفلان لوصلك فقال ما تلهفت لشي ء من أمر الدنيا منذ حفظت هذه الأربع آيات من كتابالله تعالى قوله ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
و قوله تعالى وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ و قوله سبحانه وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها و قوله جل اسمه وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ
فروي أن صلة الرجل الذي قيل له لوتعرضت له أتت إلى منزله من غير طلب و أنشد لابن الأصبغ .
لو كان في صخرة في الأرض راسبة صماء ملمومة ملسا نواحيهارزق لنفسبراها الله لانغلقت عنه فأدت إليه كل ما فيهاأو كان بين طباق السبع مطلبها لسهلالله في المرقى مراقيهاحتى يلاقي الذي في اللوح خط له إن هي أتته و إلا سوف يأتيها .
و روي عن رسول الله (ص) أنه قال ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله و باب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه و ذلك قوله تعالى فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ .