و كذلك قد يقع الإبهام في الحروف مثل قولهعز و جل: (فَأَثَرْنَ به نَقْعاًفَوَسَطْنَ به جَمْعاً) فالهاء الأولىكناية عن الحوافر و هي الموريات، أي أثرنبالحوافر نقعا. و الثانية كناية عنالاغارة، و هي المغيرات صبحا فوسطن بهجمعا، جمع المشركين فأغاروا بجمعهم. وقوله تعالى (فَأَنْزَلْنا به الْماءَ)يعنى السحاب (فَأَخْرَجْنا به من كُلِّالثَّمَراتِ) يعنى الماء و أمثال هذا فيالقرءان لا ينحصر
و منها التدريج في البيان.
كقوله عز و جل: (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِيأُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) إذ لم يظهر بهانه ليل أو نهار. و بان بقوله عز و جل:(إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍمُبارَكَةٍ) و لم يظهر به أي ليلة فظهربقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فيلَيْلَةِ الْقَدْرِ) و ربما يظن في الظاهرالاختلاف بين هذه الآيات، فهذا و أمثالهمما لا يغنى فيه إلا النقل و السماع،فالقرآن من أوله إلى آخره غير خال عن هذاالجنس، لأنه أنزل بلغة العرب، فكان مشتملاعلى أصناف كلامهم من إيجاز و تطويل و إضمارو حذف و إبدال و تقديم و تأخير ليكون ذلكمفحما لهم و معجزا في حقهم، فكل من اكتفىبفهم ظاهر العربية، و بادر إلى تفسيرالقرءان و لم يستظهر بالسماع و النقل فيهذه الأمور، فهو داخل فيمن فسر القرءانبرأيه، مثل أن يفهم من الأمة المعنىالأشهر منه، فيميل طبعه و رأيه إليه، فإذاسمعه في موضع آخر مال برأيه إلى ما سمعه منمشهور معناه و ترك تتبع النقل في كثيرمعانيه، فهذا ما يمكن أن يكون منهيّا عنهدون التفهم لأسرار المعاني كما سبق، فإذاحصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهرالتفسير و هو ترجمة الألفاظ، و لا يكفي ذلكفي فهم حقائق المعاني، و يدرك الفرق بينحقائق المعاني و ظاهر التفسير بمثال، و هوأن الله عز و جل: قال (وَ ما رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى) فظاهرتفسيره واضح، و حقيقة معناه غامض، فإنهإثبات للرمي، و نفى له، و هما متضادان فيالظاهر، ما لم يفهم انه رمى من وجه و لم يرممن وجه و من الوجه الذي لم يرم رماه الله عزو جل، و كذلك قال تعالى: (قاتِلُوهُمْيُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ) فإذاكانوا هم المقاتلين كيف يكون الله سبحانههو المعذب، و ان كان الله تعالى هو المعذببتحريك أيديهم، فما معنى أمرهم بالقتال؟فحقيقة هذا يستمد من بحر عظيم من علومالمكاشفات