فقه الثقلین فی شرح تحریر الوسیلة

یوسف صانعی؛ شارح: روح الله خمینی(ره)

نسخه متنی -صفحه : 118/ 56
نمايش فراداده

القول فيما يثبت به القود

وهو اُمور (1) :

الأوّل : الإقرار بالقتل

ويكفي فيه مرّة واحدة ، ومنهم من يشترط مرّتين (2) ، وهو غير وجيه .

(1) ثلاثة : الإقرار ، والبيّنة ، والقسامة .

الإقرار بالقتل

(2) ففيه خلاف ، وفي «المسالك» : «القول بثبوته بالإقرار مرّة مذهب أكثر الأصحاب» إلى أن قال : «وذهب الشيخ في «النهاية»[836] والقاضي[837] وابن إدريس[838] وجماعة إلى اعتبار المرّتين»[839] .

واستُدِلّ للأوّل بعموم أدلّة الإقرار مثل : «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»[840] ، وغيره ممّا هو مذكور في كتاب الإقرار ، وبخصوص الروايات الدالّة على أخذ المقرّ والحكم عليه بمجرّد المرّة ، مثل ما في حكاية قضاء الحسن(عليه السلام) : «فلما أقرّ الرجل الخارج من الخربة وبيده سكّين متلطّخة بالدم ، وفيها رجل مذبوح وقضى أمير المؤمنين(عليه السلام) بالقود ، فأقرّ آخر بأ نّه القاتل ، قبل منه وأسقط القود»[841] .

وما يدلّ على كون دية الخطأ على المقرّ[842] ، فإنّ المذكور فيها الإقرار مرّة لا أزيد . وما يدلّ على حكم لو أقرّ واحد بالعمد والآخر بالخطأ[843] .

وما في صحيحة زرارة[844] عن أبي جعفر(عليه السلام) من أنّ شخصاً أقرّ بأ نّه القاتل بعد أن شهد جماعة على غيره أ نّه القاتل ، وغير ذلك .

والعمدة من هذه الوجوه هو عموم أدلّة الإقرار ; لما في الأخبار الخاصّة من المناقشة بكونها واردة مورد تعارض الإقرار مع إقرار آخر أو مع الشهود ، وفي مورد التعارض خصوصيّة الإتّهام بتبرئة القاتل موجودة ، فلعلّ كفاية المرّة كانت دفعاً للتآمر والتوطئة ، وتلك الخصوصيّة منتفية في غير مورد التعارض ، فالاستدلال بتلك الأخبار غير تامّ .

وأ مّا ما يدلّ من الأخبار على كون دية الخطأ . . . إلى آخره ، فما وجدناه في مثل «الوسائل» وغيره من كتب الأخبار ، ولم يبيّنه المستدلّ «مجمع الفائدة والبرهان» . ولعلّ نظره إلى ما دلّ من الأخبار[845] على أ نّه لاتضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً ، ومن المعلوم أ نّه ليس من ذكر الإقرار مرّة فيه أثر أصلاً ، بل ولا يدلّ على كفاية المرّة من جهة الإطلاق أيضاً ; لأ نّه في مقام بيان موارد عدم ضمان العاقلة بعد ثبوت أصل القتل والضمان لا في مقام بيان كفاية الإقرار وعدمها كما لايخفى .

وللثاني وهو الأحوط بل الأقرب ; بالاحتياط في الدماء ، وبالأولويّة عن السرقة ، فلا تقلّ عن الإقرار بالسرقة التي يشترط فيها التعدد ، فهي أولى .

وما في «الجواهر»[846] وغيره من الإيراد على الوجهين وردّهما بأنّ الاحتياط في الدماء غير قابل للمعارضة مع الأدلّة مع أ نّه معارضٌ بمثله ، وعدم بطلان دم المسلم ، ولذا قبلت فيه في الجملة شهادة النساء والصبيان وقسامة المدّعي ; تحقيقاً لقوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيـوةٌ)[847] وأنّ القياس على السرقة ممنوع عندنا ، على أ نّه مع الفارق ، ضرورة كونها من الحقوق الإلهيّة المبنيّة على التخفيف والمسامحة ، ولذا يسقط بالتوبة بخلاف حقوق الآدميّين .

ففيه : أنّ الدليل ليس بأزيد من عموم مثل : «إقرار العقلاء على أنفسهم

جائز»[848] ، وشموله لمثل باب الدم والقصاص الذي ليس بقابل للاستيفاء على فرض وقوع خطأ وسهو في الإثبات محلّ تأ مّل بل منع ، فإنّ انصرافه إلى الأموال والاُمور القابلة للتدارك أو الجزئيّة وإن لم تكن قابلةً له ، غير بعيد بل قريب ، فالاحتياط منشأ للانصراف ، لا أ نّه معارض له حتّى يُقال بعدم قابليّة معارضة الأصل والاحتياط مع الدليل .

وأ مّا معارضته بمثله ، فمذبوبة باختلافهما في المحلّ ، فلا معارضة من رأس ; وذلك لأنّ مورد عدم البطلان بعد ثبوت القتل ، فإنّه «لايبطل دم امرء مسلم»[849] ، ولذا تكون ديته في بعض الموارد على بيت المال أو الإمام ، ومورد الاحتياط في الدماء قبل الثبوت ، وفي مقام الإثبات المبحوث عنه في المقام ، وقبول شهادة النساء وما بعدها ليس تحقيقاً لقوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيـوةٌ)[850] ، كيف والعفو خير منه ؟ ! بل يكون تخفيفاً لحصول الاطمئنان وتماميّة الحجّة ، فإن الباب باب حقوق الناس ، فلابدّ من رعاية حقّ المقتول والقاتل بجعل الشارع شهادة النساء وغيرها ، ممّا يوجب الاطمئنان حجةً في الإثبات ، ففي الحقيقة حجيّة تلك الاُمور راجعة إلى كون القصاص من حقوق الناس لا إلى تحقيق القصاص والحياة ، كما لايخفى ، فتأ مّل .

نعم ، الإيراد على الأولويّة باحتمال الخصوصيّة في السرقة ، فليست الأولويّة قطعيّة ، بأنّ القطع من حقوق الله المبنيّة على التخفيف والمسامحة ، تامّ .

وبذلك يظهر أنّ الاستدلال كان بالأولويّة لا القياس كما هو الظاهر والواضح .

(مسألة 1) : يعتبر في المقرّ : البلوغ والعقل والاختيار والقصد والحرّيّة ، فلا عبرة بإقرار الصبي وإن كان مراهقاً ، ولا المجنون ، ولا المكره ، ولا الساهي والنائم والغافل والسكران الذي ذهب عقله واختياره (3) .

(مسألة 2) : يقبل إقرار المحجور عليه لسفه أو فلس بالقتل العمدي ، فيؤخذ بإقراره ، ويقتصّ منه في الحال من غير انتظار لفكّ حجره (4) .

(مسألة 3) : لو أقرّ شخص بقتله عمداً وآخر بقتله خطأً ، كان للوليّ الأخذ بقول صاحب العمد ، فيقتصّ منه ، والأخذ بقول صاحب الخطأ (5) ، فيلزمه بالدية ، وليس له الأخذ بقولهما .

فالإيراد عليها بالقياس ، وأ نّه ممنوع عندنا فكما ترى ، حيث إنّ المستدلّ من الإماميّة لايستدلّ به في شيء من الفقه فضلاً عمّا في المقام من الاستدلال بالأولويّة . فما في «الجواهر» من الإشكال بممنوعيّة القياس ممّا لاينبغي صدوره من مثله(قدس سره) على مثل المستدلّ (رحمه الله) ، كما لايخفى .

وكيف كان ، فالعمدة في أقربيّة الثاني انصراف العمومات ، فلابدّ من الاحتياط في الدماء والعمل بأصالة عدم جواز قتل المقرّ إلاّ في المتيقّن من حجيّة الإقرار المتحقّق بالإقرار مرّتين .

(3) الوجه الإجمالي في اعتبار تلك الشرائط ، اعتبارها في المقرّ ، وتفصيلها في كتاب الإقرار .

(4) لعدم الحجر عليه ، فتشمله العمومات .

(5) كما صرّح بـه غير واحد ، بل عـن «الانتصار»[851] : الإجماع عليه ; وذلك لأنّ إقـرار كـلٍّ منهما حجّـة وسبب مستقلّ فـي إيجاب مقتضاه علـى المقـرّ به ، ولا يمكن الجمع بين الأمرين ، فيتخيّر الوليّ في العمل بأ يّهما شاء وإن جهل الحال .

هذا مضافاً إلى خبر الحسن بن صالح ، قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل وجد مقتولاً فجاء رجلان إلى وليه ، فقال أحدهما : أنا قتلته عمداً ، وقال الآخر : أنا قتلته خطأ ، فقال : «إن هو أخذ ]بقول[ صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل ، وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل»[852] .

ولايخفى عليك أ نّه ليس في الحديث أمر أزيد ممّا قبله من قاعدة الإقرار ، وتخيير الوليّ لعدم إمكان الجمع بين الأمرين المدلول عليه بنفيه السبيل على الآخر بعد أخذ أحدهما بإقراره ، فلا يكون دليلاً مستقـلاًّ زائداً عليه ، بل يكون شاهداً عليه ، معتضداً له .

وعـن بعض العامّـة من قتلهما أو أخـذ الديـة منهما واضح الفساد ، لما فيه مـن المخالفة لأحد الإقرارين ، بل وكذا ما عن «الغنية»[853] و «الإصباح»[854] من تخيّر الوليّ بين قتل المقرّ بالعمد وأخـذ الدية منهما نصفين ، لما فيه من ترجيح الإقرار بالعمد بما لادليل عليه ، بل عموم أدلّة الإقرار وشمولها للإقرارين دليل وحجّة على خلافـه ، كما أنّ أخـذ الديـة منهما نصفين طرح لكلا الإقرارين ، وهـو كما ترى .

(مسألة 4) : لو اتّهم رجل بقتل وأقرّ المتّهم بقتله عمداً ، فجاء آخر وأقرّ أ نّـه هـو الـذي قتله ، ورجـع المُقرّ الأوّل عن إقـراره ، درئ عنهما القصاص والدية ، ويؤدّى دية المقتول من بيت المال على رواية عمل بها الأصحاب ، و لابأس به ، لكن يقتصر على موردها والمتيقّن من مورد فتوى الأصحاب ، فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد ، ولو لم يكن بيت مال للمسلمين فلايبعد إلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية ، ولو لم يكن لهما مال ففي القود إشكال (6) .

(6) البحث في المسألة وفي الاقتصار على مورد الرواية ، وفي فرع عدم بيت المال يتمّ في مقامات ثلاثة :

المقام الأوّل : ما في المتن من حكم المسألة ، وهو المشهور بين الأصحاب ، بل في «كشف الرموز» : «والأصحاب ذاهبون إليها ، وما أعرف لها مخالفاً»[855] . بل ظاهر «الانتصار» : الإجماع عليه ، وفيه مضافاً إلى ذلك جعل النصّ هو المستند للأصحاب حيث قال في المسألة : «ولأننّا نسند ما نذهب إليه في هذه المسألة إلى نصٍّ ، وتوقيف ، ويرجع المخالف لنا إلى الظنّ والحسبان»[856] .

والمخالف للمشهور الشهيد الثاني في «المسالك» و «الروضة» وأبو العباس في «المهذّب»[857] .

ففي «المسالك» بعد الإشكال على مستندهم بكونه مرسلاً مخالفاً للأصل : «والأقوى تخيير الوليّ في تصديق أ يّهما شاء ، والاستيفاء منه»[858] ومثله «الروضـة»[859] ، ويظهر مـن «اللثام» التردّد حيث قال : «الخبر مرسل مرفوع مخالف للاُصول»[860] .

والظاهر انحصار المخالف فيهم ; لعدم نقل الخلاف ممّن سواهم ، بل في تعليقات صاحب «مفتاح الكرامة» على قصاص «اللثام» بعد نقل الخلاف والتردّد منهم قال : «ولم نجد الخلاف إلاّ ممّن عرفت ، وقد سبقهم الإجماع»[861] .

وكيف كان ، فدليل المشهور ومستندهم خبر علي بن إبراهيم ، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «اُتي أمير المؤمنين(عليه السلام) برجل وجد في خربة وبيده سكّين ملطّخ بالدم ، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه ، فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام) : ما تقول ؟ قال : أنا قتلته ، قال : اذهبوا به فأقيدوه به ، فلمّا ذهبوا به أقبل رجل مسرع» إلى أن قال : «فقال : أنا قتلته ، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) للأوّل : ما حملك على إقرارك على نفسك ؟ فقال : وما كنت أستطيع أن أقول ، وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني وبيدي سكّين ملطّخ بالدم ، والرجل يتشحّط في دمه ، وأنا قائم عليه ، خفت الضرب فأقررت ، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة ، وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحّطاً في دمه ، فقمت متعجّباً ، فدخل عليّ هؤلاء ، فأخذوني ، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن(عليه السلام) ، وقولوا له : ما الحكم فيهما ؟

قال : «فذهبوا إلى الحسن(عليه السلام) وقصّوا عليه قصّتهما ، فقال الحسن(عليه السلام) : قولوا لأمير المؤمنين(عليه السلام) : إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا ، وقد قال الله عزّ وجلّ : (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)[862] يخلّى عنهما ، وتخرج دية المذبوح من بيت المال»[863] .

وفي فتوى المشهور واستنادهم إلى الخبر محاذير ، ومخالفة للقواعد :

منها : عدم اختصاص الحكم بالإقرارين ، بل يكون للأعمّ منهما ومن ثبوت الأوّل بالبيّنة أو القسامة ، مع أنّ المشهور الاختصاص لما في الخبر من عموميّة الكبرى ، فإنّها هي قول الحسن(عليه السلام) : «إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا ، وقد قال الله تعالى : (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)» .

وعليه ، إن ثَبت كون المتّهم قاتلاً بالبيّنة أو القسامة ، ثمّ جاء آخر وأقرّ بأ نّه القاتل والمتّهم بريء من القتل ، وأنكر المتّهم القتل وأ نّه بريء ، كما يقول المقرّ ، فالحكم فيه أيضاً درئ القصاص والدية عنهما ، وتأدية الدية من بيت المال ، فتخصيصهم الحكم بالإقرارين مع عموميّة الدليل ، كما ترى .

ومنها : أنّ جواز أداء الدية من بيت المال فضلاً عن لزومه المفتى به مشكل بل ممنوع ; لأنّ المقرّ الثاني إن كان بإحياء النفس مستحقّاً للجزاء بالمثوبة فعلى الأوّل جزاؤه بأداء الدية ، لأ نّه المنتفع من إقرار الثاني ، فمن له الغنم فعليه الغرم ، وبيت المال وإن كان معدّاً للصرف في مصالح المسلمين لكنّه مشروط قطعاً بعدم المكلّف والملزَم (بالفتح) بالصرف ، وإلاّ فإن لم يكن مشروطاً بذلك لكان صرفه في دية المقتول في شبه العمد مثلاً مع وجود القاتل الملزم ، المتمكن للأداء والمريد لها جائز وهو كما ترى .

فمقتضى القاعدة في المسألة كون الدية على المقرّ الأوّل دون بيت المال المخالف للقواعد .

ومنها : أنّ اللازم من ذلك الحكم سقوط حقّ القصاص الموجب للحياة : (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيـوةٌ يااُوْلِي الأَلْبَابِ)[864] ، وتضييع حقوق أولياء الدم ، بل ولك أن تقول : إنّ الحكم كذلك مخالف للكتاب والسنّة القطعيّة ; وذلك لكونه موجباً لجواز التواطؤ من المقرّين على قتله بالإقرارين كذلك من القاتل وغيره لإسقاط القود والدية ، ولا لوم و لاذنب على ذلك التواطؤ ; لكونه مسبّباً ومستنداً إلى الشرع وقانونه ، كما لايخفى .

وإلى ذلك يشير ما عن «المهذّب البارع» في «مفتاح الكرامة» من قوله :«إنّه لا يجوز للفقيه أن يحكم بمثل هذا الحكم بجواز التواطؤ من المقرّين على قتل المسلم وإسقاط القصاص والدية»[865] .

وفي «الجواهر» الإشكال عليه بقوله : «وهو كما ترى مجرّد اعتبار لا يعارض ما سمعت من النصّ والفتوى المشتمل على الكرامة للحسن(عليه السلام) ، باعتبار أ نّه لو كان غيره لأخذ بقاعدة الإقرار ، إلاّ أ نّه لما كان مؤ يّداً بروح القدس ومسدّداً بتسديداته ، والفرض أنّ الحكم عند الله تعالى شأنه على خلاف قاعدة الإقرار ، للحكمة التي ذكرها أبو محمّد(عليه السلام) قضى فيها بما سمعت ، وأراد أمير المؤمنين(عليه السلام)إظهار أمر الحسن(عليه السلام) وأ نّه من معادن أسرار الله تعالى»[866] .

وفيه ما لايخفى ، حيث إنّ تضييع حقوق الناس وتجويز التوطئة لدفع القصاص الذي فيه الحياة كيف يكون كرامة ؟ ! وكيف يكون ذلك الحكم المخالف للعقل والكتاب والسنّة مؤ يّداً بروح القدس ومسدّداً بتسديداته ؟ ! وكيف يصحّ القول بحجيّة ما يدلّ على الحكم المخالف لتلك الحجج الباهرة والأنوار الساطعة ؟ !

هذا ، مع أ نّه على ما ذكره (رحمه الله) لايوجد خبر مخالف للكتاب أصلاً ، حيث إنّ الخبر إن كان مخالفاً على نحو التباين يكون حجّة وقابلاً للعمل وواصلاً من المؤ يّدين بروح القدس ، فإنّ المخالفة تكون بما عندنا من الفهم والظواهر ، وإلاّ فالحكم عند الله على خلاف القرآن بما يفهمه المعصومين صلوات عليهم أجمعين ، وهو كما ترى ، فإنّه خلاف التحقيق ، وخلاف مذهب «الجواهر» وغيره ، بل خلاف سيرة الفقهاء ، كما هو الظاهر الواضح . نعم إنّما يكون حكمه(عليه السلام) بذلك النحو من الحكم كرامة على ما نبيّنه ونوضحه من مورد الحديث من دون مخالفة فيه للكتاب والسنّة ، فانتظر .

ومنها : ما في استنادهم إلى الخبر ، وأنّ إرساله ورفعه منجبر بعمل الأصحاب مالا يخفى ; لما بين الخبر والفتوى من التغاير والتفاوت موضوعاً ، فكيف يحرز الاستناد ؟ فإنّ مورد الخبر ـ كما سنبيّنه ـ ما كان الإقراران بضميمة القرائن والشواهد موجباً للاطمئنان بصحّتهما ، وذلك بخلاف مورد الفتوى من الإقرارين مطلقاً .

اللهمّ إلاّ أن يُقال بأنّ مقتضى الجمع بين استنادهم المعلوم إلى الحديث وبين عدم كونه قائلاً لاستنادهم إليه ; لما عرفت من التفاوت بين الحديث وفتواهم ، كون الخطأمنهم في فقه الحديث ، وما يكون جابراً نفس الاستناد والفتوى بالرواية ، الذي يكون معلوماً ولا شكّ فيه ، فإنّها كاف في اعتبار سند الرواية لامطابقة فتوى المستند مع الرواية زائداً على الاستناد ، فتأ مّل .

هذا تمام الكلام في محاذير فتوى المشهور ، ومنه يعلم أنّ الأقوى ـ وفاقاً «للمسالك»[867] ـ تخيير الوليّ في الإقرارين ـ أي في مورد فتوى المشهور ـ في تصديق أ يّهما شاء والاستيفاء منه ، كما سبق لما سبق .

المقام الثاني : كون مقتضى عموم العلّة في الرواية عدم اختصاص الحكم بموردها ، وأ نّه ثابت في أمثال المورد من مصاديق العلّة ، وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال والبحث فيه ، وإنّما الشأن في فقه الرواية ، والظاهر بل المقطوع أنّ موردها الإقراران الموجبان للاطمئنان بصحّتهما من جهة الشواهد والقرائن ، وذلك في الأوّل واضح ; لما فيه من الشواهد والقرائن التي بيّنها في جواب السؤال عنه بالإقرار بعد التبرئة ، وكذا الثاني ; لأنّ من يرى المتّهم بالقتل المحكوم بالقصاص ومع ذلك يقرّ بتبرئته ، وأنّ القاتل نفسه لا داعي له قطعاً إلاّ بيان الحقيقة والواقع ، وهذا بخلاف ما يكون مورداً لفتوى الأصحاب من كفاية الإقرار بما هو هو في الحكم . وقد عرفت عدم تماميته بما ذكرناه في فقه الرواية .

والظاهر أنّ عدم التخيير في الرواية مطابق للقواعد ، فالمعتمد هو الرواية المعتضدة بالقواعد ، ويُقال في إرسالها ورفعها : إنّه منجبر بعمل الأصحاب ، بل في «الجواهر» : «ظهور الاتّفاق على النصّ المزبور ، المشتمل على كرامة الحسن(عليه السلام)»[868] .

وفيه أيضاً : أ نّه لولاه أمكن حمل ما وقع من الحسن(عليه السلام) على أ نّه قضية في واقعة أو غير ذلك ، ولا يخفى عدم تماميّة الحمل كذلك مع ما فيها من الكبرى الكلّية والتعليل بها .

ثمّ إنّ التعدّي عن مورد الرواية إنّما يكون فيما كان إقرار الأوّل من باب اللابدّية ، وأ نّه لا طريق لإنكاره من جهة الشواهد ، بحيث كان في طريقه نحو القصاص ، وكان إقرار الثاني لتبرئته وبداعي إجراء القصاص في حقّه ; لأ نّه القاتل ، ومن المعلوم أنّ ذلك غير متحقّق إلاّ مع الجهل بحكم المسألة ، من عدم القصاص ، ومن أداء الدية من بيت المال ، وإلاّ فمع علمه بالحكم بل واحتمال كون الحكم كذلك لا يحصل القطع بانحصار داعي المقرّ الثاني في القصاص ، فلعلّه يكون توطئة في براءتهما عن القصاص ، وذهاب حقّ أولياء الدم فيه ، وذلك غير مماثل لمورد الرواية ، ولا ممّا ينطبق عليه التعليل والكبرى الكلّية ، كما لايخفى .

وما في المتن ، تفريعاً على لزوم الاقتصار على مورد الرواية ، وعلى المتيقّن من فتوى الأصحاب من قوله : «فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد» موافق مع قاعدة الاقتصار في ما خالف الاُصول على المتيقّن ، لكنّه مخالف لعموم التعليل ، كما لايخفى . ومع العموم فيه ، الاقتصار على المتيقّن مخالف لظهور التعليل في العموم ، والظهور حجّة بالنسبة إلى تمام أفراده الشامل لها على السويّة ، فالأقوى عدم القصاص في مثل مورد الرواية ، ولو مع عدم رجوع الأوّل ، ولا فرق في ذلك بين جعل المورد على المشهور الإقرارين بما هما هما ، أو الإقرارين على نحو ما بيّنّاه حيث إنّ المناط عموم التعليل .

المقام الثالث : ظاهر التعليل المزبور عدم الفرق بين وجود بيت مال وعدمه ، بل لعلّه ظاهر الفتاوى . وفي «المسالك» : «وعلى المشهور ، لو لم يكن بيت مال أشكل درئ القصاص عنهما وإذهاب حقّ المقرّ له»[869] .

وفيه : أنّ ذلك يتمّ مع عدم القول بإلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية ، لئلاّ يبطل دم امرء مسلم ، نعم على القول بدرئ القصاص والدية عنهما ، الإشكال في محلّه .

فما في «الرياض» من قوله : «نعم ، لو لم يكن بيت مال كهذا الزمان أشكل درئ القصاص والدية عنهما وإذهاب حقّ المقرّ له رأساً»[870] تامٌّ ، ولعلّه كان إليه نظر «المسالك» أيضاً .

ولو لم يكن لهما مال ، ولم يؤدّ الدية شخص ، فالظاهر كون القصاص على الثاني ; لأ نّه القاتل على ما بيّناه ، كما لايخفى ، وعليهما على التخيير ، وعلى كون مورد الحكم هو الإقراران بما هما هما ; قضاءً للقاعدة .

وما في المتن من الإشكال في القود في هذه الصورة ، ففيه ما لايخفى ، لما مرّ من القصاص . وعموم العلّة معارض بعدم بطلان دم امرء مسلم ، فعمومات القصاص محكّمة .