استقصا لاخبار دول المغرب الاقصی

احمد بن خالد سلاوی؛ تحقیق: جعفر الناصری، محمد الناصری

نسخه متنی -صفحه : 563/ 525
نمايش فراداده

ولما انتهى إلى فم تانوت موضع على مرحلتين من مراكش كتب إليه أبو محلي بما نصه بسم الله الرحمن
الرحيم من أحمد بن عبد الله إلى يحيى بن عبد الله أما بعد فقد بلغني أنك جندت وبندت وفي فم تانوت نزلت
اهبط إلى الوطاء ينكشف بيننا الغطاء فالذئب ختال والأسد صوال والأيام لا تستقيم إلا بطعن القنا
وضرب الحسام والسلام فأجابه يحيي بما نصه من يحيى بن عبد الله إلى أحمد بن عبد الله أما بعد فليست
الأيام لي ولا لك إنما هي للملك العلام وقد أتيتك بأهل البنادق الأحرار من الشبانة ومن انتمى إليهم
من بني جرار ومن أهل الشرور والبؤس من هشتوكة إلى بني كنسوس فالموعد بيني وبينك جيليز هنالك ينتقم
الله من الظالم ويعز العزيز
ثم زحف يحيى إلى مراكش في جموعه فنزل بقرب جيليز جبل مطل على مراكش وبرز إليه أبو محلي والتحم القتال
بينهما فكانت أول رصاصة في نحر أبي محلي فهلك مكانه وانذعرت جموعه ونهبت محلته واحتز
--------------------
33
رأسه وعلق على سور مراكس فبقي معلقا هنالك مع رؤوس جماعة من أصحابه نحوا من اثنتي عشرة سنة وحملت
جثته فدفنت بروضة الشيخ أبي العباس السبتي تحت المكتب المعلق هنالك عند المسجد الجامع وزعم أصحابه
أنه لم يمت ولكنه تغيب
قال اليفرني وحدثني من أثق به من أهل وادي الساورة أن فيهم إلى الآن من هو على هذا الاعتقاد
وذكر الشيخ اليوسي في المحاضرات أن أبا محلي كان ذات يوم عند أستاذه ابن مبارك فورد عليه وارد حال
فتحرك وجعل يقول أنا سلطان أنا سلطان فقال له الأستاذ يا أحمد هب أنك تكون سلطانا إنك لن تخرق الأرض
ولن تبلغ الجبال طولا ووقع في يوم آخر للفقراء سماع فتحرك أبو محلي وجعل يقول أنا سلطان أنا سلطان
فتحرك فقيرا آخر وجعل يقول ثلاث سنين غير ربع ثلاث سنين غير ربع قال وهذه هي مدة ملكه اه
ويذكر انه لما طاف بالبيت في وجهته الحجازية سمع وهو يقول يا رب إنك قلت وقولك الحق ( وتلك الأيام
نداولها بين الناس ) آل عمران 140 فاجعل لي يا رب دولة بينهم قالوا ولم يسأل حسن العاقبة فرزق الدولة
وآل به الأمر إلى ما أبرمته يد القدرة وكان أبو محلي رحمه الله فقيها محصلا له قلم بليغ ونفس عال وله
تآليف منها الوضاح والقسطاس والأصليت والهودج ومنجنيق الصخور في الرد على أهل الفجور وجواب
الخروبي عن رسالته الشهيرة لأبي عمرو القسطلي وغير ذلك وقد وقعت بينه وبين يحيى بن عبد الله مراسلات
ومهاجيات نظما ونثرا كقوله
( أيحيى الخسيس النذل مالك تدعي
بزور شعارا للفحول الأوائل )
( كدعواك في بيت النبوة نسبة
وأنت دنيء من أخس القبائل )
( ووجهك وجه القرد قبح صورة
ورأسك رأس الديك بين المزابل )
--------------------
34
ويزعمون أن يحيى كان معاشرا لأبي محلي أيام الطلب بالمدرسة بفاس قال اليفرني وحدثني صاحبنا القاضي
أبو زيد السكتاني أنه وقف على تأليف كبير مشتمل على ما وقع بين يحيى وأبي محلي من الشعر في غرض
الهجاء وغيره
وقد رمز تاريخ ثورة أبي محلي ووفاته الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد المريدي المراكشي فقال قام طيشا
ومات كبشا ولا يخفى ما فيه بعد إفادة التاريخ من حسن التلميح وبديع التورية ولما قتل ابن أبي محلي
دخل يحيى مراكش واستقر بدار الخلافة منها وألقى بها عصا تسياره ورام أن يتخذها دار قراره فكتب إليه
السلطان زيدان يقول أما بعد فإنا كنت إنما جئت لنصرتي وكف يد ذلك الثائر عني فقد أبلغت المراد وشفيت
الفؤاد وإن كنت إنما رمت أن تجر النار لقرصك وتجعل الملك من قنصك فأقر الله عينك به والسلام فتجهز
يحيى للعود إلى وطنه وأظهر العفة عن الملك وأنه إنما جاء ليدافع عن السلطان الذي بيعته في عنقه