بالمد (غلب عليه غيره) من الجامدات الطاهرة (فأخرجه) ذلك المخالط (عن طبع الماء) وهو الرقة والسيلان،
أو أحدث له اسماً على حدة، وإنما قيدت المخالط بالجامد؛ لأن المخالط إذا كان مائعا فالعبرة في
الغلبة: إن كان موافقاً في أوصافه الثلاثة كالماء المستعمل فبالأجزاء، وإن كان مخالفاً فيها كالخل
فبظهور أكثرها، أو في بعضها فبظهور وصف، كاللبن يخالف في اللون والطعم، فإن ظهر أو أحدهما منع، وإلا
لا. وزدت "أو أحدث له اسماً على حدة" لإخراج نبيذ التمر ونحوه فإنه لا تجوز الطهارة به ولو كان رقيقا
مع أن المخالط جامد، فاحرص على هذا الضابط فإنه يجمع ما تفرق من فروعهم. وقد مثل المصنف للأصلين
اللذين ذكرهما على الترتيب فقال: (كالأشربة): أي المتخذة من الأشجار والثمار كشراب الريباس والرمان،
وهو مثال لما اعتصر، وقوله (والخل) صالح للأصلين؛ لأنه إن كان خالصاً فهو مما اعتصر من الثمر، وإن
كان مخلوطاً فهو مما غلب عليه غيره بحدوث اسم له على حدة (وماء الباقلاء) تشدد فتقصر وتخفف فتمد، وهي
الفول: أي إذا طبخت بالماء حتى صار بحيث برد وثخن (والمرق) لحدوث اسم له على حدة (وماء الزردج) - بزاي
معجمة وراء ودال مهملتين وجيم - وهو ما يخرج من العصفر المنقوع فيطرح ولا يصبغ به. مغرب. قال في
التصحيح: والصحيح أنه بمنزلة ماء الزعفران، نص. عليه في الهداية، وهو اختيار الناطفي والسرخسي اهـ.
(وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء) جامد (طاهر فغير أحد أوصافه) الثلاثة ولم يخرجه عن طبع الماء، قال في
الدراية: في قوله "فغير أحد أوصافه" إشارة إلى أنه إذا غير اثنين أو ثلاثة لا يجوز التوضؤ، وإن كان
المغير طاهراً، لكن صحت الرواية بخلافه، كذا عن الكردي اهـ. وفي الجوهرة: فإن غير وصفين فعلى إشارة
الشيخ لا يجوز الوضوء، لكن الصحيح أنه يجوز، كذا في المستصفى، وذلك (كماء المد): أي السيل، فإنه
يختلط بالتراب، والأوراق والأشجار، فما دامت رقة الماء غالبة تجوز به الطهارة وإن تغيرت أوصافه
كلها، وإن صار الطين غالباً لا تجوز (والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران) ما دام
باقياً على رقته وسيلانه؛ لأن اسم الماء باق فيه، واختلاط هذه الأشياء لا يمكن الاحتراز عنه، فلو
خرج عن طبعه أو حدث له اسم على حدة - كأن صار ماء الصابون أو الأشنان ثخيناً أو صار ماء الزعفران
صبغاً - لا تجوز به الطهارة.
(وكل ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به) لتنجسه (قليلا كان) الماء (أو كثيراً) تغيرت أوصافه أو لا،
وهذا في غير الجاري وما في حكمه كالغدير العظيم؛ بدليل المقابل (لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر
بحفظ الماء من النجاسة) بنهيه عن ضده؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده فقال: (لا يبولن أحدكم في الماء
الدائم) يعني الساكن (ولا يغتسلن فيه من الجنابة) وقد استدل القائلون بنجاسة الماء المستعمل بهذا
الحديث حيث قرن الاغتسال بالبول. وأجيب بأن الجنب لما كان يغلب عليه نجاسة المنى عادة جعل كالمتيقن
(وقال صلى اللّه عليه وسلم) أيضا: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الماء حتى يغسلها
ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده) يعني لاقت محلاً طاهراً أو نجساً، ولولا أن الماء ينجسن بملاقاة
لليد النجسة لم تظهر للنهي فائدة.
(وأما الماء الجاري) وهو: ما لا يتكرر استعماله، وقيل: ما يذهب بتبنة، هداية. وقيل: ما يعده الناس
جارياً، قيل: هو الأصح فتح، وفيه: وألحقوا بالجاري حوض الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه والناس
يغترفون منه حتى لو أدخلت القصعة أو اليد النجسة فيه لا يبخس اهـ. (إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه
إذا لم ير لها): أي للنجاسة (أثر) من طعم أو لون أو ريح (لأنها لا تستقر مع جريان الماء) قال في الجوهرة:
وهذا إذا كانت النجاسة مائعة، أما إذا كانت دابة ميتة: إن كان الماء يجري عليها أو على أكثرها أو
نصفها لا يجوز استعماله، وإن كان يجري على أقلها وأكثره يجري على موضع طاهر وللماء قوة فإنه يجوز
استعماله إذ لم يوجد للنجاسة أثر اهـ. (والغدير) قال في المختار: هو القطعة من الماء يغادرها السيل
اهـ. ومثله الحوض (العظيم): أي الكبير، وهو (الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر) وهو قول
العراقيين، وفي ظاهر الرواية: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى، قال الزاهدي: وأصح حده، ما لا يخلص بعضه
إلى بعض في رأى المبتلى واجتهاده ولا يناظر المجتهد فيه، وهو الأصح عند الكرخي وصاحب الغاية
والينابيع وجماعة اهـ. وفي التصحيح: قال الحاكم في المختصر: قال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في
ذلك بعشر، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال، لا أوقت فيه شيئاً؛ فظاهر الرواية أولى اهـ. ومثله في فتح
القدير والبحر قائلا إنه المذهب، وبه يعمل، وإن التقدير بعشر لا يرجع إلى أصل يعتمد عليه، لكن في