مراجعات

عبد الحسين شرف الدين؛ تحقيق: حسين الراضي

نسخه متنی -صفحه : 195/ 8
نمايش فراداده

تعرف به بطلا من ابطال العلم ، وفارسا من فرسانالبيان ، تأتيه حين تأتيه مالكا لامرك ، مسيطرا على
نفسك ، فإذا استقر بك المقام عنده ، لم تتمالك دون أن تضع قيادك بين يديه ، فإذا هو يتملك زمام أمرك ،
ويدخل إلى قرارة نفسك ، فيسيطر عليك بطبيعة قوته وأدبه وعلمه .
وأنت لا تخشى مغبة العاقبة من هذه السيطرة فإنها سيطرة مضمونة الخير ، مأمونة الشر ، بعيدة عن الكيد
والمكروه ، بعد الصحة عن الفساد ، وكن واثقا أكبر الثقة - حين يأخذك بيانه وبرهانه - أنه إنما يرد بك
مناهل مترعة الضفاف ، بنمير ذي سلسبيل ، كلما كرعت من فراته جرعة ، تحلبت شفتاك لجرعات تحسب أن ليس
لظمئك راويا غيرها .
( 1 ) نقلت عن الطبعة الثانية التي طبعت في دار الساعة - بغداد - 1365 ه‍ . (
--------------------
22
هذا بعض ما يعرفك به الكتاب عن مؤلفه ، أفتراني أبلغ من تعريفك به أبعد مما يعرفك هو بنفسه ؟ كلا فإن
للسيد عبد الحسين في الحياة مناحي وميادين لا أراني موفيا عليها ، وانا في هذا السبيل الضيق القصير
، ويوشك أن يكون الامر يسيرا لو أن المترجم له غير هذا الرجل ، ويهون الامر لو كان من هؤلاء الرجال
المحدودة حياتهم وأعمالهم ، أما رجل كهذا الرجل الرحب العريض ، فمن الصعب جدا أن يتحمل كاتب عبء
الحديث عنه ، والتوفر عليه ، لانه يشعر حين يقف إليه أنه يقف إلى جيل ينبض بألوان من الحياة ، متدفقة
من كل نواحيه وجوانبه ، فلا يكاد يرد كل لون إلى مصدره إلا ببحث عليه مسؤوليات من المنطق والعلم ، قد
ينوء بها عاتق المؤرخالامين .
ويكفيك من تعريفه - على سبيل الاجمال - ما يعرفك به الكتاب من علمه وفنه ، وكنا نود لو يتاح لنا ان نقف
وقفة خاصة لهذه الناحية الفنية المتعبة ، ولا سيما ونحن منه في سبيل العلم والفن اللذين اجتمعا
للمؤلف فصاغا هذا الكتاب متساندين صياغة قدرة وابتداع ، قل أن نجد لها ندا في مقدور زملائه من
الاعلام ( أمد الله في حياة أحيائهم ) .
ولكن إحكام الكتاب على هذا النحو من قوة العارضة في الادب ، وبعد النظر في البحث ، وسلامة الذوق في
الفن وحسن التيسير في ايضاح المشاكل ، وتحليل المسائل ، أطلق له لسانا من البيان الساحر اغنانا عن
الاخذ بالاعناق إلى مواضع جماله ، فكل بحث فيه لسان مبين عن سره ، يناديك حين تغفل عنه ، ويدعوك
بصوته حين تمر به سهوان ، ولا تقدر لنفسك أن تتملاه أو تعجب به .
--------------------
23
وكتاب فيه هذه الحياة لا ينفك عن صاحبه بحال ، ولا تحسب ان للكتب حياة خاصة مستقلة ، فليست حياة
الكتب غير حياة المؤلفين والكتاب نفسها ، فإذا سمعت نبأة ، وأدركت حسا في كتاب ، فانما تسمع جرس
الكاتب ، وتحس حسه عينه .
وبعد فسأتركك عند هذا القدر من المعرفة بهذا الامام ، ولك أن تكتفي به ، ولك أن لا تكتفي منه ، فبحسبي
ان أشعرك بطرف مما عرفت منه ، وانا انغمس في هذه - المراجعات - .
وبحسبك مني أن ترى منزلته من نفسي : كعالم يضم إلى علمه فنا من الادب منقطعالنظير ، ولك أن تثق بي حين
تعتبرني دليلا ، امينا سليم الاختيار بترجمة هذه الذخيرة ، وضمها إلى مؤثلات لغتنا الحية .
مولده ونشأته على اني لا أرى لك ان تقتصر من معرفته على هذا المقدار ، كما لا أرى لك ان تجتزئ بطائر
اسمه ، وسعة شهرته في العالم الاسلامي ، وانما أرى ان تتجاوز ذلك إلى الاحاطة بشئ من حياته ، وبشئ من
ظروفه التي قدرت له هذه الحياة .
ولد السيد عبد الحسين شرف الدين - أورف الله ظله - في الكاظمية سنة 1290 ه‍ .
من أبوين كريمين تربط بينهما أواصر القربى ، ويوحد نسبهما كرم العرق ، فابوه الشريف يوسف بن الشريف
جواد بن الشريف اسماعيل ، وامه البرة ( الزهراء ) بنت السيد هادي بن السيد محمد علي ، منتهيين بنسب
قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الاسرة الكريمة .
--------------------