بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه . سماحة الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المحترم / الرئيس العام لإدارة البحوث العلميّة والإفتاء والدعوة والإرشاد .
السلام عليكم ورحمة الله ، وبعد :
لاحظت تركيزكم على مسألة التوحيد في عدد من أعداد مجلة البحوث الإسلامية ، كما سمعتكم في جلستين وفقت لزيارتكم ، تؤكدون تأكيداً متواصلاً على إرشاد الناس إلى التوحيد الخالص لله ربّ العالمين . ولا شك أنّه الأساس القويم ، والركن الركين لهذا الدين الحنيف ، بل هو محور كل أحكامه وشرائعه . وهذه ميزة لمستها في سماحتكم مشكورين .
ومع احترامي وتقديري لجهودكم في هذا السبيل ، خطر ببالي بعض الملاحظات ، أحببت أن أبديها لكم راجياً أن يكون فيها خير الإسلام والمسلمين ، والاعتصام بحبل الله المتين في سبيل تقارب المسلمين ووحدة صفوفهم في مجال العقيدة والشريعة .
أوّلاً : لاحظتكم تعبّرون دائماً عن بعض ما شاع بين المسلمين ، من التبرك بآثار النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض الأولياء ، كمسح الجدران والأبواب في الحرم النبوي الشريف وغيره ، شركاً وعبادة لغير الله ، وكذلك طلب الحاجات منه ومنهم ، ودعائهم ، وما إلى ذلك .
إنّي أقول : هنا فرق بين ذلك ، فطلب الحاجات من النبىّ ومن الأولياء ، باعتبارهم يقضون الحاجات من دون الله أو مع الله ، فهذا شرك جلىّ لا شك فيه ، لكن الأعمال الشائعة بين المسلمين ، والتي لا ينهاهم عنها العلماء في شتّى أنحاء العالم الإسلامي من غير فرق بين مذهب وآخر ، ليست هي في جوهرها طلباً للحاجات من النبىّ والأولياء ، ولا اتخاذهم أرباباً من دون الله ، بل مردّ ذلك كلّه (لو استثنينا عمل بعض الجهّال من العوام) إلى أحد الأمرين :
التبرّك والتوسّل بالنبىّ وآثاره ، أو بغيره من المقرّبين إلى الله عزّ وجلّ .
فالتبرّك بآثار النبىّ من غير طلب الحاجة منه ولا دعائه ، فمنشؤه الحبّ والشوق الأكيد رجاء أن يعطيهم الله الخير بالتقرّب إلى نبيّه وإظهار المحبة له(3) ، وكذلك بآثار غيره من المقرّبين عند الله .
وإنّي لا أجد مسلماً يعتقد أن الباب والجدار يقضيان الحاجات ، ولا أنّ النبىّ (أو الولىّ) يقضيانها ، بل لا يرجو بذلك إلاّ الله إكراماً لنبيّه أو لأوليائه أن يفيض الله عليه من بركاته .
والتبرّك بآثار النبي كما تعلمون ـ ويعلمه كلّ من اطّلع على سيرة النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كان معمولاً به في عهد النبىّ ، فكانوا يتبركون بماء وضوئه وثوبه وطعامه وشرابه وشعره ، وكلّ شيء منه ولم ينههم النبىّ عنه ولعلّكم تقولون : أجل ، كان هذا ، معمولاً به بالنسبة إلى الأحياء من الأولياء والأتقياء (كما شاهدت أصحابكم يتبركون بطعامكم) وأنّه خاص بالأحياء ، دون
الأموات ، لعدم وجود دليل على جوازه إلاّ في حال الحياة بالذات . فأقول : هناك بعض الآثار تدل على أنّ الصحابة قد تبرّكوا بآثار النبىّ بعد مماته ، فعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) أنّه كان يمسح منبر النبىّ تبركاً به . وهناك شواهد ، على أنّهم كانوا يحتفظون بشعر النبىّ ، كما كان الخلفاء العباسيون ، ومن بعدهم العثمانيون ، يحتفظون بثوب النبىّ تبركاً به ، ولا سيما في الحروب ، ولم يمنعهم أحد العلماء الكبار والفقهاء المعترف بفقههم ودينهم .
وهنا يُعجِبني أن ألخص لسماحتكم كلام الأستاذ الدكتور سعيد رمضان العالم البوطي في هذا المجال نقلاً عن كتابه فقه السيرة النبوية (ص 354) فإنّه بعد ما أشار إلى شطر ممّا يدل على جواز التوسل بالنبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبآثاره قال :
«وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته أو بعد وفاته . فآثار النبىّ لا تتصف بالحياة مطلقاً» سواء تعلّق التبرك والتوسّل بها في حياته أو بعد وفاته ، كما ثبت في صحيح البخاري في باب شيب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومع ذلك ، فقد ضلّ أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبّة رسول الله ، وراحوا يستنكرون التوسّل بذاته بعد وفاته ، بحجّة أنّ تأثير النبىّ قد انقطع بوفاته ، فالتوسل به ، إنّما هو توسل بشيء لا تأثير له البتة .
وهذه حجة تدل ـ كما ترى ـ على جهل عجيب جداً ، فهل ثبت لرسول الله تأثير ذاتي في الأشياء حال حياته ، حتى نبحث عن مصير هذا التأثير من بعد وفاته ؟ إن أحداً من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد جلّ جلاله ومن اعتقد خلاف هذا يكفر باجماع المسلمين كلّهم .
فمناط التبرك والتوسل به أو بآثاره ليس هو أسناد أي تأثير إليه ، والعياذ بالله ، وإنّما المناط كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق وكونه رحمة من الله للعباد ، فهو التوسّل بقربه إلى ربّه وبرحمته الكبرى للخلق .
وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره من دون أن يجدوا فيه أي إنكار . وقد مرّ في هذا الكتاب (أي فقه السيرة) بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة في الاستسقاء وغيره ، وإن ذلك ممّا أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة الحنبلي والصنعاني وغيرهم .
والفرق بعد هذا بين حياته وموته خلط عجيب غريب في البحث لا مسوّغ له «انتهى موضع الحاجة» .
هذا كلّه بالنسبة إلى التبرك بآثار النبىّ حيّاً وميّتاً ، وأمّا التوسّل بذاته أو بأحد من أهل بيته فهو كذلك ، كما رأينا في كلام الدكتور البوطي ، وكان معمولاً به حتى بعد وفاته كما استسقى الخليفة عمر (رضي الله عنه) متوسّلاً بعمّ النبىّ العباس من دون أن ينكر عليه أحد من الصحابة ، ومن دون أن يكون لحياة النبىّ وموته تأثير عنده في جواز التوسّل به .
ومردّ ذلك أنّ التبرّك بآثار النبىّ والتوسّل به وبآثاره وبذريّته وبالأتقياء من أتباعه ليس معناه طلب الحاجة منهم ، ولا أن في شيء منها بما في ذلك ذات النبىّ تأثيراً في رفع الحاجات ودفع الملمات أو أنّه يضرّ وينفع ، كما ورد في كلامكم في صدد النهي عنه (أنّه لا يضر ولا ينفع) ، فهذا تحويل للمسألة عن جوهرها ، بل كل ذلك يُعَدُّ للنبي وغيره من المقربين استجلاباً لرحمة الله تبارك وتعالى ، لما نعلم من منزلتهم عند الله ، استناداً إلى سيرته وسيرة المسلمين ، فلا يقاس هذا بعمل المشركين في شأن آلهتهم ، حيث كانوا يعتقدون فيها التأثير في دفع الملمات ورفع الحاجات ، إمّا مباشرة أو بالاشتراك مع الله .
كما لا ينبغي الاستشهاد على حرمة التبرّك والتوسّل (بالمعنى المذكور) وكونهما شركاً بما ورد من الآيات إدانة للمشركين ، فإن ذلك ليس منه في شيء ، والفرق بينهما واضح جلىّ ، فهذا مظهر من مظاهر الشرك ، وذلك مظهر من مظاهر التوحيد وحب الله وأوليائه .
بقي هنا أمران ; الأوّل : أن يقول قائل : نحن نسلّم بجواز التبرك والتوسّل للعلماء الذين فهموا جوهر الدين ، إلاّ أنّ ذلك ممنوع على العوام لأنّهم سوف يحولونهما إلى الشرك ، حيث يعتقدون للنبي وآثاره وللأولياء تأثيراً ذاتياً في رفع الحاجات أو دفع المضرّات ، فيجب المنع عنهما سدّاً للذرائع . وهذا ما سمعنا به من الأستاذ الدكتور محمد بن سعد شُوَيعر يوم حضرنا عندكم وجلسنا على مائدتكم مشكورين .
والجواب على هذا الكلام سهل ، فإنّه إذا ثبت جواز عمل بل استحبابه بدليل قطعي فلا يجوز المنع عنه بقول مطلق ، خوفاً من الجُهّال أن يحولوه إلى ما فيه لون من الشرك ، وإلاّ كان ينبغي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)نهي الناس عن التبرك بآثاره سداً للذريعة ، كما كان ينبغي له أن يمنع الناس عن زيارة القبور حذراً من أنّ الجُهّال يتّخذونها صنماً يعبد ، أو يمنع من استلام الحجر لنفس السبب ، هذا ليس هو الطريق الوحيد والقول السديد لسد الذرائع ، بل الطريق هو مراقبة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء
والذين هم أمناء الله على حلاله وحرامه ، فإنّهم أمروا بحفظ الناس عن تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين كما جاء في الحديث (الكافي : ج 1 ، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء ، ص 32) من غير أن يحرّموا حلالاً أو يحلّلوا حراماً ، ويفرّقوا في حكم واحد بين العوام والخواص .
الأمر الثاني : إنّ من يجوّز التبرك والتوسّل هم جمهور العلماء(4) في قبال جماعة أقل منهم بكثير لا يجوّزونهما ، ولا ريب أن المجوزين اختاروا الجواز بعد الوقوف على الآراء ، وبعد البحث والفحص عن الأدلّة ، والإطلاع على ما أبداه الشيخان السلفيّان الشيخ ابن تيمية ، والشيخ محمد بن عبد الوهّاب وأتباعهما ، فهؤلاء لم يقتنعوا طوال هذه القرون السبعة إلى يومنا هذا بحجج مخالفيهم ، فهم مجتهدون ، ولكلّ مجتهد مصيب أجران ، وللمخطئ أجر واحد ، كما هو ثابت عند الفقهاء فالمسألة بعد أن عادت خلافية اجتهاديّة ، فهل تسمحون في مثل هذه المسألة التي جلُّ العلماء على جوازها وقليل منهم
على حرمتها ، نسبة الكفر والشرك بل الفسق والضلال إلى هؤلاء الجمّ الغفير المعترف بفقههم وتقواهم ؟ فما هو الفارق إذاً بين القطعيّات والظنيّات ؟ سواء في حقل العقيدة أو في حقل
الشريعة ؟ إنّما الحكم بالكفر ثابت فيمن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين ليس إلاّ ، دون مسألة خلافيّة ; هي معترك الآراء بين الفقهاء .
فأقلّ ما يقال في مثل هذه المسألة الخلافية هو الاحتياط بالإمساك عن التقوّل فيهم ، حتى ترجع المسألة قطعيّة ، والاكتفاء لمن لا يجوّزه بالوعظ والإرشاد ، إذا رآه شركاً أو بدعة أو ضلالاً ، فهذا منتهى المطاف في أداء الواجب من مثله . وقد مرّ بنا أن استهللنا كلامنا بالتقدير لجهودكم في سبيل إرساء أمر التوحيد ، وهذا بنفسه سعي مشكور أغتبطكم عليه ، لولا أن ينضمّ إليه إطلاق القول بالشرك أو الكفر فيمن جوّز هذا العمل عن اجتهاد ونظر ، من دون تقليد أعمى ، ولا جهل بالكتاب والسنّة وبآراء الفقهاء ، الموافق منهم والمخالف .
ثانياً : أحببت الإشارة إلى مسألة أخرى لها أهميّتها ، وهي ما أفتيتم بشأن مسألة فلسطين ، حيث تقولون :
«إنّه يجب على المسلمين وعلى الدول الإسلاميّة والأغنياء والمسؤولين أن يبذلوا جهودهم ووسعهم في جهاد أعداء الله اليهود ، أو فيما تيسر من الصلح إن لم يتيسر الجهاد ، صلحاً عادلاً يحصل به للفلسطينيين إقامة دولتهم على أرضهم ، وسلامتهم من الأذى من عدو الله اليهود ، مثلما صالح النبىّ أهل مكّة ، وأهل مكّة في ذلك الوقت أكثر من اليهود الآن ، وإن المشركين والوثنيين أكثر كفراً من أهل الكتاب ، فقد أباح الله طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم ، ولم يبح طعام الكفار من المشركين ، ولا نساءهم وصالحهم النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على وضع الحرب عشر سنين ، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض ، وكان في هذا الصلح خير عظيم للمسلمين ، وإن كان فيه غضاضة عليهم بعض الشىّ . لكن رضيه النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للمصلحة العامة .
فإذا لم يتيسر الاستيلاء على الكفرة ، والقضاء عليهم ، فالصلح جائز لمصلحة المسلمين ، وأمنهم واعطائهم بعض الحقوق . . .» (مجلة البحوث الإسلامية(5) : رقم 35 ، ص 24) .
وهذه الفتيا منكم إنّما صدرت ولا شك إخلاصاً للإسلام والمسلمين ، وحرصاً على إرشاد الأمّة إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم ، إلاّ أنّ فيها بعض الملاحظات ، فهي تحتوي شطرين :
الشطر الأوّل : وجود حرب اليهود وبذل الجهود في جهاد أعداء الله اليهود . وهذا ما يوافقكم عليه علماء الإسلام جميعاً شيعة وسنّة ، ولعلّكم لمستم موقف الشيعة ، في مكّة المكرّمة عبر شعاراتهم ، أو سمعتم به عن طريق المذياع أو قرأتم عنه في الجرائد ، أنّهم أشدّ الناس على الكفّار ولا سيما على اليهود . فهذا حق صريح ، ورأيكم حجة على جميع المسلمين حكومات وشعوباً ، جزاكم الله عنهم خير الجزاء ، وشكر مساعيكم ، فقد أديتم واجبكم أمام الله تبارك وتعالى وأمام المسلمين قاطبة .
وأمّا الشطر الثاني وهو ما تيسر من الصلح إن لم يتيسر الجهاد صلحاً عادلاً إلى آخر ما أبديتم من الرأي باخلاص فيجب الوقوف عنده طويلاً .
لا ريب أنّ المسألة لو كانت كما اقترحتم وكانت القيود والشروط محقّقة بالشكل الذي قيّدتم ، فالحكم هو ما صرحتم به ، إلاّ أنّ المسألة مع الأسف الشديد ليست بهذه السهولة ، ومغزى كلامي أنّ البحث ليس في الكبرى من الدليل ، وإنّما هو في الصغرى ، وتوضيحها كما يأتي :
أوّلاً : إنّ الجهاد مع اليهود ميسور وبابه مفتوح بمصراعيه أمام المسلمين ، إلاّ أنّ حكّام المسلمين لم يقفوا يوماً ولا يريدون أن يقفوا أمام العدوّ بكل جهودهم وإمكانياتهم ، فإنّ العرب طرحوا القضيّة منذ أربعين سنة ولحد الآن قضية عربيّة ، وليست إسلاميّة ، وهذه أوّل ضربة وجهوها إلى القضية ، حيث أبعدوا بهذا المشروع العنصري معظم المسلمين عن ساحة المعركة ، ولا أقل من أنّ ذلك أصبح عذراً لأولئك الحكام الذين لا علاقة لهم بشؤون المسلمين ، فكانوا يقولون كما سمعت مراراً من أعوان الشاه في إيران : «هذه مشكلة العرب مع اليهود لا شأن لنا فيها» فلم يكونوا يسمعون صرخات المسلمين والعلماء من أنّها إسلاميّة ، بحجّة أنّ العرب يعدّونها مسألة عربيّة .
وأمثال هؤلاء الحكّام من العرب وغيرهم يطيقون استماع صرخات هؤلاء الشباب والأطفال المحاربين بالحجارة داخل الأرض المحتلة وهتافاتهم : «الله أكبر» «نحن مسلمون» ولا أن يروا في التلفزة صلاتهم حول المسجد الأقصى ، لأنّ ذلك سوف يمثل إسلاميّة القضيّة فتأخذ العذر من أيديهم .
ثانياً : حتى العرب أنفسهم الذين احتكروا المسألة بحجّة أنّها عربيّة ، وأنّها مسألتهم دون سائر المسلمين لا يتفقون على كلمة واحدة ، ولم يجهزوا إمكانياتهم أمام العدوّ ، ولم يقفوا صفّاً واحداً ، فبدلاً من ذلك كلّه ، افترقوا أحزاباً وشعوباً يهاجم بعضهم بعضاً ، عسكرياً وإعلامياً ، لا شيء إلاّ لصالحهم ولصالح العدوّ ، فلم يجهزوا أنفسهم للمعركة لا هم ولا سائر المسلمين ولم يمتثلوا أمر ربّهم : }وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم{ (الأنفال / 60) فعندهم البترول الذي هو شريان حياة الأعداء ، فلم يستفيدوا من هذه القوّة الهائلة التي هي أقوى بكثير من رباط الخيل ومن أي قوّة توجد في العالم .
كما أنّهم لم يهتموا بقول ربّهم : }يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء{ (المائدة / 51) وما بمعناه في الكتاب والسنّة .
فمن منهم لا يتّخذ أعداء الله أولياء ، ولا يميل إلى اليمين والشمال (وقد سقط بحمد الله) ولا يعتمد ولا يستنصر بالأعداء (سوى النزر اليسير) ، ولا يركع لصنم منهم ولا يسجد ؟ وبعضهم لا يأكل ولا يشرب إلاّ بأذنه ؟
ومن خفى عليه هذا فليس له الدخول في المعارك السياسية وإظهار الرأي فيها .
والعجب كلّ العجب صمتُ بعض العلماء عن هؤلاء الحكام الركع السجود أمام الأصنام الطواغيت ، ثم ينادي ويحكم بكفر وشرك أولئك المسلمين المساكين ، الذين بذلوا كل ما عندهم ، وتحمّلوا المشاق ، وجاؤوا من كلّ فجّ عميق ، حتى نالوا زيارة النبىّ ، وقلوبهم ملئت بحبّه ، فقبّلوا الباب والشُبّاك حبّاً له ، رجاء التقرّب إلى الله بحبّه ، ويرون هذا منتهى أملهم من الحياة ، فإذا بعالم أو مسؤول سكت عن ذلك الشرك الكبير وعن هؤلاء الأبالسة الكبار ، يضربه بالسياط ويشتمه باللسان ، ويكرر عليه : «هذا شرك ، هذا كفر» ، أليس هذا إبعاد المسلمين المخلصين عن الدين ، وعن ساحة القتال مع اليهود ومع سائر أعداء الدين ؟ فإنّه إذا كان كافراً ومشركاً فلماذا يضحي بنفسه في المعركة في سبيل الإسلام ؟
وأنا أقول بصراحة : لو أنّ العلماء ومن وراءهم (بل ومن فوقهم !) الحكّام لم يخطئوا الطريق ، واستقروا على الصراط القويم ، لأمكن لهم تجهيز الملايين من الشبّان المسلمين الغيارى على الإسلام ضد اليهود ، ولو تحقّق هذا الحلم يوماً ما فإنّا نرى أن كلمة الله هي العليا ، وأنّ الله يحقق وعده : }إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم{(محمّد / 7) .
ثالثاً : الاستشهاد للصلح مع اليهود بمثل ما صالح النبىّ أهل مكّة والمشركين عجيب فهو قياس مع الفارق ، وفيه وجوه من الخلط والتمويه :
1 ـ إنّ النبىّ صالح أهل مكّة من موقف القوّة دون الضعف كما قال تعالى : }وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكّة من بعد أن أظفركم عليهم ، وكان الله بما تعملون بصيراً{ (الفتح / 24) مع أنّ حكّام العرب حينما يريدون أن يساوموا على الصلح مع العدو ، إنّما هم في منتهى الضعف (ولا سيّما بعد حرب الخليج) سياسياً وعسكرياً والشيطان الأكبر الحامي لإسرائيل ، رست أقدامه على أرضهم بكل ما له من العدّة
والعدد ، وله حق الحياة والبقاء على جملة من الحكام ، فهم عبيد في قبضته ، يحق لهم أن يركعوا ويسجدوا أمامه آناء الليل وأطراف النهار وأنّهم ليبذلون أموال المسلمين ويعرضون شعوبهم المساكين إلى الكفّار بالمجّان ، لا لشيء سوى للاحتفاظ على منصبهم ، فهم متسلطون على أعناق الشعوب ، راكعون أمام الأعداء . «أُسد علىَّ وفي الحروب نعامة» . وفي مثل هذه الحالة يريدون أن يجلسوا مع العدوّ حول طاولة المفاوضات للسلام (العادل) ! !
ومن الدليل على ضعف المشركين وقوّة المسلمين في الحديبيّة قول النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لرسول المشركين عنده (بُدَيلُ بنُ وَرقاءَ الخُزاعِىُّ) :
شاؤوا مادَدْتُهم(7) مُدَّةً ويُخَلُّوا بَيني وبين الناس . . . إلى أن قال : وإن هُم أبَوا فَوَالّذي نفسي بِيَدِه لأقاتلَنَّهُم عَلى أمري هذا حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتي وَلِيُنَفِذَنَّ(8) اللهُ أمرَه» .
وإن مبايعته المسلمين على الحرب والتضحية بالنفس والمال كان استعداداً كاملاً للحرب ثم إن عروة بن مسعود رسول المشركين الآخر لديه حينما رجع إلى المشركين قال لهم : «فَوَاللهِ ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ نُخامَةً إلاّ وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُل منهم فَدَلَكَ به وجهَهُ وجِلْدَه ، وإذا أَمَرَهُم بأمر ابْتَدروا أَمرَه وإذا تَوَضَّأَ كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلى وُضُوئِه وإذا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهم عِندَه وما يُحِدُّونَ النَّظَرَ إليهِ تَعظيماً لَه ، أي قوم ، وَاللهِ لَقَد وَفَدتُ عَلَى المُلوكِ وَوَفدتُ على قَيْصَر وكِسرَى والنَّجاشِي ، وَاللهِ إنْ رأيتُ مَلِكاً يُعظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) مُحَمَّداً . . . وإنَّه قَد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْد فَأقْبَلُوها . . .» رواه : البخاري وغيره بتفاوت (صحيح البخاري ، كتاب الشهادات ، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام : ج 3 ، ص 253 ـ 255) . وقد أورد المحققون لمسند أحمد مصادر تلك الرواية (انظر : مسند الإمام أحمد بن حنبل : ج 31 ، ص 243 ، الرقم 18928) .
2 ـ إنّ اليهود ليسوا وحدهم الذين يحاربون شعب فلسطين ، بل وقف إلى جنبهم طواغيت العالم الذين غرسوا هذه الشجرة الخبيثة في أرض الإسلام وهم الذين يحاربون الإسلام والمسلمين ، فندخل في الصلح معهم ، لأنّهم أقل من المشركين ؟
وليس هؤلاء الطواغيت ، ولا حتى اليهود الذين استولوا على أرض فلسطين بأهل كتاب ، وإنّما هم ملاحدة ، دينهم الدولار ، وأمنيتهم الاستيلاء على ثروات الأرض ، فإنّ اليهود في فلسطين معظمهم صهاينة ليسوا بأهل كتاب ولا أهل دين ، بل هم حزب سياسي عنصري .
على أنّ اليهود في العالم يعدّون بعشرات الملايين ، وكلّهم مع يهود فلسطين ، وبيدهم ثروات هائلة ، وفي قبضتهم السوق العالمي والمصانع والسفن والأسلحة ، ووسائل الإعلام العالمي ; فكيف يجوز أن يقال : أنّ اليهود اليوم أقل من أهل مكة في ذلك اليوم ؟
فيجب إذاً أن نضع هذه الأشياء في الميزان ثم نحكم بالصلح ، وبدونها لم يتحقق صلح عادل .
3 ـ إنّ الصلح كان مع أهل مكّة بأمر من الله دون مشورة المؤمنين بل أكثرهم قاوموا النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام عقد الصلح وعند بعض بنوده ، حتى أنزل الله سورة الفتح وكشف النقاب عن وجه الصلح ، وعدّه فتحاً مبيناً ، ومع ذلك لم يعترف كثير منهم في صميم قلوبهم وباقتناع نفسي منهم بأنّه كان خيراً ، حتى رأوا النتيجة ماثلة أمامهم بعد مدّة .
4 ـ كانت هناك حِكَم وأسباب جاءت في سورة الفتح تصريحاً أو إيماء ، كالحفاظ على المؤمنين والمؤمنات القاطنين بمكّة يومئذالذين لم يعرف أشخاصهم، وكالحصول على الأرضيّة المناسبة لاختلاط المسلمين بالمشركين ، وتبيين الإسلام لهم واكتساب قلوبهم صوب المسلمين ، وغير ذلك ممّا صرحتم به في مقالكم، ويعلم بالتدبر في سورة الفتح وفي الحوادث التي حدثت عقيب الصلح، ولا يوجد شيء من هذه الحِكَم والأسباب في الصلح مع اليهود الآن ، بل الأمر بالعكس كما سنوضح .
5 ـ اليهود الآن بما أعدوا واستعدّوا للمعركة الحاسمة ، معتمدون على تلك القوى العالميّة الشيطانية ، قادرون على أن يقضوا على الشعب الفلسطيني ، ومن جاورهم من الشعوب ، ولا سيما القاطنين في أرض الجزيرة العربيّة التي لليهود فيها مطامع تاريخية ; كأراضي بني النضير وبني قريظة وأراضي خيبر وغيرها ، في طرفة عين ، ولعلّهم يفعلونها يوماً من الأيّام (لا قدر الله هذا اليوم) . فهم حينما يفاوضون العرب من أجل السلام ، لم يقصدوا السلام ، ولم يكن خوفاً من العرب ، إنّما يريدون أن يسيطروا على أراضيهم وثرواتهم برفق وبرضاً منهم أو من حكّامهم ، ليتدخلوا في شؤونهم ثقافياً واقتصادياً وسياسياً ، فيكونوا أحراراً فيما يعملون في تلك البقاع ، ويتخذوا من تلك الشعوب أداة لبسط سلطانهم عليهم وعلى العالم الإسلامي كلّه ، ويتعاملوا معهم معاملة السيد مع عبيده ، والملك مع رعيّته طوال الدهر .
ويرون أن الصلح المنشود هو الطريق الوحيد للوصول إلى مطامعهم ، حتى أنّهم يمهلون أمر الصلح عمداً ، ويسوّفونه قصداً ، لإرضاء النفوس شيئاً فشيئاً ، حتى يقتنعوا بأنّه لا طريق للخلاص سوى الصلح والسلام .
مع أنّ مثل هذا الصلح هو الرصاصة الأخيرة لسقوط هذه الشعوب ثم لسقوط العالم الإسلامي والمسلمين في أيدي اليهود . فأين الصلح العادل ؟ ليس هذا سوى الاستسلام المطلق دون السلام العادل .
ثمّ إنّ اليهود ، متى التزموا بعهودهم طوال دهرهم وخاصة في مسألة فلسطين لكي نثق بهم ؟ وأخيراً ; لو فرضنا حصول كل هذه الشروط والقيود ، فإنّ الحكّام لا نثق بهم وسوف يتخذون من هذه الفتيا ذريعة لالتباس الأمر على الشعوب ، وسيفاوضون العدو في صالحهم أكثر من صالح الشعوب ، وسيكون هذا الحكم من سماحتكم مبدأ شرعية اليهود وشرعية عمل الحكام الذين أجروا عقد الصلح ومفاوضة السلام معهم .
فأيّاكم أن تجعلوا رقبتكم قنطرة لهؤلاء ، والصواب هو الاكتفاء منكم بالشطر الأوّل من الفتيا ، والإنصراف عن الشطر الثاني رأساً ، والمرجو منكم أن تأخذوا هذه السطور بعين الاعتبار ، ثم الإجابة عليها ، فإنّي ما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت ، والله من وراء القصد ، والسلام عليكم ورحمة الله .
محمد واعظ زاده الخراساني
مكّة المكرمة 11 ذي الحجة الحرام سنة 1413 هجرية