انتهى المقصود من كلامه (رحمه الله) .
وقال العلاّمة ابن القيم (رحمه الله) في الجواب الكافي : (ص 197 ـ 198) ما نصّه :
«فصل : ويتبع هذا الشرك الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات . فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعاً لغيره وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها وقد لعن النبىّ صلى الله عليه وسلم من اتّخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها ، فكيف بمن اتخذ القبور أوثاناً يعبدها من دون الله . ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : «لعن اللهاليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وفي الصحيح عنه : «إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد» وفي الصحيح أيضاً عنه : «إنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» .
وفي مسند الإمام أحمد (رضي الله عنه) وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه وسلم قال : «لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» . وقال : «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وقال : «إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر فكيف حال من سجد للقبر نفسه ، وقد قال النبىّ صلى الله عليه وسلم : «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد» انتهى كلامه(رحمه الله) .
وبما ذكرنا في صدر هذا الجواب ، وبما نقلناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية(رحمه الله) وتلميذه العلاّمة ابن القيم (رحمه الله)يتضح لكم ولغيركم من القراء أن ما يفعله الجهال من الشيعة وغيرهم ، عندالقبور من دعاء أهلها والاستغاثة بهم والنذر لهم والسجود لهم وتقبيل القبور طلباً لشفاعتهم أو نفعهم لِمَن قَبّلها ، كل ذلك من الشرك الأكبر لكونه عبادة لهم والعبادة حق الله وحده كما قال الله سبحانه : }واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً{ (النساء / 36) وقال سبحانه : }وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء {(البيّنة / 5) .
وقال عزّ وجل : }وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون {(الذاريات / 56) إلى غير ذلك من الآيات التي سبق بعضها .
أمّا تقبيل الجدران ، أو الشبابيك أو غيرها ، واعتقاد أن ذلك عبادة لله ، لا من أجل التقرّب بذلك إلى المخلوق . فإنّ ذلك يسمى بدعة لكونه تقرباً لم يشرعه الله فدخل في عموم قول النبىّ صلى الله عليه وسلم : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»(16) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : «إياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة»(17) .
وأمّا تقبيل الحجر الأسود ، واستلامه واستلام الركن اليماني فكل ذلك عبادة لله وحده واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لكونه فعل ذلك في حجة الوداع وقال : «خذوا عني مناسككم» وقد قال الله عزّ وجل : }لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة{ (الأحزاب / 21) الآية .
وأمّا التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم ووضوئه ، فلا حرج في ذلك كما تقدم لأنّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أقر الصحابة عليه ولما جعل الله فيه من البركة ، وهي من الله سبحانه ، وهكذا ما جعل الله في ماء زمزم من البركة حيث قال صلى الله عليه وسلم عن زمزم إنّها مباركة وإنّه طعام طعم وشفاء سقم .
والواجب على المسلمين الاتباع والتقيد بالشرع ، والحذر من البدع القولية والعملية . ولهذا لم يتبرك الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بشعر الصديق (رحمه الله) ، أو عرقه أو وضوئه ولا بشعر عمر أو عثمان أو علي أو عرقهم أو وضوئهم . . . ولا بعرق غيرهم من الصحابة ، وشعره ووضوئه لعلمهم بأن هذا أمر خاص بالنبىّ صلى الله عليه وسلم ولا يقاس عليه غيره في ذلك ، وقد قال الله عز وجل : }والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم{(التوبة / 100) .
وقال كثير من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ : اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم .
وأمّا توسل عمر (رضي الله عنه) والصحابة بدعاء العباس في الاستسقاء وهكذا توسل معاوية (رضي الله عنه) في الاستسقاء بدعاء يزيد بن الأسود فذلك لا بأس به لأنّه توسل بدعائهما وشفاعتهما ولا حرج في ذلك . ولهذا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه : أدع الله لي وذلك دليل من عمل عمر والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ومعاوية(رضي الله عنه) على أنّه لا يتوسّل بالنبىّ صلى الله عليه وسلم في الإستسقاء ولا غيره بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ولو كان ذلك جائزاً لما عدل عمر الفاروق والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ عن التوسل به صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بدعاء العباس ولما عدل معاوية (رضي الله عنه)التوسل به صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بيزيد بن الأسود وهذا شيء واضح بحمد الله .
وإنّما يكون التوسل بالإيمان به صلى الله عليه وسلم ومحبّته والسير على منهاجه وتحكيم شريعته وطاعة أوامره ، وترك نواهيه . هذا هو التوسل الشرعي به صلى الله عليه وسلم بإجماع أهل السنة والجماعة وهو المراد بقول الله سبحانه }لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة{ .
وبما ذكرنا يعلم أن التوسل بجاهه صلى الله عليه وسلم أو بذاته من البدع التي أحدثها الناس ولو كان ذلك خيراً لسبقنا إليه أصحاب النبىّ صلى الله عليه وسلم لأنّهم أعلم الناس بدينه وبحقه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم .
وأمّا توسل الأعمى به صلى الله عليه وسلم إلى الله سبحانه في رد بصره إليه فذلك توسل بدعائه وشفاعته حال حياته صلى الله عليه وسلم . ولهذا شفع له النبىّ صلى الله عليه وسلم ودعا له .
والله المسؤول بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يمنحني وإيّاكم وسائر إخواننا الفقه في دينه والثبات عليه وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم وأن يوفق جميع حكام المسلمين للفقه في الدين والحكم بشريعة الله سبحانه والتحاكم إليها وإلزام الشعوب بها والحذر ممّا يخالفها عملاً بقول الله عزّ وجل : }فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم * ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلموا تسليماً {(النساء / 65) وبقوله سبحانه : }أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون{ (المائدة / 50) أنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . .
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وادارة البحوث العلمية والافتاء