تمَّ تنزيل هذا الكتاب من موقع الورَّاق - جزاهم اللَّه خيراً أَدَبُ الكُتَّاب أبو بكر محمد بن يحيى الصُّولي من مشاهير كتب الأدب في القرن الرابع الهجري. ألفه الصولي زمن الراضي بالله، كما يفهم مما كتبه في باب ما يتكاتب به الناس اليوم. قال في مقدمته: (وجزّأته ثلاثة أجزاء، في أول كل جزء منها ذكر ما فيه من الأبواب... وهذا الكتاب هو المستحق أن يسمى (أدب الكتاب) على الإيجاب، لا على الاستعارة، وعلى التحصيل، لا على التمثيل، فإني رأيت من صنف هذا مثل هذا الكتاب، ونسبه هذه النسبة (يريد الصولي هنا التعريض بكتاب ابن قتيبة) ولم يحصل له منه إلا تسميته دون تجسيمه، وتعميته دون إيضاحه وتقريبه من المعنى الذي ألبسه إياه، ونسبه إليه...إلخ) ثم أشار إلى أنه أسقط أكثر الأسانيد من الكتاب تسهيلاً على الطلاب. فجعل الجزء الأول منه فيما قيل في الخط والقلم، والجزء الثاني فيما قيل في المداد والقرطاس وأدوات الكتابة وآدابها، وما يلزمها من الصناعات، وجعل الثالث فيما جاء في الإبل والخيل، وأحكام الأموال والخراج الجزية، والرقيق، والأطعمة، ومكاتبة الإخوان، وختمه بفصول في اللغة والنحو. وعدد صفحات الأجزاء الثلاثة (259) صفحة. طبع لأول مرة سنة 1341ه 1923م بالمطبعة السلفية بمصر على نفقة المكتبة العربية ببغداد بعناية محمد بهجت الأثري، ونظر فيه محمود شكري الآلوسي، باعتماد نسخة الخزانة الآلوسية العامرة ببغداد، ولعلها الوحيدة في العالم. وكان قد اقتناها صاحب التفسير، يوم 13/شوال/1254ه. قال الأثري: (وقاسيت ما قاسيت لسقم خطه، واختلال كلمه، ورداءة وضعه، حتى إن رائيه ليقول فيه: ما هذا خط أنس ولا جان، فهو (ولا أطيل) أشبه شيء بنسج العنكبوت، أو بآثار أرجل البط في الوحل، ولولا حرصي على آثار السلف، وعشقي لنفائس الكتب، وشغفي بنوادرها، لما أقدمت على نسخه، بل ولا أجريت قلماً في نقله) الجزء الأول فضل الكتابة قال الله تعالى - وهو أول ما أنزل من القرآن: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم". فجعل تبارك اسمه أول ما أنزل من القرآن ذكر التفضيل على عباده بخلقه لهم، وما ندبهم له بذلك، من البقاء الدائم والنعيم المتصل، لمن آمن به ووحده وصدق بنبيه صلى الله عليه وسلم. ثم أتبع ذلك بذكر الأنعام عليهم بما علمهم من الكتاب الذي به قوام أمر دينهم ودنياهم، واستقامة معائشهم وحفظها. ولولا أن من لا يحسن الكتابة يجد ممن يحسنها معونة وإبانة عنه، لما استقام له أمر، ولا تم له عزم، ولحل محل الصور الممثلة، والبهائم المهملة. ومعنى قوله الذي علم بالقلم: الذي علم الكتابة بالقلم. وقال عز وجل: "ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون" فأقسم في القرآن بما خلق من ذلك أعني القرآن وما يكتب به من حبر ومداد وما يكتب فيه من سفر وقرطاس وأشباههما. على أن نون ههنا، عند بعضهم، السمكة التي تحمل الأرضين. وقال بعضهم: يريد الحرف. وكذلك عند هؤلاء يس وطس وكل ما في القرآن من ذلك. وإنما هو افتتاح السور بهذه الأحرف التي السور منها غير خارجة عنها. يقول عز وجل هذا القرآن بهذه الحرف العربية، ليس فيها لسان أعجمي ولا حرف من حروف العجم ليبطل بهذا ما زعمه الكفار أن النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم القرآن من يهود ونصارى يقرأون بالعبراني وغير ذلك من الألسن. ألا تراه جل وعلا كيف بين ذلك فقال: "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين". وسأل رجل أحمد بن يحيى ثعلب، وأنا حاضر، عن قسم الله عز وجل بالأشياء التي خلقها مثل قوله تعالى: "والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" فوقع القسم على الآية الأخيرة. فقال أحمد بن يحيى: رأيت الرؤساء من العلماء يقولون معناه: وخلقي الذي لا يقدر أحد أن يخلق مثله لقد كان كذا وكذا. وقال جل وعلا: "وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون" وقال: "بأيدي سفرة كرام بررة". فالسفرة الكتبة، الواحد سافر والجمع سفرة، مثل كافر وكفرة. ومعنى سافر كاتب يكتب في الأسفار، واحدها سفر، وهي الصحف وسفر إذا كتب من سفر فهو سافر. وكان المأمون وجد على بعض كتابه في شيء، فكتب إليه: ونحن الكاتبون وقد أسأنا * فهبنا للكرام الكاتبينا فعفا عنه. وبالكتابة جمع القرآن، وحفظت الألسن والآثار، ووكدت العهود، وأثبتت الحقوق، وسيقت التواريخ، وبقيت الصكوك، وأمن الإنسان النسيان، وقيدت الشهادات،