وانقلب إلى بلاده ورجع زيدان إلى مراكش فاستقر بدار ملكه وقد قيل إن يحيى رام الملك وأن أجناده من
البربر لم يساعدوه في قصة طويلة والله أعلم
--------------------
35
بقية أخبار أبي زكرياء يحيى بن عبد المنعم الحاحي وما دار بينه وبين السلطان زيدان رحمه الله
هو يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي الداودي المناني وكان جده سعيد واحد وقته علما
ودينا وهو الذي أحيا الله به السنة بالسوس وانتعش به الإسلام فيه وتوفي سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة
فخلفه ولده أبو محمد عبد الله وجرى على نهجه وسبيله بل كان بعض الناس يفضله على أبيه وتوفي سنة اثنتي
عشرة وألف ودفن بزداغة من جبل درن حيث كانت زاويته ولما مات جلس ولده أبو زكرياء يحيى موضعه وانتهج
سبيله وكان فقيها مشاركا رحل إلى فاس وأخذ عن شيوخها كالمنجور وغيره وعن الشيخ العارف بالله أبي
العباس أحمد الحسني على ما وجد بخطه السوساني الشهير بأدفال دفين درعة وهو معتمده أخذ عنه كثيرا من
الفنون وأجازه في علوم الحديث إجازة عامة وكان يحيى شاعرا محسنا وكانت له شهرة عظيمة بالصلاح وله
أتباع كوالده وجده وتوجهت إلى زيارته الهمم وركبت إليه النجائب إلا أنه وقع له قريب مما وقع لأبي
محلي فتصدى للملك وخاض في أمور السلطنة فتكدر مشربه وقد قال بعض العلماء إن الرياسة إذا دخلت قلب
رجل لا تقصر عن إذهاب رأسه ولذلك قال صاحب الفوائد في حقه إنه قام لجمع
--------------------
36
الكلمة والنظر في مصالح الأمة فاستمر به علاج ذلك إلى أن توفي ولم يتم له أمر وكان يراسل السلطان
زيدان ويكثر عليه ويجير عليه من استجار به ويروم إلى مناصحته ابتغاء ويحسو من ذلك حسوا في ارتغاء
وكان زيدان يتحمل منه أمرا عظيما فمما كتب به يحيى إليه ما نصه من يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد
المنعم كان الله له بجميل لطفه آمين اللهم إنا نحمدك على كل حال ونشكرك يا ولي المؤمنين على دفع
اللاواء والمحال و ونستوهبك يا مولانا جميل لطفك وجزيل فضلك في المقام والترحال عائذين بوجهك
الكريم من مؤاخذتنا بسوء أعمالنا يا شديد المحال هذا وسلام الله الأتم ورضوانه الأعم ورحمته
وبركاته على المولى الإمام العلم المقدام العلوي الهمام كيف أنتم وكيف أحوالكم مع هذا الزمان الذي
شمر عن ساقه لسلب الأديان وألح في اقتضاء هواه على كل مديان فإنا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو
حسبنا ونعم الوكيل وبعد فالباعث به إليكم في هذه البطاقة أمور ثلاثة مدارها على قوله ( الدين
النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولخاصة المسلمين وعامتهم ) فالأول بيان سبب الركون إلى جانبكم والثاني
الحامل على دفع مناويكم والثالث ملازمة نصحكم وتذكيركم والضجر مما يصدر منكم ومن أعوانكم للرعية
أما الأول فله أسباب كثيرة منها مراعاة الجناب النبوي الكريم في أهل بيته ورضي الله عن أبي بكر
الصديق القائل ارقبوا محمدا في أهل بيته والقائل لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي
( يا أهل بيت رسول الله حبكم
فرض من الله في القرآن أنزله )
( يكفيكم من عظيم المجد أنكم
من لم يصل عليكم لا صلاة له )
ومنها نصح خاصة المسلمين الذي هو الدعاء بالهداية لهم ورد القلوب النافرة إليهم و نصحهم بقدر
الإمكان مشافهة ومراسلة ومكاتبة وقد
--------------------
37
بذلنا الجهد في الجميع أخلص الله القصد في الجميع وأما الثاني فلما جرى القدر بتغلب ذلك الإنسان
المتسلط على النفس والحريم والأموال وأدخل بتأويلاته البعيدة عن الصواب ما ليس في المذهب وتعدى
خصوص الولاة إلى سائر الرعية فاضلها ومفضولها ومد مع ذلك يد الوعيد المؤكد بالإيمان إلينا في
الأنفس والأموال فناشدناه كما تقرر في فتاوى الأئمة رضي الله عنهم حيث توفرت فيه فصول الصائل كلها