شرح نهج البلاغه

ابن ابی الحدید معتزلی

نسخه متنی -صفحه : 614/ 239
نمايش فراداده

خطبه 086-موعظه ياران

الشرح:

استشعر الحزن: جعله كالشعار، و هو ما يلى الجسد من الثياب.

و تجلبب الخوف: جعله جلبابا، اى ثوبا.

زهر مصباح الهدى: اضاء.

و اعد القرى ليومه، اى اعد ما قدمه من الطاعات قرى لضيف الموت النازل به.

و الفرات: العذب.

و قوله: (فشرب نهلا)، يجوز ان يكون اراد بقوله: (نهلا) المصدر، من نهل ينهل نهلا، اى شرب حتى روى، و يجوز ان يريد بالنهل الشرب الاول خاصه، و يريد انه اكتفى بما شربه اولا، فلم يحتج الى العلل.

و طريق جدد: لاعثار فيه لقوه ارضه.

و قطع غماره، يقال: بحر غمر، اى كثير الماء، و بحار غمار.

و استمسك من العرا باوثقها، اى من العقود الوثيقه، قال تعالى: (فقد استمسك بالعروه الوثقى).

و نصب نفسه لله، اى اقامها.

كشاف عشوات: جمع عشوه و عشوه و عشوه، بالحركات الثلاث، و هى الامر الملتبس، يقال: اوطانى عشوه.

و المعضلات: جمع معضله و هى الشدائد و الامور التى لايهتدى لوجهها.

دليل فلوات، اى يهتدى به كما يهتدى الركب فى الفلاه بدليلهم.

امها: قصدها.

و مظنه الشى ء: حيث يظن وجوده.

و الثقل.

متاع المسافر و حشمه.

(فصل فى العباد و الزهاد و العارفين و احوالهم) و اعلم: ان هذا الكلام منه اخذ اصحاب علم الطريقه و الحقيقه علمهم ، و هو تصريح بحال العارف و مكانته من الله تعالى.

و العرفان درجه حال رفيعه شريفه جدا، مناسبه للنبوه، و يختص الله تعالى بها من يقربه اليه من خلقه.

و الاولياء على طبقات ثلاث: الطبقه الاولى: حال العابد، و هو صاحب الصلاه الكثيره، و الصوم الدائم، و الحج و الصدقه.

و الطبقه الثانيه: حال الزاهد، و هو المعرض عن ملاذ الدنيا و طيباتها، تقنعه الكسره، و تستره الخرقه، لا مال و لا زوجه و لا ولد.

و الطبقه الثالثه: حال العارف، و هو الواصل الى الله سبحانه بنفسه لا ببدنه، و البارى ء سبحانه متمثل فى نفسه تمثل المعشوق فى ذات العاشق، و هو ارفع الطبقات، و بعده الزاهد.

و اما العابد فهو ادونها، و ذلك لان العابد معامل كالتاجر، يعبد ليثاب، و يتعب نفسه ليرتاح، فهو يعطى من نفسه شيئا و يطلب ثمنه و عوضه، و قد يكون العابد غنيا موسرا، كثير المال و الولد، فليست حاله من احوال الكمال.

و اما الزاهد، فانه احتقر الدنيا و عروضها و قيناتها، فخلصت نفسه من دناءه المطامع و صار عزيزا ملكا، لا سلطان عليه لنفسه و لا لغيره، فاستراح من الذل و الهوان، و لم يبق لنفسه شى ء تشتاق اليه بعد الموت، فكان اقرب الى السلامه و النجاه من العابد الغنى الموسر.

و اما العار ف فانه بالحال التى وصفناها، و يستلزم مع جودها ان يكون زاهدا، لانه لايتصور العرفان مع تعلق النفس بملاذ الدنيا و شهواتها.

نعم قد يحصل بعض العرفان لبعض العلماء الفضلاء، مع تعلقهم بشهوات الدنيا، و لكنهم لايكونون كاملين فى احوالهم، و انما تحصل الحاله الكامله لمن رفض الدنيا و تخلى عنها، و تستلزم الحاله المذكوره ايضا ان يكون عابدا عباده ما، و ليس يشترط فى حصول حال العرفان ان يكون على قدم عظيمه من العباده، بل الاكثار من العباده حجاب كما قيل، و لكن لابد من القيام بالفرائض و شى ء يسير من النوافل.

و اعلم: ان العارف هو العارف بالله تعالى و صفاته و ملائكته و رسله و كتبه، و بالحكمه المودعه فى نظام العالم، لا سيما الافلاك و الكواكب، و تركيب طبقات العناصر، و الاحكام و فى تركيب الابدان الانسانيه.

فمن حصل له ذلك، فهو العارف، و ان لم يحصل له ذلك، فهو ناقص العرفان، و ان انضم الى ذلك استشعاره جلال الله تعالى و عظمته، و رياضه النفس و المجاهده، و الصبر و الرضا و التوكل، فقد ارتفع طبقه اخرى، فان حصل له بعد ذلك الحب و الوجد، فقد ارتفع طبقه اخرى، فان حصل له بعد ذلك الاعراض عن كل شى ء سوى الله، و ان يصير مسلوبا عن الموجودات كلها، فلا ي شعر الا بنفسه و بالله تعالى فقد ارتفع طبقه اخرى، و هى ارفع طبقات.

و هناك طبقه اخرى يذكرونها، و هى ان يسلب عن نفسه ايضا، فلا يكون له شعور بها اصلا، و انما يكون شاعرا بالقيوم الاول سبحانه لا غير، و هذه درجه الاتحاد، بان تصير الذاتان ذاتا واحده.

و هذا قول قوم من الاوائل و من المتاخرين ايضا، و هو مقام صعب، لاتثبت العقول لتصوره و اكتناهه.

و اعلم ان هذه الصفات و الشروط و النعوت التى ذكرها فى شرح حال العارف، انما يعنى بها نفسه (ع)، و هو من الكلام الذى له ظاهر و باطن، فظاهره ان يشرح حال العارف المطلق، و باطنه ان يشرح حال عارف معين، و هو نفسه (ع).

و سياتى فى آخر الخطبه ما يدل على ذلك.

و نحن نذكر الصفات التى اشار (ع) اليها واحده واحده: فاولها: ان يكون عبدا اعانه الله على نفسه، و معنى ذلك ان يخصه بالطاف يختار عندها الحسن و يتجنب القبيح فكانه اقام النفس فى مقام العدو، و اقام الالطاف مقام المعونه التى يمده الله سبحانه بها، فيكسر عاديه العدو المذكور و بهذا الاعتبار سمى قوم من المتكلمين اللطف عونا.

و ثانيها: ان يستشعر الحزن، اى يحزن على الايام الماضيه، ان لم يكن اكتسب فيها من موجبات الاختصاص اضعاف ما اكتسبه.

و ثالثها: ان ي تجلبب الخوف، اى يخاف من الاعراض عنه، بان يصدر عنه ما يمحوه من جريده المخلصين.

و رابعها: ان يعد القرى لضعيف المنيه، و ذلك باقامه وظائف العباده.

و خامسها: ان يقرب على نفسه البعيد، و ذلك بان يمثل الموت بين عينيه صباحا و مساء، و الا يطيل الامل.

و سادسها: ان يهون عليه الشدائد، و ذلك باحتمال كلف المجاهده و رياضه النفس على عمل المشاق.

و سابعها: ان يكون قد نظر فابصر، و ذلك بترتيب المقدمات المطابقه لمتعلقاتها ترتيبا صحيحا، لتنتج العلم اليقينى.

و ثامنها: ان يذكر الله تعالى فيستكثر من ذكره، لان ذكره سبحانه و الاكثار منه، يقتضى سكون النفس و طمانينتها، كما قال تعالى: (الا بذكر الله تطمئن القلوب).

و تاسعها: ان يرتوى من حب الله تعالى، و هو العذب الفرات، الذى سهل موارده على من انتخبه الله، و جعله اهلا للوصول اليه، فشرب منه و نهل، و سلك طريقا لاعثار فيه و لاوعث.

و عاشرها: ان يخلع سرابيل الشهوات لان الشهوات، تصدى ء مرآه العقل، فلا تنطبع المعقولات فيها كما ينبغى، و كذلك الغضب.

و حادى عشرها: ان يتخلى من الهموم كلها، لانها تزيدات و قواطع عن المطلوب، الا هما واحدا و هو همه بمولاه، الذى لذته و سروره الاهتمام به، و التفرد بمناجاته و مطالعه انوار عزته، فحينئذ يخرج عن صفه اهل العمى، و من مشاركه اهل الهوى، لانه قد امتاز عنهم بهذه المرتبه و الخاصيه التى حصلت له فصار مفتاحا لباب الهدى، و مغلاقا لباب الضلال و الردى، قد ابصر طريق الهدى، و سلك سبيله، و عرف مناره، و قطع غماره.

و ثانى عشرها: ان ينصب نفسه لله فى ارفع الامور، و هو الخلوه به و مقابله انوار جلاله بمرآه فكره، حتى تتكيف نفسه بتلك الكيفيه العظيمه الاشراق، فهذا ارفع الامور و اجلها و اعظمها، و قد رمز فى هذا الفصل، و مزجه بكلام خرج به الى امر آخر، و هو فقه النفس فى الدين، و الامور الشرعيه النافعه للناس فى دنياهم و اخراهم، اما فى دنياهم فلردع المفسد و كف الظالم، و اما فى اخراهم فللفوز بالسعاده باعتبار امتثال الاوامر الالهيه.

فقال: (فى اصدار كل وارد عليه)، اى فى فتيا كل مستفت له، و هدايه كل مسترشد له فى الدين، ثم قال: (و تصيير كل فرع الى اصله).

و يمكن ان يحتج بهذا من قال بالقياس، و يمكن ان يقال: انه لم يرد ذلك، بل اراد تخريج الفروع العقليه، و ردها الى اصولها، كما يتكلف اصحابنا القول فى بيان حكمه القديم تعالى، فى الالام و ذبح الحيوانات، ردا له الى اصل العدل، و هو كونه تعالى لايفعل القبيح.

و ثالث عشرها: ان يكون مصباحا لظلمات الضلال، كشافا لعشوات الشبه، مفتاحا لمبهمات الشكوك المستغلقه، دفاعا لمعضلات الاحتجاجات العقليه الدقيقه الغامضه، دليلا فى فلوات الانظار الصعبه المشتبهه، و لم يكن فى اصحاب محمد (ص) احد بهذه الصفه الا هو.

و رابع عشرها: ان يقول مخاطبا لغيره فيفهمه ما خاطبه به، و ان يسكت فيسلم، و ذلك لانه ليس كل قائل مفهما، و لا كل ساكت سالما.

و خامش عشرها: ان يكون قد اخلص لله فاستخلصه الله، و الاخلاص لله مقام عظيم جدا، و هو ينزه الافعال عن الرياء، و الا يمازج العباده امر لايكون لله سبحانه، و لهذا كان بعض الصالحين يصبح من طول العباده نصبا قشفا، فيكتحل و يدهن، ليذهب بذلك اثر العباده عنه.

و قوله: (فهو من معادن دينه و اوتاد ارضه)، معادن دينه: الذين يقتبس الدين منهم، كمعادن الذهب و الفضه، و هى الارضون التى يلتقط ذلك منها، و اوتاد ارضه: هم الذين لولاهم لمادت الارض و ارتجت باهلها، و هذا من باب الاستعاره الفصيحه، و اهل هذا العلم يقولون: اوتاد الارض جماعه من الصالحين، و لهم فى الاوتاد و الابدال و الاقطاب كلام مشهور فى كتبهم.

و سادس عشرها: ان يكون قد الزم نفسه العدل، و العداله: ملكه تصدر بها عن النفس الافع ال الفاضله خلقا لاتخلقا.

و اقسام العداله ثلاثه، هى الاصول و ما عداها من الفضائل فروع عليها: الاولى الشجاعه، و يدخل فيها السخاء لانه شجاعه و تهوين للمال، كما ان الشجاعه الاصليه تهوين للنفس، فالشجاع فى الحرب جواد بنفسه، و الجواد بالمال شجاع فى انفاقه، و لهذا قال الطائى: ايقنت ان من السماح شجاعه تدمى، و ان من الشجاعه جودا و الثانيه: الفقه، و يدخل فيها القناعه و الزهد و العزله.

و الثالثه: الحكمه، و هى اشرفها.

و لم تحصل العداله الكامله لاحد من البشر بعد رسول الله (ص) الا لهذا الرجل، و من انصف علم صحه ذلك، فان شجاعته و جوده، و عفته و قناعته و زهده، يضرب بها الامثال.

و اما الحكمه و البحث فى الامور الالهيه، فلم يكن من فن احد من العرب، و لانقل فى جهاد اكابرهم و اصاغرهم شى ء من ذلك اصلا، و هذا فن كانت اليونان و اوائل الحكماء و اساطين الحكمه ينفردون به، و اول من خاض فيه من العرب على (ع)، و لهذا تجد المباحث الدقيقه فى التوحيد و العدل مبثوثه عنه فى فرش كلامه و خطبه، و لاتجد فى كلام احد من الصحابه و التابعين كلمه واحده من ذلك، و لايتصورونه، و لو فهموه لم يفهموه، و انى للعرب ذلك! و لهذا انتسب المتكلمون الذين لججوا فى ب حار المعقولات اليه خاصه دون غيره، و سموه استاذهم و رئيسهم، و اجتذبته كل فرقه من الفرق الى نفسها، الا ترى ان اصحابنا ينتمون الى واصل بن عطاء، و واصل تلميذ ابى هاشم بن محمد بن الحنفيه، و ابوهاشم تلميذ ابيه محمد، و محمد تلميذ ابيه على (ع)! فاما الشيعه من الاماميه و الزيديه و الكيسانيه، فانتماوهم اليه ظاهر.

و اما الاشعريه فانهم باخره ينتمون اليه ايضا، لان اباالحسن الاشعرى تلميذ شيخنا ابى على رحمه الله تعالى، و ابو على تلميذ ابى يعقوب الشحام، و ابويعقوب تلميذ ابى الهذيل، و ابوالهذيل تلميد ابى عثمان الطويل و ابوعثمان الطويل، تلميذ واصل بن عطاء، فعاد الامر الى انتهاء الاشعريه الى على (ع).

و اما الكراميه فان ابن الهيصم ذكر فى كتاب "المقالات" ان اصل مقالتهم و عقيدتهم تنتهى الى على (ع) من طريقين: احدهما: بانهم يسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ، الى ان ينتهى الى سفيان الثورى، ثم قال: و سفيان الثورى من الزيديه، ثم سال نفسه فقال: اذا كان شيخكم الاكبر الذى تنتمون اليه كان زيديا، فما بالكم لاتكونون زيديه؟ و اجاب بان سفيان الثورى رحمه الله تعالى، و ان اشهر عنه الزيديه، الا ان تزيده انما كان عباره عن موالاه اهل البيت، و انكار ما كان بنو اميه عليه من الظلم، و اجلال زيد بن على و تعظيمه، و تصوينه فى احكامه و احواله، و لم ينقل عن سفيان الثورى انه طعن فى احد من الصحابه.

الطريق الثانى: انه عد مشايخهم واحدا فواحدا، حتى انتهى الى علماء الكوفه من اصحاب على، كسلمه بن كهيل، و حبه العرنى، و سالم بن الجعد، و الفضل بن دكين، و شعبه، و الاعمش، و علقمه و هبيره بن مريم، و ابى اسحاق الشعبى، و غيرهم، ثم قال: و هولاء اخذوا العلم من على بن ابى طالب (ع)، فهو رئيس الجماعه- يعنى اصحابه- و اقوالهم منقوله عنه و ماخوذه منه.

و اما الخوارج فانتماوهم اليه ظاهر ايضا، مع طعنهم فيه، لانهم كانوا اصحابه، و عنه مرقوا، بعد ان تعلموا عنه، و اقتبسوا منه و هم شيعته و انصاره بالجمل و صفين، و لكن الشيطان ران على قلوبهم، و اعمى بصائرهم.

ثم انه (ع) ذكر حال هذا العارف العادل فقال: (اول عدله نفى الهوى عن نفسه)، و ذلك لان من يامر و لا ياتمر، و ينهى و لا ينتهى، لا توثر عظته، و لاينفع ارشاده.

ثم شرح ذلك فقال: (يصف الحق و يعمل به).

ثم قال: (لا يدع للخير غايه الا امها، و لا مظنه الا قصدها)، و ذلك لان الخير لذته و سروره و راحته، فمتى وجد اليه طريقا سلكها، ثم قال: (قد امكن الكتاب- يعنى القرآن- من زمامه)، اى قد اطاع الاوامر الالهيه، فالقرآن قائده و امامه، يحل حيث حل، و ينزل حيث نزل.