شرح نهج البلاغه

ابن ابی الحدید معتزلی

نسخه متنی -صفحه : 614/ 439
نمايش فراداده

خطبه 173-درباره طلحه

الشرح:

كان هاهنا تامه، و الواو واو الحال، اى خلقت و وجدت و انا بهذه الصفه، كما تقول: خلقنى الله و انا شجاع.

و يجوز ان تكون الواو زائده، و تكون (كان) ناقصه، و خبرها (ما اهدد)، كما فى المثل: (لقد كنت و ما اخشى بالذئب).

فان قلت: اذا كانت ناقصه، لزم ان تكون الان بخلاف ما مضى، فيكون الان يهدد و يرهب.

قلت: لايلزم ذلك، لان (كان) الناقصه للماضى من حيث هو ماض، و ليس يشترط فى ذلك ان يكون منقطعا، بل قد يكون دائما، كقوله تعالى: (و كان الله عليما حكيما).

ثم ذكر (ع) انه على ما وعده ربه من النصر، و انه واثق بالظفر و الغلبه الان، كما كانت عادته فيما سبق.

ثم شرح حال طلحه، و قال: انه تجرد للطلب بدم عثمان، مغالطه للناس، و ايهاما لهم انه برى ء من دمه، فيلتبس الامر، و يقع الشك.

و قد كان طلحه اجهد نفسه فى امر عثمان و الاجلاب عليه، و الحصر له، و الاغراء به، و منته نفسه الخلافه، بل تلبس بها، و تسلم بيوت الاموال و اخذ مفاتيحها، و قاتل الناس، و احدقوا به، و لم يبق الا ان يصفق بالخلافه على يده.

(ذكر ما كان من امر طلحه مع عثمان) ذكر ابوجعفر محمد بن جرير الطبرى فى كتاب "التاريخ" قال: حدثنى عمر بن شبه، عن على بن محمد، عن عبد ربه، عن نافع، عن اسماعيل بن ابى خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال على (ع) لطلحه و عثمان محصور: انشدك الله الارددت الناس عن عثمان! قال: لا و الله حتى تعطى بنو اميه الحق من انفسها.

و روى الطبرى ان عثمان كان له على طلحه خمسون الفا، فخرج عثمان يوما الى المسجد، فقال له طلحه: قد تهيا مالك فاقبضه، فقال: هو لك يا ابامحمد معونه لك على مروئتك.

قال: فكان عثمان يقول و هو محصور: جزاء سنمار! و روى الطبرى ايضا ان طلحه باع ارضا له من عثمان بسبعمائه الف، فحملها اليه، فقال طلحه: ان رجلا يبيت و هذه عنده و فى بيته، لايدرى ما يطرقه من امر الله لغرير بالله؟ فبات و رسله تختلف بها فى سكك المدينه يقسمها حتى اصبح و ما عنده منها درهم واحد.

قال الطبرى: روى ذلك الحسن البصرى، و كان اذا روى ذلك يقول: ثم جاء الينا يطلب الدينار و الدرهم- او قال: و الصفراء و البيضاء.

و روى الطبرى ايضا، قال: قال ابن عباس رحمه الله: لما حججت بالناس نيابه عن عثمان و هو محصور، مررت بعائشه بالصلصل، فقالت: يا بن عباس، انشدك الله فانك قد اعطيت لسانا و عقلا، ان تخذل الناس عن طلحه، فقد بانت لهم بصائرهم فى عثمان و انهجت، و رفعت لهم المنار، و تحلبوا من البلدان لامر ق د حم، و ان طلحه- فيما بلغنى- قد اتخذ رجالا على بيوت الاموال، و اخذ مفاتيح الخزائن و اظنه يسير ان شاء الله بسيره ابن عمه ابى بكر، فقال: يا امه، لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس الا الى صاحبنا، فقالت: ايها عنك يا بن عباس، انى لست اريد مكابرتك و لا مجادلتك.

و روى المدائنى فى كتاب "مقتل عثمان" ان طلحه منع من دفنه ثلاثه ايام، و ان عليا (ع) لم يبايع الناس الا بعد قتل عثمان بخمسه ايام، و ان حكيم بن حزام احد بنى اسد بن عبدالعزى، و جبير بن مطعم بن الحارث بن نوفل استنجدا بعلى (ع) على دفنه، فاقعد طلحه لهم فى الطريق ناسا بالحجاره، فخرج به نفر يسير من اهله و هم يريدون به حائطا بالمدينه يعرف بحش كوكب.

كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما صار هناك رجم سريره، و هموا بطرحه، فارسل على (ع) الى الناس يعزم عليهم ليكفوا، عنه فكفوا فانطلقوا به حتى دفنوه فى حش كوكب.

و روى الطبرى نحو ذلك، الا انه لم يذكر طلحه بعينه، و زاد فيه ان معاويه لما ظهر على الناس، امر بذلك الحائط فهدم حتى افضى به الى البقيع، و امر الناس ان يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل (ذلك) بمقابر المسلمين.

و روى المدائنى فى هذا الكتاب، قال: دفن عثمان بين المغرب و العتمه، و لم يشهد جنازته الا مروان بن الحكم و ابنه عثمان و ثلاثه من مواليه، فرفعت ابنته صوتها تندبه، و قد جعل طلحه ناسا هناك اكمنهم كمينا، فاخذتهم الحجاره، و صاحوا: نعثل نعثل! فقالوا: الحائط الحائط! فدفن فى حائط هناك.

و روى الواقدى، قال: لما قتل عثمان، تكلموا فى دفنه، فقال طلحه: يدفن بدير سلع- يعنى مقابر اليهود.

و ذكر الطبرى فى تاريخه هذا، الا انه روى عن طلحه فقال: قال رجل: يدفن بدير سلع- فقال حكيم بن حزام: و الله لا يكون هذا ابدا واحد من ولد قصى (حى) حتى كاد الشر يلتحم، فقال ابن عديس البلوى: ايها الشيخ، و ما يضرك اين دفن! قال: لايدفن الا ببقيع الغرقد، حيث دفن سلفه و رهطه، فخرج به حكيم بن حزام فى اثنى عشر رجلا، منهم الزبير بن العوام، فمنعهم الناس عن البقيع، فدفنوه بحش كوكب.

و روى الطبرى فى التاريخ ان عثمان لما حصر، كان على (ع) بخيبر فى امواله، فلما قدم ارسل اليه يدعوه، فلما دخل عليه قال له: ان لى عليك حقوقا: حق الاسلام، و حق النسب، و حق مالى عليك من العهد و الميثاق، و و الله ان لو لم يكن من هذا كله شى ء و كنا فى جاهليه، لكان عارا على بنى عبدمناف ان يبتزهم اخو تيم ملكهم- يعنى طلحه- فقال له (ع): سياتيك الخبر، ثم قام فدخل ا لمسجد، فراى اسامه بن زيد جالسا، فدعاه فاعتمد على يده، و خرج يمشى الى طلحه، فدخل داره، و هى دحاس من الناس، فقام (ع)، فقال يا طلحه، ما هذا الامر الذى وقعت فيه؟ فقال: يا ابااحسن، ابعد ما مس الحزام الطبيين! فانصرف على (ع) و لم يحر اليه شيئا حتى اتى بيت المال، فنادى: افتحوا هذا الباب، فلم يقدروا على فتحه، فقال: اكسروه، فكسر فقال اخرجوا هذا المال، فجعلوا يخرجونه و هو يعطى الناس، و بلغ الذين فى دار طلحه ما صنع على (ع) فجعلوا يتسللون اليه حتى بقى طلحه وحده، و بلغ الخبر عثمان، فسر بذلك، ثم اقبل طلحه يمشى عامدا الى دار عثمان، فاستاذن عليه، فلما دخل قال: يا اميرالمومنين، استغفر الله و اتوب اليه، لقد رمت امرا حال الله بينى و بينه.

فقال عثمان: انك و الله ما جئت تائبا، و لكن جئت مغلوبا، و الله حسيبك يا طلحه! ثم قسم (ع) مال طلحه، فقال: لايخلو اما ان يكون معتقدا حل دم عثمان، او حرمته، او يكون شاكا فى الامرين، فان كان يعتقد حله لم يجز له ان ينقض البيعه لنصره انسان حلال الدم، و ان كان يعتقد حرمته، فقد كان يجب عليه ان ينهنه عنه الناس، اى يكفهم.

و ان يعذر فيه، بالتشديد اى يقصر و لم يفعل ذلك، و ان كان شاكا، فقد كان يجب عليه ان ي عتزل الامر، و يركد جانبا، و لم يعتزل و انما صلى بنار الفتنه، و اصلاها غيره.

فان قلت: يمكن ان يكون طلحه و اعتقد اباحه دم عثمان اولا، ثم تبدل ذلك الاعتقاد بعد قتله، فاعتقد ان قتله حرام، و انه يجب ان يقتص من قاتليه! قلت: لو اعترف بذلك لم يقسم على (ع) هذا التقسيم، و انما قسمه لبقائه على اعتقاد واحد، و هذا التقسيم مع فرض بقائه على اعتقاد واحد صحيح لامطعن فيه، و كذا كان حال طلحه فانه لم ينقل عنه انه قال: ندمت على ما فعلت بعثمان.

فان قلت: كيف قال اميرالمومنين (ع): (فما فعل واحده من الثلاث)، و قد فعل واحده منها، لانه وازر قاتليه حيث كان محصورا! قلت: مراده (ع) انه ان كان عثمان ظالما، وجب ان يوازر قاتليه بعد قتله، يحامى عنهم، و يمنعهم ممن يروم دمائهم، و معلوم انه لم يفعل ذلك، و انما وازرهم و عثمان حى، و ذلك غير داخل فى التقسيم.