لقد كان التصور الوثني لصورة المرأة في الشعر الجاهلي - في نظره - سائداً عند العرب، لأن (( الحياة الجاهلية وثنية، والدمى والتماثيل تصاوير لربات قد عبدها الجاهليون، أيقدر الوثني على تشبيه المرأة بما يعبد، إن لم يكن للمرأة الموجودة في الشعر الجاهلي شيء من القداسة؟ ))(18)، فالقداسة هي المرتكز الجوهري الذي تقوم عليه صورة المرأة في الشعر الجاهلي في مقاربة نصرت عبد الرحمن، والعلاقة بين ركني التشبيه في صورة المرأة في الشعر الجاهلي، علاقة تقوم على خلفية دينية نابعة من التصور الميثيوديني للجاهلي.
وتوكيداً لطرحه يتتبع صورة المرأة في الشعر عبر محور التشبيه القائم على تكرار ارتباط صورة المرأة عبر مسميات متعددة تكرر تشبيهها بالدمية والشمس والغزالة والمهاة، وكلها معبودات عند العربي في جاهليته تؤكدها المصادر التاريخية والدينية للعرب في الجاهلية، ومن ثم ندرك أن نصرت عبد الرحمن يبتغي التركيز في طرحه على البعد الميثيوديني للصورة في الشعر الجاهلي، فيجعل من أدوات القراءة الأسطورية ومقولاتها الكبرى غاية لا آلية نوظفها من أجل الوصول إلى مفهوم شامل لقراءة الشعر الجاهلي.
ينطلق علي البطل من طرح نصرت عبد الرحمن من أن صورة المرأة في الشعر الجاهلي لها ارتباط ميثيوديني الأساس الأول في مقاربته لصورة المرأة في شعر ما قبل الإسلام، لكنه لا يعمم الحكم كما ذهب إلى ذلك نصرت عبد الرحمن من أن صورة المرأة ذات أصول دينية بل يؤكد على طرح مؤداه على أن صورة المرأة في الشعر الجاهلي يتجاذب بناءها الفني ما هو ديني وما هو واقعي لذلك نجده يعقد فصلا كاملا لتتبع صورة المرأة في الشعر الجاهلي يسميه "صورة المرأة بين المثال والواقع".
فالمرأة المثال في طرح علي البطل لا تتعلق بامرأة معينة من النساء اللواتي ذكرن في أشعار الجاهليين ونعتت بأسماء بعينها، بل صورتها في الأغلب تأتي صورة مكررة عند الشعراء الجاهليين وإن شابتها بعض الاختلافات لكن هذا الاختلاف لا يمس الصورة الجوهر، الصورة المثال، وهذا ما جعل علي البطل يذهب إلى أن هذا النمط من صورة المرأة في الشعر الجاهلي هو في الحقيقة محاكاة لأنموذج قديم، يعود بجذوره إلى تصور ميثيوديني للمرأة الأم، بحيث جمع العرب الصور المختلفة للأمومة كالمهاة والغزالة والحصان من الحيوان، النخلة والسمرة من النبات، فالمرأة من الإنسان، فجعلوها رموزاً مقدسة للشمس - الأم. ولهذا أظهرت هذه الرموز متجاورة عند تصوير الشعراء للمرأة فيما وصل إلينا من شعر مرحلة ما قبل الإسلام، ولا نقصد بهذا أن شعر هذه المرحلة المتأخرة من تاريخ العرب، يحمل لنا صورة طقوس الدين البدائي القديم، فقد كانت كثرة هذه الطقوس قد درست ولم يبق منها إلا آثار باهتة حتى في الممارسات الدينية، ولكننا نرى أن الصورة المترسبة في الشعر من الدين القديم هي آثار احتذاء لنماذج فنية سابقة - لم تصلنا - كانت وثيقة الصلة بهذا الدين، أو - بمعنى آخر - لقد تحولت الصورة الدينية إلى قوالب فنية، قد تخالف أحياناً النماذج القديمة؛ ولكنها في كثرتها تشي بتتبع لهذه النماذج من حيث ظهور الصورة المقدسة للأم - بشكل غير واع - عند حديثهم عن المرأة، إذا جمعوا لها صفات الخصوبة والأمومة المعبودة، التي ارتبطت بالربة الشمس في الدين القديم، فصورة المرأة المثال في الشعر الجاهلي في طرح علي البطل هي الصورة الأساس والجوهر، وارتباطها راجع في مصادره الفكرية إلى الرؤية الطوطمية، باعتبار أن ((كل إنسان متمدن، مهما بلغت درجة نموّ وعيه، لم يزل إنساناً قديماً في الطبقات السفلى من كيانه النفسي ))(19)، مرتبط في أعماقه بالبعد الميثيوديني في تصوره وفي لغته.