مراجعات

عبد الحسين شرف الدين؛ تحقيق: حسين الراضي

نسخه متنی -صفحه : 195/ 11
نمايش فراداده

خدماته أما خدماته المناضلة ضد الاستعمار الاجنبي فحدث عنها ولا حرج ولا يتسع مجالنا هذا لتفصيل
القول في ذلك النضال ، ولكن بوسعي ان اقول لك بكلمة مجملة : إن خدماته العظيمة في العهدالتركي ، ثم في
العهد الفرنسي ، ثم في ايام الاستقلال ، كانت امتدادا لحركات التحرير ، وارتقاء بها نحو كل ما يحقق
العدل ويوطد الامن ، وينعش الكافة على أن السلطات في العهود كلها لم تأل جهدا في مقاومته ، ومناوأة
مشاريعه بما تقاوم به السلطات الجائرة من الدس والاضطهاد وقتل المصالح ، ولعل المحن التي كابدها
هذا الامام الجليل في سبيل إسعاد قومه ، لم يكابد نارها إلا أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم ، ممن
ابلوا بلاءه وعانوا عناءه .
وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعا ، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ
باغتياله .
واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة ، وهو بين اهله وعياله ، دون ان يكون لديه احد من اعوانه ورجاله
، ولكن الله سبحانه وتعالى اراد له غير ما ارادوا ، فكف ايديهم عنه ، ثم تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون
باذيال الفشل والهوان ، وما يكاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة ، حتى خفت جماهيرهم إلى
صور ، تزحف إليها من كل صوب وحدب ، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير ازاء هذا الحدث ، غير
ان السيد صرفهم بعد ان شكرهم ، واجزل شكرهم ، وارتأى لهم ان يمروا بالحادث كراما .
ثم تلا هذا الحادث احداث واحداث اتسع فيها الخرق ،
--------------------
30
وانفجرت فيها شقة الخلاف ، حتى ادت إلى تشريد السيد باهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق ، وقد
وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق ، إذ كانت السلطة الغاشمةتتعقبه بقوة من
قواتها المسلحة لتحول بينه وبين الوصول إلى دمشق ، وحين يئست من القبض عليه ، عادت فسلطت النار على
داره في ( شحور ) فتركتها هشيما تذوره الرياح ، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في ( صور ) بعد ان أباحتها
للايدي الاثيمة ، تعيث بها سلبا ونهبا ، حتى لم تترك فيها غاليا ولا رخيصا ، وكان أوجع ما في هذه
النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكل ما فيها من نفائس الكتب واعلاقها ، ومنها تسعة عشر مؤلفا من مؤلفاته
، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ .
في دمشق وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم وتحيط به المكرمات ، في ابهة من نفسه ، ومن جهاده ، ومن
ايمانه ، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية ، واجتماعات سياسية ، وحفلات وطنية ، تتبعها اتصالات
بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب ، كان السيد في جميعها زعيما من زعماء الفكر ، وقائدا من قادة
الرأي ، ومعقدا من معاقد الامل في النجاح .
وله في هذه الميادين مواقف مذكورة ، وخطابات محفوظة ، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والاعجاب .
ولم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال ، فقد كانت الاسباب كلها مهيأة لهذا الاصطدام ، حتى إذا
التقى الجمعان في "
--------------------
31
ميسلون " واشتبكا في حرب لم يطل امدها ، ودارت الدائرة على العرب لاسباب نعرض عنها .
غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من اهله ، بعد أن وزع اسرته في فلسطين بين الشام ،
وبين انحاء من جبل عامل ، في مأساة تضيف أدلة إلى الادلة على لؤم ، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا
إلى " عاملة " يجوبون الفلوات والوديان في " عاملة " ليالي وأياما لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها
معد صغارهم الفارغة على أنهم يبذلون من المال اضعاف القيمة ، ويبسطون أكفهم بسخاء نادر وأخيرا لم
يجدوا حلا بغير توزيع قافلتهم في الاطراف المتباعدة ، بين من بقي من اوليائهم واصدقائهم على شئ من
الوفاء أو الشجاعة .
في مصر وحين وصل مصر احتفلت به ، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال ، في طراز من الهندام على
نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم ، وكانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ