مع المارقين
والخوارج هم
الذين كانوا أصحاب الإمام(عليه السلام) وأنصاره في الجمل وصفّين قبل
التحكيم94 ثمّ أنكروا التحكيم الذي
وقع يوم صفّين ، وقالوا : «لا حكم إلاّ لله» ، وتحت هذه
اللافتة العريضة التي وصفها الإمام(عليه السلام) بأنّها كلمة حقّ يُراد بها
باطل . . انبثقت ظاهرة خطيرة ولا سابقة لها في المجتمع
الإسلامي ، تلك هي تكفير كلّ من ارتضى التحكيم ، رغم أن أقطابهم
كانوا في مقدّمة أولئك الذين فرضوا التحكيم! ، ولعلّنا نتحسّس اليوم
بصماتهم لدى بعض الجهات التي تبيح دماء المسلمين وتسير على خطى هذا النهج
التكفيري .
فالخوارج الذين تحوّلوا إلى مذهب ديني ـ سياسي لاحقاً ، كانوا طائفة من
جيش الإمام(عليه السلام) تمرّدت عليه بعد واقعة التحكيم . وبهذا فهم
معارضة فكرية ـ سياسية ، طالبوا بالتحكيم أوّلا ، ثمّ رفضوه
لاحقاً ، ثمّ جاؤوا يكفّرون الحاكم والمحكومين الذين قبلوا التحكيم بسبب
ضغطهم وإلحاحهم . إنّهم بكلّ صراحة حَمَلة فكر ديني ذي مشروع سياسي
يعارض شرعية الدولة95 .
فالخوارج إذن يتّسمون بخصوصية فكرية يفتقرها الآخرون ، وإنْ كانت هذه
الخصوصية لا تحول دون القدح في توجّهاتهم ، بيد أنّ هذه النقطة بالذات
كانت موضع تقييم خاص من لدن الإمام(عليه السلام) إذ يقول : «ليس مَنْ طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل
فأدركه» ، وهو بصدد النهي عن مقاتلة الخوارج96 .
وبظهور
نتائج التحكيم نادت الخوارج معلنة مبرّرات خروجها تحت شعار : «لا حَكَم إلاّ الله ، لا نرضى بأن تحكم الرجال في
دين الله ، قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا
معنا في حكمنا عليهم ، وقد كانت منّا خطيئة وزلّة حين رضينا
بالحكمين ، وقد تبنا إلى ربّنا ، ورجعنا عن ذلك ، فارجع ـ
يقصدون الإمام(عليه السلام) ـ كما رجعنا ، وإلاّ فنحن منك
براء» .
بيد
أنّ الإمام(عليه السلام) أوضح لهم حينئذ أنّ الخُلق الإسلامي يقتضي الوفاء
بالعهد ـ الهدنة لمدّة عام ـ الذي أُبرم بين المعسكرين قائلا : «ويحكم!
بعد الرضا والعهد والميثاق أرجع؟ أوليس الله يقول : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ
تَنقُضُوا الاَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ
عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}97 .
إلاّ
أنّهم لم يصغوا إلى توجيهات الإمام(عليه السلام) ، ورغم
هذا . . لم يوصد الإمام(عليه السلام) باب المحاججة في
وجوههم ، ولم يعلن الحرب عليهم . . بل نجده يفسح المجال لحوار
مفتوح بينه وبين خصومه السياسيين ، وهذا «الخريت بن راشد الناجي» (وكان
قدم مع ثلاثمائة من عمومته من البصرة ، وكانوا قد خرجوا إلى الإمام(عليه
السلام) يوم الجمل ، وشهدوا معه صفّين) . . أقبل الخريت إلى
الإمام في جمع من أصحابه ، حتى قام بين يديه ، فقال له :
«والله يا علي لا أطيع أمرك ، ولا أصلّي خلفك ، وإنّي غداً
لمفارقك» .
بهذا
الكلام أعلن هذا الرجل انخلاعه عن البيعة رسمياً98 فلم يعتقله الإمام ، ولم يأمر
بإعدامه ، ولم ينهه عن التحدّث بهذا الاسلوب ، بل قال له :
«ثكلتك اُمّك إذن تنقض عهدك ، وتعصي
ربّك ، ولا تضرّ إلاّ نفسك . . أخبرني لِمَ تفعل
ذلك؟!
قال : لأنّك حكّمتَ في الكتاب ، وضعفتَ عن الحقّ إذْ جدّ
الجدّ ، وركنتَ إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم ، فأنا عليك راد
وعليهم ناقم ولكم جميعاً مباين .
فماذا
كان جواب الإمام علي(عليه السلام)لهذا «المعارض» العنيف ولكلامه الناقد
الصريح؟ هل رفع(عليه السلام) العصا أو السيف في وجهه؟ كلاّ ، بل قال له
مرّة أُخرى بكلّ هدوء : «ويحك . .
هلمّ إليّ أدارسك وأُناظرك في السنن واُفاتحك أموراً من الحقّ أنا أعلم بها
منك فلعلّك تعرف ما أنت له منكر ، وتبصر ما أنت الآن عنه عم وبه
جاهل» .
فقال
الخريت : «فإنّي غاد عليك غداً» . . فقال الإمام : «اغدُ ولا يستهوينّك الشيطان ولا يقتحمنّ بك رأي
السوء ، ولا يستخفنّك الجهلاء الذين لا يعلمون ، فوالله إن
استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينّك سبيل الرشاد» . بيد أنّ
الخريت غادر الكوفة من ليلته ، ولم يعد إلى أمير المؤمنين99 .
وذات
مرّة قال لهم الإمام(عليه السلام)بكلّ وضوح : «لكم علينا ثلاث; لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم
الله ، ولا نبدؤكم بقتال ، ولا نمنعكم الفي ما دامت أيدينا
معكم» .
ويعقّب
باحث معاصر على ما تقدّم بقوله : «إنّ عدم منعهم المسجد يعني تركهم
أحراراً في الدعوة لأفكارهم دون مطاردة ، ودون حرمان من الحقوق المالية
التي كانت لهم ، وعدم البدء بقتالهم يعني اللجوء إلى أساليب الحوار
الفكري والإقناع والمناظرة ، وهو ما فعله الإمام معهم حينما أرسل إليهم
عبدالله بن عبّاس محاوراً ومناظراً ، بل تركهم يعلنون أفكارهم بصراحة في
حضوره مع المسلمين ، داخل المسجد قاطعين كلامه ، ولم يقاتلهم
الإمام إلاّ بعد أن أعلنوا الحرب المسلّحة ، وقاتلوا الوالي الذي عيّنه
لهم (عبدالله بن خباب) فقتلوه وزوجته ، وعندئذ طالبهم بتسليم
قاتله ، فرفضوا وادّعوا على أنفسهم أنّهم شاركوا جميعاً في قتله100 .