النزعة الدينية بين الإلهيين والماديين ص 50 الى ص 59
ملاحظتان وردّ
الملاحظة الأولى
هنا قد ترد علينا ملاحظة مفادها : أنّه إذا كان الدين الحق هو التوجه إلى اللهوحده ، وهو دين الإسلام ، وأن مقتضى الفطرة يؤكّده ، ـ أي إن الفطرة هي الإسلام ـ ألا ترون أنّ هذا
الكمّ الغفير من البشرية على مرور الأيام ، والتي قضت حياتها تعبد الأصنام والكواكب والمظاهر
الطبيعية وحتّى الأشخاص ، يسيرون على غير الفطرة ، بينما ذكرتم بأن الدين بصورته الشمولية الكلية
هو أمر فطري ، ألا يوجد تعارض ومنافاة ما بين كون الدين الحقّ هو الفطرة ، وكون مطلق الدين ـ الذي فيه
الشرك أيضاً ـ من الفطرة أيضاً ؟!.ويمكن أن نجيب على هذه الملاحظة ، من خلال البيان التالي :لا ريب أن الذي بيناه سابقاً كان منصباً نحو نقطة جوهرية ، وهي: كون التوجه إلى الله ـ القوة الأزلية
ـ الذي هو من الغيب الخارج عن نطاق الحسّ هو أمر فطري ، ولكن الإنسان تختلط عليه الأُمور ، ويدور في
دوامة الأفكار ، فيضلّ طريقه في خضمّ البحث عن الله تعالى لاَسباب كثيرة؛ أهمها الغفلة ، والشبهة ،
والفطرة لا تتنافى معهما . بل الذي ينافيهما في الواقع إنّما هو البغي والجحود ، الذي هو انحراف عن
الصراط المستقيم ، وقد عبرّ القرآن عن هؤلاء الذين اختلط عليهم الأمر ولم يكن لهم مُوضّح أو مرشد ،
بأنّهم مستضعفون لا يملكون حيلة ، قال تعالى :
( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً
فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوَّاً