الأمة بين القيادة الرسالية والقيادة الجاهلية - نهج الاسلامی نسخه متنی

اینجــــا یک کتابخانه دیجیتالی است

با بیش از 100000 منبع الکترونیکی رایگان به زبان فارسی ، عربی و انگلیسی

نهج الاسلامی - نسخه متنی

سید محمد تقی المدرسی

نمايش فراداده ، افزودن یک نقد و بررسی
افزودن به کتابخانه شخصی
ارسال به دوستان
جستجو در متن کتاب
بیشتر
تنظیمات قلم

فونت

اندازه قلم

+ - پیش فرض

حالت نمایش

روز نیمروز شب
جستجو در لغت نامه
بیشتر
لیست موضوعات
افزودن یادداشت
افزودن یادداشت جدید


ان معركتنا الاساسية مع الجاهلية تدور حول الجماهير ، فالجاهلية تسعى لان تسلب الجماهير اراداتها ، وتضلّها ، وتحول بيننا وبين الاتصال بها ، في حين اننا نسعى من جهة اخرى لتفويت هذه الفرصة على الجاهلية ، والوصول الى الجماهير ، وبيان الحقائق لهم ، وتعرية الدور الخبيث الذي تقوم به اجهزة الجاهلية من اجل تضليل هذه الجماهير .


وهكذا فان المبادرة الى خوض الجهاد يجب ان تكون من جانبنا ، فنحن السباقين الى العمل ، ونحن الذين نرى انفسنا مسؤولين قبل غيرنا لاننا نحمل شيئا من الوعي والعلم وندّعي اننا علماء ، ومن المعلوم ان الله - سبحانه وتعالى - يغفر للجاهل سبعين ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنبا واحدا ، وكذلك جاء عن أهل البيت ( عليهم السلام ) " ان الله لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتى اخذ على العلماء عهدا


ببذل العلم للجهّال لان العلم كان قبل الجهل " (1)


فاذا كان الامر كذلك ، واذا كنا نرى ان القضية هي قضيتنا قبل ان تكون قضية الاخرين فعلينا ان نكون اصحاب المبادرة الى الاتصال بالجماهير ، وان لاننتظر ان يأتوا هم الينا ، وهذا هو جانب (العلاقات العامة) من حياة الانسان الرسالي . فهو يتميز بانه انسان ناجح في هذا الجانب ، وقادر على ان يجذب اهتمام الناس ، ويخترق الحواجز المصطنعة الموضوعـــة بينه وبينهم ، فينفذ بذلك الى قلوب الجماهير ، ويستقطب اهتمامهم في اسرع وقت ممكن ، وهذه القدرة هي اهم ما يتميز به الانسان الرسالي في حياته ، لان مسؤوليته هذه هي مبرر وجوده ، وهذه المسؤولية تتمثل في ان يتحرك بين اوساط الجماهير ، فالانسان الذي يجلس في بيته لايمكن ان نصفه بانه رسالي .


وهكذا فان على هذا الانسان الذي يدّعي انه رسالي - ان يجل نفسه عن ان يلوذ بالصمت ، والعزلة ، فيخرج من معترك الحياة ، ويلقي باللائمة على المجتمع دون ان يعمل على تغييره .


فعلينا - اذن - ان نتجاوز هذه الحواجز بيننا وبين الجماهيـر من خلال ما يسمى بـ " العلاقــات العامة " ، وقبل ان نتطرق الى هذا الموضوع المهم والحساس هنــاك


ملاحظتان اود ان اطرحهما :


ضرورة ممارسة فن العلاقات العامة :


1- ان قدرة الانسان الرسالي على ممارسة العلاقات العامة تأتي بصورة طبيعية لا بشكل فجائي ، فلابد ان يروض الانسان نفسه عليها ويتدرج في تعلمها ، ويستمر على هذا المنوال فترة طويلة حتى يتقنها .


ان العلاقات العامة جزء منها خطابة ، وجزء آداب اجتماعية ومعرفة عادات وتقاليد الناس ، والحكمة في التصرف ، وهذه الامور ليست بالامور البسيطة التي يستطيع الانسان ان يحصل عليها من خلال مطالعــة كتاب ، او الاستماع الى محاضرة ، بل ينبغي على الانسان الرسالي ان يتخندق في غرف المدارس ، واروقة المساجد ، ويمارس على نفسه ضغوطا شديدة بأن يصوغها على اساس القدرة على ممارسة فن العلاقات العامة .


وفي حين اننا نرى ان البعض يحمل علما غزيرا ولكنهم للاسف لايجيدون ممارسة هذا الفن لانهم عندما درســـوا العلم لم يتعلموا كيفية نشره وبثه بين الجماهير ، فدور العالم والمفكر يعتبر دورا خطيرا ومصيريا .


الاركان الاساسية للعلاقات العامة :


2 - ان مصطلح ( العلاقات العامة ) يستعمل للتعبير عن تمتين اساليب تعاملنا مع الوسط الاجتماعي الذي نعيش فيه ، وهذه العلاقات تعتمد على ثلاثة اركان اساسية هي : الحكمة ، والحزم ، والحسن .


والحكمة تعني القول المناسب في الموضع وبالقدر المناسب ، وان لانخطو خطوة واحدة الا بعد التفكير المتأني . فلا نبادر الى الجواب عندما يسألنا شخص ، ولا نتعجل القيام بالعمل قبل ان نستشير ، بل يجب علينا ان نفكر في علاقة هذا العمل بمجمل ستراتيجيتنا ، وعلاقته باوضاعنا الخاصة ، وظروف الاخرين .


ويعتبر الكلام من اهم اركان الحكمة ، فنحن نستطيع ان نقول كل شيء في كل مكان شريطة ان يكـون بحكمة لكي لايستطيع احد ان ينكر علينا كلامنا هذا ، ولذلك فان الله - سبحانه وتعالى - يقـول : « ادْعُ إِلَــى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ » (النحل / 125) .


وعلى سبيل المثال فان مـــن الحكمة ارسال الهدايا ، وزيارة الناس ، وصلـة الرحم ، وقضاء حوائج المحتاجين بقدر ما نستطيع ، ومن الحكمة ايضا ان نفكر في النتائج لا في الوسائل فحسب .


وبالاضافة الى ذلك فان الرسالي بحاجة الى الحزم في عمله ؛ فالانسان الذي يذوب في وسطه الاجتماعي لايمكنه ان يصبح رجلا اجتماعيا ناجحا ، فاذا ما اراد النجاح فعليه ان يكون حازما لايتنازل عن اهدافه الحقيقية قيد انملة ، ولا بأس ان يختار الوسيلة لتحقيق هذه الاهداف حسب الحاجة والظروف .


ان الجماهير لا تثق بالانسان الانتهازي المتملق الفاقد لشخصيته وان زعم ان التملق وسيلة للتقرب ، لان التملق هذا ينفي شخصية الانسان ويذيبها في الوسط الاجتماعي ، فـاذا اراد الانسان ان يكون ناجحا في علاقاته الاجتماعية فلابد ان يكون حازما ؛ اي ان يسير وفـق الرأي الحكيم ثم يبقى مصرا عليه بمختلف الوسائـل .


اما الحسـن في التعامل فقد اشار - تعالى - الى هذا الركن في قوله : « وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » (البقرة / 83) .


ان الناس يتبعون اساسا واحدا او اكثر من المحاور الثلاثة التالية : اما محور العقل والعلم ، واما محور القوة ، واما محور الجمال ، وهذه هي طبيعة الانسان ؛ فالذي يقرأ الكتاب عليه ان لايسأل هل هو جميل ام قوي ، لان فيه العلم ، والذي يتبع السلطات لايهمه ان تكون جميلة او عالمة بل يسأل عن مدى قوتها ، والذي يريد ان يشتري باقة من الورد لايشتريها لقوتها او علمها بل لجمالها ، وهكذا فان طبيعة الانسان تتحرك حول هذه المحاور الثلاثة .


والانسان الرسالي يجمع هذه المحـاور في ذاته ؛ محور العقل الذي هو محور الحكمة ، ومحور القوة او الحزم ، ومحور الجمال او الحسن .


فمن الطبيعي - على سبيل المثال - انك لاتتلقى نصيحة الانسان القـذر ، الممزق الثياب ، وعلى العكس من ذلك فانـك تتفاعل مع الانسان المهتم بنظافته ، وهندامه ، ولذلك فان الاسلام يطلب من الانسان المسلم ان يهتم بمظهره ، فمن المستحب ان يتطيب الانسان ، ويمشط شعره .


وهذا الجمال ينبغي ان ينسحب علـى كلامنا ايضا ، فقد جـاء فـي الحديث الشريف : " الكمال في العقل والجمال في اللسان " ، فعلى الانسان ان يكون مهذب اللسان ، جذابا ، وان يحرص في نفس الوقت على ان يستمع الى كل كلام جميل ، وينمي في نفسه القدرة على التلفظ بالكلام الجميل من خلال تعلم كيفية البدء بالكلام لكي يكون المدخل الحسن في الكلام طريقا للنفوذ في القلوب .


وعلى سبيل المثال فانك اذا اردت ان تدفع شخصا محبا للرياضة الى ان يؤدي الصلاة فعليك ان تدخل الى قلبه من هذا المدخل فتوضح له ان الصلاة مهمة ، وانها هي الاخرى نوع من الرياضة الجسدية والروحية .


وهكذا فان عليك ان تبدا من حيث يفكر الانسان ، وان تقنعه من حيث هو لامن حيث انت ، وللاسف فان اغلب الناس يتحدثون عن احوالهم وصفاتهم ، وينطلقون في اقناع الاخرين من انفسهم ، فتراهم يتكلمون حول انفسهم ، وينهالون عليها بالمدح والاطراء دون ان يعيروا اهمية الى الطرف المقابل .


وهكذا فان علينا ان نتكلم بجانبين ؛ فاذا اردت ان تنتقد انسانا ما فعليك ان تمتدحه اولا من خلال التركيز على الصفات الجيدة فيه ، ثم بعد ذلك تشير الى صفاته السلبية ؛ كأن يكون مؤديا للفرائض الدينية الا واحدة منها ، فينبغي ان لانواجهه باسلوب هجومي كأن نقول له انك كافـر وملحد لعدم قيامك بتلك الفريضــة الدينية ، بل لابـد ان نوظف لاقناعه بالاساليب الايجابية التي اشار اليها تعالى في قولـه :


« وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً »


مـن خلال توفير الاركان الثلاثة السابقة في شخصياتنا الا وهي ؛ الحكمة ، والحزم ، والحسن .

الأمة بين القيادة الرسالية والقيادة الجاهلية


يعتبر المجتمع الانساني كيانا متكاملا ، ومتفاعلا يؤثر بعضه في بعض ، وعلى الرغم من ان الناظر الى هذا المجتمع لايمكنه ان ينظر الا من زاوية معينة فيفسره تفسيرا ناقصا وربما خاطئا ، الا اننا عندما نجمع خبرات الجميع ، ونكمل نظرتنا بنظرات الاخرين ، وعلمنا بعلمهم ، نكتشف مدى الترابط والتواصل والتفاعل بين اجزاء هذا المجتمع .


وهكذا فاننا بحاجة الى الاخرين ليكملوا معارفنا ، ومن هنا قال الامام علي ( عليه السلام ) فـي حديثه المعروف : " اعلم الناس من جمع علم الناس الى علمه ، و اعقل الناس من جمع عقول الناس الـى عقله " .


المجتمع المتكامل والنظرة الشمولية :


فهذا المجتمع المتكامل لابد ان ننظر اليه نظرة شاملة والا وقعنا في اخطاء كبيرة ، وعلى هذا فان قيادة هذا المجتمع لايمكن إلاّ ان تكون منبعثة من القوانين التي تحكمه ، وقوانين هذا المجتمع بدورها لابد ان تكون منبعثة من قيم افراده ، وهذه القيم صادرة من اهدافهم ، واهدافهم منبعثة من تشكيلة نفوسهم وطبيعة شخصياتهم ، وثقافتهم هي التي تؤثر على طبيعة شخصياتهم ...


ومع ذلك فان اعظم عامل يؤثر في مسيرة المجتمع هو ما يسميـه القرآن الكريم بـ " الشاكلة " في قوله - تعالى - :


« قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ » (الاسراء / 84)


وهو ما تطلق عليه النصوص الاسلامية الاخرى اسم " النية " ؛ اي الهدف الرئيس من حياة الانسان ، فهذا الهدف هو الذي يحدد نوع ثقافته ، وطبيعة علاقاته ، وقيمه ، وطبيعة مجتمعه ، وبالتالي طبيعة قيادته .


علاقة المجتمع بقيادته من المنظور القرآني :


وفي الآيات التالية في سورة الاسراء يوجهنا القرآن الكريم الى نقطة هامة هي علاقة المجتمع بقيادته ، ومدى تفاعل هذه العلاقة مع القيم وهذه هي الآيات :


« وَقَالُوا لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الاَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي الاَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَسُولاً * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » (الاسراء / 90-96) .


نظرة المجتمعات الجاهلية الى القادة :


وكما هو واضح من هذه الايات فان المجتمعات الجاهلية تنظر الى القادة بصفتهم مبعثا للرزق ، وقادرين على العطاء المادي لهم ، ولذلك فان الله - عز وجل - عندما ارسل الى هذه المجتمعات في عصور الرسالة رسلا ، كان اول ما سألوا هؤلاء الرسل هو انهم هل يمتلكون الذهب والفضة ومصادر القوة والقدرة ؟ وكما تصور لنا الايات الكريمة السابقة فان هذه المجتمعات قد شرطت ايمانها برسلها بأن يفجروا لها الينابيع من الارض ، او تكون لهم جنات من نخيل واعناب ... فان لم يكونوا قادرين على مثل هذا العطاء ، فليكونوا - على الاقل - قادرين على الاضرار بأن يسقطوا السماء كسفا عليهم ، وكأن هذه المجتمعات كانت تريد ان تقول : اننا نريد ان نطيع الرسل اما رغبة في عطائهم ، واما رهبة من عذابهم !


وهكذا فان مثل هذا الاصرار على تحقيق الشرط السابق يعكس طبيعة اخرى في هذا المجتمع الجاهلي الا وهي طبيعة الشهود والحضور ، وبتعبير اخر : الطبيعة القشرية ؛ فهم كانوا يريدون تحقيق شيء مجسم امامهم ، اما ان يبشرهم الرسل بالجنة ، وينذروهم من جحيم مستقبلية ، ويهدوهم الى رب موجود بالغيب فان هذا لايكفي بل لابد ان يجدوا ما يدعوهم الرسل اليه مجسما ، وحاضرا أمـام اعينهم ، او على الاقل ان يكون هؤلاء الرسل في مستوى ارفع كأن تكون لديهم بيوت من زخرف ، او يستطيعوا الرقي في السماء ، فيكونوا بذلك فوق المجتمعات البشرية من الناحية الجسدية والمالية .


نظرة المجتمع الرسالي الى القادة :


وفي مقابل هذا المجتمع الموغل في المادية والذي لايؤمن صاحبه الا بما يراه بعينيه ، وما يلمسه بيديه ، هناك المجتمع الاخر الذي لايجد غضاضة في ان يؤمن برسول بشر لايمتلك شيئا من مال الدنيا ، ولايمتلك بيتا من زخرف بل يعيش على هذه الارض كما يعيش الاخرون ، ويقوم بالاهتمام ببيته شخصيا ، ويعد من الفقراء بل ويفتخر انه من الفقراء الا ان الصفة التي تميزه عن سائر البشر انه رسول من قبل الله - سبحانه وتعالى - .


وهكذا فان مشكلة الناس تتمثل في ماديتهم ، وقشريتهم ، وايمانهم بالشهود كما اشار الى ذلك - تعالى - في الايات السابقة وخصوصا في قوله : « وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَآءَهُمُ الْهُـــدَى إِلاَّ أَن قَالُــوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً ... » في حين انه - عز وجل - يؤكد ان ليس المهم بشرية الرسول او عدمها ، بل المقياس هو اعطاء الرب الشرعية له ، واعتماده عليه كما نفهم من هذه الآية : « قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِـيراً بَصِيراً » .


نقاط افتراق القيادة الرسالية عن الجاهلية :


فعندما يكون التجمع الهيا ، فان قيادة هذا التجمع لاتستمد شرعيتها مما تملك من المال ، ومن قدرتها على اعطاء افراد المجتمع الرتب والوجاهات والمراكز ، بل من تجسيدها للقيم الرسالية ، وهكذا فان هذه القيادة التي تستمد قدرتها من القيم ، تفترق عن تلك التي تستمد قدرتها من الامكانيات المادية ، في النقاط التالية :


1- ان القيادة الجاهلية تربي اتباعها على الخمول ، والكسل ، والاستهلاك ، والبطالة ، في حين ان القيادة الالهية تنمي فـي نفـوس ابنائها صفة الشجاعة ، والاقدام ، والعطاء ، فتلك قيادة تربي على الاخذ ، وهذه قيادة تربي على العطاء ، ومن المعلوم ان هناك فرقا كبيرا بين الانسانين المتخرجين من هاتين القيادتين ؛ فالانسان الاول هو انسان مستهلك لايفكر الا في الاخذ ، اما الانسان الثاني فانه انسان منتج يفيض بالعطاء .


ولذلك نرى ان الحكومات والقيادات العميلة غير الشرعية ربت شعوبنا على الاستهلاك ، فنحن نرى ان الواردات الاجنبية في بلداننا لاتخضع للكمارك والرقابة، في حين ان الانتاج الداخلي لايتمتع بالدعم والحماية الاقتصادية اللازمة ، ذلك لان مثل هذه القيادات مبنية على اساس مادي فان لم توزع للناس ما يحتاجونه من المواد الغذائية ، ولم توفر لهم الامكانيات المادية والرفاهيـة فانهم سيثورون عليها .


2- ان قيادة التجمع الرسالي التي تستمد شرعيتها من القيم ينصب كل اهتمامها على تربية الجماهير اخلاقيا من خلال التخـطيــط السليم ، وقيادتهم الى المجالات التي يستطيعون من خلالها ان يتقدموا ويتطوروا ، في حين ان القيادة المادية هي قيادة محافظة تخشى حدوث اي تحول في المجتمع ، وتخاف من اية فكرة جديدة ، وبالتالي فانها قيادة جامدة ومجمدة للاخرين .


وهذا الفرق يتجسد اذا ما قارنا قياداتنا الرسالية مع القيادات الجاهلية ، فالقيادات الاخيرة تحاول ان تحافظ على الوضع القائم باسم القداسات ، والتراث ، والاصالة ، والنظام ... وحتى القيادات التي كانت تدّعي التقدّمية فانها سرعان ما اصبحت محافظة عندما وصلت الى كرسي الحكم .


3- ويتمثل الفرق الثالث في وجهة المجتمع ، فالقيادة الرسالية القائمة على اساس القيم تقود المجتمع باتجاه هذه القيم ، كتحقيق العدالة الاجتماعية ونشرها في العالم ، ونصرة المظلوم والمستضعف ، في حين ان القيادة الجاهلية قائمة على اساس الظلم ولذلك فانها لاتستطيع ان تقود الشعوب ، الا الى الظلم ، والتجبر في الارض ، والتعالي على الاخرين .


كيف يجب ان تكون علاقتنا بالقيادة ؟


ان كل واحد منا يعيش في مستوى ما من الهرم القيادي ، او في هرم المجتمع الذي


ينتهي الى القيادة في هذا المجتمع ، ومن الممكن ان تكون علاقات كل واحد منا بقيادته علاقات قائمة على اساس المصالح والماديات ، والقيم الجاهلية الزائفة ، كما ان من الممكن في نفس الوقت ان تكون علاقته على اساس القيم الشرعية ، واوامر الله - سبحانه وتعالى - .


وبالطبع فاني لا اقصد هنا ان علينا ان نغير قياداتنا ، بل ان القضية الحقيقية تتمثل في طبيعة علاقتنا ، وعلى سبيل المثال فاننا قد نصلي ولكن صلاتنا هذه من الممكن ان تكون رياء ، ومن الممكن ايضا ان تكون اخلاصا للـه - تعالى - ، فظاهر الصلاة واحد إلاّ ان جوهرها يختلف بين صلاة هدفها الرياء ، واخرى يقصد بها وجه الله ، وهكذا الحال بالنسبة الى العلاقة بالقيادة فقد تتوفر الطاعة ، والعمل ، والتواصل الا ان النية قد تكون غير خالصة ، هذه النية التي تضع العمل في الاتجاه الصحيح ، وتمنحه روحه الحقيقية .


وقد تكون هذه النية متوافرة في بداية الاذعان لهذه القيادة ، ولكن هذه النية قد تتغير مع مرور الزمن ، فالشيطان قادر بمكره وكيده ان يفرغ الطقوس الدينية ، والممارسات الرسالية من جوهرها ، وعلى سبيل المثال فان طالب العلم قد يختار في البدء العلم والدراسة في سبيل الله - تعالى - ، او يعتقد انه يختارهما لوجه الله ، فيندفع الى طلب العلم مدفوعا بالنصوص التي تؤكد على ضرورة العلـم ، واهمية طالبه ، واجره ، ولكن الشيطان سرعان ما يجعله يستصغر اهدافه ، ويبدلها شيئا فشيئا من دون ان يشعر حتى يجعل هدفه المال والجاه والسمعة فيفرغ نيته بشكل كامل من كل ما هو الهي .


ترى ماذا سينفع مثل هذا الانسان عمله ؟ ان بدايته كانت سليمة ، ولكن نهايته اصبحت مغلوطة تماما ، ونحن نعوذ بالله - عز وجل - من سوء العاقبة ، ونسأله ان يختم عواقب أمورنا بالخير .


وهكذا الحال بالنسبة الى علاقتنا بالقيادة فانها من الممكن ان تفرغ تماما من النوايا الالهية بحيث ان الهم الاكبر لهذه القيادة يبدأ بالانصباب على التفكير في حل المشاكل المادية ، والاهتمام بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والاخلاقية للتجمع ، فيضيع بذلك الوقت الذي من المفروض ان تخصصه للتخطيط السليم ، والعمل الجـدي ، والبحث عن حلول لمشاكل الامة .


وهناك الكثير من الحركات في التأريخ التي بدأت وهي تحمل اهدافا عظيمة ، ولكنها انتهت الى تجمع عنصري منغلق ، ونحن في هذا المجال علينا ان نستلهم العبر والدروس من هذه التجارب التي مرت على الاخرين لنكون على حذر من الوقوع في مثل هذه الاخطاء .


النوعية هي المهمة لا الكمية :


ان القضية الاساسية في صراع الاسلام مع الجاهلية لا تتمثل في الكثافة العددية بل في التركيز النوعي والكيفي ، وبمعنى اخر فلو كانت هناك فئة قليلة ولكنها صبورة ومتوكلة على اللـه - سبحانه وتعالى - ، ومنسجمة مع بعضها البعض ، ومهتمة بقيادتها ، فانها ستكون قيادة فكرية وسياسية واجتماعية قويــة ، وقادرة على اقتحم المشاكل ، وبذلك سيكون بمقدورها تحقيق الانتصار على الفئات الكبيرة كما يقـول - تعالى - :


« كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِـيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِــيرَةً بِـــإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِيـنَ » (البقرة / 249)


وبناء على ذلك فليس المهم ان نفكر في عدد المؤمنين ، بل علينا ان نهتم بنسبة الايمان في انفسهم ، وعلاقتهم مع بعضهم البعض ، وكيف هي علاقتهم بقيادتهم .


القيادات الجاهلية تستمد قوتها من ضعفنا :


وبالاضافة الى ذلك فان فكرة مهمة اخرى تتمثل في ان وجود القيادات الجاهلية في الساحة ، والانظمة العميلة والخائنة في وطننا الاسلامي ليس سببه قوة هذه القيادات والانظمة وانما ضعف من يقابلها ، فهي تشبه الى حد كبير الظلام ، فاذا رأينا الظلام قائما فالسبب لايكمن في قوته ، وانما في انعدام النور والضياء ، والى هذا يشير قوله - تعالى - :


« وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ » (الاسراء / 81) .


فلو كان - عز وجل - قال : (وقل زهق الباطل وجاء الحق) لكان لنا ان نستنتج ان الجاهلية يجب ان تسقط اولا لتوجد بعدها القيادة الاسلامية البديلة ، ولكن القرآن الكريم يرفض هذا المنطق ويقرر ان الوجود اولا هو للقيادة السليمة ، ثم يأتي بعد ذلك سقوط الجاهلية .


ضرورة ايجاد التجمع الرسالي :


وهكذا فان المهم هو ايجاد التجمــع الرسالــي المتكامـل ، التجمع الذي هو من ابرز صفاته طبيعة علاقته ببعضه البعض والتــي تتجلى في شكل علاقته بقيادته ، ونحن - كمؤمنين - نمتلك في مجتمعاتنا الكثير من هـذه القمم المضيئة التي ارتفعت بفضل علاقتها واتصالها بالائمة الأطهار ، والانبياء العظام ( عليهم السلام ) ، ولكننـا - لـلاسف - لانملـك اولئك الذين يلتفون حولهم على هذا الاساس ، فلابد لنا من ان نوجد مثل هذه العناصر .


ان العلاقات ينبغي ان تكون علاقات ايمانية ومع وجود هذه العلاقات فان بقاء الانظمة الفاسدة سوف لايستمر طويلا ، وهذا يعني ان مسؤولية استمرار هذه الانظمة ليست بعيدة عنا ، فالانظمة ماهي الا مجموعة من الفاسدين والمنحرفين الذين يجسدون الانحراف في جميع مجالات حياتهم ، وما علينا الا القضاء على هؤلاء المنحرفين والظلمة من خلال تشكيل التجمعات الرسالية المخلصة التي تتوفر فيها الشروط السابقة .

بين الشروط الذاتية والموضوعية للقائد الاسلامي


من اولى الخطوات الاساسية التي يجب ان تخطوها الحركة الاسلامية اليوم ان تتجاوز عقدة زرعها الاستعمار في العالم الاسلامي الا وهي عقدة الهوة المصطنعة بين ابناء الطليعة في هذه الحركة من جانب ، وبين الجماهير من جانب آخر .


وهذا الهدف لايمكن ان يتحقق الا من خلال ارادة كل فرد من ابناء الطليعة من العلماء ، والمفكرين ، والمجاهدين ، والسابقين من شبيبة الجهاد ، وفتية النضال ، وهذه الارادة من المفروض ان تدعوه الى ان يكون قائدا مسوؤلا يقطع الطريق على كل اولئك الذين يحاولون سرقة هذا المنصب الالهي الهام ، واستغلاله من اجل تحقيق مصالحهم ، وبالتالي اشباع حب الرئاسة في انفسهم .


واذا استطاع الانسان المؤمن الملتزم ان يتحمل مسؤوليات القيادة بما فيها من صعاب واخطار وتحديات فان ذلك يدل على انه قد سد الطريق امام كل الانتهازيين ، وجميـع اولئك الذين لايفهمون من القيادة الا اسمهـا وعنوانها دون ان يقدموا اي عطاء للامة .


كيف نكون قادة جماهيريين ؟


والسؤال المهم الذي ينبغي ان نقف عنده طويلا لنجيب عليه هو : كيف يمكن ان يكون الواحد منا قائدا جماهيريا يتغلب على تلك العقبات التي خلفتها القرون الماضية ، وكرستها الايدي الخفية لشياطين الانس فأوجدت حائلا بيننا وبين جماهيرنا ، وبينك كقائد وبين افراد الامة كقاعدة ؟


هناك شروط موضوعية ، واخرى ذاتية ينبغي ان تكون لدينا من الارادة ما يكفي لتحقيقهما ، فقد يملك الانسان ارادة الايمان ، ولديه من الارادة ما يؤهله لكي يكون انسانا صالحا ، وعضوا فاعلا في المجتمع ، ولكنه مع تمتعه بهذه الارادة قد يفتقر الى تلك الارادة التي تؤهله لان يكون قائدا .


ان الذين يسعون من اجل القيادة والرئاسة وحبا لهما كثيرون ، لان جاذبية القيادة عنيفة جدا ، وما من احد يستطيع التخلص من اسرها الا بعد ان يكبت في نفسه حب الرئاسة ، وينتزع من قلبه حب الشهوة ، بحيث اننا اذا طلبنا منه يوما ان يتحمل مسؤولية القيادة فكأنما طلبنـا منه عملا عظيما ، او حمّلناه مسؤولية خطيرة .


1- الشروط الذاتية للقائد :


وتتمثل في ان تجعل نفسك قادرا على ادارة الامور ؛ فالكفاءة الادارية لاتتحقق بالمجان ولا تأتي من خلال الوراثة بل هي مجموعة صفات يجب على الانسان ان يسعى سعيا دؤوبا من اجل تحقيقها في نفسه ؛ وعلى سبيل المثال فان صفة الصبر تعني تحمل الاذى ، وسعة الصدر ، وهي تعتبر آلة القيادة ، حيث يجب على الانسان النظر والعلم بحدود القضية التي تحملها ، والمجموعة التي تمثلها ، والتعرف على حياتهم ، ونفسياتهم ، وانتماءاتهم ، وارتباطاتهم مع بعضهم البعض ، وما يشجعهم ، ويثبطهم ، ثم بعد ذلك الثقة بالنفس ، والاعتماد على الذات ، وبالتالي التوكل على الله - عز وجل - .


واذا ما طرحت نفسك قائدا فعليك ان لاتخشى لومة اللائمين ، وشماتة الاعداء ، او سخرية الاصدقاء ، او بما قد يطلق حولك من الاشاعات والتهم كأن يقال عنك انك شاب لاتمتلك التجارب والخبرات والمعلومات الكافية ، فاعلم ان مثل هذه التهم هي شل لنفسيتك ، وافقاد لاعتمادك على نفسك ، وبناء على ذلك فان على الانسان ان يطرح نفسه دون ان يخاف تلك الضغوط ، ممتلئا بالثقة بنفسه وقضيته ، مخلصا نيته في هذا الطريق حيث انه لايريد من الناس جزاء ولاشكورا ، ولا يهدف من الوصول الى القيادة اشباع حب الرئاسة في نفسه .


فلا تثبطك اقوال الناس عن الاستمرار في شق طريقك ، فان من اهم الاشياء التي يجب ان يتسلح بها المجاهد في سبيل الله التحصن ضد لومة اللائمين ، والثقة بالنفـس ، والتوكل على الله - تعالى - ، والابتعاد عن المصالح الذاتية .


وقبل ان تدّعي القيادة لابد ان تدعو الله عز وجل بقوله : « وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً» (الفرقان / 74) ، فعليك ان تعتبر نفسك اماما دون ان تطغى ، ودون ان يملأ الغرور نفسك ، وتدّعي ما ليس فيك فـ " المرء حيث وضع نفسه " و " قيمة كل امرئ ما يحسنه " ، وعليه فاذا كان لدينا من الارادة ما يكفي لتحقيق الشروط الذاتية في انفسنا من مثل سعة الصدر ، وبعد النظر ، والصبر ، والمعرفة في حدود القضية التي نحملها ، وبالتالي الثقة بالذات ، ومقاومة الضغوط التي تستهدف سلب ثقتنا بانفسنا ، فاننا سنحقق جزء مهما من الارضية اللازمة للقيادة .

2- الشروط الموضوعية للقائد :


ان من ابرز هذه الشروط ان تتفاعل مع الجماهير التي تعيش في الوسط الذي تعيش فيه انت ، فأفراد هذه المجموعة من القاعدة الجماهيرية التي تسعى من اجل توجيهها يمتلكون في انفسهم آمالا ، وتطلعات قد يعبرون عنها تعبيرا دقيقا ، وقد يخطئون التعبير ولكنهم يتحسسونها ، ولذلك فان على القائد ان يعرف المفردات التالية بشأن الجماهير :


أ - معرفة ما يتطلع اليه الجماهير :


فهناك البعض من الجماهير يبحثون عن الحرية ، وهم عادة يمثلون القسم الاعظم ، ومنهم من يبحث عن العدالـة ، والبعـض الاخر عن التقدم ، وآخرين عن المجد ، ومنهم من يبحث عن الوجوه والعناوين .... وهكذا فان عليك ان تطرح في شعاراتك القضية الحقيقية التي تعيشها اوسع طبقة من الجماهير ، وبالطبع فانك لاتستطيع ان تتوغل في اعماق الجماهير لتعرف توجهاتهم الحقيقية دون ان تقترب منهم ، وتستمع اليهم ، وتعرف لغتهم ، وتتحدث بها اليهم ، وان تبحث عن الزوايا والخبايا والمنعطفات الموجودة فيهم .


انك عندما تنظر الى الناس من بعيد فانهم يبدون لك كالجبل المتراص ، ولكنك اذا اقتربت من هذا الجبل فسوف لن تجده في مستوى واحد ، وهكذا الحال بالنسبة الى الجماهير فانهم يبدون وكأنهم كتلة متراصة ولكنك اذا توغلت فيهم اكتشفت الاختلافات ، والانحناءات ، والتعاريج داخل هذه الكتلة ، وعليك - كقائد - ان تتعرف على كل ذلك تعرفا دقيقا من خلال معايشة قضايا الجماهير عن كثب .

ب - توفر عنصر الشجاعة :


من الممكن ان تشعر الجماهير بقضية ما ولكنهم لايمتلكون الشجاعة الكافية لطرحهــا ، فينبغي ان تكون لديك من الشجاعـة العلميـة والعملية ما يمكنك من طرح قضايـا الجماهير بكل جد وصراحة ، صحيح ان الجماهير من الممكن ان لاتلتف حولك في البدء ، ولكنك سرعـان ما تجدهم بعد ذلك في صفك وتحت لوائك .


شروط موضوعية اخرى :


ومن الشروط الموضوعية الاخرى لقيادة الجماهير ان تقودهم على شكل مراحل بحيث لاتقول في البدء كلاما يتعب اذهانهم ، او ان تحملهم اكثر من مستوى وعيهم النضالي ، ومن الشروط الموضوعية الاخرى ان تتعلم من الجماهير قبل ان تعلمهم ، فالجماهير هي بحر زاخر من المعلومات والتجارب ، ولكنهم ولاسباب قد تكون وجيهة لايطرحون معلوماتهم او تجاربهم مباشرة بل قد ترد على السنتهم كناية ، او يشيرون اليها في امثلتهم .


وعلى هذا فان من المشاكل الرئيسية في بلادنا ان لغة المثقفين هي فوق مستوى لغة عامة الناس ، ولذلك فان من يتثقف ينفصل عادة عن الجماهير ثقافيا ولغويا بل وحتى بيولوجيا ، فنراه يتكلم بموضوع يهم الجماهير ولكن بلغة اخرى لاتفهمها هذه الجماهير ، فلا يصغي اليه احد .


ولذلك نرى ان الذين يخاطبون الجماهير ، ويتحدثون عنهم كثيرون ولكن بغير لغتهم ، ومن هنا اقتضت حكمة الله - عز وجل - ان يبعث الرسل من المجتمعات التي ينتمون اليها لكي يكونـوا عارفين بلغتهم ، وعاداتهم الاجتماعية ، كما يشير الى ذلك - تعالى - في قوله :


« وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ » (ابراهيم / 4) .


وكما يشير الى ذلك ايضا الحديث الشريف المروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله) : " نحن معاشر الانبياء أمرنا ان لانكلم الناس إلاّ بقدر عقولهم " .


وهكذا فان علينا ان نتكلم مع الناس بقدر عقولهم ومداركهم ، وبذات اللغة التي يتحدثون بها ، فنحن لانستطيع ان نستوعب تجارب الناس ومعلوماتهم إلاّ اذا عرفنا لغتهم ، فعلينا ان نستغل تجارب الناس ، وان لانتعالى عليهم ، لانهم يرفضون من يتعالى عليهم ، وعلى العكس من ذلك فانهم اذا رأونا فيهم ، ومنهم ، ومعهم ، فحينئذ سيعتبروننا جزء منهم ، وبذلك سيمنحوننا الثقة التي هي من اهم العوامل التي من الممكن ان يكتسبها القائد من جماهيره .


ان تحقيق تلك الشروط سواء كانت ذاتية ام موضوعية يعتبر من الامور الصعبة ، ولذلك علينا ان نتضرع الى الله - سبحانه وتعالى - ، ونطلب منه التوفيق بأن يجعلنا للمتقين اماما .


ولكن ماذا علينا ان نفعل في هذا المجال ؟ ، ان الامة الاسلامية بحاجة اليوم الى طاقات قيادية ، وكفاءات ، وانعدام هذه الطاقات والكفاءات انما هو دليل على صعوبة الحصول عليها ؟، ذلك لان القيادة تعتبر طريقا مليئا بالمشقات والصعوبات ، ولذلك فان الغالبية العظمى من الجماهير تتهرب منها .


العلماء الربانيون هم القادة الحقيقيون :


ان القائد الحقيقي لابد ان يتمثل في العالِم الرباني الذي يعمل لله ، ويقود الناس الى الله وفي سبيله ، وبذلك يكون له اجر عظيم عند الخالق - عز وجل - ، ونحن لو قارنا العالِم بالعابد لراينا ان الثاني يستهدف انقاذ نفسه مـن العذاب فحسب في حين ان العالِـم يبذل جهده لكي ينقذ الناس جميعـا ، ولذلك جـاء في الحديث الشريف : " فضل العالِم على العابد كفضل البدر على سائر النجوم " ، وفي حديث آخر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " فضل العالِم على العابد كفضلي على أدناكم" .


ولذلك فقد اصبح العلماء ورثة الانبياء ، وكان علماء امة محمد ( صلى الله عليه وآله ) كأنبياء بني اسرائيل فالأمر - اذن - ليس هينا ، ولكن علينا ان نتقبله ، لان العالم الاسلامي يفتقر اليوم الى مثل هذه الكوادر ، فالامة الاسلامية ستظل تعيش ظروف التخلف والاستعباد والاستغلال حتى تتواجد القيادة الكفوءة لانقاذها ، وبتعبير آخر ؛ فان القيادات الكفوءة شرط ضروري لنهضة الامة الاسلامية ، وهي مقدمة للواجب حيث ان نهضة الامة الاسلامية واجب شرعي ، ومقدمة الواجب واجبة ايضا كما يقتضي ذلك العقل .


ترى كيف يمكننا ان ننقذ الامة الاسلامية ونخدم قضاياها ، وبالتالي كيف نستطيع ان نجعل من الشعوب الاسلامية شعوبا ناهضة في كل مكان ؟


لاشك ان القيادات الكفوءة هي السبيل الى ذلك ، ولكن كيف نخرج مثل هذه القيادات ؟


ان السبيل الى تربية مثل هذه الكوادر القيادية يتمثل - ولاشك - في تنمية كفاءاتنا وقوانا ، والعمل من اجل اداء هذه المسؤولية الضخمة الملقاة على عاتقنا ، فعلينا ان نتقدم ونبادر الى انجازها بالشكل المطلوب ، وكما امرنا الله - سبحانه وتعالى - ، مستمدين الثقة من الخالق اولا ، ومن الجماهير ثانيا ، ومتوكلين على الباري - عز وجل - .

الحركة الاسلامية والجماهير


هناك مشاكل وعقبات كثيرة تعترض مسيرة الحركة الاسلامية في العصر الراهن ، ومن اهم هذه المشاكل والعقبات واكثرها اعاقة لنشاط الحركات الاسلامية مشكلة وجود الحواجز القائمة بين الطليعة الرسالية وبين القاعدة الجماهيرية ، وبعبارة اخرى ؛ بين النخبة التي تحمل رسالة الثورة الاسلامية ، وبين الجماهير الحاملة لبذور هذه الثورة .


الحركة الاسلامية حركة جماهيرية :


وفيما يتعلق بهذه المشكلة او العقبة فان الانظمة الطاغوتية تحارب الحركات الاسلامية اساسا لعدة اسباب من ابرزها ان من خصائص الحركة الاسلامية انها سرعان ما تتنامى وتتسع في الوسط الذي تظهر فيه ، والسبب في ذلك ان بذور هذه الحركة منتشرة بين القطاعات الواسعة للجماهير ، في حين ان الحركات ذات الطابع السياسي البحت وعلى الرغم من ارتباطاتها الخارجية ، وتنظيمها الدقيق لا تستطيع ان تستقطب عددا كبيرا من الانصار والمؤيدين ، وتجربة خمسين عاما من جهاد شعوبنا دلت بوضوح على حقيقة ان الحركات السياسية تبقى محصورة في مجموعة قليلة تكون عادة منفصلة عن الجماهير مثل الحركات القومية ، والحركات الماركسية ... فلقد اصطدمت كلها بهذه الحقيقة بعد سعي دام ربع قرن او اكثر ، هذا في حين ان الحركة الاسلامية اثبتت انها الحركة الوحيدة القادرة على استقطاب اوسع قطاع ممكن من الجماهير لصدقها ، ولكونها نابعة من ضمير هذه الجماهير ، ومتحدثة بلغتها .


عقبــات :


ومع ذلك فان هذه الظاهرة لا تعني بالضرورة ان بامكان الحركة الاسلامية اجتذاب واستقطاب الجماهير بصورة عفوية بل ان عليها ان تسعى وتبذل الجهود في هذا المجال ، وهذا ما يمـثل احدى العقبات الـتي تعتـرض طريق الحركات الاسلامية اليوم ، فكيف - يا ترى - تستطيع هذه الحركات ان تصبح جماهيرية ؟


قبل الاجابة على هذا السؤال لابد من ان نجيب عن سؤال اخر هو :


ما هي العقد الاجتماعية التي تحول دون جماهيرية الحركة الاسلامية ؟


للجواب على هذا السؤال نقول : ان لغة هذه الحركة وطريقتها في التعبير عن افكارها قد تختلفان عن لغة الجماهير ، وطرق تعبيرها عن مشاعرها ؛ وعلى سبيــل المثال فان شعارات وكلمات من مثل ( لا اله الا الله ) و ( الله اكبر ) تمثـل لغة الحركات الاسلاميـة ، هذا في حين ان الجماهير وبسبب ابتعادها عن عصــر الوحي قد لاتفهم معنى ومغـزى هذه الكلمات ، فهي قد لا تدرك ان المعنى الحقيقـي لكلمة التوحيد والتكبير هو اسقاط كل الطواغيت والانظمة الفاسدة .


حاجة الجماهير الى اللغة المناسبة :


وهكـذا فان الجماهير بحاجة الى من يبين لها المعنى الحقيقي للاسلام بلغتها ومنطقها ، وفي هذا المجال ارى امكانية فتح باب الاجتهاد والاستنباط لنستوحي من الآيات القرآنية ، والشعائر الاسلامية معاني ومضامين تمس حياة الجماهير وحاجاتها .


وبالاضافة الى ذلك فان هناك مؤسسات تفصل بين الجماهير وبين النخبة الطليعية من ابناء الحركة الاسلامية ، وهذه المؤسسات تحاول ان تسرق الجماهير من هذه الحركة مدعية ان الدين الصحيح هو ذلك الذي تقدمه ، وقد تخرج من مثل هذه المؤسسات الكثير ممن حاول ان يكرس في ذهنية الجماهير الاسلام القشري ، ولابد ان كل واحد منا قد اصطدم بمثل هؤلاء الذين يقول عنهم الحديث القدسي الذي خاطب به الله - عز وجل - موسى ( عليه السلام ) قائلا : " يا موسى ؛ ان علماء السوء هم قطّاع طريق عبادي عني " .


ومن اجل حل هذه المشكلة سأعرض ثلاثة حلول :


1 - توجه الشباب نحو العلم الديني :


ان علم الدين ليـس حكرا على من يتخرج من المؤسسة العلمائية ، وبناء على ذلك فان المطلوب من الشباب ان يدرســوا العلم دراسة معمقة من خلال مراجعة المصادر الدينية ، والتدبر في القرآن الكريم لكي لا يدعو الاخرين يسبقونهم في تفسير الدين حسب اهوائهم ، واهواء سلاطينهم .


2 - تطوير اساليب الاعلام :


وعلى سبيل المثال فان هناك - للاسف - البعض من المؤلفين يصدرون الكتب حول الاسلام وعندما نقرأ هذه الكتب لا نجد فيها في الغالب استشهادا بآية ، او حديث صحيح ، او قصة تأريخية وهذا خطأ فظيع لان المفروض منا عندما نتحدث بحديث حول الاسلام ان نبحث عن اصله ، ومصدره في القرآن والسنة والتاريخ ومؤلفات الفقهاء .


3 - نشر الاسلام على نطاق واسع :


ان الكثير من ابناء الحركة الاسلامية لا يكلفون انفسهم عناء نشر الاسلام في اوسع دائرة ممكنة بل يكتفون بنشره في الوسط الذي يعيشون فيه معتقدين ان الاسلام حكر على شريحة معينة ، في حين ان الداعية المسلم ينبغي عليه ان يختلط باوسع قطاعات ممكنة من الجماهـير .


ومع ذلك يبقى هذا السؤال يطرق الاذهان : ما هي اللغة التـي يجب ان نتحدث بها مع الجماهـير ، ونستطيع بواسطتها ان نستقطبهم ؟


للاجابة على هذا السؤال اذكر الملاحظات التاليــة :


1 - الاستعانة بجميع الوسائل الاعلامية :


علينا من اجل تبليغ الرسالة الاسلامية ان نستعين بكل الوسائل الاعلامية وان لا نكتفي بالكتب والمنشورات ، فهناك وسائل اخرى من الممكن استخدامها مثل اشرطة الكاسيت ، والفيديو وما الى ذلك .

2 - توظيف الفــن :


للفن اثر فاعل في تقريب الافكار الى الحقيقة ، وللاسف فان الفن في الاوساط الاعلامية الاسلامية لم يصل بعد الى ما ينبغي ان يصل اليه ، ومن المعلوم ان الفن لم يعد اليوم مقتصرا على الشعر فهناك - كما هو معلوم - فنون ادبية شاع استعمالها في العصر الحديث مثل القصة ، والمسرحية ، والافلام ، والفن التشكيلي الذي عادة ما نغفل عن اثره ، وعلى سبيل المثال فان البوسترات ، والملصقات من شانها ان تلعب دورا كبيرا في توجيه الجماهير .


وفي هذا المجال من الضروري ان نذكر ان القرآن الكريم كثيرا ما يستعين بالتصوير الفني الجذاب في عرض بعض الحقائق كتصوير مشاهد يوم القيامة لان هذا التصوير الفني من شانه ان يثير في الانسان قوة الخيال التي هي احدى القوى التي تقرب الحقيقة ، وتجسدها امام ذهن الانسان .

3 - توجيه التشكيلات الجماهيرية :


علينا في مجال توجيه الجماهير ان لا نطلب منهم ما نطلبه من المثقفين ، لان الاخرين لهم اسلوب خاص في التوجه ، فهم مستعدون اكثر من غيرهم لتقبل الاساليب الحديثة في التنظيم اما تنظيم الجماهير ككل فيجب ان يتبع الاساليب العفوية . وعلى سبيل المثال فان النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان عندما يفتح قرية او مدينة يبقى على نفس التشكيلة السائدة فيهما ، ولكنه كان يعمد الى تهذيبها وتوجيهها بشخص معين ، وهذه من الحقائق التي يذكرها المحللون التأريخيون ، ويعتقدون انها سر نجاح الكثير من الفتوحات الاسلامية .


وعلى هذا الاساس فان التشكيل الطبيعي ( مثل تشكيل العشيرة والقبيلة ) هو مما لا يرى فيه الاسلام بأسا شريطة تهذيبه ، وفي هذا المجال يــروى انه سئل الامام علي بن الحسين ( عليه السلام ) عن العصبية فقال : " العصبية التي يأثم عليها صاحبها ان يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية ان يعين قومه على الظلم " (1) .


وعلى هذا الاساس فليس من الصحيح المبادرة الى تفكيك النظام العشائري والقبلي فـي القــرى والارياف والبوادي بل بامكاننا ان نستفيد منه ايجابيا ، وهكذا الحال بالنسبة الى التشكيل الاسري ففي بعض المجتمعات لا يمكن للانسان ان يعمل الا من خلال الاسرة ، فلا يجوز لنا في هذه الحالة ان نفصل الابن عن اسرته بل لنحاول ان نستغل هذه الحالة في التأثير على الابن والاسرة معـا .


وبناء على ذلك فان من الاساليب الفاعلة الدخول ضمن تشكيلات الجماهير فليس من المنطق ان نسعى من اجل تغيير تركيبة الجماهير وتشكيلاتها .

4 - اضمار الحب للجماهير :


ان بعـض الحركات الاسلامية عندما تتوجه الى الجماهير ترى منهم بعض الجفاء ، وعدم التجاوب وفي هذه الحالة فان علينا ان لا نعمد الى تكفيرها والتذمر منها ، بل علينا ان نعمل بصبر بينها ، ونحاول ان نستقطبها ونجذبها باتجاهنا ، ولنا في هذا المجال اسوة حسنة بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) فقد كانت اشد الساعات عليه تلك التي خرج فيها من مكة المكرمة الى الطائف بسبب تزايد الضغوط عليه ، وفي الطائف استقبله الناس برمي الحجارة حتى ادميت رجلاه الشريفتين ، ورغم ذلك رفع يديه الكريمتين بالدعاء قائلا : " اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون " فلم يدع عليهم رغم كل ما لاقاه منهم .


ونحن ايضا علينا ان نتعامل مع شعوبنا برحابة صدر ، فهذا الجفاء الذي قد نراه منها هو نتيجة بقائها لفترة طويلة بعيدة عن التوجيه والتوعية ، ولان قطّاع الطرق سدّوا الطريق أمامها ، وكرسوا في اذهانها التصورات الخاطئة حول الحركة الاسلامية فاستطاعوا التأثير فيها .

5 - اكتشاف مفاتيح الدخول الى الجماهير :


ان الجماهير ليست ابوابا مغلقة فهناك مفاتيح ينبغي على الانسان الرسالي ان يتجه اليها ليفتح من خلالها ابواب افكار الجماهير ، وعلى هذا ينبغي التفتيش في كل مجتمع عن المفاتيح التي نستطيع بواسطتها الدخول بين اوساطه لنوظفها في توجيهه ، وبعث الروح الاسلامية فيه .


لابد من نهضة :


لابد ان نقوم بنهضة وان نسعى من اجل تحريك الجماهير وتوعيتها وان طال الزمن من خلال التبليغ ، وايصال الفكر الصحيح اليها وان تطلب ذلك منا ان نتعرض الى عنت الطغاة وممارساتهم القمعية ، ولذلك يقــول الحديث الشريف : " افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " ، ذلك لان هذه الكلمة هي التي تقلدنا وسام الشهادة فهي تهز عروش الظالمين ، وتنزع الهيبة المصطنعة عنهم ، وبذلك تنهدم حواجز الخوف ، وتتحرك الجماهير باتجاه الاهداف الالهية .

مسؤولية الجماهير تجاه الطليعة


يختلف الناس بالنسبة الى الجهاد في سبيل الله الذي يمثل قمة ايمان الانسان ، واروع تجليات تضحيته ، الى فئات شتى ؛ فالبعض يختارون التحلق حول القمة او الوصول اليها بشكل مباشر ، في حين نرى البعض الاخر يختارون دعم المجاهدين وتأييدهم ، اما القسم الثالث فانهم يلتحقون بالركب ولكن في مرحلة متاخرة ، والفئة الرابعة هي الفئة التي لاترتبط بالقمة ولا بمن تحتها ، لا من قريب ولا من بعيـد .


وهذه الفئات المختلفة تختلف ايضا درجاتهم عند الله - سبحانه وتعالى - ، فالمجاهد اخ المجاهد ، وسنده في كل شيء ، فالمجاهد الذي يتصل برابطة الجهاد بسائر المجاهدين يعتبر بالنسبة اليهم كالنفس الواحدة وان اختلفت الابدان ، فالروح هي روح واحدة لاتختلف ، وهم في الدنيا اخوان ، وفي الاخرة اخوان على سرر متقابلين .


اما المجاهد والقاعد فان علاقتهما ببعضهما هي ايضا علاقة قربى وتأييد ؛ فالمجاهد رائد للقاعدين وقائدهم ، وهو يتصل بهم ويؤيدهم ، ويبذل قصارى جهده من اجلهم كما يبذل القاعدون قصارى جهودهم من اجلـه ، فهم يؤيدونه بالدعم المادي والمعنوي ، ويقومون بالاعلام له وتاييده ، والرضوخ والتسليم لقيادته .


امـا الموقف من الفئة الثالثة - وهي الفئة التي لاترتبط بالمجاهدين ولا القاعدين - فهي فـي المرحلة الاولى لاتتصل بركبهم الا في المراحل التالية - كما قيل - ، فهم يجاهدون ولكن ليس في بداية مرحلة الجهاد ، بل يجدون انفسهم في صفوف المجاهدين في وقت متأخر ، والموقف منهم هو ايضا موقف التلاحم والاخوة الجهادية ولكن ليس بمستوى اولئك المجاهدين الاوائل السابقين الى الجهاد .


اما الموقف من الذين لايمتون الى الجهاد بصلة ، ولا يبذلون جهودهم من اجل تأييد المجاهدين ، ولايلتحقون بركبهم ، فانه مختلف جدا لان هؤلاء سوف يقطعون حبل الولاء بينهم وبين قيادة الامة ، وبينهم وبين طليعتها ، وبالتالي بينهم وبين ركب الجهاد .


ان القرآن الكريم يبين لنا في نهايات سورة الانفال التي خصصت من اجل ايضاح مسائل الجهاد والقتال ، يبيـن لنا مواقف الناس تجاه الجهاد من جهة ، وهؤلاء النـاس هم الفئات الاربع التي اشرنا اليها ، كما ويبين ايضا مواقف المجاهدين بل ومواقف المؤمنين من الكفار الذين يعتبرهم القرآن ملة واحدة حتى لو اختلفت مشاربهم ومذاهبهم وادعاءاتهم ومواقفهم التكتيكية ، لانهم لايختلفون في المواقف الستراتيجية ، فموقفهم من المجاهدين هو بالتالي موقف موحد ولكن اساليبهم تختلف في التعببير عنه اما الجوهر فيبقى على ما كان عليه .


طلائع المجاهديـن :


وقد اشار القرآن الكريم الى الطليعة من المجاهدين في قوله - تعالى - : « إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِاَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ... » (الانفال / 72)


فهؤلاء هم الطليعة وهم السابقون ، ولكنهم مع ذلك لاينفصلون عن القاعدين والمؤيدين الذين يتبعون خطاهم ، وهم الذين آووا ونصروا .


ثم يقول - عز وجل - : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلاَيَتِهِم مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا » (الانفال / 72) وهؤلاء هم الذين يدّعون الايمان ، ولكنهم لايجاهدون في سبيل الله ، ولايؤيدون المجاهدين ، بل يتخذون منهم موقفا مضادا او محايدا بين الفئة المجاهدة ، والفئات الكافرة ، وهؤلاء ليس بينهم وبين الفئة المجاهدة ولاية وصلة ، كما يقول - تعالى - : « مَا لَكُمْ مِن وَلاَيَتِهِم مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ... » ؛ اي حتى يلتحقوا اما بركب المجاهدين ، او بركب المؤيدين للمجاهدين الذين ينصرون ويأوون المجاهدين .


ثم يستأنف السياق القرآني الكريم في شيء من التفصيل : « وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » (الانفال / 72) ، ان اولئك الذين لايجاهدون في سبيل الله ، ولاينصرون المجاهدين رغم ان الولايـة مفصولة عنهم فـان على المجاهدين ان يهبّوا لنجدتهم ، وينصروهم اذا تعرضوا لظلم ، لان المجاهدين لايعملون من اجل انفسهم او بلدهم او قوميتهم بقدر ما يعملون من اجل الانسانية جمعاء .


الكفر ملة واحـدة :


ثم يقول - عز من قائل - وهو يحدد الموقف من الكفار :


« وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ » (الانفال / 73) ، فالكفار يمثلون كلهم ملة واحدة ، وان لم يتخذ المؤمنون هـذا الموقف المتشدد من الكفار ، وان كان موقفهم موقفا متميعـا ، وغـير قائــم علـى


أساس قرآني ومبدئي فستحدث الفتنة ، وينتشر الفساد العريض في الارض .


صحيح ان المؤمنين في هذه الحالة سوف يبذلون قصارى جهدهم من اجل انقاذ الوطن ولكن الذي يحصد نتائج اعمالهم سيكون ذلك الكافر الذي لم يتخذ المؤمنون منه موقفا متشددا ، فكم حدث في التأريخ ان المؤمنين بذلوا ، وناضلوا ، واهرقوا دماءهم الزاكية ولكن الذي سرق جهودهم كان اولئك الكفار .


ثم يستأنف - تعالى - مشيرا الى الفئة الرابعة : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَاُوْلَئِكَ مِنكُمْ » (الانفال / 75) ، وهي الفئة التي تلتحق بركب المجاهدين في وقت متأخر ، وهؤلاء سيصبحون جزء من الكيان الجهادي للامة رغم ان مرتبتهم ودرجتهم اقل من المجاهدين السابقين .


ان في العالـم الاسلامي اليوم فئات كثيـرة من الناس بذلت ارواحها من اجل اللـه - سبحانه - ، وشروا الجنة بأنفسهم ، وهؤلاء جميعا هم في قمة الايمان ، والتسليم للـه - عز وجل - ، وهؤلاء هم الذين سيكونون سادة اهل الايمان في الجنة ، وهنيئا لهم هذه الدرجة الرفيعة ، فلقد بذلوا انفسهم كأحســـن ما تبذل نفس في سبيل اللـه ، واختاروا هدفهم بوعي ، فهم اعلم من فلاسفة التأريخ ، واكثر ايمانا من اولئك الذين يمضون الليل والنهار في عبادة ربهم ، لان ايمانهم هو ايمان الجهاد ، ولان الله - جل وعلا - فتح لهم الى الجنـة التي هي دار ضيافته بابا خاصا ، فالجهاد - كما يقول الامام علي ( عليه السلام ) - : " هـو باب من ابواب الجنـة فتحه اللـه لخاصة اوليائـه " .


ونحن ان استطعنا ان نكون من هؤلاء ، وان استطعنا ان نحمل سلاحنا وارواحنا في كف ، ورسالتنا وقرآننا في الكف الاخر ، ثم ندخل خنادق الجهاد ان استطعنا ان نفعل كل ذلك فعلينا ان لا نتأخر ولو للحظة واحدة ، فعملنا هذا هو القمة في الشموخ ، والذروة في العزة ، والتأريخ الذي نصنعه لامتنا .


كيف نسير على خطـى المجاهدين ؟ :


وان لم نستطع ان نفعل ذلك ، وخانتنا ارادتنا ، وغلّتنا اغلال الهوى ، وشدّتنا الاثقال الى الارض ، فعلينا ان نختار الموقف الثاني ؛ اي ان نكون من القاعدين الذي لهم بدورهم اجر عظيم عند الله ، والقاعدون هم الذين يؤيدون المجاهدين ، ويسيرون في خطهم .


وسائر المسلمين لهم مسؤوليتهم ايضا ، فهم الاخرون يجب ان يسيروا على خطى المجاهدين ويؤيدوهم بأن ينشروا اخبارهم ، ويبينوا افكارهم ، ويستجيبـوا لطلباتهم ، ويقوموا بدور التعبئة لهم ، فالأب الذي يصل الى مرتبة المجاهدين عليه ان يسمح لابنه ان يلتحق بهم ، والاخ الاكبر عليه ان لايمانع من ان يقوم الاخ الاصغر بدور النضال والجهاد في سبيل اللـه .


ان الموظف والعامل والفـلاح وكل من لايستطيع ان يتفرغ للجهاد عليه ان يقوم بدور المؤيد ، وان لايدع المجاهدين يحتاجون الى لقمة الخبز ، ولا يدعهم يستشهدون بسبب انعدام الرصاص في ايديهم ورشاشاتهم ، ولايضطر المجاهد الى ان يمد يده الى الغرب او الشرق ، فالمجاهد الذي يحتاج اليوم الى الادوية والمطهرات لتطهير جرحه علينا ان لاندعه يمد يده الى الاميريكيين فيكون حاله كحال من يستجير من الرمضاء بالنار .


ان هؤلاء المجاهدين الذي نجدهم في ساحات الجهاد يقتحمون مواقع العدو ، ويدكون صروح الاستكبار ، ان هؤلاء الابطال يقف وراءهم ابطال ان لم يصلوا الى مستوى بطولتهم فهم على خطهم ، وفي منهجهم ، ونحن المسلمين في كل مكان علينا ان نقوم بدورنا ، وواجبنا ازاءهم هذا الواجب المتمثل في الايواء والنصرة .


واذا ارتفعت الامة الاسلامية الى مستوى الجهاد او بتعبير اخر الى مستوى المجاهديـن ، واذا عبّـأت طاقاتها ضمن هذا النهج الجهادي فان هذا يعني ان مستقبلنا


سيكون بخير ، واننا سننتصر لان واجب الايواء والنصرة هو واجب هام .


ان الواحد منا لو وفّر (10%) من ماله واوصله للمجاهدين فانه يكون بذلك قد اشترى حياة واحد من هؤلاء المجاهدين ، لان كثيرا من المجاهدين في كافة انحاء العالم انما يستشهدون لانعدام الوسائل الجهادية .


ان هؤلاء المجاهدين يمكن الابقاء على حياتهم من خلال توفير الحماية والدعم لهم وهذا الدعم من الممكن ان نحققه من خلال الاقتصـاد ، وفي هذا المجال يقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة امام الله - سبحانه وتعالى - ، فهو سيسألنا غدا عن مدى تأييدنا للمجاهدين ، والشعوب المجاهدة .


ان الحركات الاسلامية لو امتلكت وسائل اعلامية فعالة في انحاء الارض لما تجرأت الانظمة الوحشية على ان تقتل هؤلاء المجاهدين في السجون وتحت التعذيب بتلك الاساليب الحيوانية ، ونحن علينا ان نفكر في توفير الحماية الاعلامية لهؤلاء المجاهدين ، فلماذا لانؤيهم ، وقديما كان الايواء يعني ان تفتح بيتك للمجاهد ، وتحتضنه ، والان يعني ان نوفر الحماية الاعلامية والامنية والاجتماعية للمجاهدين .


ان لم تكن من المجاهدين فكن على الاقل من القاعدين الذين يقول عنهم سبحانه وتعالى : « وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى » (النساء /95) ، وان لم تكن ممن يبذل نفسه في سبيل الله ويتفرغ فكن ممن يساعد المتفرغين للجهاد .


ونحن اذا بلغنا هذا المستوى من العمل فان نصر الله - عز وجل - سينزل علينا ، ولا يخفى ان الارض الاسلامية لاتخلو من العاملين في سبيل الله ، ولكن تبقى المسألة المهمة مدى دعم الجماهير لهم ، ونحن نهيب بهذه الجماهير ان تلتف حول هذه المسيرة الجهادية من خلال تأييد الحركات والمؤسسات الجهادية في كل مكان .

الرؤية الاسلامية في الصراع


من الضروري ان يتعرف الانسان المسلم على الرؤية الاسلامية الاصيلة تجاه الخلافات البشرية القائمة والتي تنعكس احيانا على الخلافات الدينية كالخلاف بين الاديان السماوية ، وبين المذاهب التي تتبع دينا واحدا ، وبين الفقهاء والمراجع الذين يتبعون هم بدورهم منهجا واحدا ، وبالتالي الخلاف بين التيارات المختلفة للحركات الثورية في الاتجاه الاسلامي الواحد .


/ 9