فصل 05
ويدلّ على افتراء هذه الحكاية، وبراءة عليّ عليه السلام ونزاهته ممّا عُزي إليه - زوراً وبهتاناً - من شرب الخمر؛ قولُ اللَّه عزّ سلطانه وعلا مكانه في آية المباهلة: }فمن حاجّك فيه من بعدما جاءَك من العلم فقل تعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءَكم وأنفسَنا وأنفسَكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنَةَ اللَّه على الكافرين{.
ولا خلاف بين أهل الإسلام في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يدعُ للمباهلة سوى الحسنين وأبويهما صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
أخرج مسلم في "صحيحه"
[ صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: 1/ 290-291.]
عن سعد بن أبي وقّاصٍ - في حديثٍ - قال: لمّا نزلت هذه الآية دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: "اللّهم هؤلاء أهلي".
والمراد ب "أنفسنا" عليّ عليه السلام خاصّة، لأنّه صلى الله عليه وآله لم يدعُ للمباهلة - التي هي من قواعد النبوّة ومؤسِّساتها - من الرجال أحداً غيره، ولا ريب أنّه ليس المراد به أنّ نفس عليٍّعليه السلام هي نفس النبيّ صلى الله عليه وآله لبطلان الاتّحاد، فيكون المراد أنّه مثله ومساويه إلّا في النبوّة.
قال الإمام الطبرسيّ رحمه الله:
[ مجمع البيان في تفسير القرآن: 453/2.]
ولا يجوز أن يكون المعنيّ به النبيّ صلى الله عليه وآله لأنّه هو الداعي، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسَه، وإنّما يصحّ أن يدعو غيره.
قال رحمه الله: وإذا كان قوله: "وأنفسنا" لا بدّ أن يكون إشارةً إلى غير الرسول صلى الله عليه وآله وجب أن يكون إشارةً إلى عليٍّعليه السلام، لأنّه لا أحد يدّعي دخولَ غير أميرالمؤمنين عليه السلام وزوجته وولديه في المباهلة.
وهذا يدلّ على غاية الفضل، وعلوّ الدرجة، والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله اللَّه نفسَ الرسول، وهذا ما لا يُدانيه فيه أحدٌ ولا يقاربه "اه".
وروي عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال
[ فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: 1/ 395-397، الكافي الشاف: 156.]
: لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي، يقتل مقاتليهم، ويسبي ذراريهم، ثمّ ضرب بيده على كتف عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام.
وأنت - هداك اللَّه إلى الحقّ وإلى صراطٍ مستقيم - إذا تأمّلت ذلك عرفت أنّ اللَّه تبارك وتعالى قد أنزل نفس عليّ عليه السلام منزلة نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وأجراها مجراها، وهو يقتضي المساواة في جميع الوجوه خلا النبوّة، للإجماع على أنّ محمّداًصلى الله عليه وآله كان نبيّاً ولم يكن عليٌّ كذلك، فبقي هذا العموم معمولاً به فيما وراء ذلك، ويدلّ عليه قوله صلى الله عليه وآله لعليٍّعليه السلام - في الحديث الصحيح المتّفق عليه بين الفريقين -: أنتّ منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ من بعدي، وقوله صلى الله عليه وآله لعليٍّعليه السلام أيضاً - فيما أخرجه ابن أبي عاصمٍ، وابن جريرٍ وصحّحه، والطبراني في 'الأوسط' وابن شاهين في 'السُنّة' -: ما سألتُ اللَّه لي شيئاً إلّا سألتُ لك مثله، ولا سألت اللَّه شيئاً إلّا أعطانيه، غير أنّه قيل لي: إنّه لا نبيّ بعدك
[ كنز العمّال: 170/13 ح36513.]
وقد حكى الفخر الرازيّ ذلك في "تفسيره"
[ مفاتيح الغيب: 91/8.]
ولم يناقش فيه، مع أنّ من دأبه التشكيك في الضروريّات، وما ذلك إلّا لظهور هذا الأمر ووضوحه - وللَّه الحمد - حتّى عند إمام المشكّكين.
فإذا ثبتت مساواة عليٍّعليه السلام للنبيّ صلى الله عليه وآله فيما عدا النبوّة؛ ثبت أنّه عليه السلام لم يشرب الخمر قطّ، لثبوت العصمة المطلقة له بذلك كثبوتها له صلى الله عليه وآله، ولم يثبت أنّ الأنبياء عليهم السلام شربوا الخمر في وقتٍ أصلاً - كما قال الآلوسيّ
[ روح المعاني: 114/2.]
- بل إنّ ذلك مقطوعٌ به، لا يرتاب فيه ذو تحصيلٍ، لمكان العصمة التي هي من لوازم النبوّة الضروريّة.
فهلّا تنبّه من يتديّن بهذه الأحاديث المزخرفة ويتعبّد بها؛ لما يلزمه من إبطال هذه الآية من الكتاب العزيز الذي }لا يأتيه الباطلُ من بين يَدَيْهِ ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ{، }أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها{، بل }ختم اللَّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غِشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيم{.
فصل 06
وممّا يردّ هذه الفِرْية، ويدفع هذه القصّة المكذوبة؛ أنّ اللَّه تبارك وتعالى قد وصف الخمر في كتابه العزيز بأنّها رِجْسٌ - أيّ قذر تعاف عنه العقول
[ روح المعاني: 15/7.]
- فقال عزّ من قائلٍ: }إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون{.
والرجس - كما عن ابن عبّاسٍ - عمل الشيطان، وما ليس للَّه فيه رضىً
[ مجمع البيان: 356/8.]
، وعن الزجّاج: الرجس كلّ ما استُقذر من عملٍ قبيح
[ روح المعاني: 15/7.]
وقال أبوالقاسم الحسين بن محمّد بن المفضّل الراغب الأصبهانيّ
[ معجم مفردات ألفاظ القرآن: 193.]
: الرجس الشي ء القذر، والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر، وقيل: إنّ ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبّه قوله تعالى: }وإثمهما أكبر من نفعهما{ لأنّ كلَّ ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنّبه "اه".
وقال ابن عطيّة: الرجس اسم يقع على الإثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب اللَّه جميع ذلك عن أهل البيت عليهم السلام.
وقال الأزهريّ: الرجس اسم لكلّ مستقذرٍ من عملٍ وغيره.
وفسّره صاحب "الفتوحات المكّية"
[ الفتوحات المكّية - الباب التاسع والعشرون.]
بكلّ ما يشين، وفي "الكشّاف"
[ الكشّاف عن حقائق التنزيل: 235/5.]
وغيره: أنّه عبارة عن الذنوب.
وقال ابن منظورٍ في "لسان العرب"
[ لسان العرب: 38/3 - مادّة "رجس".]
: الرجس القَذَر، وكلّ قذرٍ رجسٌ، قال: وقد يُعبَّر به عن الحرام والفعل القبيح والعذاب واللعنة والكفر "اه".
وكيفما كان، فالرجس محرّم العين
[ روح المعاني: 112/2.]
، وقد أذهبه اللَّه تعالى عن أهل البيت عليهم السلام - ومنهم عليّ عليه السلام - وطهّرهم منه تطهيراً، كما قال سبحانه: }إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهلَ البيت ويطهّركم تطهيراً{ فثبتت عصمة أميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام من تناول الخمر وتعاطيه.
ولا بأس ببسط الكلام هنا في تقرير دلالة آية التطهير على المطلوب بما يحتمله المقام، فنقول - وباللَّه تعالى التوفيق والاعتصام -:
قوله عزّوجلّ: "إنّما" للحصر بالنقل عن أهل اللغة، وهو المتبادر منها عرفاً، فهي محقّقة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت.
فإنّ قول القائل: إنّما لك عندي درهم، يقتضي أنّه ليس له عنده سوى الدرهم.
وقالوا: إنّما السخاء حاتم، يريدون نفي السخاء عن غيره، والتقدير: إنّما السخاء سخاء حاتمٍ، فحُذف المضاف.
والمفهوم من قول القائل: إنّما أكلتُ رغيفاً، وإنّما لقيتُ اليوم زيداً، نَفْي أكلِ أكثرَ من رغيفٍ، ونفْي لقاء غير زيدٍ.
وقال الفرزدق:
أنا الذائدُ الحامي الذِّمارَ وإنّما
يُدافع عن أحسابهم أنا أو مِثلي
يُدافع عن أحسابهم أنا أو مِثلي
يُدافع عن أحسابهم أنا أو مِثلي
فلو لم تكن "إنّما" للحصر لم يتمّ افتخاره.
وهي هنا تدلّ على حصر الإرادة الإلهيّة في إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم منه، وهذا كُنْه العصمة وحقيقتها.
والإرادة في قوله تعالى: }يريد{ تكوينيّة، كما في قوله سبحانه: }إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون{ ولا يلزم منه جَبْرٌ ولا إلجاء - كما بُيّن في محلّه -.
وليست تشريعيّةً، لمنافاتها الحصر في الآية، إذ ليس لأهل البيت عليهم السلام خصوصيّة في باب تشريع الأحكام، بل هم كغيرهم فيها سواء، اللّهم إلّا ما خرج بالدليل، ولمنافاتها أيضاً الأحاديث الكثيرة الدالّة على جعل النبيّ صلى الله عليه وآله إيّاهم مصداقاً للآية دون غيرهم.
فإن قال قائل: إنّ قوله عزّ من قائلٍ: }يريد{ صيغة استقبالٍ، ولا دلالة فيها على وقوع إذهاب الرجس والتطهير.
قلنا: إرادته تعالى هنا تكوينيّة قطعيّة حتميّة، وهي عين تحقّق مراده، فلا يتخلّف مراده عنها، لأنّها علّة تامّة له - كما تقرّر في محلّه -.
ولأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله دعا لأهل بيته عليهم السلام بإذهاب الرجس عنهم والتطهير لهم منه، فقال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: "اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً" وهوصلى الله عليه وآله لا يدعو إلّا بأمر ربّه، فيكون مقبولاً، فيقع.
ولأنّ اللَّه تبارك وتعالى مدحهم بذلك، وهو سبحانه لا يمدح بغير الواقع.
ولأنّ وصفهم بالطهارة ليس عدميّاً، لأنّه نقيض الاتّصاف العدميّ، فوصفهم بها ثبوتيٌّ، وقد أخرج الحكيم الترمذيّ والطبرانيّ وابن مردويه وأبونعيمٍ والبيهقيّ معاً في "الدلائل" عن ابن عبّاسٍ رضي اللَّه عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله - في حديثٍ - قال: أنا وأهل بيتي مطهَّرون من الذنوب
[ الدرّ المنثور: 199/5.]
هذا، مع أنّ صيغة الاستقبال جاءَت للماضي والحال، كما في قوله جلّ ذِكْره تعالى: }إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء{ وقوله جلّ وعلا: }يريد أن يُخفّفَ عنكم{ وقوله جلّ ثناؤه: }يريدون أن يُبَدِّلوا كلامَ اللَّه{.
واعلم أنّه لا يلزم من قوله تعالى: }ليُذهب عنكم الرجس{ ثبوت الرجس أوّلاً، لأنّ هذا كقول الإنسان لغيره: أذهبَ اللَّه عنك كلَّ مرضٍ، ولم يكن حاصلاً له كلُّ مرضٍ.
وزيدت اللام هنا لتأكيد تعلّق الإرادة الإلهيّة بإذهاب الرجس عن أهل البيت عليهم السلام فتنبّه.
واللام في "الرجس" - وقد تقدّم معناه - للجنس، فيعمّ، لأنّه لو ثبت من الرجس فردٌ لكانت الماهيّة فيه، فلم يصدق الإذهاب، فالمنفيّ في الآية ماهيّة الرجس من حيث هي هي، وحينئذٍ فزوال الرجس وإذهابه بالكلّيّة لا يُتصوّر بدون العصمة، فتكون الآية دالّةً على عصمتهم عليهم الصلاة والسلام من جميع الذنوب والأعمال القبيحة والمآثم، لإطلاق "الرجس" فيها.
وبالجملة: فالمراد بإذهاب الرجس إزالة كلّ هيئةٍ خبيثةٍ في النفس تُخطئ حقَّ الاعتقاد والعمل، وذلك ينطبق على العصمة الإلهيّة التي هي صورة عمليّة نفسانيّة تحفظ الإنسان من باطل الاعتقاد وسيّئ العمل.
فإن قيل: لا خصوصيّة لأهل البيت عليهم السلام في ذلك، فإنّ اللَّه تعالى يريد إذهاب الرجس عن كلّ أحدٍ.
قلنا: نمنع أنّ الرجس المستلزم إذهابه للعصمة يريد اللَّه إذهابه عن كلّ أحدٍ بالإرادة الحتميّة، وإلّا ما انفكَّ المراد عنها، بخلاف ما نحن فيه، فتنبّه جيّداً.
وإذا تقرّر هذا لديك تحقّقتَ أنّ الخمر من أظهر مصاديق "الرجس" وأعرفها، فحينئذٍ نمنع - بمقتضى هذه الآية - أن يكون عليّ عليه السلام - وهو من أهل البيت الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً - قد شرب الخمر - والعياذ باللَّه تعالى -.
لا يُقال: جاز أن تكون إرادة إذهاب الرجس بعد وقوع تلك الواقعة وتحريم الخمر بعدها، فلا يتمّ الاستدلال بالآية على المطلوب.
لأنّا نقول: إنّ إرادة اللَّه سبحانه وتعالى إذهابَ الرجس عنهم عليهم السلام كانت بإرادته الأزليّة الذاتيّة، وهي متقدّمة على تلك الواقعة، فافهم.
ثمّ إنّ هنا خلافاً مشهوراً بين الفريقين في المراد ب "أهل البيت" الذين نزلت فيهم آية التطهير، فأجمعت الشيعة قاطبةً - تبعاً لأئمّة العترة الطاهرة - على أنّ المراد بهم خصوص النبيّ وعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين من دون أن يشركهم فيها أحدٌ من الأزواج وغيرهنّ، وهو قول أكثر المفسّرين أيضاً
[ الصواعق المحرقة: 143 - وعليك بكتاب 'رشفة الصادي من مناقب آل النبيّ الهاديّ' للإمام أبي بكر بن شهاب الدين العلويّ الشافعيّ، ففيه تفصيل القول بنزول هذه الآية في الخمسة الطاهرة بالخصوص.]
وقد دلّت على ذلك أحاديث متواترة، وأخبار وفيرة متكاثرة، رُوِيَتْ عن أمّ سلمة وعائشة وأبي سعيدٍ الخدريّ وسعد بن أبي وقّاصٍ وواثلةَ بن الأسقع وأبي الحمراء وابن عبّاسٍ وثوبانَ وعمر بن أبي سلمة ومعقل بن يسارٍ وأنسٍ وأبي الدرداء وجابرٍ وزيد بن أرقم وعبداللَّه بن جعفرٍ وعليٍّ والحسن بن عليّ عليهما السلام في قريبٍ من أربعين طريقاً، كما رواها أصحابنا عن جماعةٍ من الصحابة والتابعين في بِضْعٍ وثلاثين طريقاً.
وحسبك منها ما أخرجه مسلم في "صحيحه"
[ صحيح مسلم: كتاب الفضائل: بابٌ من فضائل الحسن والحسين عليهما السلام.]
عن عائشة قالت: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَجَّلٌ من شعرٍ أسود، فجاء الحسن بن عليٍّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمّ قال: }إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً{ ورواه ابن أبي شيبة وأحمد وابن جريرٍ وابن أبي حاتم
[ الدرّ المنثور: 5/ 198-199.]
والحاكم
[ المستدرك على الصحيحين: 147/3.]
وصحّحه على شرط الشيخين.
وأخرج ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ والطبرانيّ في "الأوسط"
[ الدرّ المنثور: 198/5.]
عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ وفي عليٍّ وحسنٍ وحسينٍ وفاطمة.
وأمّا قوله تعالى: }ويُطَهِّرَكُم تطهيراً{ فالتطهير هو التنزيه عن الإثم وعن كلّ قبيحٍ - كما قال ابن فارسٍ في 'مجمل اللغة'
[ مجمل اللغة: 588/2.]
- وقد أكّد هنا بالمصدر، ففيه شاهدُ عدلٍ على عصمتهم، لأنّ المراد بالتطهير إزالة أثر الرجس بإيراد ما يقابله بعد إذهاب أصله، ومن المعلوم أنّ ما يقابل الاعتقاد الباطل هو الاعتقاد الحقّ، فتطهيرهم هو تجهيزهم بإدراك الحقّ في الإعتقاد والعمل.
فتحصّل من جميع ما تقدّم أنّ معنى الآية: أنّ اللَّه سبحانه وتعالى تستمرّ إرادته أن يخصّكم بموهبة العصمة بإذهاب الاعتقاد الباطل وأثر العمل السيّئ عنكم - أهلَ البيت - وإيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم، وهي العصمة.
هذا ما استفدناه - على العُجالة - من كلام أصحابنا رحمهم اللَّه تعالى في الاستدلال بآية التطهير على عصمة الخمسة أصحابة الكساء عليهم آلاف التحيّة والثناء، وهو في غاية المتانة والدقّة، كما لا يخفى على من أعطى الإنصاف حقّه }ولا يُنَبِّئُكَ مِثلُ خَبيرٍ{.
وإذا ثبت ذلك عندك وتقرّر لديك ظهر لك الوجه في إجماع أهل الحقّ على بطلان تلك الأحاديث المفتراة التي اختلقتها الناصبة والشُّراة
[ قال الفيّوميّ في "المصباح المنير" صفحة 312: تُسمّى الخوارج "شُراةً" لأنّهم زعموا أنّهم شَرَوا أنفسهم بالجنّة، لأنهم فارقوا أئمّة الجَوْر "اه".
"كَبُرَت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلّا كذباً".
وسيأتي عن الحاكم النيسابوريّ في "المستدرك على الصحيحين: 307/2"أنّه قال - بعد تخريجه لحديث الباب -: إنّ الخوارج تنسب هذا السُّكْر وهذه القراءة إلى أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام دون غيره، وقد برّأه اللَّه منها "اه".]
، إذ إنّها تعارض مدلولَ الآية وتناقضه بحيث لا يتأتّى الجمع بينهما، وما كان هذا شأنه يُضرب به عرض الجدار ولا كرامة.
وأنت - يا مَن أنار اللَّه بلطفه بصيرتك، وطهّر من دنس الجهل والحقد سريرتك - إذا أنعمت نظرك وأمعنت فكرك فيما سُقناه، أذعنتَ أنّ الحقّ لا يعدو ما ذكرناه؛ من اختصاص الآية بالخمسة أصحاب الكساء ودلالتها على عصمتهم كما بيّنّاه، وتحقّقتَ أنّ القول بغير ذلك أوهن من بيوت العناكب، وأشبه شي ءٍ بنار الحباحب، فالحمد للَّه على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله.
ولمزيد إيضاح اختصاص الآية بأهل البيت الكرام نورد كلاماً نفيساً في هذا المقام أفاده حجّة النُظّار وبرهان المتكلّمين سيّدنا الإمام ابن شرف الدين العامليّ رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه وأرضاه؛ ليكون فصلَ الخطاب ومِسك الختام في هذا الباب إن شاء اللَّه.
قال رحمه الله: قد أجمعت كلمة أهل القبلة من أهل المذاهب الإسلاميّة كلّها على أنّه صلى الله عليه وآله لمّا نزل الوحي بها عليه - يعني آية التطهير - ضمّ سبطيه وأباهما وأمّهما إليه، ثمّ غشّاهم ونفسهَ بذلك الكساء تمييزاً لهم عن سائر الأبناء والأنفس والنساء، فلمّا انفردوا تحته عن كافّة أسرته، واحتجبوا به عن بقيّة أمّته؛ بلّغهم الآية وهم على تلك الحال، حرصاً على أن لا يطمع بمشاركتهم فيها أحدٌ من الصحابة والآل، فقال مخاطباً لهم - وهم في معزلٍ عن كافّة الناس -: }إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً{ فأزاح صلى الله عليه وآله بحَجْبهم في كسائه - حينئذٍ - حُجُب الريب، وهتك سدف الشبهات، فبرح الخفاء بحكمته البالغة، وسطعت أشعّة الظهور ببلاغه المبين، والحمد للَّه ربّ العالمين.
ومع ذلك لم يقتصرصلى الله عليه وآله على هذا المقدار من توضيح اختصاص الآية بهم عليهم السلام حتّى أخرج يده من تحت الكساء، فألوى بها إلى السماء، فقال: 'اللّهم هؤلاء أهل بيتي، فأَذْهِبْ عنهم الرجس وطَهِّرْهم تطهيراً'
[ الدرّ المنثور: 198/5.]
يكرّر ذلك وأمّ سلمة رضي اللَّه عنها تسمع وترى - إذ كان نزول الآية وقضيّة الكساء في بيتها - فقالت: وأنا معكم يا رسول اللَّه، ورفعت الكساء لتدخل، فجذبه من يدها وقال: إنّك على خيرٍ.
فيا أهل البصائر برسول اللَّه صلى الله عليه وآله العارفين بمبلغه من الحكمة والعصمة، المقدّرين قدر أفعاله وأقواله، هل تجدون وجهاً لحصرهم تحت الكساء - عند تبليغهم الآية عن اللَّه تعالى - إلّا المبالغة البليغة في توضيح ما قلناه من اختصاصها وامتيازهم بها عن العالمين؟
وهل تفهمون من قوله: 'اللّهم هؤلاء أهل بيتي، فأَذْهِبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً' إلّا الحصر بهم، والقصر عليهم؟
وهل تَرَوْنَ وجهاً لجذب الكساء من يد أمّ سلمة ومنعها من الدخول معهم - على جلالة قدرها، وعِظَم شأنها - إلّا الذي ذكرناه؟
قال رحمه الله: وقد بلغ - بأبي هو وأمّي - في توضيح اختصاص الآية بهم كلَّ مبلغٍ، وسلك في إعلان ذلك مسالك ينقطع معها شغب المشاغب، ولا يبقى بعدها أثر لهذيان النواصب، حتّى كان بعد نزول الآية كلَّما خرج إلى صلاة الفجر يمرّ ببيت فاطمةعليها السلام فيقول: الصلاةَ يا أهل البيت }إنّما يريد اللَّه ليُذْهِبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيت ويطهّركم تطهيراً{.
وقد استمرّ على هذا ستّة أشهر في رواية أنسٍ
[ مسند أحمد: 259/3 - فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: 272/1.]
، وعن ابن عبّاسٍ سبعة أشهرٍ
[ فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: 285/1.]
، وفي روايةٍ: ثمانية أشهرٍ
[ فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: 1/ 272-276.]
، فصرّح الحقّ عن محضه، وبدا الصبح ذي عينين
[ الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراءعليها السلام: 209 - 204.]
"انتهى" كلامُه، رُفع في الخُلْد مقامُه.