فصل 11
ولقد حرّم قومٌ في الجاهليّة الخمرَ على أنفسهم، لعلمهم بعاقبتها، وعليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام أفضل من هؤلاء جميعاً وأشرف على الإطلاق - كما تقرّر في محلّه بالأدلّة العقليّة والنقليّة - فيعتيّن القول بتنزّهه واجتنابه عن تناولها.
فقد حرّمها العبّاس بن مِرْداسٍ السُّلَميّ، فإنّه قيل له: ألا تأخذ من الشراب، فإنّه يزيد في قوّتك وجرأتك؟ فقال: لا أصبح سيّدَ قومي وأُمسي سفيهها، لا واللَّه لا يدخل جوفي شي ءٌ يحول بيني وبين عقلي أبداً
[ الاستيعاب: 103/3 - أُسد الغابة: 169/3 - الإصابة في تمييز الصحابة: 272/2 - روح المعاني: 111/2.]
وممّن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة قيس بن عاصم بن سنان المِنْقريّ، وكان سبب ذلك أنّه غمز عُكْنَةَ ابنته وهو سكران، وسبّ أبويها، ورأى القمرَ فتكلّم بشي ءٍ، وأعطى الخمّار كثيراً من ماله، فلمّا أفاق أُخْبِرَ بذلك فحرّمها على نفسه، وقال فيها أشعاراً منها قوله:
رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها
فلا - واللَّه - أشربها صحيحاً
ولا أُعطي بها ثمناً حياتي
فإنّ الخمرَ تفضح شاربَها
وتجنيهم بها الأمرَ العظيما
خصالٌ تُفسد الرجلَ الحليما
ولا أشفي بها أبداً سقيما
ولا أدعو لها أبداً نديما
وتجنيهم بها الأمرَ العظيما
وتجنيهم بها الأمرَ العظيما
وممّن حرّمها أيضاً النابغة الجعديّ، فقد ذكر الحافظ ابن حجرٍ في "الإصابة"
[ الإصابة في تمييز الصحابة: 538/3.]
: أنّ أباعُبيدة معمر بن المثنّى قال: كان النابغة ممّن فكّر في الجاهليّة، وأنكر الخمر والسكر، وهجر الأزلام، واجتنب الأوثان، وذكر دين إبراهيم عليه السلام "اه".
وكان عثمان بن مظعونٍ الجُمَحِيّ أيضاً ممّن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة، قال ابن عبدالبرّ "في الاستيعاب"
[ الاستيعاب: 86/3 - أُسد الغابة: 599/3.]
: ذكر ابن المبارك عن عمر بن سعيد بن أبي حسينٍ، عن عبدالرحمن بن سليطٍ، قال: كان عثمانُ بن مظعونٍ أحدَ من حرّم الخمر في الجاهليّة وقال: لا أشرب شراباً يُذهب عقلي، ويضحك بي مَن هو أدنى منّي، ويحملني على أن أنكح كريمتي.
وذكر ابن عبدالبرّ في "الاستيعاب" وابن الأثير في "أُسد الغابة"
[ الاستيعاب: 103/3، 257/2، أُسد الغابة: 169/3.]
أنّ عثمان بن عفّان كان قد حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة.
وقد حرّمها أيضاً: عبدالمطّلب بن هاشمٍ، وعبداللَّه بن جُدْعان، وشيبة بن ربيعة، وورقة بن نَوْفَل، والوليد بن المُغِيرة، وعامر بن الظَّرِب العَدْوانيّ، ويقال: هو أوّل من حرّمها في الجاهليّة على نفسه، ويقال: بل عفيف بن معد يكرب العبديّ
[ الاستيعاب:103/3 - أُسد الغابة: 169/3.]
فإذا كان هؤلاء وغيرهم قد حرّموا الخمر على أنفسهم - وهم في جاهليّةٍ جهلاء - لعلمهم بمفاسدها وعوائدها وقبائحها وفضائحها، فَلَإنْ يحرّمها ابن أبي طالبٍ على نفسه أولى وأحرى، كيف لا وهم - بلا شكٍّ - دونه عليه السلام في تحكيم العقل ونقاء الفطرة وسلامتها، وعلوّ الشرف والكمال، والانقياد لأوامر اللَّه تعالى، والانزجار عن مناهيه، واتّباع شِرْعته ومنهاجه.
بل هو أفضل الخلق على الإطلاق بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله، إذ قد ثبت بالإجماع أنّ محمّداًصلى الله عليه وآله أفضل النبيّين وأشرف المرسلين، وثبت أيضاً بآية المباهلة وغيرها أنّه عليه السلام بمنزلة النبيّ صلى الله عليه وآله إلّا في النبوّة، فلزم أن يكون هو أيضاً أفضل من سائر النبيّين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، فضلاً عن سائر الخلق.
فهل يحسن ممّن كان في قلبه مثقال حبّةٍ من خَرْدَلٍ من إيمانٍ أن ينسب لأبي ترابٍ فِرْيَة تناول المسكر من الشراب؟ اللّهمّ لا.
تنبيه
ذكر ابن عبدالبرّ في "الاستيعاب"
[ الاستيعاب: 103/3.]
أنّ عبدالرحمن بن عوفٍ كان ممّن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة، ولعلّ ذلك لعدم اعتداده بما رواه أصحاب السنن الثلاثة وغيرهم - كما مرّ - لكنْ قال ابن الأثير: فيه نظرٌ
[ أُسد الغابة: 169/3.]
، ووجهه لا يخفى.
وقد عَدُّوا أبابكرٍ عبداللَّه بن أبي قحافة أيضاً فيمن حرّم الخمر على نفسه في الجاهليّة والإسلام، فروى ابن عبدالبرّ في "الاستيعاب"
[ الاستيعاب: 257/2.]
عن سفيان بن حسينٍ، عن الزهريّ قال: سألني عبدالملك بن مروان فقال: أرأيتَ هذه الأبياتِ التي تُروى عن أبي بكرٍ؟ فقلت له: إنّه لم يقُلْها، حدّثني عروة عن عائشة: أنّ أبابكرٍ لم يقل بيتَ شعرٍ في الإسلام حتّى مات، وأنّه كان قد حرّم الخمر في الجاهليّة هو وعثمان "اه".
قلت: هذا لم يثبت، فإنّ سفيان قد تكلّموا في روايته عن الزهريّ، قال ابن معينٍ: حديث سفيان بن حسينٍ عن الزهريّ ليس بذاك، إنمّا سمع منه في الموسم، وقال أحمد: ليس بذاك في حديثه عن الزهريّ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ إلّا في الزهريّ، وقال ابن عَديٍّ: هو في غير الزهريّ صالح، وفي الزهريّ يروي أشياء خالف الناس، وقال ابن حبّان في "الثقات": روايته عن الزهريّ فيها تخاليط، يجب أن يُجتنب، وهو ثقة في غير الزهريّ، وقال في "الضعفاء": يروي عن الزهريّ المقلوبات
[ تهذيب التهذيب: 2/ 350-351.]
وأخرج أبو نعيم في "الحلية"
[ حلية الأولياء: 160/7.]
قال: حدّثنا أبوبكرٍ الآجريّ وأبوإسحاق بن حمزة قالا: حدّثنا عبداللَّه بن أبي داود، حدّثنا عبّاد بن زيادٍ الساجيّ، حدّثنا ابن أبي عَديٍّ، حدّثنا شعبة، عن محمّد بن عبدالرحمن بن
[ كذا في الحلية، والصواب: أنّ أباالرجال لقب لمحمّد بن عبدالرحمن بن حارثة بن النعمان - كما في تهذيب التهذيب: 190/5 - فتكون كلمة "ابن" زائدة.]
أبي الرجال، عن عَمْرةَ، عن عائشة قالت: حرّم أبوبكر الخمْرة على نفسه فلم يشربها في جاهليّةٍ ولا إسلامٍ، وذلك أنّه مرّ برجلٍ سكران يضع يده في العَذرة ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرف عنها، فقال أبوبكرٍ: إنّ هذا لا يدري ما يصنع وهو يجد ريحها فحماها
[ كذا في الحلية، وفي 'تقريب البُغية': 296/2 - فحرّمها.]
قال أبونعيمٍ: غريبٌ من حديث شعبة، لم نكتبه إلّا من حديث عبّاد بن أبي عديٍّ
[ كذا في الحلية، والصواب: عبّاد عن ابن أبي عديٍّ، فإنّ عبّاداً - هذا - هو ابن زياد بن موسى الأسديّ الساجيّ، وابن أبي عديٍّ هو محمّد بن إبراهيم بن أبي عديّ، فتنبّه.]
وفي إسناده: عبّاد بن زياد بن موسى الأسديّ الساجيّ: قال أبوداود: كان يُتّهم بالقَدَر، وقال موسى بن هارون تركتُ حديثه، وقال ابن عديٍّ: له أحاديث مناكير في الفضائل
[ تهذيب التهذيب: 65/3.]
وفيه أيضاً: رواية شعبة عن محمّد بن عبدالرحمن، وهو وَهَمٌ، لأنّ شعبة لم يَرْوِ عن أبي الرجال شيئاً - كما قال الخطيب -
[ تهذيب التهذيب: 190/5.]
هذا، وقد تقدّم في رواية ابن المنذر عن عكرمة أنّ أبابكرٍ وعمر كانا ممّن شرب الخمر قبل تحريمها.
وأخرج الفاكهيّ في "كتاب مكّة" عن يحيى بن جعفرٍ، عن علي بن عاصمٍ، عن عوف بن أبي جميلة، عن أبي القموص قال: شرب أبوبكرٍ الخمر في الجاهليّة
[ هذا لا يوافق ما بَعْدَه، فتأمّل.]
فأنشأ يقول: - وذكر أبياتاً - فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقام يجرّ إزاره حتّى دخل فتلقّاه عمر - وكان مع أبي بكرٍ - فلمّا نظر إلى وجهه مُحْمَرّاً قال: نعوذ باللَّه من غضب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله، واللَّه لا يلج لنا رأساً أبداً، فكان أوّل من حرّمها على نفسه
[ الإصابة: 22/4 - جامع البيان: 211/2 - نوادر الأصول: 66.]
وقد اعتمد نفطويه على هذه الرواية فقال: شرب أبوبكرٍ الخمر قبل أن تحرّم، ورثى قتلى بدرٍ من المشركين
[ الإصابة: 22/4.]
"اه".
لكنّ الحافظ ابن حجرٍ رامَ تنزيه أبي بكرٍ عن ذلك فقال: أبوبكرٍ هذا يقاله له: ابن شغوب، فظنّ بعضهم أنّه أبوبكرٍ الصدّيق، وليس كذلك، ثم لم يلبث أن اعترف بأنّه هو فقال: لكنّ قرينه ذِكْر عمر تدلّ على عدم الغلط في وصف الصدّيق
[ فتح الباري: 41/10.]
"اه".
والحقّ يُنطِقُ منصفاً وعنيد