فصل 09
واعلم - رحمك اللَّه - أنّ الخمر ما زالت محرّمةً في جميع الأديان والشرائع الحقّة، وهذا هو الثابت المقطوع به عند أئمّة العترة الطاهرة سلام اللَّه عليهم أجمعين - أحدِ الثقلين اللذَيْن لا يضلّ من تمسّك بهما، ولا يهتدي إلى اللَّه مَن ضلّ عن أحدهما، خُزّان العلم وأمناء وحي اللَّه تعالى - وعليه انعقد إجماع أهل الحقّ قاطبةً }فماذا بعد الحقّ إلّا الضلال فأنّى تُصرفون{ وهذا ممّا يُبطل القول بأنّ الخمر كانت مباحةً في شريعة الإسلام ثمّ نُسخ ذلك واستقرّ التحريم.
فعن أبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ الباقرعليه السلام قال: ما زالت الخمر في علم اللَّه وعند اللَّه حرام، وأنّه لا يبعث اللَّه نبيّاً ولا يُرسِل رسولاً إلّا ويجعل في شريعته تحريمَ الخمر، وما حرّم اللَّه حراماً فأحلّه من بَعْدُ إلّا للمضطرّ، ولا أحلّ اللَّه حلالاً قطّ ثمّ حرّمه
[ الأصول الستّة عشر - أصل زيد النرسيّ: 58 - مستدرك الوسائل: 43/17.]
وروى زرارة بن أعْيَن عن أبي جعفرٍ وأبي عبداللَّه عليهما السلام قالا: ما بعث اللَّه عزّوجلّ نبيّاً قطّ إلّا وفي علم اللَّه تبارك وتعالى أنّه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراماً - الحديث
[ الكافي: 395/6.]
وعن الريّان بن الصلت قال: سمعتُ الرضاعليه السلام يقول: ما بعث اللَّه نبيّاً قطّ إلّا بتحريم الخمر - الحديث
[ الكافي: 148/1 - عيون أخبار الرضاعليه السلام: 15/2 - التوحيد: 333 - تفسير القمّي: 194/1.]
وعن محمّد بن مسلمٍ قال: سُئل أبوعبداللَّه عليه السلام عن الخمر، فقال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: إنّ أوّل ما نهاني عنه ربّي عزّوجلّ عن عبادة الأوثان وشرب الخمر وملاحاة الرجال - الحديث
[ أمالي الصدوق: 339 كتاب الأوائل للسيوطيّ.]
وقال الشيخ العلّامة المحّقّق جمال الدين أبوعبداللَّه المقداد بن عبداللَّه السيوريّ الحلّي رحمه اللَّه تعالى في "كنز العرفان"
[ كنز العرفان في فقه القرآن: 307/2.]
: اعلم أنّ مذهب الإماميّة أنّ الخمر محرّمة في جميع الشرائع، وما أُبيحت في شريعةٍ قطّ، وكذا كلّ مسكرٍ، وأوردوا أخباراً عن أئمّتهم عليهم السلام.
قال: وما ذكره المفسّرون والفقهاء من كونها كانت قبلُ حلالاً باطلٌ بإجماعنا، والنقل الصحيح عن أئمّتنا عليهم السلام، وقوله صلى الله عليه وآله: كلّ مسكرٍ حرام، وأنّه صلى الله عليه وآله لعن الخمر وعاصرَها ومعتصِرَها وبائعَها ومشتريها وساقيَها وآكلَ ثمنها وحاملَها والمحمولةَ إليه وشاربَها، وقال صلى الله عليه وآله: شارب الخمر كعابد الوثن، وغير ذلك من الأخبار "اه".
وقال أيضاً في "التنقيح الرائع"
[ التنقيح الرائع لمختصر مختصر الشرائع: 368/4.]
: اتّفق علماؤنا على أنّ الخمر وكلَّ مسكرٍ حرام في سائر الشرائع، وأنّه لم يُبَحْ في ملّةٍ قطّ، ولِما مرّ من وجوب تقرير الأحكام الخمسة في كلّ شريعةٍ "اه".
هذا، ولكنّ جمهور مخالفينا على أنّ الخمر كانت مباحةً في هذه الشريعة ثمّ حُرّمت، نعم حكى النوويّ في "شرح صحيح مسلم"
[ شرح صحيح مسلم: 213/8.]
عن بعضهم أنّه قال: إنّ السُّكر لم يزل مُحرّماً، لكن تعقّبه النوويّ فقال: إنّه باطل لا يُعرف أصلاً "اه".
وقال الخطيب الشربينيّ الشافعيّ في "مُغني المحتاج"
[ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: 186/4.]
: قيل كان المباح الشُّرْبُ إلى ما لا ينتهي إلى السُّكْر المزيل للعقل، فإنّه حرام في كلّ ملّةٍ، حكاه ابن القشيريّ في "تفسيره" عن القفّال الشاشيّ "اه".
قلت: هذا باطل مردود، فإنّ شرب الخمر لم يزل محرّماً في جميع الشرائع - كما عرفت -.
ثمّ إنّ النوويّ غفل عمّا قال، فنقل احتجاج الجمهور على تحريم جميع الأنبذة المسكرة - ساكتاً عليه -: بأنّ اللَّه تعالى نبّه على أنّ علّة تحريم الخمر كونها تصدّ عن ذِكر اللَّه وعن الصلاة
[ شرح صحيح مسلم: 219/8.]
"اه".
وهو يقتضي أن يكون التحريم قد وقع بمكّة - على أقلّ الأحوال - لأنّ الصلاة فُرضت بها في أوّل الإسلام، وإلّا فكون الخمر تصدّ عن ذِكْر اللَّه تعالى يقتضي تحريمها في الأزل، لأنّ ما يصدّ عن ذِكر اللَّه يلزم العبد اجتنابه، وهذا مطَّرد في جميع الشرائع والأديان، وفي كلّ عصرٍ وزمان، فافهم ترشد.
وذكر الخطيب الشربينيّ في "شرح المنهاج"
[ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: 186/4.]
اختلافَ أصحابه الشافعيّة في أنّ شربَ المسلمين للخمر في أوّل الإسلام؛ هل كان استصحاباً منهم بحكم الجاهليّة أو بشرعٍ في إباحتها، قال: فرجّح الماورديّ الأوّل، والنوويّ الثاني.
وأنت خبيرٌ بأنّ ما رجّحه النوويّ لا دليلَ عليه من جهة الشرع، لأنّ إباحة الخمر - عنده - في أوّل الإسلام؛ إما أن تكون ثابتةً باستصحاب الشريعة السابقة، ولا سبيل إلى إثباته مطلقاً.
وإمّا أن تكون ثابتةً بنصٍّ من الشارع، ولا نصّ بالاتّفاق.
وإمّا أن تكون ثابتةً بالتقرير والسكوت وعدم الإنكار، وقد يُستدلّ له بما مرّ من حديث أبي هريرة - عند أحمد
[ مسند أحمد: 351/2.]
- قال: حُرّمت الخمر ثلاث مرّاتٍ، قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله المدينة - وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر - فسألوا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وآله عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى: }يسألونك عن الخمر والميسر{ فقال النّاس: لم تحرّم علينا، إنّما قال: }فيهما إثمٌ كبيرٌ{ فكانوا يشربون - الحديث، وقد مضى في أوائل هذا الجزء، وبيّنّا هناك ضعفَ إسناده.
على أنّ تحريم الخمر - عند أكثرهم - كان بعد أُحُدٍ
[ الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 87/3 -مغني المحتاج: 186/4.]
، وذكر ابن اسحاق أنّه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد وقعة أُحدٍ وذلك سنة أربعٍ على الراجح
[ فتح الباري: 34/10 - نيل الأوطار: 193/8.]
، وجزم الدمياطيّ في "سيرته" بأنّ تحريم الخمر كان سنة الحُدَيْبيّة، والحُديبيّة كانت سنة ستٍّ
[ فتح الباري: 34/10.]
، وقيل بعد غزوة الأحزاب بأيّامٍ
[ روح المعاني: 112/2.]
، وكانت سنة خمسٍ، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر
[ أُسْد الغابة في معرفة الصحابة: 320/6.]
سنة سبعٍ من الهجرة النبويّة المباركة، فمن أين شهد التحريم؟
نعم استظهر الحافظ ابن حجرٍ في "شرح البخاريّ"
[ فتح الباري: 128/8-34/10، وانظر: الغدير في الكتاب والسنّة والأدب: 102/7.]
أنّ تحريم الخمر كان عام الفتح سنة ثمانٍ، لكنّه خلاف المشهور عندهم.
وليس ذلك ببدعٍ من أبي هريرة، فلقد حدّث أيضاً بوقائع لم يشهدها، موهماً حضوره فيها، فروى عنه الشيخان
[ صحيح البخاري: كتاب الوصايا - باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، صحيح مسلم.]
أنّه قال: قام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حين أنزل اللَّه عليه: }وأنذر عشيرتك الأقربين{ فقال: يا معشر قريشٍ، لا أُغني عنكم من اللَّه شيئاً - الحديث.
قال الإمام ابن شرف الدين العامليّ رحمه اللَّه تعالى
[ أبوهريرة: 148.]
: هذه الآية إنمّا نزلت في مبدأ البعثة قبلَ ظهور الإسلام بمكّة حيث كان أبوهريرة في اليمن، وإنّما كان قدومه إلى الحجاز وإسلامه بعد عشرين سنةٍ تقريباً "اه".
وأخرج مسلم في "صحيحه"
[ صحيح مسلم بشرح النوويّ: 1/ 275-276، كتاب الإيمان: باب الدليل على صحّة إسلام من حضره الموت... إلخ.]
عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لعمّه: قل }لا إله إلّا اللَّه{، أشهد لك بها يومَ القيامة، قال: لولا أن تعيّرني قريش بذلك، يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع؛ لأقررتُ بها عينك، فأنزل اللَّه تعالى: }إنّك لا تهدي مَن أحببتَ ولكنّ اللَّه يهدي من يشاء{.
هذا، مع أنّ أباطالبٍ رضى الله عنه قضى في مكّة سنة عشرٍ للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بل قضى سنة تسعٍ، وقيل سنة ثمانٍ قبل قدوم أبي هريرة إلى الحجاز بعشر سنين في أقلّ ما يُفرض، فأين كان أبوهريرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وعمّه رضى الله عنه وهما يتبادلان الكلام الذي أرسله عنهما كأنّه رآهما بعَيْنَيْه وسمع كلامهما بأُذُنَيْه؟ نعوذ باللَّه ممّن لم يكن لدينه ولا لعقله على لسانه رقيب
[ أبوهريرة: 145.]
فإذا ثبت ذلك فلا مجالَ - هنا - للقول بأنّ ما رواه الصحابيّ - ممّا فيه سبب النزول - له حكم المرفوع، لأنّك قد عرفت أنّ أباهريرة لم يشهد سببَ نزول تحريم الخمر - على ما بيّناه - فتنبّه.
وقد يُستدلّ أيضاً بما أخرجه أبوداود الطيالسيّ في "مسنده"
[ مسند أبي داود الطيالسيّ: 264 - نيل الأوطار: 8/ 191-292.]
عن محمّد بن أبي حميدٍ، عن أبي توبة المصريّ، قال: سمعتُ ابنَ عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آياتٍ، فأوّل شي ءٍ نزل: }يسألونك عن الخمر والميسر{ - الآية، فقيل: حُرّمت الخمر، فقيل: يا رسول اللَّه ننتفع بها - كما قال اللَّه عزّوجلّ - فسكتَ عنهم، ثمّ نزلت هذه الآية: }لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى{ فقيل: حُرّمت، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنّا لا نشربها قُرْبَ الصلاة، فسكتَ عنهم، ثمّ نزلت: }يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمر والميسر{ - الآية، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: حُرّمت الخمر.
وفي إسناده: محمّد بن أبي حُميدٍ، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن معينٍ: ضعيف، ليس حديثه بشي ءٍ، وقال الجوزجانيّ: واهي الحديث ضعيف، وقال ابن معينٍ والبخاريّ والساجيّ: منكر الحديث، وقال النسائيّ: ليس بثقةٍ، وقال أبوزرعة: ضعيف الحديث، وقال أبوحاتمٍ: منكر الحديث، ضعيف الحديث، يروي عن الثقات المناكير، وقال أبوداود والدارقطنيّ: ضعيف، وقال ابن حبّان: لا يُحتجّ به
[ تهذيب التهذيب: 87/5.]
على أنّ الخطيب البغداديّ قد روى في "تاريخه"
[ تاريخ بغداد: 358/8 - الدرّ المنثور: 252/1.]
عن عائشة قالت: لمّا نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن ذلك.
فإن قيل: إنّكم قد رويتم أيضاً نحوَ هذين الحديثين
[ الكافي: 6/ 406-406.]
قلنا: هو حديث مُرسل مُضمَر، فلا يقاوم الأحاديث المتقدّمة الدالّة - صريحاً - على كون الخمر لم تزل محظورةً في جميع الشرائع والأديان، واللَّه المستعان.
ثمّ إنّ في ذَيْنِكَ الحديثين أنّ قوماً من الصحابة كانوا يشربون الخمرَ غيرَ مُكترثين بمانزل من النهي عنها، وهذا يدلّ على رقّة دينهم وإيمانهم، وقلّة مبالاتهم باقتراف أمّ الكبائر، وعدم انتهائهم عمّا نهى اللَّه تعالى عنه حتّى نزلت في تحريمها ثلاثُ آياتٍ، لكنّه لا يُظنّ التزامُ الخصم به، بل ينأى بالصحابة عنه.
وأمّا التشبّث بسكوت النبيّ صلى الله عليه وآله، وعدم إنكاره على الشاربين؛ فتشبّثٌ بما هو أوهن من بيت العنكبوت، إذ من المعلوم بالضرورة أنّه عليه وآله الصلاة والسلام لا يقُرّ على منكرٍ قبيحٍ كشُرب الخمر، فتبيّن بذلك ما في الحديثين، واللَّه تعالى أعلم.
على أنّه يمكن دعوى أنّ تحريم الخمر كان معلوماً عند المسلمين بمكّة - زادها اللَّه شرفاً - فعَمَل بعض أهل المدينة على خلافه لا ينهض دليلاً على إباحة الخمر يومئذٍ.
وذلك أنّ قوله تعالى: }قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبَغْيَ بغير الحقّ{ - الآية؛ ممّا نزل بمكّة قبل الهجرة، فقيل: إنّ الإثم - هنا - هو الخمر - عند الأكثرين - كما نُقل عن ابن عبّاسٍ رضى الله عنه والحسن البصريّ والشريف المرتضى رحمه اللَّه تعالى، وذكره أهل اللغة كالأصمعيّ وغيره، وأنشدوا له قول الشاعر:
نهانا رسولُ اللَّه أن نقربَ الزنا
وأن نشربَ الإثم الذي يوجب الوِزْرا
وأن نشربَ الإثم الذي يوجب الوِزْرا
وأن نشربَ الإثم الذي يوجب الوِزْرا
وقول الآخر:
شربتُ الإثمَ حتّى ضلَّ عقلي
كذاكَ الإثمُ يفعلُ بالعقولِ
كذاكَ الإثمُ يفعلُ بالعقولِ
كذاكَ الإثمُ يفعلُ بالعقولِ
ويؤيّده ما رواه الكلينيّ
[ الكافي: 406/6.]
بإسناده عن أبي الحسن موسى بن جعفرٍعليهما السلام، فإنّ فيه الاستشهاد بهذه الآية على تحريم الخمر في الكتاب العزيز.
وبهذا ظهر أيضاً ما في القول بأن التحريم نزل ثلاثاً بالمدينة، وتبيّن سَبْق علم عليّ عليه السلام بتحريم الخمر، فكيف يُقْدم على شربها بالمدينة؟!
هذا، وقد قال المحقّقون: يمكن الاستدلال على تحريم الخمر - جزماً - بآيتي البقرة والنساء، فإنّ اللَّه تبارك وتعالى أخبر بأنّ في الخمر والميسر إثماً كبيراً، والإثم هو الكبيرة بدليل قوله: }وَمَن يكسب خطيئةً أو إثماً{.
ولأنّه تعالى بيّن منافاة السُّكْر للصلاة بقوله عزّ من قائلٍ: }لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سُكارى{ والصلاة واجبة، ووجوب أحد المتنافيَيْن يستلزم تحريم الآخر، لأنّ الأمر بالشي ء يستلزم النهيَ عن ضدّه - كما قُرّر في الأصول-
[ كنز العرفان: 305/2.]
فإن قال قائل: فَعلامَ تحمل الآيات التي نزلت في تحريم الخمر؟
قلنا: نحملها على الإرشاد إلى حكم العقل السليم بقبح شرب الخمر، ومزيد التأكيد في التحريم، وزجر من يتعاطى ذلك، دون التأسيس، لأنّها لم تكن مباحةً في شريعةٍ مّا قطُّ - كما سلف بيانه -.
وهذا نظير ما جاء من الآيات في النهي الأكيد عن الربا والزنا وغيرهما من الموبقات المحرَّمة في جميع الشرائع الإلهيّة وما ورد فيها من الوعيد الشديد.
على أنّه جاز أن يكون المراد بالسُّكْر في قوله تعالى: }لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى{ سكر النعاس وغلبة النوم، كما روي عن أبي جعفرٍ الباقرعليه السلام والضحّاك، وهو إحدى الروايتين عن ابن عبّاسٍ رضى الله عنه
[ روح المعانيّ: 38/5 - جامع البيان: 62/5.]
وكيف ما كان، فحرمة الخمر ممّا تطابقت عليها الشرائع الحقّة القويمة، والعقول السليمة، والفِطَر المستقيمة، وإذا كان الأمر في الواقع كذلك، وأمنعتَ فيما ذكرناه لك إمعان المنقِّب الباحث، تحقّقت كذبَ ما عُزي إلى أشرف الخلق بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من تناوله أمَّ الخبائث، فاللَّه المستعان على ما يصفون.
فصل 10
والعقل السليم أيضاً قاضٍ بقبح تناول الخمر وتعاطيها؛ لمفاسدها ومضارّها، فلذلك لم يزل عُقلاء بني آدم - من حيث هم عقلاء - يجتنبونها أشدّ اجتنابٍ، فلا يقربونها ولا يحومون حولها.
ولنذكر هنا طرفاً من قبائحها، ونُبَذاً من فعلها الشنيع بشاربها؛ وفضائحها، ممّا ورد في الكتاب العزيز والسُّنة المطهّرة وكلام أهل العلم، ليزداد الذين اهتَدَوا هدىً.
قال اللَّه تعالى: }إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تُفلحون، إنّما يريد الشيطان أن يُوقعَ بينكم العداوة والبغضاءَ في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذِكْر اللَّه وعن الصلاة فهل أنتم منتهون{.
قال بعض العلماء
[ مرقاة المفاتيح: 115/4 - فتح الباري: 34/10 - إرشاد الساري: 311/8.]
: في الآيتين دلائل سبعة على تحريم الخمر:
أحدهما: قوله: }رجسٌ{ والرجس هو النجس، وكلّ نجسٍ حرام.
والثاني: قوله: }من عمل الشيطان{ وما هو من عمله حرام.
والثالث: قوله: }فاجتنبوه{ وما أمر اللَّه باجتنابه فهو حرام.
والرابع: قوله: }لعلّكم تُفلحون{ وما علّق رجاء الفلاح باجتنابه فالإتيان به حرام.
والخامس: قوله: }إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاءَ في الخمر والميسر{ وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام.
والسادس: قوله: }ويصدّكم عن ذِكْر اللَّه وعن الصلاة{ وما يصدّ به الشيطان المسلمين عن ذكر اللَّه وعن الصلاة فهو حرام.
والسابع: قوله: }فهل أنتم منتهون{ معناه انتهوا، وما أمر اللَّه عبادَه بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام "اه".
وعن ابن عبّاسٍ رضى الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: اجتنبوا الخمر فإنّها مفتاح كلِّ شرٍّ، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد
[ الترغيب والترهيب: 3/ 257-258.]
وعن حذيفة قال: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول: الخمر جِماعُ الإثم
[ الترغيب والترهيب: 257/3.]
وأخرج الطبرانيّ في "الكبير" عن ابن عبّاسٍ وابن عمر عنه صلى الله عليه وآله قال: الخمر أمّ الفواحش وأكبر الكبائر
[ الجامع الصغير: 252 ح4141 و4142.]
وقال صلى الله عليه وآله: إنّ الخمر رأس كلّ إثمٍ
[ الكافي: 6/ 402-403.]
وعن أبي عبداللَّه الصادق عليه السلام قال: الشرب مفتاح كلّ شرٍّ
[ الكافي: 403/6 - علل الشرائع: 476 - وسائل الشيعة: 315/25.]
وعن أبي جعفرٍ الباقر أو أبي عبداللَّه الصادق عليهما السلام قال: إنّ اللَّه جعل للمعصية بيتاً، ثم جعل للبيت باباً، ثم جعل للباب غَلَقاً، ثمّ جعل للغَلَق مفتاحاً، فمفتاح المعصية الخمر
[ الكافي: 403 - وسائل الشيعة: 314/25.]
وعن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: إنّ اللَّه جعل للشرّ أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب
[ الكافي: 403/6.]
وعن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: لِمَ حرّم اللَّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟ فقال: إنّ اللَّه سبحانه وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم سواه رغبةً منه فيما حرّم عليهم ولا زهداً فيما أحلّ لهم، ولكنّه خلق الخلق وَعَلِمَ ما تقوم به أبدانهم وما يُصلحهم، فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به تبارك وتعالى لمصلحتهم، وعَلِمَ ما يضرّهم فنهاهم عنه وحرّمه عليهم، ثمّ أباحه للمضطرّ وأحلّه له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلّا به، فأمره أن ينال منه بقدر البُلْغة لا غير ذلك.
ثمّ قال عليه السلام: وأمّا الخمر، فإنّه حرّمها لفعلها وفسادها، لأنّ مُدْمِن الخمر تورثه الارتعاش، وتذهب بنوره، وتهدم مروءَته، وتحمله على أن يجترأ على ارتكاب المحارم وسفك الدماء وركوب الزنا، ولا يُؤْمَن إذا سكر أن يثب على حرمه ولا يعقل ذلك، ولا يزداد شاربها إلّا كلَّ شرّ
[ الكافي: 243/6 - علل الشرائع: 476.]
وسأل زنديقٌ أباعبداللَّه عليه السلام: لِمَ حرّم اللَّه الخمر، ولا لذّة أفضل منها؟ فقال عليه السلام: حرّمها لأنّها أمّ الخبائث، ورأس كلّ شرٍّ، يأتي على شاربها ساعة يسلب لُبّه فلا يعرف ربّه، ولا يترك معصيةً إلّا ركبها، ولا يترك حرمةً إلّا انتهكها، ولا رحماً ماسّةً إلّا قطعها، ولا فاحشةً إلّا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أَمَرَهُ أن يسجد للأوثان سجد وينقاد حيثما قاده
[ الاحتجاج: 347 - 346.]
وعن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضاعليه السلام قال: حرّم اللَّه الخمر لِما فيها من الفساد، ومن تغييرها عقولَ شاربيها، وحملها إيّاهم على إنكار اللَّه عزّوجلّ، والفِرْية عليه وعلى رُسُله، وسائر ما يكون منهم من الفساد والقتل والقذف والزنا وقلّة الاحتجاز عن شي ءٍ من المحارم
[ علل الشرائع: 476 - 475.]
وقال المُناويّ في "فيض القدير"
[ فيض القدير - شرح الجامع الصغير: 3/ 507-508.]
: ومن قبائحها وفضائحها - يعني الخمر - أنّها تُذْهِبُ الغيرة، وتورث الخِزْي والفضيحة والندامة، وتُلْحِقُ شاربَها بأحقر نوعِ الإنسان - وهم المجانين - وتسلبه أحسن الأسماء والصفات، وتسهّل قتلَ النفس، ومؤاخاة الشياطين، وهتك الأستار وإظهار الأسرار، وتدلّ على العورات، وتهوّن ارتكاب القبائح والجرائم، وكم أهاجت من حربٍ، وأفقرت من غنيٍّ، وأذلّت من عزيزٍ، ووضعت من شريفٍ، وسلبت من نعمةٍ، وجلبت من نقمةٍ، وفرّقت بين رجلٍ وزوجه، فذهبت بقلبه وراحت بلُبّه، وكم أورثت من حَسْرَةٍ وأجْرت من عَبْرَةٍ، وأوقعت في بليّةٍ وعجّلت من مَنِيّةٍ، وكم وكم.
قال: ولو لم يكن من فواحشها إلّا أنّها لا تجتمع هي وخمر الجنّة في جوفٍ واحدٍ لكفى "اه".
وقال أبوالثناء شهاب الدين الآلوسيّ البغداديّ في "روح المعانيّ"
[ روح المعاني: 114/2 - الزواجر عن اقتراف الكبائر: 2/ 247-248.]
: من مفاسد الخمر إزالة العقل الذي هو أشرف صفات الإنسان، وإذا كانت عدوّةً للأشرف لزم أن تكون أخسّ الأمور، لأنّ العقل إنّما سمّي عقلاً لأنّه يعقل - أي يمنع صاحبه عن القبائح التي يميل إليها بطبعه - فإذا شرب زال ذلك العقل المانع عن القبائح، وتمكّن إلْفُها - وهو الطبع - فارتكبها وأكثر منها، وربّما كان ضحكةً للصبيان حتّى يرتدّ إليه عقله.
قال: ومنها - أي ومن مفاسد الخمر - صدُّها عن ذِكْر اللَّه تعالى وعن الصلاة، وإيقاعها العداوة والبغضاء غالباً، وربّما يقع القتل بين الشاربين في مجلس الشراب.
ومنها: أنّ الإنسان إذا أَلِفَها اشتدّ مَيْلُه إليها، وكاد يستحيل مفارقته لها وتركه إيّاها، وربّما أورثت فيه أمراضاً كانت سبباً لهلاكه، وقد ذكر الأطبّاء لها مضارَّ بدنيّةً كثيرة، كما لا يخفى على من راجع كتب الطبّ.
وبالجملة: لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حدّ الاستقامة؛ لكفى، فإنّه إذا اختلّ العقل حصلت الخبائث بأسرها، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: اجتنبوا الخمر فإنّها أمُّ الخبائث "انتهى".
وأنت - يا رعاك اللَّه - إذا تدبّرت ما ذُكر هنا من آفات الخمر التي لا تُحصى وفضائحها التي لا تُستقصى علمتَ أنّ العقل قاطعٌ بقبحها بالضرورة، وأنّ الفساد لازم لذاتها، فضلاً عمّا لها من أحوالٍ طبيعيّةٍ فظيعةٍ، وآثارٍ وضعيّةٍ مُنكَرةٍ شنيعةٍ.
وتلك الأمور لازمة لذات الخمر وماهيّتها منذ كانت، فلا يُعقل أن تكون قد عرضت لها بعد تحريمها، بل هي باقية معها قبل التحريم وبعده، كما أنّ منافعها - التي فُسِّر بها قوله تعالى: }ومنافعُ للنّاس{ - من اللذّة والفرح وهضم الطعام وتصفية اللون وتقوية الباه وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وإعانة الضعيف؛ باقية قبل التحريم وبعده، وسَلْبها بعد التحريم ممّا لا يُعقل ولا يدلّ عليه دليل
[ روح المعاني: 114/2.]
وبعبارةٍ أُخرى: إنّ مفاسد أمّ الخبائث لا تقبل التقييد، بل هي آبِيَةٌ عنه، لقطع العقل الضروريّ وجزمه بقبح شُرب الخمر وتعاطيها لِما فيها من المفاسد والمضارّ، وقد تقرّر في محلّه أنّ الأحكام العقليّة لا يتأتّى فيها التخصيص.
فمن هنا انكشف فساد دعوى أنّ الخمر كانت مباحةً في شرعنا ثمّ حُرّمت، إذ لا يَدَ للشارع - من حيث هو شارع - في وضع تلك الآثار ورفعها، كما أنّ الأمر في سائر الطبائع كذلك.
مضافاً إلى أنّه ليس في إباحة شُرْب الخمر حِكْمة تُعقل، فاشدد على هذا بيَدَيْك، وعضّ عليه بناجِذَيْك.
ثمّ - بعد هذا - كيف يسوغ لذي دينٍ وعقلٍ من المسلمين أن يتعبّد بهذه البواطيل ويعوّل على هاتيك الأباطيل التي رواها قومٌ عَمُون إمّا عن جهلٍ أو عنادٍ، ويزعم أنّ عليّاً أميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام - وهو هو - قد شرب الخمر وسَكَر، وقرأ في الصلاة فخلّط وهَجَر، نعوذ باللَّه من الهذيان، وبه نستجير من تسويل الشيطان.