«وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى » ( الأنبياء / 28 ) « لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللـه لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى » ( النجم / 26 ) وهل يمكن ان يكون القرآن من موحيات الافلاطونية الحديثة ، وقد كانت مفهومة في عصر ما قبل الترجمة حيث كان الكتاب والسنة المصدرين للفكر الاسلامي وبالاجمال ؟ ان نظرة الاسلام الى دور الشخص الثاني في خلاص الانسان من مغبة عمله نظرة ايجابية وعقلية ، فهي في الوقت الذي لا تنكر هذا الدور مرة واحدة لا تراه ايضاً دوراً حاسماً وحتمياً ، وبذلك تجعل الانسان بين اليأس والرجاء ، وهو المحور الذي ينشط الفرد لانه آنئذ يهدف تقليل احتمالات اليأس ومضاعفة اسباب الرجاء ، بينمـا نظرية الفداء التي تبنتها المسيحية اليوم ، تبعد الفرد عن المسؤولية ، وتجعله يتكل على المفتدي عيسـى ( عليه السلام ) ويخلص نفسه عن تبعة سيئاته . وهكذا تكون النظرة الاسلامــية هـي الاوفق للحضارة والاقدر على بناء الشخصية المتكاملة . والمثل الثاني ، للتشويه المتعمد الذي يدسه المستشرقون في ثقافتنا ، هو التشبيه بين استشهاد الامام الحسين ( عليه السلام ) وبين نظرية الصليب عند المسيحيين ، وربط الشعائر الحسينية بطقوس الكنيسة ؛ بينما الفرق كبير بين هذه وتلك ، نابع من الفرق بين التوحيد النقي الذي يتمتع به الفكر الاسلامي ، والشرك الخفي الذي ينطوي عليه الفكر المسيحي ، ذلك لان المسيحية تعتقد بأن عيسى ( عليه السلام ) اشترى اللعنة الابدية بالصليب الذي اعدم به ، ولذلك فان المسيحي تخلص من اللعنة والى الابـد بذلك الصليب ، بينما لا يعتقد المسلمون في الامام الحسين ( عليه السلام ) الا انـه شهيد ضحى من أجل الدين ، والذين قتلوه هم الملعونون ، وانما يجب علينا تجديد ذكراه بالشعائر المعينة ، لكي نعلن للناس عن حبنا لله ، ولمن يقتل في سبيل اللـه ، فالحسين عندنا غير ملعون كما هو المسيح عند النصارى ، وهو بالتالي لم يشتر اللعنة الابدية بقتله ولم ينقذ الناس من عاقبة اعمالهم باستشهاده بتلك النوعية التي يزعم النصارى ان عيسى ( عليه الســلام ) قام بها ، وهنا ايضا يكمن الفرق بين الفكرة الاسلامية التي تدعو الناس الى العمل والفكرة المسيحية التي تخلص الناس من مسؤولية العمل .
نهاية الثقافة عند أزمة التطور
والمرحلة الرابعة للثقافة .. هي النهاية ، حيث تخرج الثقافة من مسرح الحياة نهائيا وتبدء الامة بحثها عن البديل وهنا تنتهي ازمة التطور هذه التي تعصف اليوم بالبلاد الاسلامية ، ولهذه الازمة جذور عميقة يجب البحث عنها حتى نعالجها معالجة تامة ، واهم جذورها فقدان المقياس الذي يميز الصحيح من السقيم ويوصي بنبذ السقيم ؛ هناك يتأرجح الشخص بين اقصى اليسار واقصى اليمين ويبدأ الاختلاف العريـض . فالبعض يقول انه لابد من الثورة الجذرية الشاملة ، ويريد منا التحول فجأة بعملية مسرحية تشبه عملية تحول الحطب الى رماد ، وفريق يقول بل الحطب خير من الرماد .. وبين الحطب والرماد نلقى حيارى مفتقرين الى المنضــدة التي تأتي باصلاح الحطب لا باحراقه ، ولا بابقائه على حالتـه . التطور مسيرة لا توقف : فالتطور اذن مسيرة لا توقف . فهل يستطيع احد ان يسمر الفلك لكي لا يدور بالحياة ، هل بقدرة احد ان يأمر الشمس بأن تقف ، ولا تعطي البذرة الراقدة في ضمير الارض النور والدفء وتحولها الى حقـل زاهر ؟ كذلك هل بامكاننا ان نقول للاجيال القادمة قفوا ولا تكبروا ولا تريدوا لانفسكم حقوق الحياة الاوليـة ، ام نمنعهم عن اكتشاف وسائل جديدة للعيش أفضل من وسائل آبائهم ، كما وجد آبائهم ما هو أفضل من ذي قبل ؟ ان هذه جميعا سنة الحياة ولن تجد لسنة اللـه تبديلاً . والدين الاسلامي يبعث الانسان نحو التطور ومواكبة سنة اللـه في الارض ، ويبارك في التغيير الصالح في كل شيء ، ولكننا مع ذلك ترانا نعادي التطور . فلماذا ؟ الحقيقــة ليس ذلك لاننا لا نحب ان نرى بلادنا مزدهرة ينعـم فــي ظل نعيمها ابناؤنا القادمون ، ولا لاننا لم نعرف ان الشمس تجري ولن توقفها ارادة بشر امثالنا وان التطور سنة لا تبدل .. لا لهذا ولا لذلك يمنع التطور انما لواحد من عاملين : اولهما : الهيبة ؛ نحن لا نعلم ماذا وراء الاكمة ، فنحذر منها ونتقي من تسلقها . حتــى اليوم تعودنا علــى ركوب الحمار ولكن نخشى لو استبدل الحمار بالقطار ان يحدث امر مكروه ، فنفضل القديم بالرغم من روعة الجديد .. وثانيهما : ان قوى كثيرة في بلادنا تعيش اليوم على نمط الحياة القديمة ، وتخشى لو تطور هذا النمط ان تتأثر مصالحها به ؛ وصحيح ما تخشاه ، اذ ان التطور سوف يقضي على مصالح فريق من الناس ، ولكن بشرط واحد هو جمود هذا الفريق على القديم ، اما اذا تطور هو أيضا مع موكب الحياة لما تأثر شيئا . فعمال النسيج في أوروبا تأثرت مصالحهم حين اكتشف المحرك البخاري ، ولكن بمجرد ان تطوروا زادت اجورهم اضعافا . والنظرة السطحية فقط هي التي تجعلنا نزعم ان التطور يضر بنا ، كلا انما ينفعنا بشرط ان نعرف طريقة استثماره . الانطلاق من قيد التقليد : ولكن كيف يمكن التطور ؟ انما يمكن ذلك بعد الايمان بأن تصحيحاً ما لابد ان يجري في الانسان نفسه باعتباره العامل المسؤول عن التغيير ، ولكن هل يتسنى للنفس ان تصبح مغيرة واقعا دون ان تفقه ضرورة التغيير الذي يستوجب الابداع ايضاً ، إذ ما من فاسد يزال الا وهو بحاجة الى صالح يخلفه . ومشكلة النفس انها لا ترتفع الى مستــوى الابداع ، واذا لم ترتفع الى مستوى التغيير الحقيقي وتنعكس هذه المشكلة على واقع الامة الاسلامية حيث لم تستطع ان تبدع حتى وعلى ابسط صعيد، فأمهاتنا اللاتي كن يشكين من تعب الظهر كلما كن يكنسن الغرف بـ (المكانس) اليدوية لم يستطعن ان يبدعن فكرة ايصال عودة الى (يدة المكنسة) حتى يقمن بالكنس وهن قائمات ، بل انتظرن قروناً طويلة حتى جاء الغرب ليعلمهن ذلك . وكذلك في كافة شؤوننا الحيوية الملحة ، لم نرتفع الى مستوى الابداع نفسياً بالرغم من اننا كنا ذوي كفاءة عقلية كاملة . والانسان الذي يركن الى ظل التقليد من المستصعب عليه ان يقلع عنه ، وحتى ولو استهدف تطورا في حياته يروح يبحث عمن يقلده في هذا التطور . التقليد في التطور : و ابسط مثل لهذه الظاهرة الاصيلـة فـي الانسان المقلد وهي ظاهرة " التقليد في التطور " ، نجد أبسط الامثلة لها في حياتنا الراهنة ، حيث صممنا على التطور ولكن التطور على قياس المقلدين لا على قياس المغيرين ، فتورطنا في متناقضات عديدة . اولها : ان الغرب ابدع عدة مناهج ثم اصطلح اخيرا على التمسك ببعضها .. كالمنهج الديمقراطي والمنهج الاشتراكي ، وكانت ظروف كثيرة قد اوجبت هذا الاختيار فجاء فريق من المسلمين وانبهروا بهذه المناهـج المختارة دون ان تكون لديهم ذات الظروف التي كانت في الغـرب . فمـثلا في الغرب : كانت الاحزاب قوية ، والوعي الوطني شاملاً ، ونسبة الامية منخفضة ، ووسائل الاعلام متوافرة بحيث سمحت للنظام الديمقراطي بالسيادة دون احداث فوضى في البلاد ، غير ان ذات الامكانات في بلادنا لم تكن متوفرة ، لهذا رأينا كيف فشلت النظم الديمقراطية المقلدة في بلادنا كما يسقط الحائط الذي لا اساس له . وايضاً فـي الغرب : حدثت ازمات متضاربة لأسباب تأريخية ، انتقلت ( ظاهرة التقليد في التطور ) الى بلادنا عنوة وزوراً . انها الازمة بين العمل والرأسمالية التي أدت الى انواع متطرفة من الاشتراكية ، هذه الازمة كانت نتيجة طبيعية لمجموعة عوامل أبرزها التضخم الرأسمالي في الغرب مما سبب مظالم كثيرة للعمال انفجرت في الثورات العمالية وأدت الى قيام أحزاب اشتراكية متطرفة . ولكن هل في الشرق الاسلامي رأسمال ، ام هل فيها عدد ضخم من العمال ، ثم هل هناك من مظالم تلحقهم ؟؟ هذه الاسئلة لم يفكر فيها اولئك الذين قلدوا الغرب في هذه المناهج ، لان ( ظاهرة التقليد في التطور ) لم تدع لهم مجالا للتفكير . الأزمة بين الدين والعلم : وهناك الازمة بين الدين والعلم ، ورجال الكهنوت والمثقفين ، تطورت هذه الازمة في اوربا بفعل الطلاق الدائم الذي كان بينهما هناك، مما حدا برجال الدين الى الوقوف بصلابة ضد العلماء .. وحدا بالعلماء الى تبني مذاهب متطرفة تجاه الدين ، هذه الازمة انعكست ايضا على دماغ المقلدين - عندنا - فحاولوا تفجيرها في مذاهب ماديـة ، ولكن هل كانت لدينا ازمة تسمى بأزمة العلم والدين ؟ كلا .. ان الاسلام لم يقف في أي يوم ضد العلم ولا وقف العلماء عندنا ضد الاسلام . فلم يكن لدينا ما يبرر هذه الازمة المفتعلة . وفي الغرب أيضا كانت هناك حاجات ألحت على الانسان المبدع فأبتكر عدة وسائل لاشباعها ، ولكن عندنا لم تكن تلك الحاجات موجودة انما حاولنا تقليد الغرب في اشباعها فأصابتنا التخمة . فما هي الحاجات وما هي وسائل اشباعها ؟ الحاجة الى السرعة وتقدير الوقت عبرت عن نفسها باختراع وسائل السير السريعة . وتطوير اختراع الساعة ، ونحن استخدمنا الوسائل ، ولكن ليس لاشباع حاجة اليها شددنا الساعة على ايدينا ونظرنا إليها بين لحظة واخرى لكن دون ان نحاول ضبط المواعيد بها ، وربما كنا أكثر اهتماما بها قبل اختراع الساعة حين كنا نتمسك بقول الرسول (صلى اللـه عليه وآله) : " المؤمن إذا وعد وفى " (1) . واستقلينا السيارات وامتطينا أسرع الطائرات ، ولكن حينما وصلنا الى غايتنا لم نقدر الوقت ، بل اهدرناه في المسليات ، وارتخينا وراء مكاتب عملنا ننتظر نهاية الدوام . ان وسائل العيش مرتبطة بأهداف الانسان . وأزمة البلاد النامية ، انها تستخدم الوسائل لغير اهداف محددة وهي ازمة التطور على شاكلة المقلدين . ان هذه بعض النظرات الخاطفة التي تلقي ضوءا كاشفا على بعض مشاكلنا الثقافية . (1) بحار الأنوار / ج 67 / ص 286 (1) الكافي/ ج 1 / ص 16 (1) بحار الأنوار / ج 2 / ص 260 (1) البحار / ج 2 / ص 48 الطبعة الثانية (1) الفكر الاسلامي في تطور ص 83 (1) بحار الأنوار / ج 64 / ص 311