وكالشمس حينما تتربع السماء تكون أشعتها أكثر دفئا وأشد ضياء عما اذا آلت إلى المغيب ، كذلك المجتمع ساعة إنطلاقه تكون ثقافته الوليدة أبهى واسمى من ساعات انهياره .
وفي تأريخنا الاسلامي تبدأ أمتنا في ساعة نزول القرآن الحكيم ، حيث كـانت ساعــة الانفجار الضخم لنا وكانت شمسنــا في رابعـة
السماء .
والثقافــة القرآنيــة كانت الرائدة التي ولدتنا وهي بالتالــي كانت " فكرة الحضارة " .. التي فجرت طاقات الإنسان في الجزيرة العربيـة .
وإشعاع هذه الثقافة تمثل في ثقافة الجيل الاول الذي تلقى الوحي من مهبطه الصافي ، وبالرغم من سمو ثقافة الجيل الاول ، فانها كانت وليدة المجتمع الاسلامي ومن موحياته الخيرة .
وحينما هبطت الحياة الاجتمـاعية .. هبط مستوى الثقافة الوليدة المستوحاة منه وتمثلت في ثقافة أمية التي انطبعت بطابع الحياة الاجتماعية تمامـاً .
بهـذا نستطيع تقسيم الثقافة الى نوعين : الاول - ما تولد الحضارة ، الثاني - ما يتولد منها ، ويرتبط في مسيرته مسيرة الحضارة وهي واحدة من افرازاته المختلفة .
وعلى الامم الناهضة التفتيش عن الثقافة الرائدة ، لتوظيفها في حياتها حتى تستطيع ان تقوم بدور الديناميت لتفجير طاقات الانسان الحضارية ، ولكن كيف نتعرف على هذه الثقافة حتى لا تتشابه علينا وتضيع النهضة بينها ؟.
ملامح الثقافة السليمة
من الطبيعي أننا لا نستطيع الاطمئنان الى سلامة جسم شخص دون اجراء كافة الفحوصات الطبية ، وتحقيق جميع الاختبارات في التحليلات لتؤكد لنا عن خلو الجسم من أي مرض وأي ميكروب قد يسببه في المستقبل .
كذلك لا نضمن سلامة الثقافة الا بعد التأكيد من خلوها من الامراض بل ومن بذورها الخفية .
إذن فلنبحث عن مقاييس تكشف لنا عن الامراض الثقافية قبل ان نحاول تحديد ملامح الثقافة السليمة ، فما هي هذه المقاييس ؟
كيف نكشف المرض الثقافي ؟
هنـاك طريقتان - في الطب - الحديث تكشف المريض الجسـدي : طريقة التحليل ، وطريقة الملاحظة .
وفـي طريقة التحليل ينبغي ان نجزئ الشيء الواحد ، الى أصغر وحدة
ممكنة ، ثم نلاحظ اثار الوحدات وبجمعها وملاحظة النسبة بينها نكشف عن طبيعتها ، بينما في طريقة الملاحظة نرجع رأسا الى آثار المجموع دون تجزئته ؛ فمثلا في حالة إصابة الرأس بوجع شديد .. قد يستخدم الطبيب طريقة الملاحظة فيسأل المريض عن آثار العاهة ، ويكشف بها نوعية المرض ، بينما يستعين بطريقة التحليل في احيان اخرى فيحتاج الاستعانة بالمختبرات ، لتحليل دم المريض ، أو ادراره اذ بدون ذلك لا يمكنه تمييز طبيعة المرض .
وفهم هاتين الطريقتين أمر ضروري لمعرفة المرض الثقافي إذ قد نكتفي فيه بنظرة موضوعية الى الثقافــة كمجموع بينما نحتاج احياناً الى تفكيك الجهاز الثقافي الى جزئيات صغيرة لمعرفة الخلل الكامن فيه .
الملاحظة تكشف زيف المرض :
والملاحظـة العامة لمجموع الثقافة ، تستطيع ان تكشف لنا عن ذلك بطريق النظر العام فيها مع طرح دور العوامل الخارجية التي قد تؤثر فيها .
ان انطلاقة المجتمع الاسلامي في فجرها الباكر كانت أبرز سمات السلامة في الثقافة القرآنية .
بينما الجمود الذي ساد القــرن الرابع بعد الهجرة ، هو الاخر سمة
بارزة للمرض الثقافي الذي انطوى عليه ذلك المجتمع .
وكما ان طيب الزهرة افضل دليل على سلامتها ، فإن تقدم المجتمع هو الاخر اظهر دليل على سلامة ثقافته .
ولكن لا يمكن قياس الثقافات الاسلامية المستجدة بما نلاحظه من جمود الجماعات المسلمة ، لان العوامل الخارجية من استعمار وتخلف ورجعية ذات آثار عظيمة على مجتمعنا الراهن .
المجهر الثقافي :
وطريقة التحليل المتبعة في البيولوجيا يمكن اتباعها ايضاً في الثقافة الاجتماعية ، وذلك بتفكيك الثقافة ورصد العناصر المريضة فيها والتي تجمعهـا باللامسؤولية واللاالتزام فتلك الفكرة التي تؤله جهازاً اجتماعياً " كالساسـة ، او رجال الكهنوت ، او رجال الاقتصاد " فكرة مريضة .. لانها تشل الارادة البشرية ، وتقتل روح التحدي فيها . وابرز الامثلة الحديثة على ذلك : محاولات الصهيونية شل الارادة العربية عن طريق بث الافكار التعجيزية عبر اجهزتهم الاعلامية الخاصة ، فمثلا يضخمون قوة اسرائيل حتى يصلوا بها الى حد تصويرها أنها المالكة لقوى العالم كله .. ففي كتاب " تحطمت الطائرات عند الفجر " نجد نموذجا مفضوحاً للفكرة المريضة التي تحاول الصهيونية دسها في ثقافتنا العامة .. اذ يصور الكتاب الاستخبارات الاسرائيلية كأنها عفاريت من جن ، تتوغــل فـي كل الاجهزة المعاديــة وتحطمهــا ، ويستهدف كتاب " بروتوكولات حكماء صهيون " ذات الغاية حين يربط بين جميع تطورات العالم ، وبين ارادة الصهيونية العالمية .
ان هذه الافكار الجزئية الصغيرة يجب ألاّ تنفلت من مجهر الراصد ، الذي يريد تحليل الثقافة الى اجزاء ثم كشف الجراثيم المريضة فيها .
هكذا نستطيع كشف زيف الثقافة ، ولكن ما هي ملامح الثقافة السليمة ؟
دفعة عاطفية ومقاييس عقلية :
ابرز سمات السلامة في الثقافة قدرتها على توظيف جميع الامكانات البشرية في خدمة التقدم والرفاه .
فالعاطفة يجب ان تستمر جنبا الى جنب مع العقل ، اذ هما اعظم طاقتين في الانسان ، بيد ان الثقافة السليمة هي التي تعرف كيف تضع النفس البشرية في محور متوازن بين العقل والعاطفة .. حتى لا يلفها جمود العقل ، ولا تقتلها ثورة العاطفة .
والتوجيه الثقافي مسؤول هو الاخر عن مقدار استخدامه لاحدى الطاقتين بحيث لا تطغي على الثانية فتدمر الحياة .
لقد كانت الثقافة الالمانية قبيل الحرب العالمية الثانية مشبعة للتخمة بالعاطفة ، فاندفعت في اتجاه خطر ، ونشرت الدمار على الارض ، بينما كانت الثقافة الفرنسية بالعكس تماما ، فانهارت فرنسا هي الاخرى . ان العاطفة ضرورة بالغة لأمة تواجه خطراً داخلياً او خارجياً ، ولكنها ليست كافية ، اذ انها كالمياه المتفجرة اذا لم تجد لها مجاري فانها تتحول الى سيول عاتية ، والمقاييس العقلية هي التي تحفر المجاري الضرورية لاستيعاب تفجر العاطفة ، ثم توظيفها في الخير والرفاه .
وفي الثقافة الاسلامية منابع عديدة للعاطفة ، فقصص الجهاد الاسلامي منذ عهد النبي (صلى اللـه عليه وآله وسلم ) وحتى اليوم ، والسير المضيئة التي نجدها في التأريخ الاسلامي أفضل مولد للعاطفة لدى الامة ، ولكن هل تكفي العاطفة للنهضة الشاملة ؟ كلا بل في الاسلام ايضا مقاييس عقلية دقيقة جاء بها الوحي القرآني الحق ، ويتبعها المسلمون جميعاً .
المراحل الاربع للثقافة
معروف كيف يموت الحي بيولوجيا : ينقطع عن التنفس فيتوقف عن الحركة .. كذلك تموت الثقافة ؛ يتوقف فيها نبض الحركة فتتقلص ، وتنطوي .. وتموت .
وكما يمر الحي بعدة مراحل قبل ان يلفه الـمـوت ، كذلك الثقافة تمـر بنفـس المراحل فمن مرحلة الصحة و الشباب الى مرحلة الشيخوخـة .. الى المرض .. الى الـموت ، وفيما يلـي نحاول شرح مميزات كل مرحلـة .
1 - دور الشباب :
تتمــيز الثقافة الشابة التي لم تزل تحتفظ بكامل قواها الحركية والدفعية بنقطتين اساسيتين :
الاولى : ان هذه الثقافة تبرر دائما دور " المشيئة " البشرية في تحمل مسؤولياتها الكاملة أمام الحياة .
الثانية : انها تستوضح للفرد أهدافه البعيدة التي يتطلع اليها ، او ينبغي ان يتطلع اليها .
والقرآن الكريم من أبرز واروع الامثلة التي تجسد روح الثقافة الحية ، فهي من جانب تكرس كثيرا من توجيهاته نحو المشيئة الحرة التي يتمتع بها البشر ، وتعطيه جرعات كبيرة من الاحساس بالتحدي ازاء عوامل الحياة الضاغطة .
يقـول اللـه تعالى في القرآن الكريم : « وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَــى * وَأَنَّ سَعْيَــهُ سَوْفَ يُــرَى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى » (النجم / 39-41) .
ويقـول أيضاً : « فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ » (الفجر / 25-26) .
ويقول سبحانــه : «إِنَّ اللـه لا يُغَيِّرُ مَا بِقَــوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ » (الرعد / 11) .
كل هذه الايات تشير الى دور الارادة الانسانية لعله ينتبـه ذاتـياً ، ويقـوم بخلق حياة أفضل .
والقرآن من جانب آخر يقوم بشرح القيم التي ينبغي للانسان ان يتطلع نحو تحقيقها في حياته ، ومنطق القرآن في هذا المجال واضح جداً ، انما هي دنيا وآخرة ، والثانية خير من الاولى ، ولكن ينبغي ألاّ ننسى نصيبنا منها أيضاً ... إن اهداف البشر لدى الثقافــة الاسلاميــة
واضحة جداً ، والدعوة الى تحقيقها مؤكدة جداً .
يقول اللـه تعالى في القرآن الكريم : « تِلْكَ الدَّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً » (القصص /83) .
ويقول اللـه تعالى : « وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ » (العنكبوت / 64) .
ويقول سبحانه : « وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللـه الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِــن كَمَآ أَحْسَنَ اللـه إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الاَرْضِ إِنَّ اللـه لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ » (القصص / 77) .
2 - دور الشيخوخة :
أيام الشيخوخة في الانسان تزيد صاحبها ضعفا وتشاؤما ، كذلك أيام الشيخوخة في الثقافة تتسم بضعف القيم الدافعة نحو التقدم والحركة والانطلاق .
في هذه الايام تلعب السياسات التوافقية التي تنشأ من الاتحادات السطحية دورا بارزا في تقرير مصير الامم ، وهذه السياسات ناشئة من لون خاص من الثقافة هي :
" ثقافة التوفيق " وهذا النوع من الثقافة خالية من حماس القيم . انها ثقافة تبحث عن حلول وسط لجميع المشاكل ، وتحاول تجنب الاوجــه الحادة من الافكار ، وتكرس نشاطها لمعرفة اوجـه الوفــاق
حتى بين النظريات الشديدة التناقض .
وبالرغم من اتسام هذه المرحلة من عمر الثقافة بطابع " العلمية " إلاّ ان دافعها هو الشعور بالضعف ، والبحث عن الراحة . وفي الامة الاسلامية ترى هــذه الثقافة بين جمهرة كبيرة من مؤلفي القرن الثاني الذين ضعف فيهم الاحساس الديني واخلدوا الى الهدوء ، باحثـين عن الحلـول الوسطـى .
عند هؤلاء المؤلفين ذهبت روعة آيات القرآن الكريم والروح الحركية الدافعة التي تكمن فيها .. من هنا اقتصر تفسير القرآن الكريم على مجموعة بحوث لغوية واعرابية وكلامية عقيمة .
ويكفيك ان تلقي نظرة على أي تفسير من تفاسير القرن الثاني وما بعده حتى تجد فيها الفراغ الروحي والجدل البيزنطي حيث يتبادل المفسرون الاراء والردود ، ويحاربون انفسهم بسيوف من خشب ، والغريب ان الكثير من هذا الجدل كان يستخدم من أجل دعم مركز السلطات الديكتاتورية الحاكمة ، او تأييد بعض المذاهب العتيقة بغرض الحصول على مكاسب سياسية آنية .
وكذلك الأمـر في المؤلفات التي تتناول التأريخ الاسلامي ، حيث يتناول المؤلفون الجانب الجامد من ذلك التأريخ : دفاع مستميت عن بعـض الشخصيات التأريخيــة ، دون البحث في تلك " القيم " التــي صاغت تلك الشخصيات ، وذلك من أجل تكوين شخصيــات
اخـرى مماثلــة .
3 - دور المرض الثقافي :
لكي نستطيع تحقيق نهضة متينة شامخة لابد ان نتعرف على جراثيم المرض التي تهدد الثقافة من اجل القضاء عليها الان والتحصن ضد تجددها في المستقبل .
لقد حددنا العنصر المريض في الثقافة بأنه الذي يدعو الى الاسترخاء والتفرقة والخنوع ، ولكن يجب الا تفوتنا هذه الملاحظة وهي ان دعوة الفكرة المريضة لا تأتي صريحة ومكشوفة حتى نستطيع تحديد ابعادها بسهولة ، والصعوبة البالغة تنشأ من اشتراك الالفاظ غالبا بين معنيين ؛ احدهما مريض والثاني صحيح ، ولذلك فان حاجتنا ماسة الى وضع مقاييس ثابتة لكشف العنصر المريض ، وسنأتي على ذكر طائفة منها في نهاية الحديث ، اما الآن فسنعــرض عدة أمثلة من عناصر المرض في الثقافة ، ونستشهد بثقافتنا الاسلامية لانها أقرب إلينا .
الاستسلام للواقع :
من عناصر المرض الاستسلام للواقع اعتقادا بأنه افضل ما كان يمكن حدوثه ذلك لان هذا الاستسلام يميت التحفز البشري نحو التطوير .. وتطلعه نحو حياة أفضل ، وبالرغم من ان الاعتراف بالواقع من مظاهر الصحة في الثقافة ، فان الرضا به من أسباب المرض .
ولكي يكون الاعتراف بالواقع - مظهراً صحياً - في ثقافة الامة ، لابد ان يتم بمساوئه ومحاسنه جميعا . نؤمن بسيئات الواقع لانه الخطوة الاولى لتغييرها ، ونؤمن بحسناته لانه بدون هذا الايمان نسقط في بؤرة اليأس حتى الاذقان ، وكثيرون أولئك الذين تعمى فيهم عين الرضا فلا يبصرون سوى السواد والظلام ، ولا يشعرون بغير القلق واليأس ، هؤلاء الرجال يفقدون القدرة على تطوير الواقع ، لانهم فاقدون للأمل بذلك .
بين الخوف .. والرجاء :
لذلك ، فان الثقافة الحقة هي التي تعترف بالواقع كله ؛ حسناته وسيئاته ، لتجعل الانسان في محور الخوف والرجاء ، وتدفع به قدما الى القمة .
وفي توجيهاتنا الدينية نجد هذا الحديث : " .. قال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) : الا اخبركم بالفقيه حقاً ؟
قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .
قــال : من لم يقنط الناس مـن رحمة اللـه ، ولم يؤمنهم من عذاب
اللـه ، ولم يرخص لهم في معاصي اللـه " (1) .
وغريب جــداً ان يفسر فريق من الامة بعض مظاهر الصحة في ثقافتنا بطريقة تتحول الى عوامل المرض .
1 - فمثلا : الشكـر لله عمل شريف وواجب ، وخلفية الشكر الايمان بما في الواقع من عناصر ايجابية ، ويحتوي على شحنة كبيرة من الأمل بجانب شحنة مماثلة من الخوف ، اذ انه يجعلك تعتقد ان النعمة المخولة اليك قد تزول عنك فيما اذا قصّرت في اداء حقها ، كما انها تزداد اذا اديت حقوقها .. وهذا التوجيه افضل وسيلة ثقافية تفك طوق اليأس عن الفرد من جهة الايمان بوجود النعمة - له - وتحصنه ضد الترهل من جهة الاعتقاد بانه ستزول عنه النعمة اذا قصّر في حقها . ولكن هذا الشكر يتحول الى عنصر سالب في الثقافة عند فريق من أبناء الامة ، اذ انه اصبح لديهم وسيلة للاستسلام للفساد.. والخنوع للظلـم وذلك بتركيـز النظر الى الجوانب الايجابية في الواقع دون التفكير في الجوانب السلبية منه .مـن هنا جـاءت امثالهم الخانعــة تقول : اليــد التي لا تستطيع ان تقطعهـا قبلها .
ان هذه النظرة الى الشكر بعيــدة جدا عن النظرة الواقعية التي دعا إليها االاسلام . فالقرآن الحكيم يقول : «اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيــلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُــورُ » (سبأ / 13) انه يدعونـا الى العمــل ( شكراً ) لا الى الكسل ( شكراً ) ، وهو اروع صيغة للشكر اذ انه تركز على أهم عناصره وهو العمل .
الصبر على المكاره :
2 - ومثل ذلك الصبر ، انه يعني احتمال الصعوبات التي يحتاج اليها الجهاد ولا يعني بحال ، الخنوع للأذى ، وانتظار التغيير الطبيعي .
الصبر هو تربية عالية على التضحيات الضرورية من اجل التقدم .. الصبر عن الرغبات المستعصية حتى تبلغ النفس تطلعاتها الكبرى ، وليس الصبـر عملاً سلبياً ، يعني الانتظار الجبـان للمستقبل الافضل . « إِنَّ اللـه لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ » (الرعد/ 11) .
والتوجيه القرآني يضع الصبر في موقعه المناسب على صعيد الثقافة الحية فيقول :
«يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » ( التحريم / 9 ) .. ان الصبر هنا يعني تجاوز الصعوبات التي تعترض مسيرة الجهاد البنّاء ولا يعني - حسبما يتصوره الجاهلون - التسليم والرضا لنواقص الحياة ، ومساوئـه . كلا ، اذ ان اللـه سبحانه قدر وقضى .
النظام سنة الحياة :
3 - والايمــان بالقضاء والقدر وجه صحي آخر لثقافتنا وهي تعني ؛ عقلانيــة قرارات الفرد ضرورة بالغــة الخطورة لقدرته على - التقدم - ولن يكون الفرد عقلاني القرار الا بالايمان بعقلانية الكون المحيط به . فالايمان بوجود نظم كونية ، هو الخطوة الاولى لمعرفة هذه النظم ثم توظيفها في خدمة الاهداف . أرأيت الذي يزعم فوضوية دولة ، هل يمكن ان يفهم ضرورة تقيده بنظامها ؟ اجل الذي يؤمن بوجود دستور منفذ في دولة يعرف انه لن يتقدم إلاّ بتطبيق ذلك الدستور .
كذلك الايمـان بان الحياة ذات سنن متقنة يجريها رب قدير حكيم .. فانـه يجعلنـا نفتش عن تلك السنن ، ونعمل وفقها في سبيل الحصول على اهدافنا .
فهم خاطىء :
وبالتالي يجعلنا عقلانيين في قراراتنا .. فالايمان بالقدر والقضاء جزء من حضارة الانسان ، وعامل في سبيل تقدمه ، ولكن تلقي الامة لهذا الايمان بشكل معكوس تماما .. عاد مبررا للتقاعس ، وطريقاً الى الهروب عن تحمل المسؤوليات ، فترى احدهم ينام على أمل الخير الذي يرجو ان يزجيه له القدر ، ويستيقظ من خوف الشر الذي يستبطنه له القدر . فأين الارادة وأين السعي ، وأين قوله سبحانه :
« وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى » (النجم / 39-41)
لاحظوا ( الا ما سعى ) والسعي عملية ارادية هادفة ، دونها ليس له من الامر شيء اليس كذلك ؟
فلماذا نعكس في تفسير الحقائق ؟
ان التوجيه الثقافي الخاطىء هو الذي يحول فكرة القدر من عامل موجب الى عامل سالب ، ثقيل الارادة ، ويكبت الحرية ويحوله من سبب للعقلانية في القرار الى سبب للطوباوية والفوضى .
وهكذا تكون الثقافة الاسلامية عاملا بنّاء في سبيل البناء الحضاري ولكنهــا تنقلب عند الامة المريضة الى عامل سالب ضد كل بناء حضـاري .
مفارقات ثقافية بين الاسلام والمسيحية
لانزال في اطار حديثنا المسلسل عن دور الثقافة في نهضة الامم ، وقد حددنا بوضوح المرض الذي يتسرب الى الثقافة فيحولها الى عنصر وبيل على الانسان .
وبينا طائفة من الامثال المنتزعة من واقعنا الاسلامي ، وكيف أمسى فكرنا الديني المتحضر الى فكر متخلف .
والان نتابع سرد الامثلة الاخرى على هذه الحقيقة بالذات ، لسبب معين هو ان بعض الاقلام الاستعمارية والدخيلة تخلط بصورة متعمدة ومخططة بين الفكر الاسلامي وبين تفكير المسلمين وتنسب الى الاسلام ما تجده في المسلمين وتخرج بنتيجة باطلة وماكرة هي : ان اولى ضرورات الامة الاسلامية التخلص من الفكر الاسلامي بينما العكس هو الصحيح ، اذ أن الضرورة هي العودة الى الفكر الاسلامي الصحيح ونبذ الافكار الدخيلة التي وفدت الينا مع رياح الغرب او الشرق، ذلك لان الفكر الاسلامي الصافي هو الضمان الوحيد لتفجير
نهضة حضارية شاملة فينا .
وهنا يجب ان أقف لحظة لاقول ان الاستعمار يدير لعباته بذكاء بالغ .. فمثلا يتهجم على فريق واحد من المسلمين من خلال اقلام مستشرقة مأجورة تنصب نفسها محامية على الاسلام والمسيحيين ضد هذا الفريق الشاذ (!) ولان المسلمين لا يزالون مختلفين على انفسهم ، ولا تزال توجد بينهم حزازات واضغان ، فان الاستعمار يهدف من وراء ذلك ان يتعاون سائر المسلمين معه ، حتى يتم ذبح الامة على مراحل ، وربما بيدها هي .
ومع الأسف .. انه ينجح فعلا في تدبير خطته ، وفعلا يتلقى بعض المغفلين من ابناء الامة افكار الغرب ضد بعض المذاهب الاسلامية ، ويحاولون النفخ فيها وينجم من ذلك ضرران :
1 - تفرقة المسلمين عن بعضهم ، وتقويض الثقة المتبادلة التي نحن اليوم بحاجة ماسة إليها .
2 - نشر الافكار الخرافيـة بين الامة التي تؤدي الى تخلخل ثقافتهم ، وتحطيم صرح فكرهم المتكامل ، وقديما قالوا اذا كثر الجواب خفى الصواب .
وبعد كل هذا نستعرض مثلين من واقعنا الثقافي نعرف كيف شوهه الدخلاء .. وكيف ادى هذا التشويه الى افكار بعيدة عن روح الثقافة الاسلامية الحقة .
بين الفداء والشفاعة :
نظرية الفداء نظرية عميقة الجذور من الناحية الفلسفية ، وهي تنطوي على شرك ظاهر وقد دخلت في الديانة المسيحية ، عندما احتوت هذه الاخيرة على الفلسفة الاغريقية ، ومزجتها بالدين في محاولة لتعزيز سلطان الدين ودعم مركزه في الاوساط الثقافية .
ونظرية الفداء هي في اصلها ناشئة من فكرة تعدد الالهة مصبوغة بخيالات شاعرية ، وهي تقول ان هناك عدة آلهة ينافس بعضهم بعضا في ادارة الحياة ، فقد يريد احدهم الرحمة بعبـاده ، بينما يمنعه الثاني ، وهكذا ينزل احدهم ليصلح بين الناس فيأتي الثاني ويفسد ما اصلحه الاول .
وحينما دخلت هذه النظرية في الديانة المسيحية تغيرت شيئا ما ، فكان الاب والابن وروح القدس هي الالهة الثلاثة المتنافسة على ادارة الكون ، والاب بما يتمتع من نفوذ وعنف يمثل جناح اليسار المتعنت ، بينما يمثل الابــن جناح اليمين المعتدل ، وبينهما الروح القدس ؛ لذلك يعتزم الاب تأديب عبــاده فيمنعه الابن ، وهكذا يكون الابن فداء العباد والوسيلة المؤدية الى الرحمة بهم .
نظرية مرفوضة :
هــذه نظرية مرفوضــة عند المسلمين كافة ، ذلك لاننا نؤمن بإلـه
واحــد قوي مقتدر لا يسأل عما يفعل وهم يسألـون . نحن نعتقد في اللـه سبحانه «لَــوْ كَانَ فِيهِمـَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللـه لَفَسَدَتَا » (الانبياء / 22) ، وهذه النظرية لا تمت بأية صلة بنظرية الشفاعة ، ذلك لان الشفاعـة انمـا هـي دعوة مستجابة .
ولكن اللـه سبحانه رحيم بعباده ، ورحمته وسعت كل شيء ومن موجبات رحمته انه يقبل التوبة من عباده ، ويستجيب دعائهم ، بل ويدعوهم الى نفسه فيقول : «وَإِذَا سَاَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَاِنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُــدُونَ » (البقرة / 186) ، «وَقَــالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » ( غافر / 60) ، بل واكثر من ذلك انه يستجيب دعاء شخص لغيره ، و يأمر بهذا الدعاء في كتابه العزيز حيث يقول : « وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُـل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيــراً » ( الاسراء / 24 ) .
فاللـه - اذا - قريب ومجيب دعوة الداع في حدود المصالح الكونية العامة ، ولأنه كذلك فقد يغفر ذنب شخص تكريماً لشخص آخر ورحمة به . فبسبب من دعاء الولد لوالده وتكريمـاً لمكانة الولد ، وجزاء له على اعماله الصالحة ، قد يغفــر اللـه للوالد ويمسح على ذنوبه يد التوبة الشاملة ، وقد يغفر للصديق بدعاء صديقه الذي له مكانة عند ربه ، وهذه هي الشفاعة .
احتمالات الاجابة :
وكلمـا سمت مكانة الداعي ، كلما زادت احتمالات الاستجابة للاغاثة ، ولكن دون ان تصل هذه الاحتمالات الى 100% لان اللـه سبحانه اكبر من ان يبرمه الحاح الملحين ، وتجبره دعوة عبد من عبيده مهما كان تقياً .
ان لله تعالى الكلمة الحاسمة في تقدير العباد وفي استجابة الدعاء لله وليس لاحد حتى ولو كان نبيا أن يحتم عليه شيئاً ، انما له الدعاء والمسألـة انه يسأل ولله ان يستجيب له او لا يستجيب بقول اللـه لرسولـه :
« اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللـه لَهُمْ » ( التوبة / 80 ) ، « سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللـه لَهُمْ » ( المنافقون / 6 ) .
إذاً تتلخص نظرية الشفاعة الاسلامية ، في ثلاث نقاط :
1 - اللـه واحد احد عزيز جبار .
2 - اللـه واسع الرحمة ، ومن رحمته استجابة دعاء عباده لانفسهم او لبعضهم البعض .
3 - وهو لا يجبر على استجابة دعاء احد لاحد ، مهما كانت درجة هذا الاخير وشأنه عند اللـه .
وأين هـذه الحقيقة من نظرية الفداء الوثنية ، أين هي من جبر الإلــه
الصغير للإله الكبير على الرحمة بعباده ، الفرق بينهما هو الفرق بين التوحيد الخالص والشرك البعيد .
فكرة الشفاعة :
والان لنستمع الى بعض هؤلاء الدخلاء كيف يصور لنا فكرة الشفاعة حتى يتخيل الينا انها نسخة مطابقة لفكرة الفداء يقول :
" والوسيلـة على هذا النحو جاءت الى الجماعة الاسلامية عن طريق مدرسة الافلاطونية الحديثة فقد حددت هذه المدرسة العالم الرفيع في الوجود بثلاثة موجودات ، وحي الاول والعقل والنفس الكلية " (1) .
ولكن هل يمكننا ان نؤمن بأن فكرة الشفاعة ( او الوسيلة ) دخلت الامة من ناحية الفلسفة ؟ بصراحة كلا ، لان الشفاعة مذكورة في القرآن الكريم ذاته حين يقول اللـه تعالى :
« مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِاِِذْنِهِ » ( البقرة / 255 )
« وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى » ( الأنبياء / 28 )
« لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللـه لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَى » ( النجم / 26 )
وهل يمكن ان يكون القرآن من موحيات الافلاطونية الحديثة ، وقد كانت مفهومة في عصر ما قبل الترجمة حيث كان الكتاب والسنة المصدرين للفكر الاسلامي وبالاجمال ؟
ان نظرة الاسلام الى دور الشخص الثاني في خلاص الانسان من مغبة عمله نظرة ايجابية وعقلية ، فهي في الوقت الذي لا تنكر هذا الدور مرة واحدة لا تراه ايضاً دوراً حاسماً وحتمياً ، وبذلك تجعل الانسان بين اليأس والرجاء ، وهو المحور الذي ينشط الفرد لانه آنئذ يهدف تقليل احتمالات اليأس ومضاعفة اسباب الرجاء ، بينمـا نظرية الفداء التي تبنتها المسيحية اليوم ، تبعد الفرد عن المسؤولية ، وتجعله يتكل على المفتدي عيسـى ( عليه السلام ) ويخلص نفسه عن تبعة سيئاته .
وهكذا تكون النظرة الاسلامــية هـي الاوفق للحضارة والاقدر على بناء الشخصية المتكاملة .
والمثل الثاني ، للتشويه المتعمد الذي يدسه المستشرقون في ثقافتنا ، هو التشبيه بين استشهاد الامام الحسين ( عليه السلام ) وبين نظرية الصليب عند المسيحيين ، وربط الشعائر الحسينية بطقوس الكنيسة ؛ بينما الفرق كبير بين هذه وتلك ، نابع من الفرق بين التوحيد النقي الذي يتمتع به الفكر الاسلامي ، والشرك الخفي الذي ينطوي عليه الفكر المسيحي ، ذلك لان المسيحية تعتقد بأن عيسى ( عليه السلام ) اشترى اللعنة الابدية بالصليب الذي اعدم به ، ولذلك فان المسيحي تخلص من اللعنة والى الابـد بذلك الصليب ، بينما لا يعتقد المسلمون في الامام الحسين ( عليه السلام ) الا انـه شهيد ضحى من أجل الدين ، والذين قتلوه هم الملعونون ، وانما يجب علينا تجديد ذكراه بالشعائر المعينة ، لكي نعلن للناس عن حبنا لله ، ولمن يقتل في سبيل اللـه ، فالحسين عندنا غير ملعون كما هو المسيح عند النصارى ، وهو بالتالي لم يشتر اللعنة الابدية بقتله ولم ينقذ الناس من عاقبة اعمالهم باستشهاده بتلك النوعية التي يزعم النصارى ان عيسى ( عليه الســلام ) قام بها ، وهنا ايضا يكمن الفرق بين الفكرة الاسلامية التي تدعو الناس الى العمل والفكرة المسيحية التي تخلص الناس من مسؤولية العمل .
نهاية الثقافة عند أزمة التطور
والمرحلة الرابعة للثقافة .. هي النهاية ، حيث تخرج الثقافة من مسرح الحياة نهائيا وتبدء الامة بحثها عن البديل وهنا تنتهي ازمة التطور هذه التي تعصف اليوم بالبلاد الاسلامية ، ولهذه الازمة جذور عميقة يجب البحث عنها حتى نعالجها معالجة تامة ، واهم جذورها فقدان المقياس الذي يميز الصحيح من السقيم ويوصي بنبذ السقيم ؛ هناك يتأرجح الشخص بين اقصى اليسار واقصى اليمين ويبدأ الاختلاف العريـض .
فالبعض يقول انه لابد من الثورة الجذرية الشاملة ، ويريد منا التحول فجأة بعملية مسرحية تشبه عملية تحول الحطب الى رماد ، وفريق يقول بل الحطب خير من الرماد .. وبين الحطب والرماد نلقى حيارى مفتقرين الى المنضــدة التي تأتي باصلاح الحطب لا باحراقه ، ولا بابقائه على حالتـه .
التطور مسيرة لا توقف :
فالتطور اذن مسيرة لا توقف . فهل يستطيع احد ان يسمر الفلك لكي لا يدور بالحياة ، هل بقدرة احد ان يأمر الشمس بأن تقف ، ولا تعطي البذرة الراقدة في ضمير الارض النور والدفء وتحولها الى حقـل زاهر ؟ كذلك هل بامكاننا ان نقول للاجيال القادمة قفوا ولا تكبروا ولا تريدوا لانفسكم حقوق الحياة الاوليـة ، ام نمنعهم عن اكتشاف وسائل جديدة للعيش أفضل من وسائل آبائهم ، كما وجد آبائهم ما هو أفضل من ذي قبل ؟ ان هذه جميعا سنة الحياة ولن تجد لسنة اللـه تبديلاً .
والدين الاسلامي يبعث الانسان نحو التطور ومواكبة سنة اللـه في الارض ، ويبارك في التغيير الصالح في كل شيء ، ولكننا مع ذلك ترانا نعادي التطور . فلماذا ؟
الحقيقــة ليس ذلك لاننا لا نحب ان نرى بلادنا مزدهرة ينعـم فــي ظل نعيمها ابناؤنا القادمون ، ولا لاننا لم نعرف ان الشمس تجري ولن توقفها ارادة بشر امثالنا وان التطور سنة لا تبدل .. لا لهذا ولا لذلك يمنع التطور انما لواحد من عاملين :
اولهما : الهيبة ؛ نحن لا نعلم ماذا وراء الاكمة ، فنحذر منها ونتقي من تسلقها .
حتــى اليوم تعودنا علــى ركوب الحمار ولكن نخشى لو استبدل
الحمار بالقطار ان يحدث امر مكروه ، فنفضل القديم بالرغم من روعة الجديد ..
وثانيهما : ان قوى كثيرة في بلادنا تعيش اليوم على نمط الحياة القديمة ، وتخشى لو تطور هذا النمط ان تتأثر مصالحها به ؛ وصحيح ما تخشاه ، اذ ان التطور سوف يقضي على مصالح فريق من الناس ، ولكن بشرط واحد هو جمود هذا الفريق على القديم ، اما اذا تطور هو أيضا مع موكب الحياة لما تأثر شيئا .
فعمال النسيج في أوروبا تأثرت مصالحهم حين اكتشف المحرك البخاري ، ولكن بمجرد ان تطوروا زادت اجورهم اضعافا .
والنظرة السطحية فقط هي التي تجعلنا نزعم ان التطور يضر بنا ، كلا انما ينفعنا بشرط ان نعرف طريقة استثماره .
الانطلاق من قيد التقليد :
ولكن كيف يمكن التطور ؟ انما يمكن ذلك بعد الايمان بأن تصحيحاً ما لابد ان يجري في الانسان نفسه باعتباره العامل المسؤول عن التغيير ، ولكن هل يتسنى للنفس ان تصبح مغيرة واقعا دون ان تفقه ضرورة التغيير الذي يستوجب الابداع ايضاً ، إذ ما من فاسد يزال الا وهو بحاجة الى صالح يخلفه .
ومشكلة النفس انها لا ترتفع الى مستــوى الابداع ، واذا لم ترتفع
الى مستوى التغيير الحقيقي وتنعكس هذه المشكلة على واقع الامة الاسلامية حيث لم تستطع ان تبدع حتى وعلى ابسط صعيد، فأمهاتنا اللاتي كن يشكين من تعب الظهر كلما كن يكنسن الغرف بـ (المكانس) اليدوية لم يستطعن ان يبدعن فكرة ايصال عودة الى (يدة المكنسة) حتى يقمن بالكنس وهن قائمات ، بل انتظرن قروناً طويلة حتى جاء الغرب ليعلمهن ذلك .
وكذلك في كافة شؤوننا الحيوية الملحة ، لم نرتفع الى مستوى الابداع نفسياً بالرغم من اننا كنا ذوي كفاءة عقلية كاملة .
والانسان الذي يركن الى ظل التقليد من المستصعب عليه ان يقلع عنه ، وحتى ولو استهدف تطورا في حياته يروح يبحث عمن يقلده في هذا التطور .
التقليد في التطور :
و ابسط مثل لهذه الظاهرة الاصيلـة فـي الانسان المقلد وهي ظاهرة " التقليد في التطور " ، نجد أبسط الامثلة لها في حياتنا الراهنة ، حيث صممنا على التطور ولكن التطور على قياس المقلدين لا على قياس المغيرين ، فتورطنا في متناقضات عديدة .
اولها : ان الغرب ابدع عدة مناهج ثم اصطلح اخيرا على التمسك ببعضها .. كالمنهج الديمقراطي والمنهج الاشتراكي ، وكانت ظروف كثيرة قد اوجبت هذا الاختيار فجاء فريق من المسلمين وانبهروا بهذه المناهـج المختارة دون ان تكون لديهم ذات الظروف التي كانت في الغـرب .
فمـثلا في الغرب : كانت الاحزاب قوية ، والوعي الوطني شاملاً ، ونسبة الامية منخفضة ، ووسائل الاعلام متوافرة بحيث سمحت للنظام الديمقراطي بالسيادة دون احداث فوضى في البلاد ، غير ان ذات الامكانات في بلادنا لم تكن متوفرة ، لهذا رأينا كيف فشلت النظم الديمقراطية المقلدة في بلادنا كما يسقط الحائط الذي لا اساس له .
وايضاً فـي الغرب : حدثت ازمات متضاربة لأسباب تأريخية ، انتقلت ( ظاهرة التقليد في التطور ) الى بلادنا عنوة وزوراً .
انها الازمة بين العمل والرأسمالية التي أدت الى انواع متطرفة من الاشتراكية ، هذه الازمة كانت نتيجة طبيعية لمجموعة عوامل أبرزها التضخم الرأسمالي في الغرب مما سبب مظالم كثيرة للعمال انفجرت في الثورات العمالية وأدت الى قيام أحزاب اشتراكية متطرفة .
ولكن هل في الشرق الاسلامي رأسمال ، ام هل فيها عدد ضخم من العمال ، ثم هل هناك من مظالم تلحقهم ؟؟ هذه الاسئلة لم يفكر فيها اولئك الذين قلدوا الغرب في هذه المناهج ، لان ( ظاهرة التقليد في التطور ) لم تدع لهم مجالا للتفكير .
الأزمة بين الدين والعلم :
وهناك الازمة بين الدين والعلم ، ورجال الكهنوت والمثقفين ، تطورت هذه الازمة في اوربا بفعل الطلاق الدائم الذي كان بينهما هناك، مما حدا برجال الدين الى الوقوف بصلابة ضد العلماء .. وحدا بالعلماء الى تبني مذاهب متطرفة تجاه الدين ، هذه الازمة انعكست ايضا على دماغ المقلدين - عندنا - فحاولوا تفجيرها في مذاهب ماديـة ، ولكن هل كانت لدينا ازمة تسمى بأزمة العلم والدين ؟ كلا .. ان الاسلام لم يقف في أي يوم ضد العلم ولا وقف العلماء عندنا ضد الاسلام .
فلم يكن لدينا ما يبرر هذه الازمة المفتعلة . وفي الغرب أيضا كانت هناك حاجات ألحت على الانسان المبدع فأبتكر عدة وسائل لاشباعها ، ولكن عندنا لم تكن تلك الحاجات موجودة انما حاولنا تقليد الغرب في اشباعها فأصابتنا التخمة .
فما هي الحاجات وما هي وسائل اشباعها ؟
الحاجة الى السرعة وتقدير الوقت عبرت عن نفسها باختراع وسائل السير السريعة .
وتطوير اختراع الساعة ، ونحن استخدمنا الوسائل ، ولكن ليس لاشباع حاجة اليها شددنا الساعة على ايدينا ونظرنا إليها بين لحظة واخرى لكن دون ان نحاول ضبط المواعيد بها ، وربما كنا أكثر اهتماما بها قبل اختراع الساعة حين كنا نتمسك بقول الرسول (صلى اللـه عليه وآله) : " المؤمن إذا وعد وفى " (1) .
واستقلينا السيارات وامتطينا أسرع الطائرات ، ولكن حينما وصلنا الى غايتنا لم نقدر الوقت ، بل اهدرناه في المسليات ، وارتخينا وراء مكاتب عملنا ننتظر نهاية الدوام .
ان وسائل العيش مرتبطة بأهداف الانسان . وأزمة البلاد النامية ، انها تستخدم الوسائل لغير اهداف محددة وهي ازمة التطور على شاكلة المقلدين .
ان هذه بعض النظرات الخاطفة التي تلقي ضوءا كاشفا على بعض مشاكلنا الثقافية .
(1) بحار الانوار عن نهج البلاغة / ج 2 / ص 122
(1) بحار الانوار / ج 2 / ص 49
(1) بحار الانوار / ج 71 / ص 213