من هنا ندرك ان مشكلتنا ليست في اصل الثقافة ، وانما في اللغة التي يخاطب بها المجتمع ؛ فهي لغة صعبة لا يفهمها الجميع .
ضرورة كتابة التأريخ الرسالي بلغة العصر :
وقبل ان نفصل الحديث في هذا الموضوع ، نسأل انفسنا : من منا قرأ كتابا يتحدث عن التأريخ الرسالي بلغة عصرية مجردا من الدس والتحـريف ، ويمكن الاعتماد عليه ؟ من الطبيعــي ان يكون الجواب سلبياً ، فمن كتب في هذا المضمار كانت تدفعه دوافع طائفية وعنصرية مختلفة سجل على ضوئها التأريخ الرسالي ، ترى لماذا لــم يرأب هذا الصدع ؟ ، لقد دخلت المطابع البلدان الاسلامية قبـل حلول القرن العشرين ، فقد دخلت المطابع العراق سنـــة ( 1905 ) وفـي بيروت سنة ( 1861 ) ، وفي مصر قبل ذلك ، فلماذا لم نستخدم هذه المطابع في تسجيل تأريخنا ، وهل يمكن لأمة من الأمم ان تتقدم وهي منسلخة عن تأريخها ؟ لا يمكنها ذلك بالطبع ، فلاتوجد امة تطورت دون ان ترتكز الى تاريخهـا .
واذا ما تصفحنا التأريخ الاسلامي والعالمي لرأينا انه يجانب وجهة النظر الرسالية ، ويفترق عن نظرة اهل البيت ( عليهم السلام ) الى التأريخ ، فلقد كتب التاريخ برؤية قاصرة من قبل اشخــاص ذوي ارآء شاذة مثل ( كارل ماركس ) ، ومن هؤلاء ايضا ( جورج فيشر) الذي كتب التاريخ بنظرة رجعية ، و( جورج حنا ) الرجل الساخط على الدين وقيم السماء ، فقد طغت على كتاباته روح التمرد على الدين ... وفي مقابل ذلك نرى ان ذوي الاقلام النزيهة لم يقدموا على كتابة التاريخ الاسلامي والعالمي ، فترك سكوتهم هذا فراغاً ملأه اولئك الكتاب المنحرفون ، في حين ان القرآن الكريم أمرنا بتسجيل مفاهيمنا من خلال وقائع التاريخ ، فهو شاهد على صدقها ، فقد بين لنا القرآن تأريــخ الأمم السالفة ، ومن ثم أمرنا ان نسير في الارض ونتمعن في تأريخ تلك الأمم في قوله :
«قُــلْ سِيــرُوا فِي الاَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَـةُ الْمُـجْرِمِيـنَ » ( النمل / 69 )
ثقافة اصيلة واسلوب معاصر :
نحن بحاجة اليوم الى تقديم ثقافتنا بأسلوب عصري ، وبمنهجية جديدة ، وذلك في مجال تفسير القرآن و التشريع الاسلامي والاخلاق .. كطريقة سلوك الانسان في هذا العصر ، فمكتبتنا تفتقر اليوم الى كتاب يتناول سلوك الانسان المؤمن والشخصية الاسلامية ، ولم يكتب احد حول هذا الموضوع سوى القليل جداً ، فـي حين ان العلمـاء المتقدمين ألفوا كتباً قيمة حول سلوك الانسان المؤمن مثـل " مكارم الاخلاق " و " آداب المتعلمين " و " منية المريد " ولكن احد من كتابنا المعاصريــن لـم يشمر عن ساعد الجد لكي يصوغ عبارات تلك الكتب القيمة بأدب حديث ، واسلوب سهل .
فنحن - اذن - نحتاج الى اقلام عصرية ، لكي نكتب ثقافتنا بها ، ونقدمها للمجتمع بصورة جذابة .
ولا شك ان هناك جهودا مشكورة بذلت في هذا المضمار ، وظهرت كتابات ناضجة حول رأي الاسلام في النظم المختلفة كالاقتصاد والاجتماع والسياسة والتربية .. وغيرها الا ان هذه الجهود كانت مجرد محاولات متواضعة اذا ما قيست بآلاف الكتب المضللة التي تنشر من قبل المطابــع المختلفة ليل نهار ، فقد اصدرت هذه المطابع كتبا تنفث سما قاتلا ، فعملت على تأخير المسلمين وسعت ان تقف سدا حائلا امام التيار الاسلامي .
لاريب ، ان هذا الواقع يدفعنا الى اظهار حقائق الثقافة الرسالية ، بكل الاساليب العصرية الممكنة ، لاجل انقاذ الانسـان - اين ما كان - من الضلالة .
ولا يخفى ان هذا الامر ليس بالسهل اليسير ، وليس هو من مسؤولية فرد دون آخر من ابناء الامة ، بل لابد ان يتحمل الجميع هذه المسؤولية الكبيرة ، كل حسب قدرته واستطاعتـه ؛ آنذاك يهون الأمر ، وتثمر نتائجه . حينها - لا شك - ستنعم البشرية بالسعادة العظمى .
الثقافة الجاهلية قاعدة الحركات الانتقائية
من المعلوم ان الجاهل اما ان يكون مفرطاً أو مفرّطاً ، ولذلك فان الجهل بالاسلام ، وجوهر رسالات السماء جعل الناس ينقسمون الى فريقين ؛ فريق اتخذ الاسلام قشورا لا محتوى فيها ، وشعائر مفرغة من القيم ، وفريق ضل عن الاسلام الحقيقي ، واستبدل به افكاراً غريبة التقطت من هنا وهناك .
وفي هذا الموضوع سنحاول التركيز في الحديث على الفريق الثاني ؛ اولئك الذين لا يقل عددهم اليوم في عالمنا الاسلامي عن الفريق الاول وخصوصاً بين الطبقـات المثقـفة التي زعمت ان باستطاعتها ان تصنـع اسلاماً من وحي ظروفها ، وحسب آرائها ، وافكارها .
المنحرفون عن الاسلام :
وفـي طليعة هؤلاء المثقفين نجد في العالم العربي ( ميشيل عفلق )
الرجل المسيحي الذي زعم ان الاسلام انما هو رسالة العرب ، وانعكاس للوضع الاجتماعي والحضاري لهؤلاء القوم ، فأراد بذلك ان يصنع مزيجا من الاسلام ورسالته المقدسة ، ومن فكرة القوميـة والافكار التي تعلمها من المفكرين الفرنسيين ، فصاغ بذلك ايديولوجية ( البعث ) التي عانت منها امتنا الاسلامية حتى اليوم الشيء الكثير .
وفي الهند نجد السيد ( احمد ) الذي حاول ان يصنع ( كوكتيلا ) من الاسلام ، والافكـار الغريبـة عنـه ، وهنـاك ايضـا " محمد احمد طــه " فـي السـودان ، ورجــال من امثـال " خالد محمد خالد " و "مصطفـى محمود " و " ادونيس " ، واخريـن من هذا البلد الاسلامي او ذاك من مثل ايران التي نجد فيها امثال هؤلاء بكثرة وخصوصـاً فـي بدايـــة الثـورة الاسلامية حيث ظهر بعض المثقفين الذيــن زعموا ان باستطاعتهـم فهم الاسـلام بمراجعـة بسيطة للقرآن الكريم ، وقراءة سطحيـة لنهج البلاغــة ، و مطالعــة ساذجة لبعض الكتب الاسلاميـة .
وحسب ما قال الامام الخميني الراحل (رض) فان معرفة الاسلام اصيبت بتضخم غريب ، فأخذ كل انسان يدّعي معرفته بالاسلام الحقيقي الى درجة ان الحكام الطغاة اصبحـوا اصحاب فتاوى في الاسلام ، وهذه من ابتلاءات أمتنا .
لماذا الانحراف في فهم الاسلام :
وهنا يطرح السؤال التالي نفسه : لماذا انحرف اولئك المثقفون في فهم الاسلام ؟ فيما يلي سنحاول وضع بعض النقاط على حروف السياسة القائمة اليوم :
أ - ان اية منظمة او حزب او تجمع انما هو قناة لاستيعاب تيار ثقافي وسياسي يجري في المجتمع ولا يمكنه ان يخلق ظاهرة جديدة بل ان قصارى ما يمكن ان تفعله المنظمات او الاحزاب هو استيعاب بعض التيارات القائمة في المجتمع الذي تبرز فيه .
ان هذا التيار يمثل مجموعة من الذين تشبعوا بالثقافة الغربية ، وارادوا ان يفسروا الاسلام القائم على محور الايمان بالغيب ، والايمان بارادة الانسان المستلهمة من ارادة اللـه - تعالى - على اساس تلك النظريات والافكار الغربية لسببين :
1 - ان هــؤلاء ضعفاء الرؤية بالنسبة الى دينهم ، فلم يقرأوا القرآن ، ولم يفهموا شيئا من الاسلام ، وهنا حشد الاستعمار نفسه ووضع برامج ذكية تهدف الى فصل الانسان المسلم عن ثقافته بشتى الاساليب ، وعلى سبيل المثــال فان المناهج التي نجدها الان في وزارات التربيـة والتعليم ، وفي وزارات التعليم العالي ، والاعلام ، ووزارات الثقافة والشباب ، تهدف كلهـا الى تحقيق غاية واحدة هي فصــل الانسان المسلم عن ينابيع ثقافتــه ، عن القرآن وتفسيره الصحيح ، وعن التأريخ الصحيح ، والرؤيـة السليمة الى الدين عمومـاً ، والاسلام بصورة خاصــة .
ومن هنا برزت تلك الطبقـة التي تربت فـي احضان الاستعمار بشكل غير مباشر ، وتلقوا ثقافة المستعمرين ، ولم يتجاوزا في معرفتهم لدينهم حدود الكلمات التي قالها مدرسو الدين في المدارس الحكوميـة .
2 - ان هؤلاء لم يروا امامهم الا اسلاما قشرياً لا يتفاعل مع حوادث العصر ، ولا يعطي رؤية حول متغيرات الزمان ، ولا يهدف الى اقامة العدل ، وتحقيق الحرية ، وعندما رأوا هذا الاسلام عند البعض استنتجوا ان الدين كل الدين هو ما في اذهان هؤلاء ، ولذلك فقد وضعوا انفسهم بين سندان القشرية ومطرقة العمالة الفكرية ، فصنعوا على عجل اسلاماً متناقضاً .
فقدان القاعدة يسبب الانحراف :
ب - ان اية منظمة او حركة او حزب يدخل في ساحة اجتماعية لابد ان يبحث عن قاعدة يتكىء عليها ، ومن دون هذا البحث ، ومن دون التحليـل العميق لاولئك الذين يريدون ان ينتموا الى هذه المنظمة او الحزب ، ستصاب المنظمة او الحزب بانحرافات كبيرة ، فعندما يتسمم جزء من جسم الانسان ولا يسعى من اجل تحصين جسمه هذا من التسمم ، فان السم سوف يتصاعد ويتصاعد حتى يبلغ دماغه ، وكذلك الحال بالنسبة الى المنظمات والحركات ، فعندما لا تمتلك الايديولوجية الاسلامية الرصينة ، ولا تتمتع بالقنوات النزيهة التي تختار عبرها العناصر التي تريد الانتماء اليها فانها ستتعرض الى تسلل مجموعة من المنحرفين حتى الى عناصر القيــادة .
ضرورة وجود القائد الديني :
ج - ان مثل هذه الحركات لابد ان تنحرف ، فان لم تنحرف ايديولوجياً ، فلابد ان تصاب بانحرافات اخرى من مثل الانحرافات الاخلاقية والسياسية بالانعدام وجود من يحول دون وقوع هذه الانحرافات فيها ، فاذا كانت هذه المنظمة او الحركة تمتلك رجلاً واحداً عارفـاً بالاسلام معرفة كاملة وعميقة ، ومحيطاً بجوهر هذا الدين من خلال الاستنباط والاجتهاد ، لما تعرضت الى تلك الانحرافات ، ولما نظرت الى الاسلام هذه النظرة المنحرفة المغلوطة .
ان وجود مثل هذا الرجل يشبه وجود الامام في عصره ، وقد أمرنا الائمة ( عليهم السلام ) ان نعود اليه ولايهم ما اذا كان هذا الرجل المتكامل الشخصية معروفا ام مجهولا ، لان وجوده ضروري شريطة ان يكون متصفا بالصفات التالية :
1 - فهم الاسلام فهما عميقا من خـلال درك جـوهر هذا الدين الحنيف ، وقيمه ، وتأريخه ، وكتابه ، وسنته .
2 - ان يكون هذا الشخص منتمياً الى أوساط الجماهير لان الانتماء الجماهيري يحصن الحركة من الانحراف ، اما الاشخاص الذين يعتزلون الجماهير ويعتقدون ان الجماهير لاتفهم شيئاً ، ويحاولون ان يتسلطـوا عليهـا فانهم سوف يتعرضون الى الانحـراف .
ان الحركة الناجحة هي تلك التي تنبع من الجماهير ، وتتخذ من هذه الجماهير قاعـدة لها ، وفي الحقيقة فان هذا هو ما فعله الانبياء ( عليهم السلام ) في حركاتهم من أجل تحقيق الاهداف الالهية ، فهم انما بعثوا الى الناس لان وجودهم مع الانسان القيادي ضمان لعدم انحرافه ، لانهم يكونون اوصياء عليه كما يكون وصيا عليهم ، فهم يتواصون مع بعضهم لمعرفة الطريق القويم .
المادية سبب انحرافنا :
وهكذا فان الانحراف في بلادنا موجود وقائم ، ويتمثل هذا الانحراف في ابتعادنا عن الاسلام مـن جهة ، وتشبعنا بالثقافة الغـربيـة هذه الثقافـة الدائرة على محور المادية العمياء من جهة اخــرى .
ان هذه المادية تتجسد في انكار اللـه - تعالى - ، وتكذيب رسالاته ، وارادة الانسان وقدرته ، وللاسف فان الظروف المواتية لهذا الانحراف موجودة في بلادنا بسبب الجهود المتواصلة التي يبذلها الغرب والشرق في بلادنا من اجل زعزعة عقيدتنا واضعاف ايماننا بالاسلام والرسالات الالهيــة .
وهذه الجذور تتحول مرة الى حزب البعث ، ومرة الى الاتحاد الوطني الاشتراكي ، واخرى الى منظمة مجاهدي خلق الماركسـية الملبسـة بثوب الاسلام ، واخرى ايضا الى المذهب القادياني او المذهب البهائي ، ومختلف الاحزاب التي تـحاول ان تختلق نظريات زائفة وملفقة من الاسلام ، ومن الافكار الغريبة عنه .
ولكـي لا تتكرر فينا هذه التجارب المنحرفة ، ولا تذهب دماؤنا وتضحياتـنا هدراً ، فان علينا ان نقص تلك الجذور الفاسدة ، ونطهر بلداننا من حالة انعدام الوعـي الصحيح والسليم بالاسلام ، لننشر في مقابل ذلك الوعي الصحيح بالاسلام ، لا ان نروج للوعي القشري الذي يصنع ارضية الانحراف عن المبادىء الاسلامية الاصيلة ، ولا ذلك الوعي اللقيط الذي يبتعد عن روح الاسلام ، وعن قيمه ، وغيبية الرسالات السماوية .
وبذلك وحده نستطيع ان نضمــن لبلادنا العودة السليمة الى الاسلام الصحيح في صفائه ونقائه باذن اللـه - تعالى - .
(1) بحار الانوار / ج 2 / ص 96
(1) نهج البلاغة / خطبة / 127
(1) الكافي / ج 1 / ص 46
(1) بحار الانوار / ج 54 / ص 234
(1) بحار الأنوار / ج 26 / ص 239
(1) بحار الأنوار / ج 2 / ص 52
(2) بحار الأنوار / ج 2 / ص 48
ثقافة الحياة ؛ خصائصها وأسسها
فــي هذا الفصل نتحدث عن الثقافة التي اسميناها بـ " ثقافة الحياة " ، ومـن أبـرز ميزاتها انها ثقافة العمل والعطــاء والتضحيـة ، فـي حين ان " ثقافـة الموت " هي ثقافة الانانية ، والاخذ دون العطاء ، وبالتالي هي ثقافة الاعتداء على حقوق الاخرين .
ثقافة الحياة هي ثقافة البذل والعطاء :
وثقافـة الحياة هي كل ثقافة تدفعك نحو العطاء والتضحيـة والعمل ، و تعلمك مكارم الاخـلاق ، وفي المقابل فان ثقافة الموت هي التي تدفعــك نحو التمحور حول الذات ، والتفكير في نفسك دون الاخرين .
وفي الحقيقة فان الذين يتعودون على الاخذ ، وينصب تفكيرهم على جعل الاخرين يحترمونهم اكثر ، وعلى كيفية الاشتهار في الساحة ، هؤلاء سوف يبلغون درجة من الانانية بحيث لا ينفع معهم
نصح ولا وعظ وارشاد .
وقد كان الرسول ( صلى اللـه عليه وآله ) قد عود الناس من حوله على ثقافة العمل والعطاء ، ولذلك كانوا يتحلقون حوله ( صلى اللـه عليه وآله ) وحينما يستمعون اليه وهو يحدثهم عن فضيلة او عمل صالح كانوا ينبثون من حوله في الفور ، وعندما كانوا يسألون عن سبب تفرقهم اثر استماعهم الى توجيهات النبي ( صلى اللـه عليه وآله ) كانوا يقولون : لكي ننفذ ما قال .
وكانت الآية الكريمة حينما تنزل على النبي (صلى اللـه عليه وآله) يطلقها في الساحة فتكون بمثابة الصاعق الذي يفجر طاقات الامة ، ويحرك ضميرها ، وكأن كلماته بلاغ عسكري ، هكذا كان حال المسلمين الاوائل ، كانوا يهتمون بالايات القرآنية ، وعلى سبيل المثال حينمـا نزلت آية حرمت الخمرة ، فاضت طرقات المدينة بالخمرة ، فكان كل واحد منهم يأتي بخمرته ليهرقها في الشارع .
بهذا الاسلوب كان المسلمون يطبقون تعاليم الاسلام ، ومضامين الآيات القرآنية ، ولذلك جاء في القرآن الكريم :
«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً » ( الفرقان / 32 )
«وَقُرْءَانــاً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيــلاً » (الاسراء / 106 ) .
وترتيل الآيات القرآنية كان هدفه تثبيت هذه الايات في قلوب المسلمين ، وتكريس مضامينها ، وتحولها الى ادوات عمل .
ثقافة الموت ثقافة الأخذ دون العطاء :
هذه هي سمات ثقافة الحياة ، في حين ان ثقافة الموت تجعل الثقافة هدفـاً بحد ذاته ، فتسلب من الانسان القدرة على العطاء ، وتجعله مصداقا لقول النبي ( صلى اللـه عليه واله ) : " عالم بلا عمل كشجرة بلا ثمر "، وهكذا تنتهي هذه الثقافة بالانسان الى ان يكون انانياً ذاتيـاً ، يتاجر بعلمه .
كيف نميز بين ثقافة الحياة وثقافة الموت ؟
وهنا يتبادر الى الاذهان السؤال المهم التالي : كيف يمكن ان يميز الانسـان بين تينك الثقافتين ؟ ، الاجابة على هذا السؤال تأتي من خلال الأخذ بنظر الاعتبار أمرين مهمين :
الاول : ينبغي ان يكون الهدف من الاهتداء الى الثقافة عبر العلم والدراسة واضحا ، فقبل كل عمل وخصوصا التعلم لابد ان الانسان هدفه حتى قبل ان يقرأ كتاباً واحداً ، او يكتب سطـراً واحداً ، و قبل ان يدخل قاعة الدرس لابد وان يجعل نصب عينيه ان الذين استهدفـوا من وراء العلم الحصول على مغانم ومكاسب مادية لم يفلحوا ، وان الذين اتخذوا من البدء العلم وسيلة للكمال الروحي ، والتقرب الى اللـه - تعالى - فانهم هم الذين هداهـم اللـه للعلم النافع ، ووفقهم للعمل الصالح ، وجعل عاقبتهم خيرا .
ويكتسب هذا الموضوع اهميته من ان فساد العالِم هو بمثابة فساد العالَم فعن رسول اللـه ( صلى اللـه عليه وآله ) قال :
" صنفـان من أمتي ان صلحا صلحت أمتي ، وان فسدا فسدت أمتي ؛ قيل يا رسول اللـه ومن هما ؟ قال : الفقهاء والأمراء " (1) ، وعلى هذا فــان من الضروري جداً ان يطرح طالب الثقافة على نفسه السـؤال التالي : ما هو هدفي من طلب الثقافة ؟ فيبلور بذلك هدفه ، ويحدده بوضوح .
القرآن دواء جميع امراضنا :
الثانـي : ويتمثل في القرآن ، فهو الحل لكل المشاكل التي نعيشها ، فنحن بشر وافكارنا تتقولب حسب المحيط الذي نعيش فيه ، وكثيرا ما يكون المحيط الاجتماعي الذي نعيش فيه فاسدا ، وامامك هذا الواقع الذي تعيشه الامة الاسلامية ؛ فلنسأل انفسنا ؛ هل هذا العدد الهائل من الكتب والصحف والمجلات والمؤسسات الاعلامية صالح ام فاسد ؟ الموجهون الاجتماعيون صالحون ام فاسدون ؟ القصص التي غذينا بها منذ الطفولة هل كانت كلها قصصا صحيحة ، وهل اوحت الينا بأفكار سليمة ؟
اذن نــحن نعيش في بيئة تتماوج بأفكار مختلفة بعضها صحيح والاخـر سقيـم .
والســؤال المهم هنا هو : كيف نحصن انفسنا من الافكار الضارة ؟ ، والجواب نجده في القرآن الكريم ، ولكن مشكلة الانسان المسلم انه يتعامــل مع القــرآن كما يتعامل مع اي كتاب آخر ، في حين ان النبي ( صلى اللـه عليه واله ) يقول : " فضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللـه على خلقه " (1) .
فلنعد الى القرآن الكريم :
ونحن نتساءل ؛ أليس من الجفاء ان لا نقرأ القــرآن ، واذا قرأنـاه لا نـحاول ان نفهمه ونتدبر آياته ، اليس من الجفاء ان يدعونا الخالق - تعالى - الى تدبر القرآن ثم لا نستجيب لدعوته ؟
«أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ » ( محمد / 24 )
بماذا نجيب الخالق - تعالى - عندما يحتج النبي ( صلى اللـه عليه
وآله ) علينا قائـلاً : « رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَــذُوا هَــذَا الْقُــرْءَانَ مَهْجُـوراً » ( الفرقان / 30 ) ، فلنحذر من ان نجعل القرآن خصمنا يوم القيامة امام اللـه تعالى .
ان التدبر في القرآن يمثل بالنسبة الى المثقف اكثر من ضرورة واكثر من مجرد واجب ، لان ضلالة الانسان المثقف اشد واكثر تأثيرا من ضلالة الانسان العادي ، لان ضلالة الاول ستؤدي الى ضلال الاخرين .
دور القرآن في تكوين ثقافة الانسان المؤمن :
ان القـرآن يعتـبر بالنسبة الينا منظارا للرؤية الصائبة ، ومنهاجاً للتفكير السليم ، فهو ليس مجرد معلومات بل هو منهاج قبل كل شيء ، فالقرآن يلعـب الدور الاكبر في تكوين ثقافـة الانسان المؤمن ، ويمكننا ان نوضــح هذا الدور في ثلاث نقاط على سبيل المثال لا الحصر :
1 - ان القرآن الكريم يمثل اداة لرؤيتنا ، فنحن ننظر الى العالم من خلال هذا الكتاب ، وهذا هو معنى مصطلح " البصائر " او هو احد معانيه ، فالقرآن يحدد لك كيف تنظر الى الطبيعة على سبيــل المثال ، في قوله تعالى : «الَّذِيـنَ يَذْكُرُونَ اللـه قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَــى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّــرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَــا
خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَــا عَذَابَ النَّارِ » (آل عمران/191)
فعندمـا ننظر الى الطبيعة لابد ان ننظر اليها عبر هذا الاطار الفكري ، فالكون هو آية اللـه ، ومجلى لاسمائه الحسنى ، ونحن عندما ندرس الثقافات المختلفة يجب ان نجعل من القرآن اطاراً لدراساتنا هذه .
2 - لقد بين القرآن كثيرا من السنن والقوانين الالهية في الكون ، ونحن نقرأ القرآن لكي نفهم هذه السنن ، وبالتالي لكي نفهم الحياة بعمق .
3 - ان القرآن الكريم يصنع شخصية الانسان ، فنحن حينما ننظر الى الطبيعة فانها سوف لا تستفزنا ، وتدعونا الى ان نغتر بها ، ولذلك فان تقييمنا لهذه الطبيعة ، وللظواهر الاجتماعية ، والمجتمع انما هو تقييم عادل لان القرآن هو الذي عودنا على هذه العدالة .
«وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً » ( الاسراء / 36 )
«الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » ( الزمر / 18 )
وعلى هذا فان القرآن هو منظار للرؤية ، وسنة للحياة ، وبالتالي اصلاح للانسان لكي تكون رؤيته وثقافته في الحياة صائبتين .
بين ثقافة الحياة وثقافة الموت
كما ان قانـــون الموت والحياة يسري على المظاهر المختلفة في الحياة والكون ، فانه يسـري ايضا على الثقافة ، فهي الاخرى من الممكن ان تكون حية ، ومن الممكن ان تكون ميتة ، فثقافة الحياة هي التي تتفاعل مع سائر اجزاء الحياة ، في حين ان ثقافة الموت هي التي تعيش في عزلة من هذه الحياة .
ثقافة الحياة :
فثقافــة الحياة هي التي تتحول الى سلاح بيدك تتحدى به الاعـداء ، وتقهر به اولئك الذين يريدون سلب استقلالك ، بينما ثقافة الموت هي التي تجعلك تابعا للاخرين ، وتفقدك استقلالك وارادتك وحيـويتك ، فليس كل ما يدخل ذهن الانسان ، وكل ما يسطر في الكتب علماً ، بل قد يكون كل ذلك جهلاً رغم ظاهره العلمــي ، ولذلك ينبغي على الانسان ان يضع تحت تصرفه مقياســاً
دقيقاً لمعرفة ما يجب ان يستوعبه ، وما يجب ان يرفضه .
ولقد قرأت ان في جهاز المخابرات الاميركية قسما خاصا هدفه فرض الثقافة الاميريكية على العالم وعلى الشعوب النامية بالذات ، ولخطورة وأهمية هذه المؤسسة فانها تتصل مباشرة بالامن القومي في الولايات المتحدة ، وتتمثل مسؤوليتها في نشر الكتب ، والمجلات وبث الافكار الجهنمية على نطاق واسع من العالم من خلال اجهزة الفيديو ، والافلام السينمائية ، والاذاعات المختلفة والصحف ، وهذه الثقافة التي تبثها اجهزة الاعلام هذه هي ما نعنيه بثقافة الموت ، وثقافة التبعية والتبرير .
فهذه الثقافة تقول للانسان في البلدان النامية ؛ لا تحرك ساكنا حتى نأتي ونستعمرك ، ومثل هذه الثقافة هي الثقافة الرجعية التي تكرس تخلف الامة ، وتبعدها عن السياسة ، وتحاول ان تفصل بين الدين والسياسة ، في حين ان الثقافة الحقيقية هي الثقافة المرتبطة بكل مجالات الحياة ، وهي نوع من الصراع مع الجاهلية ، والمحاربة للكفر والالحاد ، فهي ترى ان كل شيء من هذا النوع هو سياسة ، ومشاركة في صياغتها .
حقيقة الثقافة القرآنية :
ان الثقافـة الرجعية هي ثقافــة الموت والتخدير ، وفي مقابل هـذه
الثقافة تقف الثقافة القرآنية التي تأمرك بأن تزيد من معلوماتك ، وتكتسب ثقافة واسعة متنوعة من خلال السير في الارض : « أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور » ( الحج / 46 ) ، وقد اطلق الخالق تعالى نداءه هذا قبل اربعة عشر قرنا حيث لم تكن وسائل النقل والاتصالات المتطورة ، وحيث كان الناس يستخدمون الدواب في هذه العملية ، فما اولانا بان نطبق مضمون هذه الاية ونحن نعيش هذا العصر الحافل بالتكنلوجيا المتطورة .
فـاذا اردت ان تكتسب الثقافة فان هذا لا يعني ان تجلس في غرفة مغلقة ، وتضع امامك مجموعة كتب لتدرسها ، بل عليك ان تسير في الارض ، وان تتفاعــل مع الحيـاة ، وحينئــذ يهديــك اللـه السبيـل : « وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا » (العنكبوت/69) وهذه الآية وعشرات الآيات الاخرى تؤكد على ان الانسان انما يهتدي بالعمل الصالح ، والجهاد في سبيل اللـه ، ومقاومة الطغاة ، وبعبارة اخرى ان يتزود بثقافة الحياة والاستقلال لا ثقافة التبعية ، وبثقافة الحرية لا ثقافة الخنوع والخضوع والاستسلام للجاهليين .
وتنتشر في العالم اجهزة عديدة تبث ثقافة الدمار والتبعية والذلة ، فهي كلها تبث روح التبعية في العالم الثالث ، وشعوبنا تعيش المزيد
من التبعية والذلة بسبب وقوعها تحت تأثير تلك الاجهزة الاعلامية .
السبيل الى مواجهة ثقافة الموت :
وفي مقابل كل تلك الثقافات والاجهزة الدعائية لها لابد ان تكون هناك مؤسسات اخرى يكون هدفها نشر الثقافة الصحيحة التي نحن احوج ما نكون اليها ، والتي نستطيع من خلالها مواجهة تلك الافكــار ، فنتحدث بالسياسة والاقتصـاد والاجتمــاع بما اراد الله - تعالى - ؛ فعلينا ان نوحّــد هذه المؤسسات وحينئـذ سنـرى كيف ان الثقافـات الاخــرى ستتهاوى وتزول .
ومن الطبيعي اننا لا نستطيع ان نحمل الثقافة القرآنية ونستوعبها إلاّ عندما نعرف نقاط الضعف في الثقافات الاخرى ، وعلينا ان نحدد الامراض التي تعاني منها هذه الثقافات لانها ثقافات مريضة ، ولانها تتبع اساليب خفية وماكرة في إمراض الاخرين .
فلابـد لنا - اذن - من ان نعرف اساس وركائز الاعلام الغربي ضد بلادنــا ، وان نحيط علما بانها تتحدث انطلاقاً من مخطط خبيث جهنمـي ، فحتى الكلمات يختارونها اختياراً دقيقاً ، واذا نحن لم نعرف كيف يخططــون فلا نستطيع مقاومتهم ، بل من الممكن ان نصبح اداة لهم ، فالكثير من المسلمين يبثون - من حيث لا يشعــرون - ثقافــة الغــرب او الشـرق ، بــل ويتبنونـهـا ،
ويعتقدون انها هي الاسلام .
ولقد طالعت بعض الكتب ، قسم منها ألّفها مسلمون متدينون حول الاقتصاد الاسلامي مزجوا فيها بين الاقتصاد الاسلامي والرأسمالي ، وهناك من يدّعي ان الاقتصاد الاسلامي هو اقتصاد اشتراكي ، بل ان هناك من يزعم ان الاسلام يتبنى النظرية الداروينية !
ولذلك نؤكد اننــا اذا لــم نعرف طبيعـة الثقافــة الجاهلية ، والمطبات الموجودة منها فاننا سوف نعجز عن مكافحة هذه الثقافة بل وسوف نقع في شراكها ، ولذلك على علمائنا ومثقفينا ومفكرينا وطلبة العلوم الدينية ان يستوعبـوا آيات القرآن الكريم ، والروايات الشريفة والادعية المأثــورة ، لانها تمثل اساس واطار ثقافتنا ، كما ينبغي علينا في نفس الوقت ان نبحث في الثقافات الغربية ، لنحدد امراضها ثم لنقاومها ، لكي يكون بمقدورنا تزويد الناس بالثقافة الاصيلة ، الثقافة التي تدعو الانسان الى العمل والسعي والنشاط ، ومقاومة الظالمين .
هذه هي ثقافـة القرآن الكريم ، الثقافة التي تحث الشعوب على النهوض ، وتمنحها الثقة بأنفسها ، والثقة بالتغلب على القوى الجاهلية ، ومن خلال التسلح بهذه الثقافة نستطيـع التعرف على ما يجري حولنا ، وتشخيـص امراض الثقافة وما يقابلهــا من الافكـار السليمة ، لكي يكون بمقدورنـا حمل رسالة الاسلام والعلــم الى هذا العالـم .
بين ثقافة الحياة وثقافة الجمود
ثقـافة الانسان افراز وانعكاس عن أمرين متناقضين ؛ فهي من جهة تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للانسان ، ومن جهة اخرى تعبر عن الواقع القيمي والمعنوي والعقلي للبشر . وكما ان الانسان يخضع في حياته لمؤثرات الطبيعة والاقتصاد وعوامل البيئة ، والظروف السياسية ، والاوضاع الاجتماعية .. فان ثقافته تخضع هي الأخرى لتلك المؤثرات والعوامل .
والثقافة التي تعكس الواقع المعنوي للبشر ؛ والثقافة المنطلقة من قواعد العقل ، ومناهج البصيرة ، ووحي الرسالة ، لا تتغير عبر العصور . فهي دين اللـه الذي انزل على أبي البشـر و أول الانبياء ، وهي دين اللـه الذي اختــاره للبشريـــة ، وهي - بالتالي - الاسلام الذي انزل على كل الانبياء والرسل ، ولكل البشر عبر جميع العصور . فهي فطرة الانســان وعقله وضميــره ووجدانه الذي لايتغيــر .
اما الثقافة التي تعكس الواقع المادي للبشر ، وتعبر عن اقتصاده واجتماعه وسياسته ، فانها تتغير حسب الظروف . فليست سواء الثقافة التي هي افراز لواقع الاقطاع والرأسمالية او الاشتراكية في الاقتصاد ، كما ليست سواء تلك الثقافة التي هي افراز عن واقع الدكتاتورية او الحرية في عالم السياسة ، وكذلك ليست الثقافة التي تعكس الوضع الحضاري للانسان عن تلك التي تعكس الوضع المتخلف والجامد للبشر .
ثقافة التحضر وثقافة الانحطاط :
ونحن لو نظرنا الى ثقافة العرب قبل الاسلام ، وقارناها مع ثقافتهم بعد مجيء الاسلام وانتشارهم في آفاق الارض ، وقيامهم بالفتوحات الهائلة ، وبنائهم تلك الحضارة التليدة .. لوجدنا انهما كانتا مختلفتين تمام الاختــلاف من حيث المضمون والمحتوى ، ومن حيث الاطار والاسلوب ايضـاً .
وهكذا الحال بالنسبة الى ثقافة الانسان الاوروبي قبل سبعة قرون فانها تختلف اختلافا واسعا وكبيرا عن ثقافته قبل قرنين ، وعن ثقافته الآن .
ونفس الحكم يمكن ان نصدره على ثقافة الامة الاسلامية قبل ثمانية قرون فانها تتباين عن ثقافتها قبل سبعة قرون ( اي قبل وبعد الاجتياح التتري والمغولي للبلاد الاسلامية ) ؛ فالثقافة الاولى كانت ثقافة الحيوية والانطلاق ، ثقافة الابداع والبناء ، ثقافة التعاون والتلاحم ، والعمل والاجتهاد .. والثانية كانت ثقافة الارهاق ، والتقاعس ، والتدابر ، وبالتالي فانها اصبحت تعكس واقعهم .
والثقافة تؤثر في الفرد تأثيرا بالغا حيث تضفي عليه صبغة معينة ؛ فالانسان النشيط الذي يندفع في كل مجالات الحياة بحيوية بالغة تكون له صبغته التي تؤثر في حركاته وسكناته وملامحه التي تميزه عن ذلك الانسان المتخدر النائم .
التفسير حسب نوع الثقافة :
ونحن عندما نستخدم مصطلح ( الثقافة ) فاننا لانقصد الكلمات والتعابير ، لانها قد تكون واحدة او متشابهة . بل نقصد مفهوما آخر هو نوعية تلقي الانسان للافكار ، وكيفية تفسيره للاحداث . فالفكرة الواحدة تعني عند انسان شيئا ، بينما تعني عند انسان آخر شيئا مغايرا .
وعلى سبيل المثال فان الحديث المعروف : " اتق شر من احسنت إليه " يفسر تفسيرين ؛ التفسير الاول يقول ان على الانسان ان يتقي شر الآخرين من خلال الاحسان اليهم ؛ اي انك كلما احسنت الى الآخرين اكثر كلما تجنبت اذاهم ، وابتعدت عن شرهم ، وضمنت السلامة لنفسك منهم . والتفسير الثاني يقول : انك إذا احسنت الى انسان فان هذا الذي احسنت اليه سوف ينقلب الى عدو يفترسك ، ويحطمك ، فاتق شره بأن لا تحسن إليه .
وهكذا الحال بالنسبة الى الآية القرآنية التي تقول :
«وَلاَ تُلْقُواْ بِاَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » ( البقرة / 195 ) ، والذي يظهر تفسير هــذه الآية قوله - تعالى - في صدرها : « وَأَنْفِقُوْا فِي سَبِيلِ اللـه ... » ( البقرة / 195 ) ؛ اي انكم اذا انفقتم في سبيل اللـه ، واعطيتم فحينئذ سوف تتجنبون الهلاك . أما التفسير الآخر فيقول ان على الانسان ان يجلس في بيته ، ويتجنب الاخطار ، لان الواجب عليه ان يحفظ نفسه من كل الاخطار ، ولا يلقي بنفسه في التهلكات . فلا يجاهد ، ولا يقول كلمة الحق عند امام جائــر ، ولا يحارب احداً لان الدخول في الحرب يعني القاء النفس في التهلكة ، كما يعني اقتحام ميدان العمل السياسي والعمل الاجتماعي والاصلاحي .. تعريض النفس للاخطار .
وهكذا تختلف التفاسير في حين ان الكلمة واحدة ، ذلك لان تلقي الانسان للكلمة يختلف عن تلقي الآخر ؛ فبينما يتلقى حامل الثقافة الحيوية الرسالية كلمة ( اتق شر من احسنت اليه ) بمضمونها الحضاري ؛ اي اعط من نفسك ، وتنازل عن حقوقك من أجل الآخرين ، وعش من أجلهم .. نرى صاحب الثقافة الجامدة المتخلفــة الفردية الضيقة الافق يفسرها تفسيرا سلبيا على ضوء ثقافتــه .
ونفس الشيء يمكن ان يقال عن تفسير هذين الفردين للاحداث والمتغيرات ، فبينما نرى صاحب الثقافة الحضارية الرسالية يفسر كل حدث بواقعية ، ويلقي الضوء على الجوانب الايجابية منه . نجد الآخر يفعل العكس من ذلك تماما ، فلا يرى إلا الجوانب السلبية للحدث . فهو يرى العدم ولا يرى الوجود ، ولا يرى الملايين من النعم التي تتوافر عليه من اللـه - سبحانه وتعالى - ، وحتى إذا نقصت شعرة من شعرات رأسه فانه يحول هذا النقصان الى صحراء من الظلمات يعيش داخلها ، ويجعل هذا النقص قناة و وسيلة لرؤية كل النواقص الأخرى في الحياة .
وهناك في هذا المجال قصة طريفة معبرة تقول ان مفسرين للاحلام فسراً رؤيا رآها الملك تفسيراً واحداً ، ولكن بلغتين وتعبيرين مختلفين احدهما اعدم ، والآخر استلم جائزة من الملك ، وكانت الرؤيا تتمثل في ان الملك رأى في المنام ان اسنانه تساقطت كلها ، فقال المفسر الأول للاحلام : ان هذا يعني ان اقاربك سيموتون كلهم ، فاستنكر الملك هذا القول ، وامر جلاديه بضرب عنقه ، اما المفسر الآخر فقد قال : ابشر ايها الملك فان عمرك سيكون اطــول من عمر اقاربك ، فما كان من الملك إلاّ أن أمر لــه
بجائــزة !
وهكذا فان الثقافة هي الظرف الذي يستقبل الافكار ، كما يستقبل متغيرات الحياة وحوادثها ، ويلونها جميعا بلونــه ؛ فان كان ذلك الظرف نظيفا شفافا جعل كل تلك الافكار والحوادث نظيفة شفافة ، وان كان وسخا مليئا بالجراثيم فان انظف الافكار ستتحول فيه الى افكار سلبيــة .
محاولات مشبوهة :
ومن المعلوم ان البشرية لا تمتلك عبر تاريخ الثقافات ثقافة حيوية نقية كالثقافة الاسلامية الموجودة في القرآن الكريم ، ومع ذلك فاننا نجد بعض التفاسير تحاول ان تلحق بالقرآن كلمات من شأنها ان تغيــر مفهومه ، ومن امثلة ذلك ان البعض يفسر قوله - تعالى - : « وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ » ( الاحزاب / 25 ) من خلال اضافة كلمة ( شر ) الى القتال ، في حين ان هذا الشر لا يوجد إلاّ في قلوبهم وافئدتهم لا في القرآن الكريم .
ومن ديدن هؤلاء انهم يحاولون ان يحولوا الكلمات الرسالية في القرآن الى كلمات رجعية متخلفة من خلال البحث في القرآن عن الآيات التي وردت بشأنها تفاسير مختلفة ، والتمسك بها وجعلها شعارا لهم في حياتهم ، في حين ان القرآن الحكيم يقول :
«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَاُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ » ( آل عمران / 7 )
ففي قلوب هؤلاء زيغ ، لان القلب المنحرف لا يرى الحياة مستقيمة ، بل يراها منحرفة لان الزيغ يعني الانحراف .
ثقافة تقليد الآباء :
وللاسف فان هناك شعوبا منحرفة متخلفة الثقافة رغم انها تعيش اوضاعا جيدة من الناحية الاقتصادية والمادية ، والسبب في ذلك انها قد ورثت ثقافة رجعية قشرية متخلفة من الاجيال السابقة ، حيث كانت هذه الاجيال متخلفة ورجعية فافرزت ثقافة متخلفة مثلها ، ومازالت هذه الثقافة تتوارثها الاجيال حتى وصلت الى هذا الجيل .
وللاسف فان هذا هو وضع الكثير من الشعوب المسلمة اليوم ، في حين اننا نعيش في هذا العصر وضعا ثوريا ، ويلفنا اعصار التغيير والتطوير ، وتبتلعنا زوابع الاحداث الضاغطة .. فلا مكان في هذا العالم للجامدين ، والعاطلين ، والكسالى .
وهكذا فان الحياة تدفع الانسان للتحرك ، ولا تدعه يسكت ، ولكننا من جهة اخرى نرى اننا قد ورثنا من اجيالنا السابقة ثقافة السكون والسكوت ، بل النعاس والنوم . فهم اموات الاحياء - كما يقول الامام علي ( عليه السلام ) - في كلامٍ له : " ... ومنهم تارك لانكار المنكر بلسانه وقلبه ويده ، فذلك ميت الاحياء " (1) ، ولكن هذه الحياة قد تطورت وتغيرت ، ولو كان آباؤنا احياء الآن لغيروا انفسهم وثقافتهم ، ولكننا مانزال على ذلك الوضع بسبب تلك الرواسب المتوارثة عبر الاجيال . ونحن علينا ان نتخلص من هذه الرواسب مع الاحتفاظ باصالتنا الموجودة في القرآن ، والاحاديث الشريفة ، وفي التاريخ الناصع لبناة الحضارة الاسلامية .
ضرورة العودة الى الينابيع الاصيلة :
ان علينا ان ندرس التاريخ متجاوزين اجيال التخلف ، وهذه المرحلة السوداء المظلمة من حياتنا ، ولنعد بانفسنا الى عصر الائمة ( عليهم السلام ) ، ولنراجع سيرة الرسول الاكرم ( صلى اللـه عليه وآله ) واصحابه وائمتنا ( عليهم السلام ) . فالذي يمتلك القرآن يمتلك هدى ونوراً وضياءً وذكراً وبصيرة ، ويكون في غنى عن الافكار المتناقضة الجامدة الممزوجة بالشرك والضلالة .
ان القرآن ، والسنـة الشريفة ، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) و الصديقين في متناول ايدينا ، ولكن بعض الشعوب فقيرة عاجزة لان ثقافتها الاصيلة الحيوية الحضارية التقدمية التي كان يحملها آباؤهم انعدمت بفعل اجيال التخلف . اما نحن فاننا نمتلك هذه الثقافة ، ونقف اجلالا لاولئك الذين كتبوا هذه الثقافة بدمائهم ، وحافظوا عليها بارواحهم حتى وصلت الينا . وهذه الثقافة هي ثقافتنا الاصيلة ، وهي منهجنا ، وينبوعنا ، والركن الذي نستند إليه .
وهكذا فان ثقافة الانسان المؤمن باللـه واليوم الآخر تنبع من عقله ووجدانه ، ومن رسالة السماء المنـزلة عليه من قبل اللـه - سبحانه وتعالى - ؛ اي من الوحي الالهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
وهذه الثقافة لا تتغير ، وهي الثقافة الاصيلة ، والبصيرة الواضحة . في حين ان هناك ثقافة ماهي إلا افراز لوضع مادي واقتصـادي معين يعيشه الفرد ، وهذه الثقافة قد تكون مغلوطة ، ولكن المشكلة الاساسية ان الثقافة الخاطئة يورثها الآباء للابناء ، ومن الصعب على الابناء التخلص منها .
ونحن بصفتنا مسلمين مؤمنين بالادلة الاربعة ؛ الكتاب ، والسنة ، والعقل ، والاجماع الذي يعكس او يكون طريقا الى فهم الكتاب ، واثبات السنة ، وبلورة العقل ، علماً ان الاجماع ليس دليلاً مستقلاً عندنا بل هو دليل شريطة ان يكون كاشفا عن رأي المعصوم ، وعن القرآن الكريم ، والسنة الصحيحـة ، وإذا كان مبلوراً للعقل وإلاّ فانه
ليس بحجة ، إذا انعدمت منه الشروط السابقة .
وبعد فهذه هي ادلة الاسلام ولم يرد عن فقيه انه قال بوجود دليل آخر ورثه عن آبائه ، بل اننا نمتلك ادلة صريحة على ان الثقافة التي نرثها من اسلافنا دون ان نعرف هل هي صحيحة ام مغلوطة من الخطأ ان نأخذ بها ، ونذعن لها ، ونقبلها بشكل مطلق .
وبناء على ذلك فان علينا ان نعمل من أجل تجديد ثقافة امتنا الاسلامية ، وازالة ما علق بها من الشوائب والرواسب والانحرافات نتيجـة تعاقب الاجيال المختلفة ، ومرورنا بعصور التخلف والجمــود ، وذلك من خلال العودة الى تلك الينابيع الاصيلة والسليمة للثقافة الرسالية .
ثقافة الحياة بين العقل والشهوات
من سمات الثقافة القرآنية انها تفجر طاقات الانسان الكامنة في ذاته ، ومن ابرز هذه الطاقات واسماها طاقة العقل ، فلقد زود الانسان بهذه الطاقة الجبارة وجعلت حجة بينه وبين الله - تعالى -، وهي بحاجة الى ما يستنفرها ، ويبلورها ، والثقافة القرآنية هي التي تفجر هذه الطاقة ، اما الثقافة الجاهلية الماديـة فهي تبرر للانسان جهله ، وعدم استثماره لعقله ، وبذلك نكون بين امرين ؛ بين التفجير والتبرير .
والفـرق بين هذين الامرين هو كالفرق بين الثريا والثرى ، فبينما التفجيـر يجعل الانسان مسؤولاً وفاعلاً مقتدراً ، نرى ان التبرير يجعله خاملاً مهزوماً غير متحمل لمسؤوليته .
الانسان بين حجة العقل وحجة الوحي :
فالعقــل هو صنو القرآن ، فاذا كان القــرآن حجة اللـه الظاهـرة ،
فان العقل هو حجته الباطنة ، واذا كان العقل قرآنا باطنا ، فان القرآن عقل ظاهر ، وبين هاتين الحجتين ؛ حجة العقل ، وحجة الوحي يعيش الانسان مسؤوليته ، وفي هذا المجال روي ان الامام الرضا ( عليه السلام ) سئل عن الحجة ، فقال ( عليه السلام ) : العقل . كما وأكد الامام الكاظم ( عليه السلام ) في وصيته لهشام على ان العقل حجة ، وان ذوي العقول هم الذين يعرفون ائمتهم ، وقدواتهم ، ويعرفون بالتالي حظهم ودورهم في الحياة ، اما الذين لايعقلون فهم لايعرفون الحجة عليهم . (1)
وعلى هـذا فان العقـل هــو الجانب الاخر للحجة نفسها ، فللـه - تعالى - الحجة البالغة على خلقه ، وبها يفند - تعالى - كل تبريرات الناس بعدم علمهم ومعرفتهم ، وهذه الحجة هي العقل الذي يستمد النشاط والفاعلية من الوحي والبصيرة القرآنية ، وبذلك يصل الى الحقائق في اسـرع وقت ممكن ، وعن هؤلاء يقول النبي ( صلى اللـه عليه وآلـه ) : " علماء امتي كأنبياء بني اسرائيل " (2) وفي نفس المعنى يقول رسول اللـه (صلى الله عليه وآله) : " حلماء علماء كادوا من الفقه ان يكونوا انبياء " (3) .
استثارة العقل بالقرآن :
والفرق بيننا وبين هؤلاء العلماء انهم استثاروا عقولهم بالقرآن ، وبلوروها بآياته الكريمة ، ولذلك فعندما يتفتح العقل فانه يخرق الحجب التي تفصل بينـه وبين الحقائق ، فينفذ علمه الى كل خبيئة من خبايا الكون ، اما اذا كان العقل مغلفا بستار كثيف من الاهواء والشهوات ، وبركام من الضلالات والخرافات والاخيلة الباطلة فان هذا العقل لا فائدة ترجى من ورائه .
ان القرآن والكتب السماوية على عظمتها وسموها و فوائدهـا الغزيرة تصبح كالاسفار الموضوعة على ظهر الحمار كمـا يصرح بذلك - تعالى - في قوله : « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً » ( الجمعة / 5 ) ، فما يستفيده هؤلاء من الكتب السماوية التي بين ايديهم هو بنفس المقدار الذي يستفيده الحمار من الكتب المحملة على ظهره ، وذلك لان ابصارهم عليها غشاوة ، وان اللـه قد طبع على قلوبهم فهم لا يعقلون .
الثقافة الحية مرهونة بتفجير الطاقات العقلية :
فلكي نحصل على الثقافة الحية علينا ان نفجر الطاقات العقلية في انفسنا، فالمهم ان نزداد علماً وفهما وتعقلاً لا ان نكدس المعلومات في اذهاننا : " وليس العلم بكثرة التعلم انما هو نور يقذفه اللـه في القلب من يريد أن يهديه " (1) ، وقد روي عن رسول اللـه ( صلى اللـه عليه وآله) أنه قال : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللـه .. وقـــال ( صلى اللـه عليه وآله ) : أن لله عباداً يعرفون بالتوسم ثم قرأ هذه الآية وهي قول اللـه تعالى : " ان فـي ذلك لآيات للمتوسمين " . وري عن أبي عبد اللـه ( عليه السلام ) أنـه قــال نحن المتوسمين والسبيل فينا مقيم والسبيل طريق الجنة ( وانها لسبيل مقيم ) (2) .
ونور اللـه هو العلم والقرآن ، فالمؤمن عندما ينظر الى شخص ما مجرد نظرة فانه سيحمل فكرة عنه وعن طبيعته دون ان يكون في حاجة الى ان يراجع علم النفس والاجتماع .
فالعلم الحقيقي - اذن - ليس هو المعلومات المخزنة في الكومبيوترات ، بل هو علم يقذفه اللـه في قلب من يشاء ، فالفرق بينهما ان الاول هو مجرد تخزين معلومات ، اما الثاني فهو تفجير للطاقات ، فالانسان عندما لا يفجر طاقة العقل في ذهنه فانه سيصبح بمثابة مكتبة لخزن العلم .
فالمطلوب - اذن - ان نستنفــر طاقة العقــل الكامنـة في النفــس
واستثارة دفائنــه من خلال القرآن ، واذا ما تم ذلك فاننا نكون قد وصلنا الى مرتبة العلمــاء الربانيين فالناس - كما يصرح بذلك الحديث عن الامام علي ( عليه السلام ) حيث يقول : " كميل احفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع . (1)
والعالـم الرباني يكتسب علمه من اللـه - تعالى - ، والقرآن الكريــم يوضح لنا ان اولئك الناس الذين اتخذوا القرآن هزوا انما اتخذوا موقفهم هذا لانهم لا يستثيروا دفائن عقولهم :
«وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللـه رَسُولاً » ( الفرقان / 41 ) .
فعقول هذا النمط من الناس ذات تفكير سطحي ، فهم يزعمون ان الرسول المرسل من قبل اللـه - تعالى - يجب ان يتمتع بقدرات خارقة لا توجد في سائر البشر ، في حين انه انسان كسائر الناس ، والفرق بينه وبينهم انه يحمل هدى اللـه ، ولكنهم لا يقدرون قيمة الهدى والعلم .
والسؤال المطروح هنا هو : لماذا اتخذ هؤلاء هذا الموقف المعارض والمتهور من رسول اللـه ؟
الجواب ، لانهم لم يعقلوا ؛ اي ان طاقة العقل ظلت معطلة في نفوسهم كما يصرح بذلك - تعالى - في قوله :
« أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً » ( الفرقان / 44 )
فانفسهم هي في الحقيقة انفس حيوانية ، وعلينا نحن ان نحذر من الانزلاق الى هذه العاقبة السيئة .
ما هي الثقافة الجحيمية :
والثقافة التي تحرك الانسان في هذا الاتجاه هي الثقافة الجحيمية ، فما هي يا ترى هذه الثقافة ، وكيف نتحرر منها ؟
ان أهم شيء يلزم الانسان لكي يحرك عقله هو انه لابد ان يقتحم العقبة ؛ اي ان تلملم ارادتك ، وتشحذ عزيمتك ، وتوحي بالشجاعة الى نفسك ، ثم تقتحم قلب المعركة ، وهذه اللحظة التي تدخل فيها المعترك هي لحظة الحياة ولحظة المصير بالنسبة اليك ، فلحظة الارادة هي تلك التي تقرر فيها ان تكون مؤمنا ، وان تخالف جميع اهوائك التي تحول دون رؤيتك للحق ، والعمل به .
السبيل الى اقتحام العقبة :
وفي كثير من الاحيــان نرى انفسنــا بين الحق والباطــل ولكننــا
نغمض عيوننا لننجرف مع الباطل ، فاذا قرر الواحد منا في لحظة من لحظات حياته قرارا نهائيا بان يكون مع الحق ، وان يدفع ثمنه مهما كان غاليا ، فاننا نكون قد اقتحمنا العقبة التي اشار اليها - تعالى - في قوله : «فَلاَ اقْتَحَـمَ الْعَقَبَةَ » ( البلد / 11 ) التي اراد منها معنى فك الرقبة ، او اطعام في يوم ذي مسغبة ؛ اي التضحية والبذل ، وايثار الاخرين على النفس .
فالعقبــة هنا هي في الحقيقة النفس التي يجب ان نقتحمها ونتغلب عليها ، والمطلوب هنا ان نقاوم هذه النفس ، فاذا خرج الانســان من اطار الهوى ، ودخل اطار التقوى فقد اقتحم العقبة هذه ، ولذلك يقول - تعالى - : « أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَاَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً » ( الفرقان / 43 ) ، اي ان النبي الاعظم (صلى اللـه عليه وآله) ليست لديه القدرة على ان يصبح وكيلا عن من اتخذ من نفسه وهواه الها ، فهو ( صلى اللـه عليه وآله ) شفيع لمن لا يشرك باللـه ، ومن كان صادقا في ايمانه .