ضرورة وجود القائد الديني : ج - ان مثل هذه الحركات لابد ان تنحرف ، فان لم تنحرف ايديولوجياً ، فلابد ان تصاب بانحرافات اخرى من مثل الانحرافات الاخلاقية والسياسية بالانعدام وجود من يحول دون وقوع هذه الانحرافات فيها ، فاذا كانت هذه المنظمة او الحركة تمتلك رجلاً واحداً عارفـاً بالاسلام معرفة كاملة وعميقة ، ومحيطاً بجوهر هذا الدين من خلال الاستنباط والاجتهاد ، لما تعرضت الى تلك الانحرافات ، ولما نظرت الى الاسلام هذه النظرة المنحرفة المغلوطة . ان وجود مثل هذا الرجل يشبه وجود الامام في عصره ، وقد أمرنا الائمة ( عليهم السلام ) ان نعود اليه ولايهم ما اذا كان هذا الرجل المتكامل الشخصية معروفا ام مجهولا ، لان وجوده ضروري شريطة ان يكون متصفا بالصفات التالية : 1 - فهم الاسلام فهما عميقا من خـلال درك جـوهر هذا الدين الحنيف ، وقيمه ، وتأريخه ، وكتابه ، وسنته . 2 - ان يكون هذا الشخص منتمياً الى أوساط الجماهير لان الانتماء الجماهيري يحصن الحركة من الانحراف ، اما الاشخاص الذين يعتزلون الجماهير ويعتقدون ان الجماهير لاتفهم شيئاً ، ويحاولون ان يتسلطـوا عليهـا فانهم سوف يتعرضون الى الانحـراف . ان الحركة الناجحة هي تلك التي تنبع من الجماهير ، وتتخذ من هذه الجماهير قاعـدة لها ، وفي الحقيقة فان هذا هو ما فعله الانبياء ( عليهم السلام ) في حركاتهم من أجل تحقيق الاهداف الالهية ، فهم انما بعثوا الى الناس لان وجودهم مع الانسان القيادي ضمان لعدم انحرافه ، لانهم يكونون اوصياء عليه كما يكون وصيا عليهم ، فهم يتواصون مع بعضهم لمعرفة الطريق القويم . المادية سبب انحرافنا : وهكذا فان الانحراف في بلادنا موجود وقائم ، ويتمثل هذا الانحراف في ابتعادنا عن الاسلام مـن جهة ، وتشبعنا بالثقافة الغـربيـة هذه الثقافـة الدائرة على محور المادية العمياء من جهة اخــرى . ان هذه المادية تتجسد في انكار اللـه - تعالى - ، وتكذيب رسالاته ، وارادة الانسان وقدرته ، وللاسف فان الظروف المواتية لهذا الانحراف موجودة في بلادنا بسبب الجهود المتواصلة التي يبذلها الغرب والشرق في بلادنا من اجل زعزعة عقيدتنا واضعاف ايماننا بالاسلام والرسالات الالهيــة . وهذه الجذور تتحول مرة الى حزب البعث ، ومرة الى الاتحاد الوطني الاشتراكي ، واخرى الى منظمة مجاهدي خلق الماركسـية الملبسـة بثوب الاسلام ، واخرى ايضا الى المذهب القادياني او المذهب البهائي ، ومختلف الاحزاب التي تـحاول ان تختلق نظريات زائفة وملفقة من الاسلام ، ومن الافكار الغريبة عنه . ولكـي لا تتكرر فينا هذه التجارب المنحرفة ، ولا تذهب دماؤنا وتضحياتـنا هدراً ، فان علينا ان نقص تلك الجذور الفاسدة ، ونطهر بلداننا من حالة انعدام الوعـي الصحيح والسليم بالاسلام ، لننشر في مقابل ذلك الوعي الصحيح بالاسلام ، لا ان نروج للوعي القشري الذي يصنع ارضية الانحراف عن المبادىء الاسلامية الاصيلة ، ولا ذلك الوعي اللقيط الذي يبتعد عن روح الاسلام ، وعن قيمه ، وغيبية الرسالات السماوية . وبذلك وحده نستطيع ان نضمــن لبلادنا العودة السليمة الى الاسلام الصحيح في صفائه ونقائه باذن اللـه - تعالى - .
ثقافة الحياة ؛ خصائصها وأسسها
فــي هذا الفصل نتحدث عن الثقافة التي اسميناها بـ " ثقافة الحياة " ، ومـن أبـرز ميزاتها انها ثقافة العمل والعطــاء والتضحيـة ، فـي حين ان " ثقافـة الموت " هي ثقافة الانانية ، والاخذ دون العطاء ، وبالتالي هي ثقافة الاعتداء على حقوق الاخرين . ثقافة الحياة هي ثقافة البذل والعطاء : وثقافـة الحياة هي كل ثقافة تدفعك نحو العطاء والتضحيـة والعمل ، و تعلمك مكارم الاخـلاق ، وفي المقابل فان ثقافة الموت هي التي تدفعــك نحو التمحور حول الذات ، والتفكير في نفسك دون الاخرين . وفي الحقيقة فان الذين يتعودون على الاخذ ، وينصب تفكيرهم على جعل الاخرين يحترمونهم اكثر ، وعلى كيفية الاشتهار في الساحة ، هؤلاء سوف يبلغون درجة من الانانية بحيث لا ينفع معهم نصح ولا وعظ وارشاد . وقد كان الرسول ( صلى اللـه عليه وآله ) قد عود الناس من حوله على ثقافة العمل والعطاء ، ولذلك كانوا يتحلقون حوله ( صلى اللـه عليه وآله ) وحينما يستمعون اليه وهو يحدثهم عن فضيلة او عمل صالح كانوا ينبثون من حوله في الفور ، وعندما كانوا يسألون عن سبب تفرقهم اثر استماعهم الى توجيهات النبي ( صلى اللـه عليه وآله ) كانوا يقولون : لكي ننفذ ما قال . وكانت الآية الكريمة حينما تنزل على النبي (صلى اللـه عليه وآله) يطلقها في الساحة فتكون بمثابة الصاعق الذي يفجر طاقات الامة ، ويحرك ضميرها ، وكأن كلماته بلاغ عسكري ، هكذا كان حال المسلمين الاوائل ، كانوا يهتمون بالايات القرآنية ، وعلى سبيل المثال حينمـا نزلت آية حرمت الخمرة ، فاضت طرقات المدينة بالخمرة ، فكان كل واحد منهم يأتي بخمرته ليهرقها في الشارع . بهذا الاسلوب كان المسلمون يطبقون تعاليم الاسلام ، ومضامين الآيات القرآنية ، ولذلك جاء في القرآن الكريم : «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً » ( الفرقان / 32 ) «وَقُرْءَانــاً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيــلاً » (الاسراء / 106 ) . وترتيل الآيات القرآنية كان هدفه تثبيت هذه الايات في قلوب المسلمين ، وتكريس مضامينها ، وتحولها الى ادوات عمل . ثقافة الموت ثقافة الأخذ دون العطاء : هذه هي سمات ثقافة الحياة ، في حين ان ثقافة الموت تجعل الثقافة هدفـاً بحد ذاته ، فتسلب من الانسان القدرة على العطاء ، وتجعله مصداقا لقول النبي ( صلى اللـه عليه واله ) : " عالم بلا عمل كشجرة بلا ثمر "، وهكذا تنتهي هذه الثقافة بالانسان الى ان يكون انانياً ذاتيـاً ، يتاجر بعلمه . كيف نميز بين ثقافة الحياة وثقافة الموت ؟ وهنا يتبادر الى الاذهان السؤال المهم التالي : كيف يمكن ان يميز الانسـان بين تينك الثقافتين ؟ ، الاجابة على هذا السؤال تأتي من خلال الأخذ بنظر الاعتبار أمرين مهمين : الاول : ينبغي ان يكون الهدف من الاهتداء الى الثقافة عبر العلم والدراسة واضحا ، فقبل كل عمل وخصوصا التعلم لابد ان الانسان هدفه حتى قبل ان يقرأ كتاباً واحداً ، او يكتب سطـراً واحداً ، و قبل ان يدخل قاعة الدرس لابد وان يجعل نصب عينيه ان الذين استهدفـوا من وراء العلم الحصول على مغانم ومكاسب مادية لم يفلحوا ، وان الذين اتخذوا من البدء العلم وسيلة للكمال الروحي ، والتقرب الى اللـه - تعالى - فانهم هم الذين هداهـم اللـه للعلم النافع ، ووفقهم للعمل الصالح ، وجعل عاقبتهم خيرا . ويكتسب هذا الموضوع اهميته من ان فساد العالِم هو بمثابة فساد العالَم فعن رسول اللـه ( صلى اللـه عليه وآله ) قال : " صنفـان من أمتي ان صلحا صلحت أمتي ، وان فسدا فسدت أمتي ؛ قيل يا رسول اللـه ومن هما ؟ قال : الفقهاء والأمراء " (1) ، وعلى هذا فــان من الضروري جداً ان يطرح طالب الثقافة على نفسه السـؤال التالي : ما هو هدفي من طلب الثقافة ؟ فيبلور بذلك هدفه ، ويحدده بوضوح . القرآن دواء جميع امراضنا : الثانـي : ويتمثل في القرآن ، فهو الحل لكل المشاكل التي نعيشها ، فنحن بشر وافكارنا تتقولب حسب المحيط الذي نعيش فيه ، وكثيرا ما يكون المحيط الاجتماعي الذي نعيش فيه فاسدا ، وامامك هذا الواقع الذي تعيشه الامة الاسلامية ؛ فلنسأل انفسنا ؛ هل هذا العدد الهائل من الكتب والصحف والمجلات والمؤسسات الاعلامية صالح ام فاسد ؟ الموجهون الاجتماعيون صالحون ام فاسدون ؟ القصص التي غذينا بها منذ الطفولة هل كانت كلها قصصا صحيحة ، وهل اوحت الينا بأفكار سليمة ؟ اذن نــحن نعيش في بيئة تتماوج بأفكار مختلفة بعضها صحيح والاخـر سقيـم . والســؤال المهم هنا هو : كيف نحصن انفسنا من الافكار الضارة ؟ ، والجواب نجده في القرآن الكريم ، ولكن مشكلة الانسان المسلم انه يتعامــل مع القــرآن كما يتعامل مع اي كتاب آخر ، في حين ان النبي ( صلى اللـه عليه واله ) يقول : " فضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللـه على خلقه " (1) . فلنعد الى القرآن الكريم : ونحن نتساءل ؛ أليس من الجفاء ان لا نقرأ القــرآن ، واذا قرأنـاه لا نـحاول ان نفهمه ونتدبر آياته ، اليس من الجفاء ان يدعونا الخالق - تعالى - الى تدبر القرآن ثم لا نستجيب لدعوته ؟ «أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ » ( محمد / 24 ) بماذا نجيب الخالق - تعالى - عندما يحتج النبي ( صلى اللـه عليه وآله ) علينا قائـلاً : «رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَــذُوا هَــذَا الْقُــرْءَانَ مَهْجُـوراً » ( الفرقان / 30 ) ، فلنحذر من ان نجعل القرآن خصمنا يوم القيامة امام اللـه تعالى . ان التدبر في القرآن يمثل بالنسبة الى المثقف اكثر من ضرورة واكثر من مجرد واجب ، لان ضلالة الانسان المثقف اشد واكثر تأثيرا من ضلالة الانسان العادي ، لان ضلالة الاول ستؤدي الى ضلال الاخرين . دور القرآن في تكوين ثقافة الانسان المؤمن : ان القـرآن يعتـبر بالنسبة الينا منظارا للرؤية الصائبة ، ومنهاجاً للتفكير السليم ، فهو ليس مجرد معلومات بل هو منهاج قبل كل شيء ، فالقرآن يلعـب الدور الاكبر في تكوين ثقافـة الانسان المؤمن ، ويمكننا ان نوضــح هذا الدور في ثلاث نقاط على سبيل المثال لا الحصر : 1 - ان القرآن الكريم يمثل اداة لرؤيتنا ، فنحن ننظر الى العالم من خلال هذا الكتاب ، وهذا هو معنى مصطلح " البصائر " او هو احد معانيه ، فالقرآن يحدد لك كيف تنظر الى الطبيعة على سبيــل المثال ، في قوله تعالى : « الَّذِيـنَ يَذْكُرُونَ اللـه قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَــى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّــرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَــا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَــا عَذَابَ النَّارِ » (آل عمران/191) فعندمـا ننظر الى الطبيعة لابد ان ننظر اليها عبر هذا الاطار الفكري ، فالكون هو آية اللـه ، ومجلى لاسمائه الحسنى ، ونحن عندما ندرس الثقافات المختلفة يجب ان نجعل من القرآن اطاراً لدراساتنا هذه . 2 - لقد بين القرآن كثيرا من السنن والقوانين الالهية في الكون ، ونحن نقرأ القرآن لكي نفهم هذه السنن ، وبالتالي لكي نفهم الحياة بعمق . 3 - ان القرآن الكريم يصنع شخصية الانسان ، فنحن حينما ننظر الى الطبيعة فانها سوف لا تستفزنا ، وتدعونا الى ان نغتر بها ، ولذلك فان تقييمنا لهذه الطبيعة ، وللظواهر الاجتماعية ، والمجتمع انما هو تقييم عادل لان القرآن هو الذي عودنا على هذه العدالة . «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً » ( الاسراء / 36 ) «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » ( الزمر / 18 ) وعلى هذا فان القرآن هو منظار للرؤية ، وسنة للحياة ، وبالتالي اصلاح للانسان لكي تكون رؤيته وثقافته في الحياة صائبتين .
بين ثقافة الحياة وثقافة الموت
كما ان قانـــون الموت والحياة يسري على المظاهر المختلفة في الحياة والكون ، فانه يسـري ايضا على الثقافة ، فهي الاخرى من الممكن ان تكون حية ، ومن الممكن ان تكون ميتة ، فثقافة الحياة هي التي تتفاعل مع سائر اجزاء الحياة ، في حين ان ثقافة الموت هي التي تعيش في عزلة من هذه الحياة . ثقافة الحياة : فثقافــة الحياة هي التي تتحول الى سلاح بيدك تتحدى به الاعـداء ، وتقهر به اولئك الذين يريدون سلب استقلالك ، بينما ثقافة الموت هي التي تجعلك تابعا للاخرين ، وتفقدك استقلالك وارادتك وحيـويتك ، فليس كل ما يدخل ذهن الانسان ، وكل ما يسطر في الكتب علماً ، بل قد يكون كل ذلك جهلاً رغم ظاهره العلمــي ، ولذلك ينبغي على الانسان ان يضع تحت تصرفه مقياســاً دقيقاً لمعرفة ما يجب ان يستوعبه ، وما يجب ان يرفضه . ولقد قرأت ان في جهاز المخابرات الاميركية قسما خاصا هدفه فرض الثقافة الاميريكية على العالم وعلى الشعوب النامية بالذات ، ولخطورة وأهمية هذه المؤسسة فانها تتصل مباشرة بالامن القومي في الولايات المتحدة ، وتتمثل مسؤوليتها في نشر الكتب ، والمجلات وبث الافكار الجهنمية على نطاق واسع من العالم من خلال اجهزة الفيديو ، والافلام السينمائية ، والاذاعات المختلفة والصحف ، وهذه الثقافة التي تبثها اجهزة الاعلام هذه هي ما نعنيه بثقافة الموت ، وثقافة التبعية والتبرير . فهذه الثقافة تقول للانسان في البلدان النامية ؛ لا تحرك ساكنا حتى نأتي ونستعمرك ، ومثل هذه الثقافة هي الثقافة الرجعية التي تكرس تخلف الامة ، وتبعدها عن السياسة ، وتحاول ان تفصل بين الدين والسياسة ، في حين ان الثقافة الحقيقية هي الثقافة المرتبطة بكل مجالات الحياة ، وهي نوع من الصراع مع الجاهلية ، والمحاربة للكفر والالحاد ، فهي ترى ان كل شيء من هذا النوع هو سياسة ، ومشاركة في صياغتها . حقيقة الثقافة القرآنية : ان الثقافـة الرجعية هي ثقافــة الموت والتخدير ، وفي مقابل هـذه الثقافة تقف الثقافة القرآنية التي تأمرك بأن تزيد من معلوماتك ، وتكتسب ثقافة واسعة متنوعة من خلال السير في الارض : «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور » ( الحج / 46 ) ، وقد اطلق الخالق تعالى نداءه هذا قبل اربعة عشر قرنا حيث لم تكن وسائل النقل والاتصالات المتطورة ، وحيث كان الناس يستخدمون الدواب في هذه العملية ، فما اولانا بان نطبق مضمون هذه الاية ونحن نعيش هذا العصر الحافل بالتكنلوجيا المتطورة . فـاذا اردت ان تكتسب الثقافة فان هذا لا يعني ان تجلس في غرفة مغلقة ، وتضع امامك مجموعة كتب لتدرسها ، بل عليك ان تسير في الارض ، وان تتفاعــل مع الحيـاة ، وحينئــذ يهديــك اللـه السبيـل : «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا » (العنكبوت/69) وهذه الآية وعشرات الآيات الاخرى تؤكد على ان الانسان انما يهتدي بالعمل الصالح ، والجهاد في سبيل اللـه ، ومقاومة الطغاة ، وبعبارة اخرى ان يتزود بثقافة الحياة والاستقلال لا ثقافة التبعية ، وبثقافة الحرية لا ثقافة الخنوع والخضوع والاستسلام للجاهليين . وتنتشر في العالم اجهزة عديدة تبث ثقافة الدمار والتبعية والذلة ، فهي كلها تبث روح التبعية في العالم الثالث ، وشعوبنا تعيش المزيد من التبعية والذلة بسبب وقوعها تحت تأثير تلك الاجهزة الاعلامية . السبيل الى مواجهة ثقافة الموت : وفي مقابل كل تلك الثقافات والاجهزة الدعائية لها لابد ان تكون هناك مؤسسات اخرى يكون هدفها نشر الثقافة الصحيحة التي نحن احوج ما نكون اليها ، والتي نستطيع من خلالها مواجهة تلك الافكــار ، فنتحدث بالسياسة والاقتصـاد والاجتمــاع بما اراد الله - تعالى - ؛ فعلينا ان نوحّــد هذه المؤسسات وحينئـذ سنـرى كيف ان الثقافـات الاخــرى ستتهاوى وتزول . ومن الطبيعي اننا لا نستطيع ان نحمل الثقافة القرآنية ونستوعبها إلاّ عندما نعرف نقاط الضعف في الثقافات الاخرى ، وعلينا ان نحدد الامراض التي تعاني منها هذه الثقافات لانها ثقافات مريضة ، ولانها تتبع اساليب خفية وماكرة في إمراض الاخرين . فلابـد لنا - اذن - من ان نعرف اساس وركائز الاعلام الغربي ضد بلادنــا ، وان نحيط علما بانها تتحدث انطلاقاً من مخطط خبيث جهنمـي ، فحتى الكلمات يختارونها اختياراً دقيقاً ، واذا نحن لم نعرف كيف يخططــون فلا نستطيع مقاومتهم ، بل من الممكن ان نصبح اداة لهم ، فالكثير من المسلمين يبثون - من حيث لا يشعــرون - ثقافــة الغــرب او الشـرق ، بــل ويتبنونـهـا ، ويعتقدون انها هي الاسلام . ولقد طالعت بعض الكتب ، قسم منها ألّفها مسلمون متدينون حول الاقتصاد الاسلامي مزجوا فيها بين الاقتصاد الاسلامي والرأسمالي ، وهناك من يدّعي ان الاقتصاد الاسلامي هو اقتصاد اشتراكي ، بل ان هناك من يزعم ان الاسلام يتبنى النظرية الداروينية ! ولذلك نؤكد اننــا اذا لــم نعرف طبيعـة الثقافــة الجاهلية ، والمطبات الموجودة منها فاننا سوف نعجز عن مكافحة هذه الثقافة بل وسوف نقع في شراكها ، ولذلك على علمائنا ومثقفينا ومفكرينا وطلبة العلوم الدينية ان يستوعبـوا آيات القرآن الكريم ، والروايات الشريفة والادعية المأثــورة ، لانها تمثل اساس واطار ثقافتنا ، كما ينبغي علينا في نفس الوقت ان نبحث في الثقافات الغربية ، لنحدد امراضها ثم لنقاومها ، لكي يكون بمقدورنا تزويد الناس بالثقافة الاصيلة ، الثقافة التي تدعو الانسان الى العمل والسعي والنشاط ، ومقاومة الظالمين . هذه هي ثقافـة القرآن الكريم ، الثقافة التي تحث الشعوب على النهوض ، وتمنحها الثقة بأنفسها ، والثقة بالتغلب على القوى الجاهلية ، ومن خلال التسلح بهذه الثقافة نستطيـع التعرف على ما يجري حولنا ، وتشخيـص امراض الثقافة وما يقابلهــا من الافكـار السليمة ، لكي يكون بمقدورنـا حمل رسالة الاسلام والعلــم الى هذا العالـم .
بين ثقافة الحياة وثقافة الجمود
ثقـافة الانسان افراز وانعكاس عن أمرين متناقضين ؛ فهي من جهة تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للانسان ، ومن جهة اخرى تعبر عن الواقع القيمي والمعنوي والعقلي للبشر . وكما ان الانسان يخضع في حياته لمؤثرات الطبيعة والاقتصاد وعوامل البيئة ، والظروف السياسية ، والاوضاع الاجتماعية .. فان ثقافته تخضع هي الأخرى لتلك المؤثرات والعوامل . والثقافة التي تعكس الواقع المعنوي للبشر ؛ والثقافة المنطلقة من قواعد العقل ، ومناهج البصيرة ، ووحي الرسالة ، لا تتغير عبر العصور . فهي دين اللـه الذي انزل على أبي البشـر و أول الانبياء ، وهي دين اللـه الذي اختــاره للبشريـــة ، وهي - بالتالي - الاسلام الذي انزل على كل الانبياء والرسل ، ولكل البشر عبر جميع العصور . فهي فطرة الانســان وعقله وضميــره ووجدانه الذي لايتغيــر . اما الثقافة التي تعكس الواقع المادي للبشر ، وتعبر عن اقتصاده واجتماعه وسياسته ، فانها تتغير حسب الظروف . فليست سواء الثقافة التي هي افراز لواقع الاقطاع والرأسمالية او الاشتراكية في الاقتصاد ، كما ليست سواء تلك الثقافة التي هي افراز عن واقع الدكتاتورية او الحرية في عالم السياسة ، وكذلك ليست الثقافة التي تعكس الوضع الحضاري للانسان عن تلك التي تعكس الوضع المتخلف والجامد للبشر . ثقافة التحضر وثقافة الانحطاط : ونحن لو نظرنا الى ثقافة العرب قبل الاسلام ، وقارناها مع ثقافتهم بعد مجيء الاسلام وانتشارهم في آفاق الارض ، وقيامهم بالفتوحات الهائلة ، وبنائهم تلك الحضارة التليدة .. لوجدنا انهما كانتا مختلفتين تمام الاختــلاف من حيث المضمون والمحتوى ، ومن حيث الاطار والاسلوب ايضـاً . وهكذا الحال بالنسبة الى ثقافة الانسان الاوروبي قبل سبعة قرون فانها تختلف اختلافا واسعا وكبيرا عن ثقافته قبل قرنين ، وعن ثقافته الآن . ونفس الحكم يمكن ان نصدره على ثقافة الامة الاسلامية قبل ثمانية قرون فانها تتباين عن ثقافتها قبل سبعة قرون ( اي قبل وبعد الاجتياح التتري والمغولي للبلاد الاسلامية ) ؛ فالثقافة الاولى كانت ثقافة الحيوية والانطلاق ، ثقافة الابداع والبناء ، ثقافة التعاون والتلاحم ، والعمل والاجتهاد .. والثانية كانت ثقافة الارهاق ، والتقاعس ، والتدابر ، وبالتالي فانها اصبحت تعكس واقعهم . والثقافة تؤثر في الفرد تأثيرا بالغا حيث تضفي عليه صبغة معينة ؛ فالانسان النشيط الذي يندفع في كل مجالات الحياة بحيوية بالغة تكون له صبغته التي تؤثر في حركاته وسكناته وملامحه التي تميزه عن ذلك الانسان المتخدر النائم . التفسير حسب نوع الثقافة : ونحن عندما نستخدم مصطلح ( الثقافة ) فاننا لانقصد الكلمات والتعابير ، لانها قد تكون واحدة او متشابهة . بل نقصد مفهوما آخر هو نوعية تلقي الانسان للافكار ، وكيفية تفسيره للاحداث . فالفكرة الواحدة تعني عند انسان شيئا ، بينما تعني عند انسان آخر شيئا مغايرا . وعلى سبيل المثال فان الحديث المعروف : " اتق شر من احسنت إليه " يفسر تفسيرين ؛ التفسير الاول يقول ان على الانسان ان يتقي شر الآخرين من خلال الاحسان اليهم ؛ اي انك كلما احسنت الى الآخرين اكثر كلما تجنبت اذاهم ، وابتعدت عن شرهم ، وضمنت السلامة لنفسك منهم . والتفسير الثاني يقول : انك إذا احسنت الى انسان فان هذا الذي احسنت اليه سوف ينقلب الى عدو يفترسك ، ويحطمك ، فاتق شره بأن لا تحسن إليه . وهكذا الحال بالنسبة الى الآية القرآنية التي تقول : «وَلاَ تُلْقُواْ بِاَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » ( البقرة / 195 ) ، والذي يظهر تفسير هــذه الآية قوله - تعالى - في صدرها : «وَأَنْفِقُوْا فِي سَبِيلِ اللـه ... » ( البقرة / 195 ) ؛ اي انكم اذا انفقتم في سبيل اللـه ، واعطيتم فحينئذ سوف تتجنبون الهلاك . أما التفسير الآخر فيقول ان على الانسان ان يجلس في بيته ، ويتجنب الاخطار ، لان الواجب عليه ان يحفظ نفسه من كل الاخطار ، ولا يلقي بنفسه في التهلكات . فلا يجاهد ، ولا يقول كلمة الحق عند امام جائــر ، ولا يحارب احداً لان الدخول في الحرب يعني القاء النفس في التهلكة ، كما يعني اقتحام ميدان العمل السياسي والعمل الاجتماعي والاصلاحي .. تعريض النفس للاخطار . وهكذا تختلف التفاسير في حين ان الكلمة واحدة ، ذلك لان تلقي الانسان للكلمة يختلف عن تلقي الآخر ؛ فبينما يتلقى حامل الثقافة الحيوية الرسالية كلمة ( اتق شر من احسنت اليه ) بمضمونها الحضاري ؛ اي اعط من نفسك ، وتنازل عن حقوقك من أجل الآخرين ، وعش من أجلهم .. نرى صاحب الثقافة الجامدة المتخلفــة الفردية الضيقة الافق يفسرها تفسيرا سلبيا على ضوء ثقافتــه . ونفس الشيء يمكن ان يقال عن تفسير هذين الفردين للاحداث والمتغيرات ، فبينما نرى صاحب الثقافة الحضارية الرسالية يفسر كل حدث بواقعية ، ويلقي الضوء على الجوانب الايجابية منه . نجد الآخر يفعل العكس من ذلك تماما ، فلا يرى إلا الجوانب السلبية للحدث . فهو يرى العدم ولا يرى الوجود ، ولا يرى الملايين من النعم التي تتوافر عليه من اللـه - سبحانه وتعالى - ، وحتى إذا نقصت شعرة من شعرات رأسه فانه يحول هذا النقصان الى صحراء من الظلمات يعيش داخلها ، ويجعل هذا النقص قناة و وسيلة لرؤية كل النواقص الأخرى في الحياة . وهناك في هذا المجال قصة طريفة معبرة تقول ان مفسرين للاحلام فسراً رؤيا رآها الملك تفسيراً واحداً ، ولكن بلغتين وتعبيرين مختلفين احدهما اعدم ، والآخر استلم جائزة من الملك ، وكانت الرؤيا تتمثل في ان الملك رأى في المنام ان اسنانه تساقطت كلها ، فقال المفسر الأول للاحلام : ان هذا يعني ان اقاربك سيموتون كلهم ، فاستنكر الملك هذا القول ، وامر جلاديه بضرب عنقه ، اما المفسر الآخر فقد قال : ابشر ايها الملك فان عمرك سيكون اطــول من عمر اقاربك ، فما كان من الملك إلاّ أن أمر لــه بجائــزة ! وهكذا فان الثقافة هي الظرف الذي يستقبل الافكار ، كما يستقبل متغيرات الحياة وحوادثها ، ويلونها جميعا بلونــه ؛ فان كان ذلك الظرف نظيفا شفافا جعل كل تلك الافكار والحوادث نظيفة شفافة ، وان كان وسخا مليئا بالجراثيم فان انظف الافكار ستتحول فيه الى افكار سلبيــة . محاولات مشبوهة : ومن المعلوم ان البشرية لا تمتلك عبر تاريخ الثقافات ثقافة حيوية نقية كالثقافة الاسلامية الموجودة في القرآن الكريم ، ومع ذلك فاننا نجد بعض التفاسير تحاول ان تلحق بالقرآن كلمات من شأنها ان تغيــر مفهومه ، ومن امثلة ذلك ان البعض يفسر قوله - تعالى - : « وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ » ( الاحزاب / 25 ) من خلال اضافة كلمة ( شر ) الى القتال ، في حين ان هذا الشر لا يوجد إلاّ في قلوبهم وافئدتهم لا في القرآن الكريم . ومن ديدن هؤلاء انهم يحاولون ان يحولوا الكلمات الرسالية في القرآن الى كلمات رجعية متخلفة من خلال البحث في القرآن عن الآيات التي وردت بشأنها تفاسير مختلفة ، والتمسك بها وجعلها شعارا لهم في حياتهم ، في حين ان القرآن الحكيم يقول : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَاُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ » ( آل عمران / 7 ) ففي قلوب هؤلاء زيغ ، لان القلب المنحرف لا يرى الحياة مستقيمة ، بل يراها منحرفة لان الزيغ يعني الانحراف . ثقافة تقليد الآباء : وللاسف فان هناك شعوبا منحرفة متخلفة الثقافة رغم انها تعيش اوضاعا جيدة من الناحية الاقتصادية والمادية ، والسبب في ذلك انها قد ورثت ثقافة رجعية قشرية متخلفة من الاجيال السابقة ، حيث كانت هذه الاجيال متخلفة ورجعية فافرزت ثقافة متخلفة مثلها ، ومازالت هذه الثقافة تتوارثها الاجيال حتى وصلت الى هذا الجيل . وللاسف فان هذا هو وضع الكثير من الشعوب المسلمة اليوم ، في حين اننا نعيش في هذا العصر وضعا ثوريا ، ويلفنا اعصار التغيير والتطوير ، وتبتلعنا زوابع الاحداث الضاغطة .. فلا مكان في هذا العالم للجامدين ، والعاطلين ، والكسالى . وهكذا فان الحياة تدفع الانسان للتحرك ، ولا تدعه يسكت ، ولكننا من جهة اخرى نرى اننا قد ورثنا من اجيالنا السابقة ثقافة السكون والسكوت ، بل النعاس والنوم . فهم اموات الاحياء - كما يقول الامام علي ( عليه السلام ) - في كلامٍ له : " ... ومنهم تارك لانكار المنكر بلسانه وقلبه ويده ، فذلك ميت الاحياء " (1) ، ولكن هذه الحياة قد تطورت وتغيرت ، ولو كان آباؤنا احياء الآن لغيروا انفسهم وثقافتهم ، ولكننا مانزال على ذلك الوضع بسبب تلك الرواسب المتوارثة عبر الاجيال . ونحن علينا ان نتخلص من هذه الرواسب مع الاحتفاظ باصالتنا الموجودة في القرآن ، والاحاديث الشريفة ، وفي التاريخ الناصع لبناة الحضارة الاسلامية . ضرورة العودة الى الينابيع الاصيلة : ان علينا ان ندرس التاريخ متجاوزين اجيال التخلف ، وهذه المرحلة السوداء المظلمة من حياتنا ، ولنعد بانفسنا الى عصر الائمة ( عليهم السلام ) ، ولنراجع سيرة الرسول الاكرم ( صلى اللـه عليه وآله ) واصحابه وائمتنا ( عليهم السلام ) . فالذي يمتلك القرآن يمتلك هدى ونوراً وضياءً وذكراً وبصيرة ، ويكون في غنى عن الافكار المتناقضة الجامدة الممزوجة بالشرك والضلالة . ان القرآن ، والسنـة الشريفة ، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) و الصديقين في متناول ايدينا ، ولكن بعض الشعوب فقيرة عاجزة لان ثقافتها الاصيلة الحيوية الحضارية التقدمية التي كان يحملها آباؤهم انعدمت بفعل اجيال التخلف . اما نحن فاننا نمتلك هذه الثقافة ، ونقف اجلالا لاولئك الذين كتبوا هذه الثقافة بدمائهم ، وحافظوا عليها بارواحهم حتى وصلت الينا . وهذه الثقافة هي ثقافتنا الاصيلة ، وهي منهجنا ، وينبوعنا ، والركن الذي نستند إليه . وهكذا فان ثقافة الانسان المؤمن باللـه واليوم الآخر تنبع من عقله ووجدانه ، ومن رسالة السماء المنـزلة عليه من قبل اللـه - سبحانه وتعالى - ؛ اي من الوحي الالهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وهذه الثقافة لا تتغير ، وهي الثقافة الاصيلة ، والبصيرة الواضحة . في حين ان هناك ثقافة ماهي إلا افراز لوضع مادي واقتصـادي معين يعيشه الفرد ، وهذه الثقافة قد تكون مغلوطة ، ولكن المشكلة الاساسية ان الثقافة الخاطئة يورثها الآباء للابناء ، ومن الصعب على الابناء التخلص منها . ونحن بصفتنا مسلمين مؤمنين بالادلة الاربعة ؛ الكتاب ، والسنة ، والعقل ، والاجماع الذي يعكس او يكون طريقا الى فهم الكتاب ، واثبات السنة ، وبلورة العقل ، علماً ان الاجماع ليس دليلاً مستقلاً عندنا بل هو دليل شريطة ان يكون كاشفا عن رأي المعصوم ، وعن القرآن الكريم ، والسنة الصحيحـة ، وإذا كان مبلوراً للعقل وإلاّ فانه ليس بحجة ، إذا انعدمت منه الشروط السابقة . وبعد فهذه هي ادلة الاسلام ولم يرد عن فقيه انه قال بوجود دليل آخر ورثه عن آبائه ، بل اننا نمتلك ادلة صريحة على ان الثقافة التي نرثها من اسلافنا دون ان نعرف هل هي صحيحة ام مغلوطة من الخطأ ان نأخذ بها ، ونذعن لها ، ونقبلها بشكل مطلق . وبناء على ذلك فان علينا ان نعمل من أجل تجديد ثقافة امتنا الاسلامية ، وازالة ما علق بها من الشوائب والرواسب والانحرافات نتيجـة تعاقب الاجيال المختلفة ، ومرورنا بعصور التخلف والجمــود ، وذلك من خلال العودة الى تلك الينابيع الاصيلة والسليمة للثقافة الرسالية .
ثقافة الحياة بين العقل والشهوات
من سمات الثقافة القرآنية انها تفجر طاقات الانسان الكامنة في ذاته ، ومن ابرز هذه الطاقات واسماها طاقة العقل ، فلقد زود الانسان بهذه الطاقة الجبارة وجعلت حجة بينه وبين الله - تعالى -، وهي بحاجة الى ما يستنفرها ، ويبلورها ، والثقافة القرآنية هي التي تفجر هذه الطاقة ، اما الثقافة الجاهلية الماديـة فهي تبرر للانسان جهله ، وعدم استثماره لعقله ، وبذلك نكون بين امرين ؛ بين التفجير والتبرير . والفـرق بين هذين الامرين هو كالفرق بين الثريا والثرى ، فبينما التفجيـر يجعل الانسان مسؤولاً وفاعلاً مقتدراً ، نرى ان التبرير يجعله خاملاً مهزوماً غير متحمل لمسؤوليته . الانسان بين حجة العقل وحجة الوحي : فالعقــل هو صنو القرآن ، فاذا كان القــرآن حجة اللـه الظاهـرة ، فان العقل هو حجته الباطنة ، واذا كان العقل قرآنا باطنا ، فان القرآن عقل ظاهر ، وبين هاتين الحجتين ؛ حجة العقل ، وحجة الوحي يعيش الانسان مسؤوليته ، وفي هذا المجال روي ان الامام الرضا ( عليه السلام ) سئل عن الحجة ، فقال ( عليه السلام ) : العقل . كما وأكد الامام الكاظم ( عليه السلام ) في وصيته لهشام على ان العقل حجة ، وان ذوي العقول هم الذين يعرفون ائمتهم ، وقدواتهم ، ويعرفون بالتالي حظهم ودورهم في الحياة ، اما الذين لايعقلون فهم لايعرفون الحجة عليهم . (1) وعلى هـذا فان العقـل هــو الجانب الاخر للحجة نفسها ، فللـه - تعالى - الحجة البالغة على خلقه ، وبها يفند - تعالى - كل تبريرات الناس بعدم علمهم ومعرفتهم ، وهذه الحجة هي العقل الذي يستمد النشاط والفاعلية من الوحي والبصيرة القرآنية ، وبذلك يصل الى الحقائق في اسـرع وقت ممكن ، وعن هؤلاء يقول النبي ( صلى اللـه عليه وآلـه ) : " علماء امتي كأنبياء بني اسرائيل " (2) وفي نفس المعنى يقول رسول اللـه (صلى الله عليه وآله) : " حلماء علماء كادوا من الفقه ان يكونوا انبياء " (3) . استثارة العقل بالقرآن : والفرق بيننا وبين هؤلاء العلماء انهم استثاروا عقولهم بالقرآن ، وبلوروها بآياته الكريمة ، ولذلك فعندما يتفتح العقل فانه يخرق الحجب التي تفصل بينـه وبين الحقائق ، فينفذ علمه الى كل خبيئة من خبايا الكون ، اما اذا كان العقل مغلفا بستار كثيف من الاهواء والشهوات ، وبركام من الضلالات والخرافات والاخيلة الباطلة فان هذا العقل لا فائدة ترجى من ورائه . ان القرآن والكتب السماوية على عظمتها وسموها و فوائدهـا الغزيرة تصبح كالاسفار الموضوعة على ظهر الحمار كمـا يصرح بذلك - تعالى - في قوله : «مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً » ( الجمعة / 5 ) ، فما يستفيده هؤلاء من الكتب السماوية التي بين ايديهم هو بنفس المقدار الذي يستفيده الحمار من الكتب المحملة على ظهره ، وذلك لان ابصارهم عليها غشاوة ، وان اللـه قد طبع على قلوبهم فهم لا يعقلون . الثقافة الحية مرهونة بتفجير الطاقات العقلية : فلكي نحصل على الثقافة الحية علينا ان نفجر الطاقات العقلية في انفسنا، فالمهم ان نزداد علماً وفهما وتعقلاً لا ان نكدس المعلومات في اذهاننا : " وليس العلم بكثرة التعلم انما هو نور يقذفه اللـه في القلب من يريد أن يهديه " (1) ، وقد روي عن رسول اللـه ( صلى اللـه عليه وآله) أنه قال : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللـه .. وقـــال ( صلى اللـه عليه وآله ) : أن لله عباداً يعرفون بالتوسم ثم قرأ هذه الآية وهي قول اللـه تعالى : " ان فـي ذلك لآيات للمتوسمين " . وري عن أبي عبد اللـه ( عليه السلام ) أنـه قــال نحن المتوسمين والسبيل فينا مقيم والسبيل طريق الجنة ( وانها لسبيل مقيم ) (2) . ونور اللـه هو العلم والقرآن ، فالمؤمن عندما ينظر الى شخص ما مجرد نظرة فانه سيحمل فكرة عنه وعن طبيعته دون ان يكون في حاجة الى ان يراجع علم النفس والاجتماع . فالعلم الحقيقي - اذن - ليس هو المعلومات المخزنة في الكومبيوترات ، بل هو علم يقذفه اللـه في قلب من يشاء ، فالفرق بينهما ان الاول هو مجرد تخزين معلومات ، اما الثاني فهو تفجير للطاقات ، فالانسان عندما لا يفجر طاقة العقل في ذهنه فانه سيصبح بمثابة مكتبة لخزن العلم . فالمطلوب - اذن - ان نستنفــر طاقة العقــل الكامنـة في النفــس واستثارة دفائنــه من خلال القرآن ، واذا ما تم ذلك فاننا نكون قد وصلنا الى مرتبة العلمــاء الربانيين فالناس - كما يصرح بذلك الحديث عن الامام علي ( عليه السلام ) حيث يقول : " كميل احفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع . (1) والعالـم الرباني يكتسب علمه من اللـه - تعالى - ، والقرآن الكريــم يوضح لنا ان اولئك الناس الذين اتخذوا القرآن هزوا انما اتخذوا موقفهم هذا لانهم لا يستثيروا دفائن عقولهم : «وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللـه رَسُولاً » ( الفرقان / 41 ) . فعقول هذا النمط من الناس ذات تفكير سطحي ، فهم يزعمون ان الرسول المرسل من قبل اللـه - تعالى - يجب ان يتمتع بقدرات خارقة لا توجد في سائر البشر ، في حين انه انسان كسائر الناس ، والفرق بينه وبينهم انه يحمل هدى اللـه ، ولكنهم لا يقدرون قيمة الهدى والعلم . والسؤال المطروح هنا هو : لماذا اتخذ هؤلاء هذا الموقف المعارض والمتهور من رسول اللـه ؟ الجواب ، لانهم لم يعقلوا ؛ اي ان طاقة العقل ظلت معطلة في نفوسهم كما يصرح بذلك - تعالى - في قوله : « أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً » ( الفرقان / 44 ) فانفسهم هي في الحقيقة انفس حيوانية ، وعلينا نحن ان نحذر من الانزلاق الى هذه العاقبة السيئة . ما هي الثقافة الجحيمية : والثقافة التي تحرك الانسان في هذا الاتجاه هي الثقافة الجحيمية ، فما هي يا ترى هذه الثقافة ، وكيف نتحرر منها ؟ ان أهم شيء يلزم الانسان لكي يحرك عقله هو انه لابد ان يقتحم العقبة ؛ اي ان تلملم ارادتك ، وتشحذ عزيمتك ، وتوحي بالشجاعة الى نفسك ، ثم تقتحم قلب المعركة ، وهذه اللحظة التي تدخل فيها المعترك هي لحظة الحياة ولحظة المصير بالنسبة اليك ، فلحظة الارادة هي تلك التي تقرر فيها ان تكون مؤمنا ، وان تخالف جميع اهوائك التي تحول دون رؤيتك للحق ، والعمل به . السبيل الى اقتحام العقبة : وفي كثير من الاحيــان نرى انفسنــا بين الحق والباطــل ولكننــا نغمض عيوننا لننجرف مع الباطل ، فاذا قرر الواحد منا في لحظة من لحظات حياته قرارا نهائيا بان يكون مع الحق ، وان يدفع ثمنه مهما كان غاليا ، فاننا نكون قد اقتحمنا العقبة التي اشار اليها - تعالى - في قوله : « فَلاَ اقْتَحَـمَ الْعَقَبَةَ » ( البلد / 11 ) التي اراد منها معنى فك الرقبة ، او اطعام في يوم ذي مسغبة ؛ اي التضحية والبذل ، وايثار الاخرين على النفس . فالعقبــة هنا هي في الحقيقة النفس التي يجب ان نقتحمها ونتغلب عليها ، والمطلوب هنا ان نقاوم هذه النفس ، فاذا خرج الانســان من اطار الهوى ، ودخل اطار التقوى فقد اقتحم العقبة هذه ، ولذلك يقول - تعالى - : «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَاَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً » ( الفرقان / 43 ) ، اي ان النبي الاعظم (صلى اللـه عليه وآله) ليست لديه القدرة على ان يصبح وكيلا عن من اتخذ من نفسه وهواه الها ، فهو ( صلى اللـه عليه وآله ) شفيع لمن لا يشرك باللـه ، ومن كان صادقا في ايمانه . وهكذا يجب علينا ان نتجنب الاهواء النفسية كالطمع ، والحقد ، والجزع ، وحب الدنيا والرئاسة ، فان تجنبناها سنستطيع اسقاط الحجب المتراكمة على عقولنا ، والا فان عقولنا سوف لا تنفعنا ، لان هذه العقول محتجبة بالهوى ، لان الهوى هو آفة العقل ، كما ان التعصب للباطل هو ايضا آفة العقل والهدى ، والصبر خصلة حسنة ومطلوبة ولكن الصبر على الباطل مذموم ، وكذلك الحال بالنسبة الى التعصب فانه يكون خصلة جيدة اذا كـان للحق لا للباطل ، ولكن مشكلة الانسان انه يتعصب للآراء الباطلة ، وهي مشكلة خطيرة نرجو من اللـه - تعالى - ان ينقذنا منها . وهكذا فأن العلم يتصل اتصالاً وثيقاً بالاخلاق ، فمن دون الاخلاق الفاضلة لا يمكن ان نحصل على علم حقيقي ، فمجرد خزن وحفظ المعلومات لا يمكن ان يجدينا نفعا اذا لم نقرن هذه المعلومات بالتقوى والتزكية والتربية ، وتنمية وتفجير الطاقات الايجابية الخلاقة في انفسنا ، وهذا هو الطريق الأمثل الى اكتساب العلم .
الثقافة القرآنية وتطورات الحياة
من العقبات الرئيسية التي تعترض طريق الايمان ، وتحول دون وصول الانسان الى التكامل والرقي ، عقبة الجمود والركود ، فالانسان بطبيعته يخشى التطور والتغير ، وكثيرا ما يحاول الابقاء على حالته الراهنة بطريقة او بأخرى . ولكي يزعزع الاسلام القناعات التي جمدت في قلب الانسان زعزعة عنيفة فانـه يذكره باليوم الاخر ، ذلك اليوم الرهيب الذي ترى فيه الارض تهتز وتميـل ، وترى الجبال على عظمتها تسير كما يسير السحاب ، بل و تتحول الجبال الى عهن منفوش ، بل وتتلاشــى هذه الصخور العظيمة التي يزعم الانسان ان من المستحيل ان تتحرك ... تنمية روح التقوى كأساس للثقافة : وفـي كل ذلك دلالة على ان الحق هو الشيء الوحيد الثابت فــي هذا الكون ، فكل شـيء يفنى ، ويتلاشى ، والذي يبقى هو وجه اللـه الكريم ، ومن ضمن مصاديق وجهه الكريم السنن والحقائق والبصائر ، وفي سورة الحج يحدثنا القرآن عن العلم والثقافة وعن بصائر الانسان التي تهديه الطريق ، ولكنه يبدأ بداية صاعقة عنيفة فيقول : « يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ » ( الحج / 1 ) ، فلابد ان تنمو في نفوسنا روح التقوى والحذر والتحصن من المزالق والاخطـار لكــي تمنــع عنا هذه الروح عذاب اللـه الشديد : « إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ » ( الحج / 1 ) وحينمـا تهتز هذه الارض التي كنا نعتمد عليها ونثق بها ماذا يبقى ؟ ، العلاقات التي بنيت على هذه الارض سوف تتزلزل كما تزلزلــت الارض ، لان هذه العلاقات هي علاقات التـراب ، علاقات الارض ، فالارض على سعتها ، واستقرارها سوف تهتز وتميل فكيف بتلك العلاقات التي انبعثت منها ، ولكي يضرب اللـه - تعالى - لنا مثلا قريبا وواضحا يجسم لنا علاقة الام برضيعهـا التـي هي اعمق وابلغ العلاقات : « يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا » ( الحج / 2 ) فهذه العلاقة الوثيقة سوف تتفكك رغم ان مسؤولية الام تجاه حملها هي اعظم المسؤوليات , لانها تحس بهذه المسؤولية اكثر من احساس الاخرين بأية مسؤولية اخرى ، ومع ذلك فان هذه الأم سوف تضــع حملها في ذلك اليوم . فالانسان سوف يتحلل في يوم القيامة من كل ارتباط بينه وبين الاخرين ، وبينه وبين الطبيعـة ، ليتخفف ، وبالتالي يكون بمستطاعه - حسب تصوره - الهروب ، ولكن الى اين ؟ وهل يمكن الفرار من حكومة اللـه ؟ ، الارض كلها سوف تتزلزل ، والجبال تندك ، والسماء تصبح حمراء كالوردة الدّهان ، اي سوف لا يعود بامكانها حفظ الانسان من الاشعة والنيازك ، سوف لا تبقى سقفا محفوظا كما هي اليوم لان الكون كله سوف يتحول ويتغير . ثم يستأنف - تعالى - قائلا : « وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى » (الحج/2) ، ومن المعلوم ان الانسان يزداد جدية وحكمة ورؤية للحقائق في حالة الخطر لان الالم يزيد من الوعي ، فالانسان حينما يتألم يقترب من الحقائق ، ولكن الالم يوم القيامة شديد الى درجة ان الانسان لا يستطيع ان يركز ذهنه ، فالخطر اكبر من حجم تفكير الانسان ، والسكر هنا ليس هو الانتعاش والنشاط والحيوية ، وانما هو سكر الهـروب من العذاب ، والتحير فيما يقع فيه الانسان . فعلينا - اذن - ان نسعى في هذه الدنيا لنحصل على الامن في ذلك اليوم ، وطريق الحصول على هذا الامن يتمثل في ان لا نعبد الافكار الجامدة ، ولا نجمد على مجموعة من القناعات التي لا نعرف مدى صحتها . العلم الحق سبيل تحصيل الثقافة : ان هذه الايات تحدثنا بشكل مباشر عن العلم ، وعن ضرورة البحث عن العلم الحق ، وعدم الاقتناع ببعض الافكار الجامدة غير المقطوع بصحتها : « وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللـه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ... » ( الحج / 3 ) ، ومن هذه الآيات وغيرها في هذه السورة نستوحي ان هدف القرآن هو ان يجعلنا نلتصق بالعلم والعقل و الثقافة الحقة ، وان لا نسترسل مع الاهواء والشهوات والقناعات المغلوطة التي اشبعتنا بها بيئتنا ، ومجتمعنا ، والتي بقينا ندور فيها . ومن امثلة هذه القناعات المغلوطة هو اننا نجد بعض العوائل تقلد مرجعاً ما منذ مائة وخمسين عاماً ، اي ان جدهم الاعلى كان يقلد المرجع الفلاني وهكذا توارثوا هذا التقليد كابراً عن كابر ، في حين ان التقليد هو علاقة مباشرة بينك وبين من تعرفه ، فعليك ان تعرف عن كثب دينه واخلاصه وفقهه واجتهاده وزهده وتقواه ، وبالتالي ان تعرف بالضبط ان هـذه الشروط متوافرة فيه بشكل كامل ، وهذا هو المعنى الحقيقـي للتقليد ، وهو يجعلك يوم القيامة صاحب حجة امام رب العالمين بشأن من تقلده . وفـي الواقع حينما تتجلى الحقائق يتبين لنا ان الانماط الثقافية الشائعة في اوساط الامـة هي بحاجة الى اعادة النظر ، فالثقافة هي مجموعة الافكار المؤثرة في سلوك الانسان حسب ما يقوله علماء الاجتماع ، وهي ذلك العلم ، وتلك المعارف التي تتصل اتصالاً مباشراً بحياتنا ، وسلوكنا ، ومواقفنـا ، وكل اختلاف بين الناس في هذه المجالات انما هو ناجم من طبيعة ثقافتهم ، فالثقافة تصنع المواقف الستراتيجية ، وسلوك الانسان . من الضروري ان نعيد النظر في ثقافتنا : ومع ذلك فان الثقافة الموجودة عند اغلبنا تحتاج الى اعادة نظر من محورين ، المحور الاول هو ان ثقافتنا ينبغي ان تكون ثقافة القرآن ، وبالتأكيد فاننا نقرأ القرآن ونسمع تفسيره ، ولكن هل يمكن لاحدنا ان يدّعي مجرد ادّعاء ان كل مواقفه ، وكل ستراتيجياته وبصائر حياته ، ومنهاج سلوكه مستوحاة بشكل كامل من القران الكريم ؟ بالطبع لا يمكن لاحدنا ان يقول بذلك ، فنحن نقرأ القرآن قراءة غير واعية ، وبيننا وبينه حالة هجران ، وقد نقل - تعالى - ذلك على لسان نبيه العظيم قائلا : « وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُوراً » ( الفرقان / 30 ) والمشكلة الاساسية في ثقافة الامة ابتعادها عن القرآن الكريم ، لانه لم يعد للاسف محور ثقافتها . والمثال على ذلك ان هناك ايات في القرآن الكريم تحدد آداب المجالس التي يعتبر بعضها واجبا والبعض الاخر مستحبا ، ومن امثلة الواجب قوله - تعالى - : «يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْـمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ » ( المجادلة / 9 ) ، فالمجالس يجب ان لا تنحى منحى سلبياً ، منحـى الكذب والافتراء والغيبة والتهمة والنميمة واحاديث اللـهو ، فهذا كله اثم وابرزه الكذب والافتراء ثم العدوان ، فالكثير من المجالس تتحول الى مؤامرة ضد الاخرين ، والايات القرآنية تكون شديدة وحادة اللـهجة عندما تحدثنا عن الظلم ، وخصوصاً ظلم الاخرين ، حتى ان الشهيد على ما يتمتع به من درجات رفيعة تبقى على عاتقه تبعة الظلم . وللاسف فاننا نعتقد ان عدم ظلم الاخرين يتمثل في ان لا نسرق منهم ، ولا نغشهم ، ولا نعتدي عليهم فحسب ، في حين اننا اذا جلسنا في الخفاء ، وتكلمنا ضد اخواننا المؤمنين في اي مكان كانوا فاننا نكون قد ظلمناهم في الحقيقة ، وعلينا ان نبحث عنهم لنستحلهم . والكثير من المجالس بدلا من ان يشيع فيها التفاؤل والهمة والروح الايجابية فاننا لا نسمع فيها غير الكلام ضد فلان وفلان وضد القيادة الفلانية رغم اننا ندّعي الايمان بها ، فكيف نستطيع ان نتبع علناً هذه القيادة ونحن سرا نتناجى ضدها ، ونذكر سلبياتها ومشاكلها ؟_ وهنـاك بالاضافـة الى ذلك آداب مستحبة للمجالس ، مثل هذا الادب الذي تشير إليه الآية القرآنية التالية : «يَآ أَيُّهَا الَّذِيـنَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَـجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللـه لَكُمْ » (المجادلة / 11 ) ، اي ان هناك آدابا معينة كأن يتفسح الشخص في المجالس حينما يطلب منه ذلك . فلنر كم نحن ملتزمون بهذه الاداب ، وبهذه التعاليم الالهية ، وهل ثقافتنا هي ثقافة قرآنية ام لا ؟ ، ولننظر الى علاقتنا بالاخرين ، علاقتنا بمن هو اغنى او افقر منا ، تجدنا نتذلل ونتخضع لمن هو أكثر منا مالاً ، ونتعالى على من هو أقل منا مالاً ، وهذه العلاقة خطأ في كلا الحالتين ، فنحن يجب ان لا نخضع لمن هو اغنى منا ، ولا نتعالى ونستكبر على من هو أفقر منا ، ولنقارن بين الثقافة التي نعيشها والثقافة القرآنية ؛ ترى هل حصل عندنا تحول عملي وسلوكي على اثر الثقافة القرآنية ؟؟ ثقافتنا بحاجة الى تغييرات : وعلى هذا فان المشكلة الرئيسية التي تعاني منها ثقافتنا انها ابتعدت عن المنحى الذي رسمه لنا الوحي ، ثم ان الثقافة التي تثقفنا بها بحاجة الى تغييرات حسب الظروف ، فلكل ظرف ثقافته وتعاليمـه ، وعلينا ان نبـدل سلوكنـــا حسب الظروف العامة ، وعلى هذا فان الثقافـة التــي توحي بهذه السلوكيات يجب ان تتغيــر هي الاخرى ، ومشكلتنــا اننا ننظــر الى الامور الثقافية نظرة واحدة ، ولـو راجعنـا الروايات لوجدنــا - مثلاً - ان احاديث الامام امير المؤمنين ( عليه السلام ) تنضح بروح الجهاد والتحدي ، وتطالب الامة بالجهاد وحمل السيف والتحرك والقتال ، في حين اننا نجد ان الامام الصادق ( عليه السلام ) يحدثنا بشكل اخر كأن يأمرنـا بان نلتــزم بالتقيــة ؛ " لا دين لمن لا تقية له " (1) ، وأين هذا الحديث من أحاديث الامام علي ( عليه السلام ) ، ولو كان في عهـد الامام الصادق لأمرنا بمثل ما أمرنا به والعكس ايضاً صحيـح . والجماهيـر بحاجة الى ما نحدثهم به بصورة جاهزة ، اي ان نوجههم لكي ينبعثـوا الى العمل مباشرة ، علينا ان نحدد لهم متى يحملون السلاح ومتى يلقونه ، ومتى يتكلمون بحدية ، ومتى يلزمون التقيــة ... من الواجب علينا ان نثـقف الجماهير بهذه الامـور المتجــددة ، وهـذا التجديد هو ركيــزة حاجتنـا الى الفقهـاء . تكييف الثقافة حسب المتغيرات من قبل الفقهاء : وللاسف فان قسما من الناس يتصورون ان حاجتنا الى الفقهاء تقتصر على بيان مسائل الصــلاة والصيـام وما شـاكل ذلك ، فـي حيــن ان الامام الحجــة ( عجل اللـه تعالى فرجه الشريف ) يقول : " واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة اللـه " (1) ، والحوادث الواقعة هي المسائل المتجددة . وقد يسأل احدنا قائلا ؛ لماذا لم يكتب احد الائمة ( عليهم السلام ) كتابا فقهيا ضخما فيه تفصيل كل شيء ، ونقوم نحن بتطبيقـه ؟ ، السبب في ذلك بالطبع ان الظروف تتغير ، والنصوص الفقهية المختصة بـ ( الحوادث الواقعة ) لابد وان تتغير معها ، فالأئمة ( عليهم السلام ) بيّنوا لنا الاصول ثم وجّهونا بعد ذلك الى الفقهاء ، ولكل عصر فقيه ، والفقيه يصدر حكمه على اساس الظروف المتجددة . فنحن نحتاج الى هؤلاء الفقهاء ليحددوا لنا ما نفعله اليوم وغدا ، ولذلك افتوا بان تقليد الميت لا يجوز ابتداء ، بل ان قسما من الفقهاء يرون ان تقليد الميت لا يجوز اساسا ، والذي يجوّز من فقهائنا تقليد الميت فانما يجوّز المقلد في المسائل التي عمل بها او عموماً واعتماداً على فتوى فقيه حي يجوز لك ان تبقى على فتوى الفقيه السابق . فعلاقتك يجب ان تكون مقتصرة على الفقيه الحي الذي يعيش الظروف ، وينقذك في المواقف الصعبة ، الفقيه الذي يواجه المشاكل والصعاب المحدقة بالأمة . فالعلاقة بين الناس والفقيه يجب ان لا تكون علاقة تلقي الاوامر والمناهي فحسب ، صحيح ان الناس من حقهم ان يراقبوا افعال الفقهاء ضمن ما يفهمونه بعقولهم ، او يستلهمونه من القيم الالهية ، اي ان مجمل القيم الالهية التي يشتمل عليها القرآن تمثل ركيزة لرقابة المجتمع الاسلامي على قياداته ، ولكن هذا لا يعني ان الناس هم الامرون في كل القضايا ، ومن حقهم ان يخالفوا الفقيه بذريعة اختلاف الفقيه السابق او اللاحق معه في رأيه .