ارتبطت الصورة الميثيودينية للقمر بصورة الثور الوحشي في الشعر الجاهلي، فعليّ البطل يؤكد ربط العرب القدماء بين الثور الوحشي والقمر، جاعلين منه رمزاً على الإله "ود" أو "سين" أو "شهر" الذي كان من صفاته أنه "كهلن" أي القدير، وأنه "أبم" أي أب ، وبذلك نجد طرح علي البطل لا يفصل بين الصورة الميثيودينية لثور الوحش وصورة القمر لأن العلاقة بينهما علاقة عضوية، مرتبطة في الأساس بتجسيد السماوي "القمر" بالأرضي "ثور الوحش"، ولذلك لا يمكن مقاربة ميثودينية صورة القمر من منطلق ثور الوحش، ولكن جوهر الصورة الميثيولوجية هي صورة القمر، باعتباره رمزاً للأله الأب. إن صورة القمر عند العرب - في نظر علي البطل - ليست موغلة في القدم مثل صورة ثور الوحش التي ترجع في الأصل إلى المرحلة الطوطمية، باعتبار أن الثور كثير الظهور في أنساب العرب اسماً لفرد أو علماً على قبيلة مشيراً إلى بقايا طوطمية قديمة، تتخذ من الثور جداً أعلى ترتبـط به وتنتسب إليه، إلا أنه في المرحلة التالية - مرحلة الديانة الكوكبية - قد صار رمزا ممثلا للإله القمر، إذ وجدت في معابد القمر - جنوبي الجزيرة - صور، للثور قدمها عابدوه قرابين للإله أو نذورا كانت عليهم له، ولقد عرف القمر باسم "ثور"، ومن هنا ندرك أن علي البطل يرجع ميثيودينية صورة القمر إلى المرحلة الكوكبية في ديانة العرب، وهي مرحلة متأخرة بالمقارنة مع المرحلة الطوطمية، التي ارتبطت فيها صورة ثور الوحش بالأصول الدينية. يعود مصطفى عبد الشافي الشوري إلى الحضارات القديمة ليؤكد ميثيودينية صورة القمر في الشعر الجاهلي، حيث نجد أن الهنود عبدوا القمر، واتخذوا لـه صنماً على صورة "عجل"، وبيد الصنم جوهر، ويرى بعض المؤرخين أن ديانات جميع الشماليين والجنوبيين تتصل بعبادة القمر. فهو متقدم عندهم على الشمس؛ لأن الشمس محرقة، أما القمر فهو دليل الركب، ورسول القوافل، فكان القمر هو الأب السماوي، أما الشمس فقد اتخذت منزلة الأم العظمى، وليس عبثاً أن نرى في اللغة العربية التعبير " القمران" للشمس والقمر، ويتخذ القمر أسماء آلهة مختلفة في جزيرة العرب، فهو "رخ" و"سين" و"شهر" و"غم" و"المقة" و"ود" و"اللات" و"السيد". فالكوكبان الشمس والقمر لهما بعد ديني سواء في الحضارة العربية أم في غيرها من الحضارات المجاورة الأخرى، وهذا ما جعل مصطفى عبد الشافي الشوري يؤكد ميثيودينية صورة القمر في الشعر الجاهلي، وهي صورة ميثيودينية متجذرة في أعماق الشعوب العربية، حتى أخذت طابع التقليد في المراحل الأخيرة.