يسعى هذا البحث لتفحص المقولات الكبرى للمناهج النقدية الحديثة في أصولها الغربية، وكيف استطاع الخطاب النقدي العربي الحديث أن يستثمرها في مقاربة التراث العربي وبخاصة منه الشعر الجاهلي، بفعل التطور الذي لحقه على مستوى الرؤية المعرفية والأدوات الإجرائية ، ومن ثم يركز هذا البحث على تتبع المتصورات الجوهرية لقراءة القراءة، لأنه يشتغل على المتن النقدي وليس على النص الإبداعي. فالمناهج النقدية الحديثة وبخاصة السياقية -[ ونقصد بالنقد السياقي تلك الممارسة النقدية التي تقارب النص الإبداعي معتمدة في ذلك المؤثرات الخارجية (سواء أكانت تاريخية أم نفسية أم ميثيودينية أم اجتماعية) والتي أحاطت بميلاد النص الشعري واحتضنت تكونه، فكان لها التأثير المباشر أو غير المباشر]- منها عبر مستوياتها المختلفة وأصولها المعرفية وتطبيقاتها الميدانية هي موضوع هذه الدراسة، وليس الأعمال الإبداعية، ومن ثم فحقل بحثها ليس المعرفة وإنما معرفة المعرفة، باعتبار أن النص في جوهره حامل لمعرفة أولى، وأن الممارسة النقدية هي معرفة ثانية تشتغل على معرفة أولى، ومن ثم نجد أن هذا البحث يسعى للاشتغال على معرفة المعرفة، وذلك أمر من الصعوبة بمكان، وأن الاشتغال عليه يتطلب معرفة واسعة بالمناهج النقدية في أصولها المعرفية الأولى، كما يستدعي معرفة دقيقة بقضايا التراث العربي وبخاصة الشعر الجاهلي، وبذلك يدرك هذا البحث حجم التحدي الذي يعمل من أجل تخطيه، وأن ذلك أمر يشقى الباحث من أجل التحكم فيه. وجدت القراءة العربية الحديثة في الشعر الجاهلي عبر مسارها الطويل ميدانا خصبا لتطبيق أدواتها الإجرائية ورؤاها المعرفية، سواء أكانت هذه الأدوات ذات طابع سياقي أو نسـقي، فالشـعر الجاهـــلي نـص متميِّ ز متـفرد له من خصوصية الأصالة والتفرد القسط الوافر، وهذا ما جعله نصاً لا يرفض أي قراءة تحاول أن تستنطق جوانبه من أجل الكشف عن بعضها، أو محاولة استنــطاق ما غمض منها، ومن ثم أثبت أن النصّ الشعري الجاهلي نصٌّ متمنع دائما، وتلك خاصيّة النُّصوص الإبداعية الراقية ذات البعد الإنساني.