كان العرب في العصر الجاهلي يعتمدون في نقل أشعارهم على المشافهة مما كان لها أثر بالغ في جعل موضوع الرواية والرواة العصب الأساس الذي ارتكزت عليه القراءات الحديثة في كثير من الإشكالات التي أُثيرت حول الشعر الجاهلي ، خاصة وأن القراءات الحديثة قد وجدت نفسها تبحث في هذا الشعر الذي يمتد عمره في التاريخ العربي السحيق، ولم يُلتفت إلى تدوينه إلا في العصر الأموي مع انتقال العرب من طور الثقافة الشفهية إلى طور الاهتمام بالتدوين والكتابة كآلية لحفظ أصول الدين، وأصول اللغة العربية بما فيها الشعر الجاهلي بوصفه أحد الأصول الأساسية لهذه اللغة، يضاف إلى ذلك أنه يمثل ميراث الأجداد والحضارة في عمقها الاجتماعي والثقافي وحتى العقائدي، لذا كان لزاماً على الرواة أن يبادروا إلى تدوينه في قراطيس تحفظه من تلاعب عوامل الدهر بعد أن لبث أمداً طويلاً يعتمد في نقله على الرواية الشفهية. لقد كان لتسرب الوضع في الرواية الشفهية للشعر الجاهلي بفعل عوامل عديدة منها العصبية الدينية وغيرها، كما كان الأمر بالنسبة للحديث النبوي الشريف في عصر ما قبل حركة التدوين في العصر العباسي الدور الأساس في إثارة إشكالية النحل والانتحال حول الشعر الجاهلي، بدءاً من عصر التدوين عند كثير من العلماء القدماء كابن سلام وغيره. الرواية الشفهية وتدوين الشعر الجاهلي من الإشكالات التي تدارستها القراءة العربية الحديثة من أجل البحث في إشكاليات هذا الشعر، فعدها طه حسين في مؤلفه " في الشعر الجاهلي" من المرتكزات الأساسية التي تدعم طرحه في الشك في هذا الشعر، فبعد أن فرغ في طرح الأسباب العامة التي رآها كانت تحمل على الانتحال ، والتي تتصل بظروف الحياة السياسية والدينية والفنية للمسلمين، أراد أن يفصل في الأسباب التي تتصل بأشخاص أولئك الذين نقلوا إلينا شعر العرب ودونوه، وهؤلاء الأشخاص هم الرواة كحماد الراوية وحماد عجرد وحماد الزبرقان ومطيع بن إياس وأبي عمرو الشيباني، فكان لفساد مروءتهم وأخلاقهم الدور الرئيس في إمعانهم في الوضع في الشعر الجاهلي (( فإذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة وأحاطت بهم مثل هذه الظروف، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء ))23، وبذلك تثير القراءة العربية الحديثة للشعر الجاهلي من خلال "طه حسين" إشكالية مصادر هذا الشعر لتفتح المسألة لكثير من الأقلام للبحث والتنقيب، واضعة نصب عينيها تجلية الحقيقة العلمية وفك الكثير من الخيوط التي تركتها عملية تدوين الشعر الجاهلي.