إذن فالجمود الذي هو أكثر قبحاً من الجهل،هو الروح المعارضة والمناوئة للدقةوالتحقيق، هو الحالة التي تسلب من الإنسانأقدس روحية، وهي روحية التحقيق، ويُمكنالقول بأنه، كما أن الجمود أكثر قبحاً منالجهل.
وكذلك إنّ حس التحقيق أكثر قداسة من العلمنفسه، فإن العلم إنما يُعتبر مقدّساًومحترماً، حين يُلازم روح التحقيق، وإنماتتوافر روح التحقيق، حين يعترف الإنسانبأنه ناقص في علمه وثقافته.
وهناك حديثٌ حول تقسيم العلم لثلاثِمراحل؛ ومضمون هذا الحديث، بأن العلمثلاثة أشبار: حين يصل الإنسان للشبر الأولمن العلم، يصيبه الغرور والتكبّر؛ وحينيصل إلى الشبر الثاني يصبح متواضعاً، حيثيرى بأن معلوماته ضئيلة جداً تجاهالمجهولات؛ وحين يصل إلى الشبر الثالث،يعلم بأنه لا يعلم أي شيء؛ ويقول: قد اتضحلي، بأنّني لا أعلم شيئاً.
ولابن سينا رباعية مشهورة باللغةالفارسية يقول فيها:
(القلب وإن سار في هذه البيداء كثيرا،ولكنه لم يتعرّف حتى على شعرة واحدة).
لقد اشرقت في قلبي أكثر من ألف شمس، ولكنهذا القلب في النهاية، لم يتوصّل إلىالتعرّف على كمال ذرّة واحدة.
وانشتاين أعظم فيزيائي، ورياضي، يقول فيكتابه (الخلاصة الفلسفية للنظريةالنسبية): (إن الإنسان حين تعرّف علىالفيزياء الحديثة؛ علم بأنه لم يصل إلىألف باء كتاب الطبيعة؛ فهو كالطفل الذيدخل جديداً للمدرسة الإبتدائية، والذي لميتعرّف إلاّ على ألف باء اللغة؛ وكم هيالمدة التي سيستغرقها لقراءة وفهم الكتبالعلمية بتلك اللغة؛ والبشر كذلك يحتاجونإلى مثل هذه المدة أو أكثر لقراءة كتابالطبيعة وفهمه).
واستهدف من هذا البحث، التأكيد على أنالدين لم يقف في وجه العلم؛ بل أنه كانعاملاً محرّكاً للعلم باتجاه التحقيق.
يقول وليام جيمز: (إن الدين يؤشّر على بعضالاُمور والأشياء، التي لا طريق للعلموالعقل لمعرفتها، ولكن، هذه المؤشّرات هيالتي حفّزت العلم والعقل على التحقيق،وبالتالي قد توصّل الكثير إلى الإكتشافاتوالإختراعات في مختلف الميادين، وقداعترف العلماء اليوم بهذه الحقيقة، بأنالدين هو المُحفِّز الأول، على الكثير منالمسائل العلمية التي توصّل إليها البشر.
تعريف الغيب
الغيب: عبارة عن الاُمور الغائبة عنالحواس الظاهرية، وقد استعمل القرآنالكريم هذه اللفظة كثيراً، كما في قولهتعالى: (الذين يؤمنون بالغيب)(1)، و (عندهمفاتح الغيب)(2)، وربما استعمل الشهادةمعها (عالمُ الغيب والشهادة)(3).(1). البقرة: 3.
(2). الانعام: 59.(3). الزمر: 46.