أجل، هي كذلك، وقبل التعرّف على هذينالنوعين، يلزم علينا التعرّف على بعضالمصطلحات القرآنية.
لقد وصف القرآن الكريم الله تعالى بصفتين(الرحمن، الرحيم)، والبسملة التي هي آيةقرآنية تشمل على كلا الإصطلاحين، وهاتاناللفظتان مشتقّتان من الرحمة؛ والفرقبينهما:
أن الرحمة الرحمانية: عامة شاملة لكلالموجودات، فإن وجود كل شيء، هو بنفسهرحمة بالنسبة لذلك الموجود؛ وكذلكالوسائل التي خلقت من أجل المحافظة علىبقاء وجوده، واستمرارية حياته، هي رحمةأيضاً.
وأما الرحمة الرحيمية: فهي عبارة عنالألطاف الخاصّة، التي يستحقّها المكلّفلحسن أداء وظيفته، فهي لطفٌ خاصٌ، ووقفقوانين خاصّة معيّنة، وليس قانوناًعامّاً للطبيعة.
وقد بُعث الأنبياء من أجل دفع البشرللايمان، بمثل هذه الامدادات الغيبيةالخاصّة، فلو توافر فينا مثل هذا الإيمان؛استحققنا بعض الألطاف من الله، وأمكن لناأن نطلبها من الله تعالى.
وعلى أي حال، فإن البشر في حياته الخاصّة،تشمله أحياناً الألطاف، والتوفيقاتالخاصّة، سواء في حياته الفردية أوالإجتماعية التي تعينه، وتنتشله منالسقوط والدمار؛ والقرآن الكريم يقولبخصوص النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):(ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالاًّ فهدى* ووجدك عائلاً فأغنى)(1).
ونحن نردّد في الفرائض الخمس: (إياك نعبدوإياك نستعين)(2)، وهو نوع من طلب المدد منالغيب.
أنواع الإمدادات الغيبية
إن المدد الغيبي، تارة يظهر بصورة توفيرالشروط والظروف لتحقق النجاح والتوفيق،وأخرى بصورة الهامات وتوجيهات، ولكن يجبأن نعلم بأن هذه الألطاف الغيبية لا تتحققعبثاً ومجانيّاً، فليس الأمر كما يتخيّلهالبعض، بأن يعتكف في بيته دون أن يعملشيئاً، ثم ينتظر اليد الغيبية لتستجيبلمطالبه.كلا، فإن مثل هذا التوقّع مخالف لنواميسالوجود والخليقة، وهناك آيتان في القرآنالكريم؛ تشير إحداهما: إلى النوع الأول منالامدادات الغيبية، وهو توفير شروطالموفقية والنجاح؛ والثانية: تشير إلىالنوع الثاني، وهي الإلهامات والألطاف،والتوجيهات، والارشادات المعنوية.
وسوف نتعرف على الشروط التي يذكرهاالقرآن الكريم للمدد الغيبي، وأنه لا يفاضعبثاً ومجّاناً.
الآية الأولى حول النوع الأول: (ان تنصرواالله ينصركم ويثبّت أقدامكم)(3)؛ إذنفمعونة الله، وهي المدد الغيبي، مشروطةبنصرة الله السابقة على مدد الله، أوللمقارنة له، أي: بالخدمة والعمل والجهادفي طريق الخير؛ وأن يكون كلُّ ذلك في سبيلالله؛ أي لله وفي الله؛ وكما أن العملوالمجاهدة شرط، فكذلك الإخلاص وحسن النية.
الآية الثانية حول النوع الثاني: (والذينجاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمعالمحسنين)(4)؛ وهذه الآية كالسابقة، وقداشترطت العمل، وبذل الجهود، وكذلك اشترطتالنية، وأن يكون ذلك في سبيل الله،فاشترطت القوة البدنية، والقوة الروحيةالمعنوية؛ وفي ظلّ هذه الشروط سوف تتحققالهداية والنور القلبي للانسان.
(1). الضحى: 6 ـ
(2). الفاتحة: 4.
(3). محمد: 7.
(4). العنكبوت: 69.