فيما أنا لا أزال في قراءة كتاب (المرأة واللغة) للناقد العربي المعروف عبد الله الغذامي، تنتابني تساؤلات ربما وجد كثيرون أنها مضحكة، أو ربما تدل على تخريف في نظر بعضهم إذ لا شيء فيها يدل على منطقيتها وفق المفهومات السائدة. فالغذامي يبدأ أفكاره في هذا الكتاب الهام من المقدمة التي يستهلها بقوله:(يقول عبد الحميد بن يحيى الكاتب: "خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً" وكأنه بهذا يعلن عن قسمة ثقافية يأخذ فيها الرجل أخطر ما في اللغة وهو "اللفظ" بما أنه التجسد العملي للغة والأساس الذي ينبني عليه الوجود الكتابي والوجود الخطابي لها. فاللفظ فحل "ذكر"، وللمرأة المعنى، لا سيما وأن المعنى خاضع وموجه بواسطة اللفظ وليس للمعنى من وجود أو قيمة إلا تحت مظلة اللفظ. هذه قسمة أولى أفضت إلى قسمة ثانية أخذ فيها الرجل (الكتابة) واحتكرها لنفسه وترك للمرأة (الحكي)، وهذا أدى إلى إحكام السيطرة على الفكر اللغوي والثقافي وعلى التاريخ من خلال كتابة هذا التاريخ بيد من يرى نفسه صانعاً للتاريخ. وهنا تأتي المرأة إلى اللغة بعد أن سيطر الرجل على كل الإمكانات اللغوية، وقرر ما هو حقيقي وما هو مجازي في الخطاب التعبيري، ولم تكن المرأة في هذا التكوين سوى مجاز رمزي أو "مخيال" ذهني يكتبه الرجل حسب دواعيه البيانية والحياتية).ثم يوالي الغذامي استنتاجاته وتساؤلاته بخصوص المرأة في علاقتها باللغة وعلاقة اللغة بها، ودخول الأنثى إلى (الكتابة)- والكتابة، حسبما سبق أن قرر، هي مملكة ذكورية -وعن مدى إمكانية الأنثى أن تجعل (من التعبير اللغوي تعبيراً ذا جسد طبيعي حينما يسير على قدمين اثنتين: مؤنثة ومذكرة، وتجعل "الأنوثة" معادلاً إبداعياً يوازي "الفحولة" ولا يقل عنها ولا يقبل بكون الأنوثة فحولة ناقصة).وبالطبع لسنا هنا في مقام عرض أطروحات الغذامي بهذا الخصوص وإيجاز محتويات فصول الكتاب، فلهذا مكان آخر، غير أن ما يستوقفنا، وما يثير لدي شخصياً تلك الأسئلة التي قلت أنها قد تبدو مضحكة، وغير منطقية بالمعايير السائدة، هو ما يعيد الغذامي التطرق إليه ثانية بخصوص (ذكورية) التاريخ إذ يقول:(هناك تاريخ قائم كتبه وصنعه الرجل، أو لعله صنعه لأنه هو من تولى كتابة مسيرة الكون فجاء هذا التاريخ (رجلاً) لأنه من إنشاء الرجل. لكننا نستطيع أن نقول أنه مثلما أن التاريخ هو علم ما حدث، فإنه أيضاً يستطيع أن يكون علم ما لم يحدث أو كان حدوثه ممكناً… ولو تيسر للمرأة أن تكتب تاريخ الزمان والأحداث وتولت بنفسها صياغة التاريخ ولم يك ذلك حكراً على الرجل وحده إذاً لكنا قرأنا تاريخاً مختلفاً عن فاعلات ومؤثرات وصانعات للأحداث، وهنا ستكون الأنوثة قيمة إيجابية مثل الفحولة تماماً).