لسموم الطائفية
وليت
الأمر يقتصر على الغفلة ، وإثارة النعرات القومية ، فهناك ما هو
أخطر من هذه وتلك ، وهو الأيدي التي تدس السم في العسل ، خلال موسم
الحج ، وتعمل على تعميق تخلّف المسلمين وتشتتهم
وتباعدهم .
هذه الأيدي الخفيّة التي انكشف عنها القناع ، بعد انتصار الثورة
الاسلامية في ايران ، تحاول أن تعقّد أوضاع المسلمين أكثر ممّا عليه
الآن ، بتوزيع الكتب السامّة المثيرة للعنعنات الطائفية والقومية ،
للإيغال في تمزيق صفوف المسلمين ، وتوسيع الثغرة التي ينفذ منها أعداء
الاسلام الى ربوع العالم الاسلامي ، يقول الامام: «المسلمون ينبغي أن يشهدوا منافع لهم ، في هذا الحشد
الاسلامي الكبير ، لكن ما يحدث ـ وللأسف الشديد ـ هو العكس من
ذلك . فالاقلام المأجورة المسمومة المفرّقة بين صفوف المسلمين تتحرّك في
هذا التجمّع لمصادرة أهداف الوحي الالهي ، فتنشر في مهبط الوحي أوراقاً
مفرّقة للصفوف مثل (الخطوط العريضة) 37
مليئة بالأكاذيب والافتراءات» 38 .
و
رغم خطورة إثارة النزعة القومية ، فإنّ الامام(رحمه الله) يحذّر من
مغبّة الفتنة الطائفية: «هناك ما هو أخطر من
النعرات القومية وأسوأ منها ، وهو إيجاد الخلافات بين أهل السنة
والشيعة ، ونشر الأكاذيب المثيرة للفتن والعداء بين الأخوة
المسلمين» .
ثم يشير رضوان الله عليه الى مسألة طالما أثارها المتصيدون في الماء
العكر ، وما يزالون يعزفون على أوتارها الصدئة: «في اطار الثورة الاسلامية في ايران لا يوجد
ـ ولله الحمد ـ أي اختلاف بين الطائفتين ، فالجميع يعيشون معاً متآخين
متحابين .
أهل
السنّة المنتشرون بكثرة في ايران ، والقاطنون مع العدد الكبير من
علمائهم ومشايخهم في أطراف البلاد وأكنافها ، متآخون معنا ونحن متآخون
ومتساوون معهم ، وهم يعارضون تلك النغمات المنافقة التي يعزفها بعض
الجناة المرتبطين بالصهيونية وأمريكا .
ليعلم الأخوة أهل السنة في جميع
البلدان الاسلامية أنّ المأجورين المرتبطين بالقوى الشيطانية الكبرى
لا يستهدفون خير الاسلام والمسلمين . وعلى المسلمين أن يتبرأوا
منهم ، ويُعرضوا عن إشاعاتهم المنافقة» .
وأنهى الامام كلامه حول هذه النقطة بقوله: «إنني أمدّ يد الأخوّة الى جميع المسلمين
الملتزمين في العالم ، وأطلب منهم أن ينظروا الى الشيعة باعتبارهم اخوة
أعزاء لهم ، وبذلك نشترك جميعاً في إحباط هذه المخططات
المشؤومة» .
و
في بادرة واعية ، تفوّت على المغرضين أغراضهم الدنيئة ، وتسحب
البساط من تحت أرجلهم ، أوصى الامام الراحل(رحمه الله) الحجاج
الايرانيين وجميع الحجاج الشيعة بعدّة وصايا حكيمة تساهم في تمتين وشائج وحدة
المسلمين وقطع الطريق على المراهنين على تفرّقهم . إذ يقول: «على الأخوة الايرانيين وجميع الشيعة أن يتجنبوا
الأعمال الجاهلة التي تؤدي الى تفرّق صفوف المسلمين ، وعليهم أن يشتركوا
في جماعات أهل السنة ، وأن يتجنبوا عقد صلاة الجماعة في البيوت ،
ونصب مكبرات الصوت بدون انتظام ، والقاء النفس على القبور
الطاهرة ، والأعمال المخالفة
للشرع» .
ثم أنهى وصاياه بالقول:
«يجزي ويلزم في الوقوفين العمل وفق
أحكام قضاة أهل السنة ، حتى ولو حصل القطع بخلاف ذلك» 39 .
وهنا
يثبت الامام الخميني أنه رجل المرحلة التاريخية ، وأنه يتصرّف بمستوى ما
تقتضيه المصلحة الاسلامية العليا ، متجاوزاً كلّ الحسابات الطائفية
والمذهبية .