البعد السياسي للحج
تنطوي
شعائر الحج على الكثير من المضامين العبادية والدلالات السياسية ، في آن
معاً ، وقد كانت القبائل عندما تؤم مكة في موسم الحج ، تحمل كلّ
منها أعلامها المميزة وأصنامها ، ومؤكدة بذلك على تمايزها القبلي أو على
ترتبتها وعلو شأنها بين القبائل الأخرى . ولكن الحج ، بعد
الدعوة ، أرسى مؤسسة جديدة تتعارض بل تلغي كافة هذه الممارسات
والشعائر ، خالقة حالة توحيدية خالصة ، تؤمّن للمسلمين إحدى
الدعائم التي تجعلهم قادرين على مقاومة الانشدادات المختلفة; من قومية وقبلية
وما الى ذلك . . .16 .
و
عليه ، فالحج كما يتّضح من الكتاب والسنة وسيرة السلف وأقوال العلماء لا
يتلخّص في كونه موسماً عبادياً (بالمفهوم المألوف عند كثيرين) ، بل هو
الى جانب ذلك مؤتمر سياسي عالمي وملتقى اجتماعي عام يوفّر للمسلمين القادمين
من شتى أنحاء المعمورة فرصة التعارف ، والتآلف ، واللقاء بعضهم
ببعض ، وانتفاع بعضهم ببعض ، ومداولة أمورهم وحل مشاكلهم السياسية
والاجتماعية والاقتصادية في جو من الأمن والقداسة والصفاء
والمحبّة .
لقد وصف
القرآن الكريم «الحج» في عدّة مواضع بأن فيه ما ينفع الناس ويضمن
مصالحهم ، كما أنّ السنّة والسيرة النبوية الشريفة هي الأخرى تشير إلى
أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) مارس الأعمال السياسية في الحج ، فضلا عن
الأحاديث التي تفيد بأن الحج نوع من الجهاد كقوله(صلى الله عليه وآله):
«نعم الجهاد الحج»
.
ولعل ما
جاء وصحّ عن الرسول(صلى الله عليه وآله)من الأدعية والأذكار في الحج تلك التي
تتضمن معاني سياسية الى جانب معانيها التوحيدية خير شاهد على أنّ الحج موسم
مناسب لأن يظهر فيه المسلمون موقفهم من أعداء الله والاسلام . .
كالدعاء: «لا إله إلاّ الله وحده وحده ، أنجز وعده ونصر عبده ،
وهزم الأحزاب وحده» .
وقد أشار كثيرمن علماء الاسلام والمفكرين الاسلاميين الى ما ترمز إليه هذه
المناسك من اُمور معنوية ، واقتصادية ، واجتماعية وسياسية .
كما ورد في البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما قدم النبي(صلى الله عليه
وآله)عامه الذي استأمن فيه (أي قدم مكة للعمرة) قال لأصحابه: إمِلوا
(أي اسرع في المشي ، وهزّ منكبيه) ليري المشركين
قوتهم .
وفي البخاري ومسلم أيضاً قال ابن عباس: «إنما سعى رسول الله(صلى الله عليه
وآله)بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين
قوته» .
و
هذا يشير الى أنه يجوز أن يضم الحاج الى مناسكه مقاصد سياسية وأغراضاً جهادية
مثل إرهاب الأعداء واستنكار أعمالهم ، وشجب مؤامراتهم وفضح
خططهم . . كما يوحي بذلك عمر ابن الخطاب إذ كان يقول إذا كبّر
واستلم الحجر: «بسم الله والله أكبر على ما
هدانا ، لا إله إلاّ الله لا شريك له ، آمنتُ بالله
وكفرت بالطاغوت» .
إنّ
التاريخ يحدّثنا أنّ السلف الصالح لم يقتصر في الحج على المناسك
والعبادة ، بل استغلوا هذه المناسبة للعمل السياسي كجزء طبيعي من هذه
الفريضة ، لا كشيء زائد عليها أو أجنبي عنها ، فها هو الامام
الحسين بن علي سبط الرسول(صلى الله عليه وآله) يحتج على حاكم جائر من حكام
زمانه في يوم من أيام الحج17 .
بل ووجد
غير المسلمين فرصتهم في الحج ليعرضوا على الخليفة شكاواهم فيقوم الخليفة
بانصافهم في زمن الحج ، لا بعدئذ ، كما هو الحال في قصة ابن القيطي
الذي ضربه ابن عمرو بن العاص (والي مصر يومئذ) . . فاقتضى عمر بن
الخطاب الذي اقتص من المعتدي على مرأى ومسمع من ألوف الحجيج ، وقال
كلمته الشهيرة: يا عمرو «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم
أحراراً؟!» .
حول هذه الحادثة ، يعقّب أحد العلماء المعاصرين بقوله: «فإذا كان الحج
موسماً لبيان الظلامات والشكاوى من الحكام والولاة المسلمين ، أفلا يكون
من الأوْلى أن يجوز فيه الشكوى من الاستعمار وأذنابه وعملائه ، واستنصار
المسلمين عليهم؟ وهل يجوز أن نشكو الوالي المسلم إذ تعدّى حدوده ، ولا
يجوز أن نشكو المستعمر الظالموالأجنبي الغازي ، وهو يرتكب كلّ تلك
الجرائم والمجازر؟18