فلسفة الحج عند الامام
إنّ
الدلالات السياسية المختلفة التي تتضمنها ظاهرة الحج في المجتمع الاسلامي
تنطوي على سمات خاصة بهذا المجتمع ، فالسياسة ليس مؤسسة قائمة بذاتها
ومنفصلة عن باقي جوانب وأبعاد الحياة الفردية والجماعية . بل هي لحظة
تتدرج ضمن ممارسة شمولية متعددة الجوانب ، تعطي للنسق السياسي الاسلامي
بعداً توحيدياً متميّزاً19 .
وإذا ما
وعينا هذه الحقيقة جيداً ، نستطيع أن نفهم أهميّة النداءات والتوجيهات
التي أطلقها الامام الخميني ، بشأن الحج والحجيج ، إنّها نداءات
وتوجيهات نابعة عن فهم واع حركي للإسلام ، أو هي بعبارة أخرى منطلقة من
نظرة واعية للدور الذي يستطيع الحج أن ينهض به على ساحة التاريخ20 .
وقبل استعراض هذه النداءات والتوجيهات ، لابدّ من الوقوف على عمق فلسفة
الحج عند الامام الراحل . فالطواف حول الكعبة يرى فيه الامام الخميني
رمزاً لحرمة «الطواف والسعي حول (أية
مبادىء) غير مبادئ الله ، وأن رجم الشيطان هو رمز لرجم كلّ شياطين الانس
والجن في الأرض . أيها الحجاج . . اِحملوا من ربكم نداءً الى
شعوبكم ، أن لا تعبدوا غير الله وأن لا تخضعوا لغيره» 21 .
ولا
يذهبنّ الظن بالبعض أنّ الامام الخميني قد انتبه مؤخراً الى هذا الفهم ،
وتحديداً بعد انتصار ثورته الاسلامية ، بل إنه تصدّى الى قضايا المسلمين
منذ وعى دوره التاريخي ، وقبل هذا الزمن بفترة ليست بالقصيرة .
ولقد اقترنت اهتمامات الامام الراحل بموسم الحج باهتماماته الرامية الى إصلاح
أوضاع المسلمين ، وتغيير ما هم عليه من ركود وخنوع وذل واستكانة .
الامام أكّد دوماً على ضرورة استثمار هذه الفرص التي وفّرها الاسلام للمسلمين
من أجل إعادة الاسلام الى مسرح الحياة ، وإعادة تكوين الأمة المسلمة
الفاعلة على الساحة التاريخية .
يقول الامام(قدس سره) في بداية نفيه الى النجف الأشرف: «في الدول غير الاسلامية تنفق الملايين من ثروة
البلاد وميزانيتها ، من أجل عقد مثل هذه الاجتماعات ، وإذا انعقدت
فهي في الغالب صورية شكلية تفتقر الى عنصر الصفاء وحسن النية والاخاء المهيمن
على الناس ، في اجتماعاتهم الاسلامية ، ولا تؤدي بالتالي الى
النتائج المثمرة التي تؤدّي إليها اجتماعاتنا
الاسلامية .
وضع الاسلام حوافز ودوافع باطنية
تجعل الذهاب الى الحج من أغلى أماني الحياة ، وتحمل المرء تلقائياً الى
حضور الجماعة والجمعة والعيد بكلّ سرور وبهجة . فما علينا إلاّ أن نعتبر
هذه الاجتماعات فرصاً ذهبية لخدمة المبدإ والعقيدة; لنبيّن فيها العقائد
والأحكام والأنظمة على رؤوس الأشهاد وفي أكبر عدد من
الناس .
علينا أن نستثمر موسم الحج ،
ونجني منه أطيب الثمار في الدعوة الى الوحدة والدعوة الى تحكيم الاسلام في
الناس كافة ، علينا أن نبحث مشاكلنا ونستمد حلولها من الإسلام .
علينا أن نسعى لتحرير فلسطين وغيرها .
المسلمون الأوائل كانوا يجنون من
جماعاتهم وجمعاتهم وأعيادهم ومواقف حجهم أحسن الثمار» 22 .