اخلاق نظری (2) نسخه متنی
لطفا منتظر باشید ...
فلا يُماري في أيِّ حال كان إلاّ مَنْ كان جاهِلاً بنفسه وبغيره، محروماً مِن حقائق الدين(1).ورُوي أنّ رجلاً قال للحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام): «اِجْلِسْ حتّى نتناظرَ في الدِّين».فقال:يا هذا أنا بصيرٌ بديني مكشوفٌ عَلَيَّ هُداي، فإنْ كنتَ جاهلاً بدينك فاذهبْ فاطلُبْه، مالي وللمماراة؟ وإنَّ الشَّيْطانَ لَيُوَسْوِسُ للرجل ويُناجِيهِ ويقول: ناظِر الناسَ لِئَلاّ يَظُنُّوا بِكَ الْعَجْزَ وَالجهلَ.ثمُّ المِراءُ لا يخلو مِنْ أربعةِ أوجُه: إمّا أنْ تَتَمارى أنت وصاحبُكَ فيما تَعْلَمانِ، فقد تركتُما بذلك النصيحةَ، وطَلَبْتُما الفضيحةَ، وأضعْتُما ذلك العلمَ; أو تَجْهَلانِه، فَأظْهَرْتُما جَهْلاً وخاصَمْتُما جَهْلاً; وإمّا تَعْلَمُه أنتَ فَظَلَمْتَ صاحبَكَ بطلب عَثْرَتِه; أو يَعْلَمُه صاحبُكَ فتركتَ حُرْمَتَه، ولم تُنَزِّلْهُ مَنْزِلَتَه.وهذا كُلُّه مُحالٌ، فمنْ أنْصَفَ وقَبِلَ الحَقَّ وتَرَكَ المماراةَ، فَقَدْ أوثَقَ إيِمانَه وأحْسَن صُحْبَةَ دينهِ وصانَ عقلَه(2).واعلم أنّ حقيقَةَ المِراء الاعتراضُ على كلام الغير بإظهار خَلَل فيه لفظاً أو معنىً أو قصداً، لغير غرض دينيٍّ أمَرَ الله به، وتَرْكُ المراء يَحصُلُ بترك الإنكار والاعتراضِ بكلِّ كلام يَسْمَعُه، فإنْ كان حقّاً وَجَبَ التصديقُ به بالقلب وإظهارُ صِدقِه حيث يُطْلَبُ منه، وإنْ كان باطلاً ولم يَكنْ متعلِّقاً بأُمور الدين، فاسْكُتْ عنه ما لم يَتَمَحَّضِ النهيُ عن المنكر بشروطه.والطعنُ في كلام الغير إمّا في لفظه بإظهار خَلَل فيه مِنْ جِهة النحو أو اللغة أو جِهة النظم والترتيب بسبب قُصور المعرفة أو طغيانِ اللسان; وإمّا في المعنى بأنْ يقولَ: ليس كما تقول، وقد أخطأتَ فيه لكذا وكذا; وإمّا في قَصْدهِ مثلُ أنْ يقولَ: هذا الكلامُ حقٌّ ولكن ليس قصدُك منه الحقَّ; وما يَجْري مجراه.وعلامةُ فَسادِ مقصدِ المتكلِّم تتحَقَّقُ بكَراهة ظهور الحقِّ على غير يده ليتَبَيَّنَ فضلُه