الفصل الثالث
في صلاة الطواف
وهو الواجب الثالث من أفعال العمرة:
قال الله تعالى في كتابه: (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى)(274).
أقول: كفى في فضل المقام انّه يشترط في ركعتي الفريضة كونهما خلف المقام. ففي تفسير نور الثقلين ج1 ص103 عن الصادق (عليه السلام): ليس لاحد ان يصلي ركعتي طواف الفريضة الاّ خلف المقام; لقول الله عزّ وجلّ: (واتّخذوا من مقام ابراهيم مصلّى) فان صلّيتهما في غيره فعليك اعادة الصلاة.
وفيه عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام): نزلت ثلاثة احجار من الجنّة: مقام ابراهيم، وحجر بني اسرائيل والحجر الأسود.
وفي الحدائق: المشهور بين الاصحاب انّ محلّ ركعتي طواف الفريضة خلف المقام، ولايجوز في غيره، ويدلّ على المشهور صحيح صفوان عن الصادق (عليه السلام). اقول: والصحيح هو الذي ذكرنا آنفاً.
زرارة عن احدهما (عليهما السلام) قال: لاينبغي ان تصلّي ركعتي طواف الفريضة الاّ عند مقام ابراهيم (عليه السلام)، فامّا التطوّع فحيث شئت من المسجد(275).
الدعاء بعد ركعتي الفريضة
عن الفقيه: ثم صلّ ركعتي الطواف فإذا فرغت من الركعتين فقل: الحمد لله بمحامده كلّها على نعمائه كلّها، حتى ينتهي الحمد الى ما يحبّ ربّي ويرضى، اللّهم صل على محمد وآل محمد، وتقبّل مني وطهّر قلبي وزكّ عملي(276).
دعاء آخر
ابن عمّار عن الصادق (عليه السلام) قال: تدعو بهذا الدعاء دبر ركعتي طواف الفريضة، تقول بعد التشهد: اللّهم ارحمني بطواعيتي اياك وطواعيتي رسولك (صلى الله عليه وآله وسلم) اللّهم جنّبني ان اتعدّى حدودك، واجعلني ممّن يحبّك ويحب رسولك وملائكتك وعبادك الصالحين(277).
دعاء الصادق (عليه السلام) في السجدة
بكر بن محمد خرجت اطوف، وانا الى جنب ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) حتى فرغ من طوافه، ثم قام فصلّى ركعتين، فسمعته يقول ساجداً: سجد وجهي لك تعبداً ورقاً لاإله إلا أنت حقّاً حقّاً، الاولّ قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، وها اناذا بين يديك ناصيتي بيدك، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم غيرك، فاغفر لي فإنّي مقر بذنوبي على نفسي، ولا يدفع الذنب العظيم غيرك. ثم رفع رأسه، ووجهه من البكاء كأنّما غمس في الماء(278).
أسرار الحجّ للنراقي
(قدس سره)يقرأ هذا الدعاء في المقام: اللّهم إنّك تعلم سرّي وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤالي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللّهم إنّي اسألك ايماناً تباشر به قلبي، ويقيناً صادقاً حتى اعلم انّه لا يصيبني الاّ ما كتبت لي، ورضاً منك بما قسمت لي انت ولييّ في الدنيا والآخرة، توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين. اللّهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً الاّ غفرته ولا همّاً الاّ فرجته، ولا حاجة الاّ قضيتها ويسّرتها، فسيّر امورنا واشرح صدورنا، ونوّر قلوبنا، واختم بالصالحات اعمالنا. اللّهم توفّنا مسلمين واحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولامفتونين.
الفصل الرابع
في السعى
وهو الواجب الرابع من أفعال العمرة:
قال الله تعالى في كتابه: (إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطّوف بهما ومَن تطوّع خيراً فإنّ الله شاكر عليم)(279).
عن العلل: سمّي الصفا صفا لأنّ المصطفى آدم (عليه السلام) هبط عليه فقُطع للجبل اسم من اسم آدم، يقول الله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين)
وهبطت حوّاء على المروة، وانّما سميت المروة مروة; لأنّ المرأة هبطت عليها فقُطع للجبل اسم من اسم المرأة(280).
وفي مرآة الحرمين
الصفا الصفا الذي هو مبدأ السعي في أصل جبل ابي قبيس جنوبي المسجد الحرام.
المروة والمروة في الشمال الشرقي للمسجد الحرام على بعد منه، وهي منتهى السعي في أصل جبل قعيقعان.
المسعى والشارع الذي بين الصفا والمروة هو المسعى، وطوله (405) متر، وعرضه تارة عشرة امتار وتارة اثنا عشر متراً.
والصفا في الأصل العريض من الحجارة الملس. والمروة واحد المرو وهي الحجارة البيض تقتدح بها النار ولا تكون سوداء ولا حمراء(281).
اقول: الواجب في السعي استيعاب تمام المسافة الواقعة بين الجبلين، ويتحقق ذلك بالشروع من أوّل جزء من الصفا والختم باوّل جزء من المروة، ولا يجب الصعود عليهما.
الأخبار
الامام الصادق (عليه السلام) في حديث قال: السعي بين الصفا والمروة فريضة(282).
عنه (عليه السلام): ما من بقعة أحبّ الى الله من المسعى لأنّه يذّل فيها كلّ جبّار(283).
وعنه (عليه السلام) قال: جعل السعي بين الصفا والمروة مذلة للجبارين(284).
وعنه (عليه السلام) : إن ابراهيم (عليه السلام) لمّا خلّف اسماعيل بمكّة، عطش الصبي، وكان فيما بين الصفا والمروة شجر، فخرجت أمّه حتى قامت على الصفا، فقالت: هل بالوادي من انيس؟ فلم يجبها احد، فمضت حتى انتهت الى المروة، فقالت: هل بالوادي من انيس؟ فلم تجب، ثم رجعت الى الصفا، فقالت: كذلك، حتى صنعت ذلك سبعاً، فأجرى الله ذلك سنّة ـ الحديث(285).
الامام السجاد (عليه السلام) قال: الساعي بين الصفا والمروة تشفع له الملائكة فتشفع فيه بالايجاب(286).
دعاء عليّ (عليه السلام) على الصفا
علي بن نعمان قال: كان امير المؤمنين اذا صعد الصفا استقبل الكعبة ثم يرفع يديه، ثم يقول: اللّهم اغفر لي كل ذنب اذنبته قط فإن عدت فعد عليّ بالمغفرة فإنّك انت الغفور الرّحيم. اللّهم افعل بي ما انت اهله، فإنك ان تفعل بي ما انت اهله ترحمني، وإن تعذّبني فانت غني عن عذابي، وانا محتاج الى رحمتك فيا من انا محتاج الى رحمته ارحمني. اللّهم لا تفعل بي ما انا اهله فإنك ان تفعل بي ما انا اهله تعذبني ولن تظلمني، اصبحت اتقي عدلك، ولا اخاف جورك فيامن هو عدل لا يجور ارحمني(287).
دعاء الكاظم (عليه السلام) على الصفا والمروة
بعض الأصحاب قال: كنت في ظهر ابي الحسن موسى (عليه السلام)على الصفا والمروة، وهو لا يزيد على حرفين اللّهم إنّي اسألك حسن الظنّ بك في كل حال، وصدق النيّة في التوكّل عليك(288).
الدعاء على الصفا
عن الفقيه: ثم اخرج الى الصفا وقم عليه حتى تنظر الى البيت، وتستقبل الركن الذي فيه الحجر، واحمد الله واثن عليه، ثم قل: لا إله الاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ثلاث مرات ..
وتقول: اللّهم انّي أسألك العفو والعافية واليقين في الدنيا والآخرة ثلاث مرات
وتقول: ربناآتنافيالدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ثلاث مرات
وتقول: يامن لا يخيب سائله، ولا ينفد نائله، صل على محمد وآل محمد، واعذني من النار برحمتك وقل: اللّهم انّي اعوذ بك من عذاب القبر وفتنته وغربته ووحشته وظلمته وضيقه وضنكه. اللّهم اظلني في ظل عرشك يوم لا ظلّ الا ظلّك، وتقول: كلا من التحميد والتكبير والتسبيح والتهليل والاستغفار والصلاة على محمد وآله(289)، مئة مرة(290).
ثم امش وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المروة فاصعد عليها حتى يبدو لك البيت واصنع عليها كما صنعت على الصفا(292).
جواز السعي على غير طهارة
الامام الصادق (عليه السلام) قال: لا بأس أن تقضي المناسك كلّها على غير وضوء، إلاّ الطواف فإنّ فيه صلاة والوضوء افضل(293).
النكتة في قوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوّف بهما)
الامام الصادق (عليه السلام) قال: إنّه كان على الصفا والمروة اصنام، فلمّا ان حجّ الناس لم يدروا كيف يصنعون، فأنزل الله هذه الآية: (إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما) فكان الناس يسعون والأصنام عليهما فلمّا حج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رمى بها(294).
مقدار الوقوف على الصفا والمروة
ويكون قيامك على الصفا والمروة مقدار ما يقرأ مئة آية من القرآن واقلّها خمس وعشرون آية(295).
وفي حج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (انّ الصفا والمروة من شعائر الله) فابدأ بما بدأ الله تعالى به، ثم اتى الصفا فصعد عليه، واستقبل الركن اليماني فحمد الله واثنى عليه ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسّلا، ثم انحدر الى المروة، فوقف عليها كما وقف على الصفا حتى فرغ من سعيه(296).
الفصل الخامس
في التقصير
وهو الواجب الخامس من أفعال العمرة:
قال تبارك وتعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصّرين)
قال في المستند: إذا فرغ المعتمر بعمرة التمتع عن السعي يقصّر راجحاً بلا خلاف يعرف، بل بالإجماعين، ويدل عليه المستفيضة من الأخبار كصحيحة ابن عمّار: اذا فرغت من سعيك وانت متمتع فقصّر من شعر رأسك من جوانبه ولحيتك،وخذ من شاربك، وألق اظفارك، وابق منها لحجّك، فإذا فعلت ذلك فقد احللت من كل شيء يحلّ منه المحرم(298).
وقال (قدس سره): يكفي المسمى في التقصير لإطلاق الاخبار، والمشهور كفايته من الشعر او الظفر(299).
وفي المبسوط: فإذا فرغ من السعي قصّر فإذا قصّر فقد احل من كل شيء احرم منه.
وفي الحدائق: لا خلاف في أنه يجب على المعتمر المتمتع بعد السعي التقصير، وبه يحلّ من كل شيء إلاّ الصيد; لكونه في الحرم فلو خرج من الحرم حلّ له.
وعن الحسين بن اسلم قال: لمّا اراد ابو جعفر يعني ابن الرضا (عليه السلام) أن يقصّر من شعره للعمرة اراد الحجّام ان يأخذ من جوانب الرأس، فقال له: إبدأ بالناصية فبدأ بها(300).
وقال في المنتهى: وادنى التقصير أن يقصّ شيئاً من شعره ولو كان يسيراً، واقله ثلاث شعرات وقال: لو قصّ الشعر بأي شيء كان أجزأه، وكذا لو نتفه، او ازاله بالنورة; لأن القصد الازالة والامر ورد مطلقاً(301).
وفي الحدائق ايضاً: المشهور بين الاصحاب ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ انّه يلزم التقصير في العمرة، ولا يجوز حلق الرأس، ولو حلقه فعليه دم، ويدلّ على القول المشهور ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن ابن عمار عن الامام الصادق (عليه السلام) في حديث قال: وليس في المتعة الا التقصير.
وعن ابي بصير قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع، اراد ان يقصّر فحلق رأسه، قال: عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر أمرّ الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق(302).
التشبه بالمحرمين بعد التحلل