المصدر: اتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على بقيع الغرقد فقال: السلام عليكم يا اهل القبور ثلاثاً، لو تعلمون ما الذي نجّاكم الله منه ممّا هو كائن بعدكم، ثم التفت فقال: هؤلاء خير منكم، قالوا يا رسول الله: إنّما هم اخواننا آمنّا كما آمنوا وأنفقنا كما انفقوا، وجاهدنا كما جاهدوا، واتوا على أجَلهم ونحن ننتظر، فقال: هؤلاء قد مضوا لم يأكلوا من أجورهم شيئاً وقد اكلتم من أجوركم، ولا أدري كيف تصنعون بعدي؟!
وفيه، عن عائشة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما كانت ليلتي منه، يخرج من آخر الليل الى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، واتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد.
الامام الصادق (عليه السلام): كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج في ملإ من الناس من اصحابه كل عشية خميس الى بقيع المدنيّين، فيقول: السلام عليكم يا أهل الديار، ثلاثاً، رحمكم الله، ثلاثاً(549).
وفي ص885 عن ابي هريرة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج الى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت انّي قد رأيت اخواننا، قالوا: يا رسول الله ألسنا اخوانك؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): انتم أصحابي، واخواننا الذين لم يأتوا بعد، وانا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمّتك؟ قال: أرايتم لو كان لرجل خيل غُرّ محجّلة في خيل دُهم بُهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): فإنّهم يأتون يوم القيامة غرّاً محجّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، وليُذادن رجال عن حوضي?كما يُذاد البعير الضالّ، فأُناديهم ألا هَلُمَّ ألا هَلُمَّ ألا هَلُمَّ، فيقال: إنّهم قد بدّلوا، فأقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً.
في المرآة ج1، ص425: البقيع محل مستطيل شرقي المدينة خارج عن سورها طوله 150 متراً في عرض 100 متر ويقال له: بقيع الغرقد; لانّ هذا النوع من الشجر كان كثيراً فيه ولكنه قطع، وهذا المكان به قبور كثيرة من الصحابة، ولا يعرف قبور كثير منهم الا افراد معدودة اقيمت على قبور بعضهم قباب.
من أولئك الافراد قبة ابراهيم ورقية وفاطمة اولاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفاطمة بنت اسد وعبدالله بن مسعود والحسن بن علي، وفي قبّة الحسن (عليه السلام) ابن اخيه زين العابدين وابو جعفر الباقر وجعفر الصادق. وممن علم قبره العباس بن عبد المطلب واخته صفيّة، وابو سفيان بن الحارث، وسعد بن معاذ، وابو سعيد الخدري، وزوجات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ خديجة وميمونة، وبنات الرسول زينب ورقية وام كلثوم، واسماعيل بن جعفر الصادق، ومالك بن انس، ونافع شيخ القراء، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقد هدمها الوهابيون. (اقول: هذا التحديد متعلّق بسنة 1320 و22 الهجري تقريباً).
فضل البقيع: عن الطبراني في الكبير، عن أمّ قيس أنّها خرجت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الى البقيع، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يحشر من هذه المقبرة سبعون الفاً يدخلون الجنّة بغير حساب، وكأن وجوههم القمر ليلة البدر، فقام رجل، فقال: يا رسول الله وانا، فقال: وأنت، فقام آخر، فقال: يا رسول الله وأنا، قال: سبقك بها عُكاشة، قال الراوي: قلت لها: لِم لم يقل للآخر؟ فقالت: أراه كان منافقاً(550).
القبور المعلومة من الصحابة وأهل البيت
1 ـ ابراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مات ابراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ابن ستة عشر شهراً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ادفنوه في البقيع فإنّ له مرضعة في الجنّة تتم رضاعه(551).
2 ـ عثمان بن مظعون، وفيه ـ انّ اوّل من دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبقيع عثمان بن مظعون، فلمّا توفي ابنه ابراهيم، قالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اين نحفر له؟ فقال: عند فرطنا عثمان بن مظعون. وعن قدامة: دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابراهيم ابنه الى جنب عثمان بن مظعون.
عن الطبقات: توفّي ابراهيم لستة عشر شهراً، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ادفنوه في البقيع فانّ له مرضعاً في الجنّة، وفي رواية، لمّا سوّى جدثه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى كالحجر في جانب الجدث، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسوّي باصبعه، ويقول: اذا عمل احدكم عملا فليتقنه فإنّه ممّا يسلّي بنفس المصاب.
وفيه كان عثمان بن مظعون، اوّل من مات من المهاجرين، فقالوا: يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أين ندفنه؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): بالبقيع، قال: فلحّد له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفضل حجر من حجارة لحده، فحمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوضعه عند رجليه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): اتعلّم به قبر اخي وادفن اليه من مات من أهلي، فلمّا ولىّ مروان بن الحكم المدينة مرّ على ذلك الحجر، فأمر به فرُميَ به، وقال: والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به، فاتته بنو اميّة فقالوا: بئس ما صنعت، عمدت الى حجر وضعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فرميت به، بئس ما عملت، فمر به فليرد، فقال: أما والله إذا رميت به فلا يردوقيل: إنّه وضع ذلك الحجر على قبر عثمان بن عفّان، وقال: عثمان وعثمان.
3 ـ بنات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) زينب ورقيّة وأمّ كلثوم(553). وكانت عليهن قبّة، وقد هدمها الوهابيون، كما مرّت الإشارة اليه.
ومن القباب: قبة كبيرة لآل البيت، وبها قبر العباس بن عبد المطلب، والحسن بن علي، وعلي بن الحسين زين العابدين، وابو جعفر محمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق تجمعهم قبة واحدة هي أعلى القباب. وهناك قبة لزوجات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكلّ زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دفن بالمدينة إلاّ خديجة فبمكّة وإلاّ ميمونة فبسرف، وهناك قبّة ابراهيم ابن رسول الله وقبّة اسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)، وقبة مالك بن انس، وقبّة نافع شيخ القراء، وهناك قبّة تسمى (قبّة الحزن) يقال: إنها في البيت الذي آوت اليه فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتزمت الحزن فيه بعد وفاة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان بالبقيع قباب كثيرة هُدمت.
كلمة في وفات رقية
في الوفاء: لمّا ماتت رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إلحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون، وبكى النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بيده، وقال: دعهن يا عمر، وإياكنّ ونعيق الشيطان، فإنّه مهما يكن من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، ومهما يكن من اللسان ومن اليد فمن الشيطان.
فبكت فاطمة (عليها السلام) على شفير القبر، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح الدموع عن عينها بطرف ثوبه، ثم قال صاحب الوفاء: الظاهر انّهن جميعاً عند عثمان بن مظعون لما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند دفن ابن مظعون ووضع الحجر على رأسه (أتعلم به قبر اخي وادفن اليه من مات من أهلي)(554).
4 ـ قبر فاطمة بنت اسد، قيل: دفنت في موضع المسجد الذي يقال له اليوم: قبر فاطمة، في اوّل مقابر بني هاشم التي في دار عقيل.
جابر بن عبد الله الانصاري: بينا نحن جلوس مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ اتاه آت فقال: يا رسول الله إنّ أمّ علي وجعفر وعقيل قد ماتت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا الى أمّي (فاطمة) فقمنا، وكأنّ على رؤوس من معه الطير، فلمّا انتهينا الى الباب، نزع قميصه فقال: اذا غسلتموها فاشعروها إياه تحت اكفانها، فلمّا خرجوا بها جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحمل، ومرة يتقدّم ومرة يتأخر، حتى انتهينا الى القبر فتمعّك في القبر، ثم خرج فقال: ادخلوها باسم الله وعلى اسم الله. فلمّا أن دفنوها، قام قائماً، فقال:
جزاك الله يا أم خيراً فنعم الام كنت لي فقيل له: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما قط، نزعك قميصك وتمعكك في اللحد. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أمّا قميصي، فأريد أن لا تمسّها النار ابداً إن شاء الله، وأمّا تمعكي في اللحد فاردت ان يوسّع الله عليها في قبرها. وفي رواية ابن عبّاس، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه لم يكن احد بعد ابي?طالب ابرّ لي منها، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما أعفي ضغطة القبر الاّ فاطمة بنت اسد، قيل: يا رسول الله ولا القاسم، قال: ولا ابراهيم، وكان ابراهيم اصغرهما(555).
5 ـ قبر عبد الله بن مسعود روي أن ابن مسعود قال: ادفنوني عند قبر عثمان بن مظعون(556).
ابن مسعود، هو الذي قال في حقّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من احبّ ان يسمع القرآن غضّاً فليسمعه من ابن مسعود(557)، وكان من الذين شهدوا جنازة ابي ذر (رضي الله عنه)وباشروا تجهيزه، وكان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الجن، توفي بالمدينة سنة32 وصلّى عليه الزبير ودفن بالبقيع وكان له يوم مات نيّف وستّون سنة(558).
6 ـ قبر فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في الوفاء: انّ قبر فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في زاوية دار عقيل في البقيع، وفيه عن جعفر بن محمد (عليه السلام) دفن علي فاطمةَ ليلا في منزلها الذي دخل في المسجد، فقبرها عند باب المسجد الذي كان في شامي باب النساء في المشرق. وعن ابي غسّان: انّها دفنت في بيتها، وصنع بها ما صنع برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انّها دفنت في موضع فراشها، وتحتجّ بأنّها دفنت ليلا ولم يعلم بها كثير من الناس(559).
وفي ارشاد المفيد، ص127، قال ابن بابويه: في الصحيح عندي انّها دفنت في بيتها فلمّا زاد بنو أميّة في المسجد صارت في المسجد.
اقول: لي سؤال أضعه بين يدي القارئ المنصف لِمَ صار قبر فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مجهولا ومحلاّ للخلاف، وهي سيدة نساء اهل الجنّة على ما في صحيح البخاري ج5، ص25 قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فاطمة سيدة نساء اهل الجنّة، وفيه ص26 قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فاطمة بضعة مني فمن اغضبها اغضبني؟!
وعن عمّارة بن مهاجر عن أمّ جعفر أنّ فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء إذا أنا متّ فاغسليني انت وعلي، ولا تدخلي عَلَيَّ أحداً. (وفي كشف الغمّة) قال عليٌّ (عليه السلام) عند دفن فاطمة كالمناجي بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، ورق لها تجلّدي، اما حزني فسرمد، واما ليلي فمسهد... إلى الله اشكو، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك، على هضمها حقها فاحفها السؤال واستخبرها الحال، والسلام عليكما سلام مودّع لا قال ولا سئم، فإن انصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعده الله الصابرين(560).
جملة في دفن الحسن المجتبى (عليه السلام)
في الوفاء ص908: فلمّا سمعت بنو أميّة بدفن الحسن (عليه السلام) بأن يدفن الى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استلأموا هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن فيه أبداً فبلغ ذلك الحسن (عليه السلام)، فقال (عليه السلام) لأخيه الحسين (عليه السلام): لعلّ القوم يمنعوك من الدفن الى جنب جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن فعلوا ذلك فلا تلاحهم في ذلك، وادفنّي في بقيع الغرقد، الى جنب أمّي فاطمة فدفن في المقبرة الى جنب فاطمة. فلمّا بلغ ذلك أبا هريرة قال: والله ما هو إلاّ ظلم يمنع الحسن ان يدفن مع ابيه، والله إنّه لابن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وفيه، أنّ مع الحسن في قبره ابن اخيه زين العابدين وأبا جعفر الباقر وجعفر الصادق رضوان الله تعالى عليهم اجمعين.
وفي ارشاد المفيد ص175: فبادر ابن عباس الى مروان، فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنّا نريد أن نجدّد به عهداً بزيارته، ثم نردّه الى جدّته فاطمة فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان اوصى بدفنه مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلمت أنّك اقصر باعاً من ردّنا عن ذلك، لكنه (عليه السلام)كان اعلم بالله ورسوله وبحرمة قبره. وقال الحسين (عليه السلام): والله لو لا عهد الحسن (عليه السلام)إليّ بحقن الدماء، وان لا اهريق في امره محجة دم; لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مأخذها، وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وابطلتم ما اشترطنا عليكم لانفسنا. ومضوا بالحسن (عليه السلام) فدفنوه بالبقيع عند جدّته فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف(عليها السلام).
7 ـ قبر عباس بن عبد المطلب، دفن العبّاس بن عبد المطلب عند قبر فاطمة بنت اسد في اوّل مقابر بني هاشم التي في دار عقيل(561).
(التوسّل الى العباس (رضي الله عنه)) نقل البخاري في صحيحه، ج5، ص25، عن أنس: قال: إنّ عمر بن الخطاب كان اذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنّا نتوسل اليك بنبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)فتسقينا، وإنّا نتوسّل اليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيسقون.
8 ـ قبر ابي سفيان بن عبد المطلّب; وهو الذي حفر قبره بنفسه قبل موته بثلاثة ايام، رآه عقيل بن ابي طالب يجول بين المقابر، فقال: يا ابن عم مالي أراك هنا؟ قال: اطلب موضع قبر، فأدخله داره وأمر بقبر فحفر، وقعد عليه ساعة، ثم انصرف فلم يلبث إلا يومين حتى دفن فيه، والظاهر انّه بالمشهد المنسوب الى عقيل اليوم، وفيه قبر ابن اخيه عبد الله بن جعفر الطيار وهو الجواد المشهور، وهذه البقعة وقعت في اوّل البقيع(562).
وفي السفينة: انّه كان ابن عم رسول الله وأخاه من الرضاعة ارضعتهما حليمة السعدية اياماً، وكان ترِبَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يألفه الفاً شديداً قبل النبوة، فلمّا بُعث عاداه وهجاه وهجا أصحابه وكان شاعراً، واسلم عام الفتح، أسلم وحسن إسلامه، وقيل: إنّه ما رفع رأسه الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حياءً منه، وكان يريد الدخول على رسول الله، ولم يأذن له حتى عرّفه عليٌّ (عليه السلام) حيث قال: ائت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل وجهه، فقل له ما قال أخوة يوسف ليوسف (تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين) فإنّه لايرضى ان يكون احد احسن قولا منه، ففعل ذلك ابوسفيان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين)ثم انشأ اشعاراً في الاعتذار.
ومات في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين، ودفن بالبقيع في دار عقيل، وكان من فضلاء الصحابة.
9 ـ عبد الله بن جعفر الطيار: قد مرّ أنه دفن مع عمّه عقيل في قبّة اوّل البقيع، وذكر ابو اليقظان أنّ عبد الله ابن جعفر كان أجود العرب(563).
روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّ به وهو يصنع شيئاً من طين من لعب الصبيان، فقال: ما تصنع بهذا؟ قال: أبيعه، قال: ما تصنع بثمنه؟ قال: اشتري رطباً فآكله، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): اللّهم بارك له في صفقه يمينه، فكان يقال: ما اشترى شيئاً قط إلاّ ربح فيه، فصار امره الى أن يمثل به، وكان اهل المدينة يتداينون بعضهم من بعض الى أن يأتي عطاء عبد الله بن جعفر.
قيل: إنّه كان ابن عَشر سنين حين قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وعن أسد الغابة أنّ عبد الله بن جعفر أوّل مولود ولد في الاسلام بأرض الحبشة، وتوفّي رحمه الله سنة ثمانين، حملت جنازته الى البقيع، حضر مراسمه امير المدينة، يحمل سريره وما فارقه حتى وضعه بالبقيع، ودموعه تسيل على خديه، وهو يقول: كنت والله خيراً لا شر فيك، وكنت والله شريفاً واصلا برّاً.
10 ـ قبر سعد بن معاذ في الوفاء ص915: صلّى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودفنه في طرف الزقاق المجاور لدار المقداد بن الاسود في اقصى البقيع.
مّما قيل في فضله (1) قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موت سعد بن معاذ: رحمك الله يا سعد فلقد كنت شجّاً في حلوق الكافرين، لو بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة الاسلام كعجل قوم موسى.
(2) صلّى عليه رسول الله مع تسعين الف ملك فيهم جبرئيل (عليه السلام)واستحق ذلك بقراءة (قل هو الله احد) قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وذاهباً وجائياً.
(3) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر الخبر: ابشر (ياسعد) فإنّ الله يختم لك بالشهادة، ويهلك بك أمّة من الكفر، ويهتزّ عرش الرحمن لموتك، ويدخل بشفاعتك الجنّة مثل عدد شعور حيوانات بني كلب(564).
(وفيه) ذكر المحدثون وارباب المغازي من الفريقين، أنّ سعداً هذا اصابته جراحة يوم الخندق ولم يمت من تلك الجراحة، لانّه كان قد دعا الله في ذلك اليوم ان لا يميته حتى يقرّ عينه ببني قريظة; فاستجيبت دعوته حتى أن خذل الله بني قريظة بيد المسلمين، وهمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإجلائهم عن منازلهم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بقتل الرجال وسبي الذرية، فهبط جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبره بأنّ سعداً قد حكم بحكم الله من فوق سبعة ارقعة، فلمّا نفذ حكمه فيهم انفتق جرحه فمات، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد اهتز العرش بموته، ومشى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خلف جنازته حافياً بغير رداء، يأخذ على يمين السرير مرة، وعلى يساره اخرى.
11 ـ ابو سعيد الخدري ـ في الوفاء ـ عن ابنه عبد الرحمن، قال: قال لي ابي: خذ بيدي فأخذت بيده حتى جئت الى البقيع، فجئت الى اقصى البقيع مكاناً لايدفن فيه، فقال: يا بني اذا مت فادفني ههنا، لا تبك علي باكية، ولا يضربن عليَّ فسطاط ولايمشي معي بنار، ولا توذين أحداً، فلما مات أبي يأتينني النّاس، ويقولون متى يخرج؟ فأكره أن أخبرهم لِما وصّى أبي، فأخرجته في صدر النهار فاتيت البقيع وقد ملأ ناساً(565).
في السفينة، كان ابو سعيد الخدري من السابقين الذين رجعوا الى امير المؤمنين (عليه السلام)، وكان من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قيل: لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد، حكي: أنّه استصغر بأحد فردّه، ثم شهد ما بعدها. وروى الكثير أنّه مات بالمدينة سنة ستّين أو اربع وستين، ودفن في البقيع حسب ما عرفت من تاريخ المدينة في أقصى البقيع. أقول: زرت تلك البقعة التي في آخر البقيع والمنسوبة إلى سعد بن معاذ، وأبي سعيد الخدري ـ رضوان الله عليهما ـ رزقنا الله وإيّاكم زيارة البقيع.
قيل: إن رسول الله احتجم فدفع الدم الى أبي سعيد، وقال غيّبه، فذهب فشربه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: اياك ان تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرّم على النار لحمك ودمك لما اختلط بلحمي ودمي(566).
12 ـ اسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام) يقابل مشهده مشهد العباس في المغرب، يقال: إن عرصة هذا المشهد وما حوله من جهة الشمال كانت دار زين العابدين (عليه السلام)، وفي داره بئر يتداوى بها، ويقال: إنّ ابنه الباقر (عليه السلام)سقط بها وهو صغير وزين العابدين يصلي فلم يقطع صلاته(567)، أقول: كان مشهد اسماعيل (عليه السلام)خارج البقيع قبل عشر سنوات، ولكن في العصر الحاضر لم يبق من المشهد والمسجد أثر. يقال: نقلوا مشهده الى داخل البقيع قريباً من بقعة الحليمة السعدية رضوان الله عليها.
بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
في الوفاء، ص918: روضتان وقعتا بغرب مشهد عقيل: روضة منسوبة الى أمّهات المؤمنين، وأخرى منسوبة الى بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهما في غربي مشهد عقيل.
اقول: روضة بنات الرسول وقعت في عصرنا بين قبور أمهات المؤمنين وبقعة العباس والأئمة (عليه السلام)مقابل الباب الكبير، وهن زينب وأمّ كلثوم ورقية. رضوان الله تعالى عليهنّ.
أما زينب كانت اكبر بناته وأوّل من تزوّجت منهنّ، تزوّجها ابن خالتها ابو العاص بن الربيع قبل النبوّة، فولدت له علياً وامامة، أمّا علي فمات في ولاية عمر، وأمّا امامة فماتت في سنة خمسين بالمدينة.
وأما رقيّة فقد نقل عن أسد الغابة انّه زوّجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من عتبة بن ابي لهب فلمّا نزلت (سورة تبّت) أمره ابوه بان يطلّقها قبل ان يدخل بها، كرامةً من الله تعالى وهواناً لابن ابي لهب، وهي التي استوهب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الله أن يهبه ضمة قبرها بقوله، (اللهم هب لنا رقية من ضمة قبرها فوهبه الله تعالى. أقول: قد مضى قبل ذلك وفاتها ودفنها.
وأمّا أمّ كلثوم على ما نقل عن قرب الإسناد أنّه تزوّجها عثمان، ولم يدخل بها حتى ماتت، وتزوّج مكانها رقية.
وعن خصائص الفاطمية أنّ الذي يظهر من اخبار الفريقين أنّهن تشرفن بشرف الاسلام، وكن من النساء الطاهرات المؤمنات، ويشهد على ذلك عناية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والصديقة الطاهرة بهن، وعن كتاب الاستغاثة انّهن من اولاد (هالة) اخت خديجة سلام الله عليها، والله اعلم.
وفي أسد الغابة ج5، ص612: توفيت أم كلثوم سنة تسع، وصلّى عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي السفينة: غسّلتها أسماء بنت عميس وصفيّة بنت عبد المطلب.
الفصل العاشر
في مدفن أمهات المؤمنين في البقيع
* من الأمهات (أم سلمة) بنت عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّها افضل امهات المؤمنين بعد خدجة الكبرى سلام الله عليها، توفيت سنة اثنين وستين من الهجرة، ولها أربع وثمانون سنة، ودفنت في البقيع وعن العسقلاني في الإصابة: كانت أمّ سلمة موصوفة بالجمال البارع والعقل البارع والرأي الصائب، واشارتها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها، فإنّها رأت تأثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تعلّل الاصحاب في ذبح الهدي والحلق في الحديبية، قالت له: يا رسول الله فابدأ أنت بذبح هديك وحلق رأسك فإنّهم إذا رأوا ذلك يتأسون بك، ففعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتبعهم الأصحاب حينئذ.
يكفي في فضلها أنها كانت حاضنة لفاطمة بعد وفات خديجة سلام الله عليهما، قالت: كنت ادئب فاطمة وهي ادئب مني، وهي التي حذّرت الحسين (عليه السلام)عن السفر الى العراق، وقالت له: ما سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّه (عليه السلام) قال لها: يا أمّ انّي اعلم بذلك كلّه.
* من الأمهات (زينب بنت جحش) وصفها المامقاني في رجاله: أنّها كانت قديمة الاسلام، ومن المهاجرات، وكانت كثيرة الخير والصدقة كانت صنّاع اليد تعمل بيدها، وتتصدّق به في سبيل الله.
أسد الغابة، ج5، ص46 عن عائشة: انها قالت: إنّ زينب اطولنا يداً، لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق، وما رأيت امرأة قط خيراً في الدين من زينب، واتقى لله وأصدق حديثاً واوصل للرحم، واعظم صدقة وأمانة.
وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ زينب بنت جحش (اوّاهة) فقيل: يا رسول الله وما اوّاهة؟ قال: الخاشع المتضرّع وان ابرهيم لحليم اوّاهٌ منيب.
وفي المصدر، ج5، ص464: كانت زينب بنت جحش تفخر على نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقول: زوّجني الله من السماء وأولم عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخبز ولحم، وقالت عائشة: لم يكن احد من نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تساميني في حسن المنزلة عنده الاّ زينب بنت جحش، وتوفيت سنة عشرين، وكانت اول نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لحوقاً به كما اخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودفنت بالبقيع.
* من الأمهات (مارية القبطية) وهي ام ولده ابراهيم بن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، اهداها المقوقس صاحب الاسكندرية، واهدى معها اختها سيرين وخصّياً وبغلة شهباء وحلّة من حرير، وتوفّيت في المدينة سنة ست عشرة في خلافة عمر، ويجمع الناس بنفسه لشهود جنازتها وصلى عليها عمر(568).
* من الامهات (صفيّة بنت حي) بن اخطب من بني اسرائيل من سبط لاوي بن يعقوب، وهي من سبايا خيبر، فقيل: إنّها سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلاّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واصطفاها وحجّبها واعتقها وزوّجها وقسّم لها، وكانت عاقلة من عقلاء النساء، وروي أنّها كانت رأت قبل ذلك أنّ قمراً وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها أو لزوجها فضرب وجهها ضربة اثرت في وجهها، وقال: أتريدين سلطان العرب؟ فلم يزل الاثر في وجهها حتى أتي بها لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فسألها فأخبرته الخبر، وتوفيت سنة ستّ وثلاثين من الهجرة(569). وفي الرياحين: توفيت سنة خمسين بالمدينة.
وفي الاصابة: قدمت صفيّة وفي أذنها خوصة من ذهب، فوهبت منه لفاطمة ولنساء معها. (وفي اسد الغابة) كانت عايشة وحفصة تخاطبان صفيّة بخطاب يابنت اليهودية وساءها ذلك، فشكت الى رسول الله فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لها: هلا قلت لهما، إنّ جدي هارون النبي وعمي موسى الكليم وزوجي محمد سيد الانبياء فأيّكما تكون خيراً مني؟ وقيل: نزل في حقّها قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم) الآية.
وفي اسد الغابة، لمّا فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حصن خيبر اتى بصفيّة بنت حيّ ومعها ابنة عم لها جاء بهما بلال، فمرّ بهما على قتلى يهود، فلمّا رأتهم صفيّة صكّت وجهها، وصاحت وحثت التراب على رأسها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبلال: يا بلال انزعت منك الرحمة حتّى تمر بامرأتين على قتلاهما؟
* ومن الامهات (سَودة) بنت زمعة بن قيس تزوّجها رسول الله بمكّة بعد وفاة خديجة، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة أسنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم تصب منه ولداً الى أن مات.
عن ابن عباس: خشيت سودة ان يطلقها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: لا تطلقني وامسكني واجعل يومي لعائشة، وإنّما اريد ان احشر في ازواجك(570).
(في الرياحين) كانت سودة عفيفة أشد العفاف، ومن عفافها أنه قيل لها لِمَ لَم تحجّن؟ فقالت: قد أديت الواجب، والواجب بعد ذلك القعود في البيت كما قال الله تعالى (وقرن في بيوتكن) وانّي عزمت أن لا اخرج من حجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حتى أموت، وكانت على هذا حتى ماتت في خلافة عمر في المدينة المنورة.