في السفينة: كان عبد المطلب ذا جلالة ظاهرة ومناقب وافرة وآيات باهرة، ويظهر ذلك من إنحناء سرير ابرهة له، ومن انفجار الماء تحت خف راحلته في مفازة لا ماء فيها، وتظهر جلالته وكثرة إيقانه من قصّة اصحاب الفيل واحترام الفيلة له، وقوله لبعض ولده: اعل ابا قبيس فانظر ماذا يأتي من قبل البحر، فيظهر انّه كان عالماً بانّه يأتي الطير لاستئصال اصحاب ابرهة، وتظهر أيضاً جلالته من حفره زمزم، وتظهر ايضاً من دخوله على سيف بن ذي يزن ملك اليمن، لمّا ظفر بالحبشة، وذلك بعد مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)اتاه عبد المطلب وافداً مع سبعة وعشرين رجلا من قريش للتهنئة فأكرمه الملك واخبره بانّه يكون جدّ النبي المبعوث من تهامة، واشهده على نفسه انه مؤمن به وبما يأتي من عند ربه، وكان يتمنى ان يراه وينصره ثم دعا بفرسه العقاب وبغلته الشهباء وناقته العضباء، وسلّمها الى عبد المطلب ليسلّمها الى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) اذا بلغ مبلغ الرجال.كلمة امير المؤمنين (عليه السلام) في حقّهقال امير المؤمنين (عليه السلام): والله ما عبد ابي ولا جدّي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط، قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلّون الى البيت على دين ابراهيم (عليه السلام)متمسكين به(458).عن الصادق (عليه السلام): يحشر عبد المطّلب يوم القيمة أمّة واحدة عليه سيماء الانبياء وهيبة الملوك، وقال: إنّ عبد المطلب حجّة وابو طالب وصيّه(459).وفاته (عليه السلام)توفّي عبد المطلب وللنبي ثمان سنين، وكان خلف جنازة عبد المطلب يبكي حتى دفن بالحجون، ويعرف هذا الموضع بالمعلاة، وفيها ايضاً قبر أبي طالب وعبدمناف وخديجة رضي الله عنهم اجمعين(460).اقول: وقد تشرفت بزيارتهم مكرراً. والسلام عليهم وعلى عباد الله الصالحين، ورزقنا زيارتهم غير مرّة.أمّ المؤمنين خديجة (عليها السلام)في السفينة: عن ابن عباس قال: أوّل من آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الرجال عليّ(عليه السلام)، ومن النساء خديجة.ابو سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن جبرئيل قال لي ليلة اسري بي حين رجعت، وقلت يا جبرئيل هل لك من حاجة؟ قال: حاجتي ان تقرأ على خديجة من الله ومني السلام، فلما لقيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لها الذي قال جبرئيل، فقالت: إنّ الله هو السلام ومنه السلام واليه يعود السلام وعلى جبرئيل السلام.هذا آخر الكلام في القسم الاوّل من الكتاب، ويتلوه القسم الثاني وهو الحرم المدني.
القسم الثاني
الحرم المدني
فيه
اثناعشر فصلا وخاتمة
الفصل الأول
في الأسماء
ذكر السمهودي في تاريخه، الوفاء الى دار أخبار المصطفى، أسماءً لهذه البلدة الشريفة، وقد استقصاها الى اربعة وتسعين اسماً، ونحن نقتصر على المشهور منها.1 ـ ارض الله، قال الله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)قالوا: المراد بها المدينة، وفي هذه الإضافة من مزيد التعظيم ما لا يخفى(462).2 ـ ارض الهجرة كما في حديث (المدينة قبّة الاسلام)(463).3 ـ الايمان قال الله تعالى مثنياً على الانصار: (والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجر اليهم)(464).قالالبيضاويفيتفسيره، قيل: سمّىاللهالمدينةبالإيمان; لأنّها مظهره ومصيره.وفي الحديث: الايمان يأرِز الى المدينة كما تأرِز الحيّة الى جحرها(465).4 ـ البلد، قال تعالى: (لا اقسم بهذا البلد)(466) ـ عن عياض: أي يحلف لك بهذا البلد الذي شرّفته بمكانك فيه حيّاً وببركتك ميّتاً، يعني المدينة ـ وقيل: إنّه من أسماء مكّة المكرّمة(467).5 ـ حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنه الذي حرّمها، وفي الحديث: مَن أخاف اهل حرمي أخافه الله(468).6 ـ طيّبة: سمّيت بذلك إمّا من الطّيب بتشديد المثناة، وهو الطاهر لطهارتها من ادناس الشرك او لِحلول الطيّب بها ـ وإمّا من الطيب بسكون المثناة لطيب امورها وطيب رائحتها، ووجود ريح الطيب بها. قال ابن بطّال: مَن سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة حسنة، وقال الاشبيلي: لتربة المدينة نفحة ليس طيبها كما عهد من الطيب، بل هو عجب من الاعاجيب. وقال ياقوت: من خصائصها طيب ريحها، وللمطر فيها رائحة لا توجد في غيرها. وما أحسن قول أبي عبد الله العطّار:لطيب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طاب نسيمها فما المسك ما الكافور ما المندل الرطبُ!7 ـ المباركة: لأنّ الله تعالى بارك فيها بدعائه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لحديث (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكّة من البركة) وغيره من الاحاديث الصحيحة وآثار تلك الدعوات من الأمور الظاهرات(470).8 ـ المدينة ومدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمدينة وإن اطلق على اماكن كثيرة فهو علم مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و هجر كونه علماً في غيرها بحيث إن اطلق لا يتبادر الى الفهم غيرها، ولا يستعمل فيها الاّ معرفة(471).9 ـ مضجع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): المدينة مُهاجري ومضجعي في الأرض(472).10 ـ يثرب قيل فيه اقاويل مختلفة، ولاشك في اطلاق يثرب على المدينة نفسها، وقيل: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اطلاق يثرب على المدينة، وما وقع في القرآن من تسميتها به إنّما هو حكاية عن قول المنافقين(473)، ومن اراد التفصيل فليراجع الاصل.
الفصل الثاني
هل المدينة أفضل أم مكّة؟
قد انعقد الإجماع على تفضيل ما ضمّ الاعضاء الشريفة حتى على الكعبة نفسها، واجمعوا بعد ذلك على تفضيل مكّة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا أيهما افضل.وقال الفاكهي: قالوا: لا خلاف في أن البقعة التي ضمّت الاعضاء الشريفة افضل بقاع الأرض على الاطلاق، وأنا اقول افضل بقاع السموات أيضاً.ونقل السمهودي عن شيخه المحقق في تفسير سورة الصف، أنه قال: الحق ان مواضع الأنبياء وارواحهم اشرف من كل ما سواها من الأرض والسماء(474).وقال السبكي: قد يكون تفضيل البلد لخصوصيّة فيه دون ساير البلدان، وهو القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، ولساكنه ما تقصر عن ادراكه العقول، وليس ذلك لمكان آخر. قال السمهودي: وهذا من النفاسة بمكان، على انّي اقول: الرحمات والبركات النازلة بذلك المحل يعمّ فيضها الأمّة وهي غير متناهية، ولذا كانت الأمّة خير أمّة بسبب كون نبيّها خير الأنبياء.