وقبل الورود في بيان كيفية العمرة والحجّ نتبرّك بحديث حجّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الذي علّم الناس فيه شرايع الحجّ.حج سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج. ثم أنزل الله عزّوجلّ (وأذّن في النّاس بالحجّ يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق).فأمر المؤذنين أن يؤذّنوا بأعلى أصواتهم بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحجّ في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والاعراب، فاجتمعوا لحج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما كانوا تابعين ينظرون مايؤمرون به فيتّبعونه أو يصنع شيئاً فيصنعونه.فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في اربع بقين من ذي القعدة، فلمّا انتهىالى ذي الحليفة، فزالت الشمس اغتسل، ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلّى فيه الظهر، ثم عزم على الحج مفرداً، وخرج حتى انتهى الى البيداء عند الميل الاول، فصفّ له سماطان، فلبّى بالحجّ مفرداً وساق الهدى ستاً وستين أو أربعاً وستين حتى انتهى الى مكّة في سلخ أربع من ذي الحجّة، فطاف بالبيت سبعة اشواط. ثم صلّى ركعتين خلف مقام ابراهيم، ثم عاد الى الحجر فاستلمه، وقد كان استلمه في أوّل طوافه.ثم قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله، فابدأ بما بدأ الله عزّوجلّ به. وإنّ المسلمين كانوا يظنّون أنّ السعي بين الصّفا والمروة شيء صنعه المشركون، فأنزل الله عزّوجلّ: (إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما) ثم أتى الصفا فصعد عليه واستقبل الركن اليماني فحمد الله وأثنى عليه، ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسّلا، ثم انحدر الى المروة حتى فرغ من سعيه.فلمّا فرغ من سعيه وهو على المروة اقبل على النّاس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ هذا جبرئيل (عليه السلام)وأومى بيده الى خلفه يأمرني ان آمر من لم يسق منكم هدياً أن يحلّ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما امرتكم، ولكنّي سقت الهديَ ولا ينبغي لسائق الهديِ أن يحلّ حتى يبلغ الهديُ محلّه. قال: فقال رجل من القوم: لنخرجنّ حجّاجاً وشعورنا تقطر. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أمّا إنّك لن تؤمن بهذا أبداً. فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله علّمنا ديننا كأنّا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لما يستقبل؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بل هو للأبد الى يوم القيامة، ثم شبك أصابعه، وقال: دخلت العمرة في الحج هكذا الى يوم القيامة(77).اقول: اكتفينا بهذا المقدار من الحديث في هذا المقام، ومَن أراد كلّه فليرجع الى التهذيب وساير المآخذ المعتبرة، ونحن نذكر باقي افعاله في المقامات المناسبة.ويقرب مما ذكرنا من حديث حجّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ذكره البخاري في صحيحه بعبارات متعددة في المجلد الأول، في الجزء الثاني ص174 في ستة ابواب فراجع.وإذا عرفت ذلك فلنرجع الى ما وعدنا به من بيان واجبات العمرة.
الفصل الأول
في الإحرام من الميقات وهو الواجب الأوّل من أفعال العمرةقال الفيض في المحجّة: (أمّا الاحرام والتلبية بالميقات) فليعلم أنّ معناه إجابة نداء الله ـ تعالى ـ فارج أن يكون مقبولا واخش أن يقال: لك لا لبيك ولا سعديك ـفكن بين الرجاء والخوف متردّداً ـ وعن حولك وقوّتك متبرّئاً، وعلى فضل الله وكرمه متّكلا، فإنّ وقت التلبية هو بداية الامر وهو محل الخطر.قال سفيان بن عيينة: حجّ علي بن الحسين (عليه السلام) فلمّا احرم واستوت به راحلته اصفر لونه، ووقع عليه الرعدة، ولم يستطع ان يلبّي، فقيل له: لم لا تلبّي؟ فقال: أخشى أن يقول ربّي: لا لبيك ولا سعديك. فليتذكّر الملبّي عند رفع الاصوات بالتلبية في الميقات إجابة لنداء الله تعالى نداء الخلق بنفخ الصور، وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله ومنقسمين الى مقربين وممقوتين ومقبولين ومردودين(78).آداب الاحرام من الميقات ستّةالأوّل: أن يغتسل وينوي به غسل الاحرام، ويتّم غسله بالتنظيف والاطلاء، وتقليم الاظفار وقصّ الشارب والسواك، وينبغي أن يوفّر شعر رأسه من أوّل ذي القعدة. الثاني: أن يفارق الثياب االمخيطة ويلبس ثوبي الاحرام طاهرين نظيفين أبيضين ممّا يجوز الصلاة فيه. الثالث: أن يحرم عقيب فريضة: فإن لم يتّفق صلّى ركعتين، وافضل الساعات للإحرام عند زوال الشمس.الرابع: أن يدعو عقيب الصلاة ويتلفّظ بما يعزم عليه، ويشترط أن يحلّه الله حيث حسبه، وإن لم تكن حجة فعمرة، ففي صحيحة ابن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام): فإذا انفتلت من الصلوة فاحمد الله ـ عزّوجلّ ـ وأثن عليه، وصلّ على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الى قوله اللّهم فتمّم لي حجّتي، الّلهم إنّي أريد التمتّع بالعمرة الى الحج على كتابك وسنّة نبيّك ـ صلواتك عليه وآله ـ فإن عرض لي عارض يحبسني فحلّني حيث حبستني لقدرك الذي قدّرت عليّ، الّلهم ان لم تكن حجّة فعمرة ـ أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب ابتغى بذلك وجهك والدار الآخرة.وفي صحيحة حمّاد بن عثمان عنه (عليه السلام) قال: قلت: إنّي اريد أن اتمتّع بالعمرة الى الحجّ، فكيف اقول؟ قال (عليه السلام): تقول: الّلهم إنّي أريد أن اتمتع بالعمرة الى الحجّ على كتابك وسنّة نبيك، وإن شئت اضمرت الذي تريد.الخامس: الإتيان بالتلبية بعد التهيّؤ والعزم (والنية) وصورة التلبية:لبيك اللّهم لبيك ـ لبيك لا شريك لك لبيك ـ إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.والقارن، بالخيار بين أن يعقد إحرامه بالتلبية او الاشعار او التقليد وبأيّها بدأ كان الآخر مستحباً، والاشعار أن يطعن في سنامه من الجانب الايمن قيل ويلطّخ صفحته بدمه ـ والتقليد أن يقلّد في رقبته نعلا خلقاً.السادس: أن يكثر من التلبية ويكرّرها في دوام الاحرام، خصوصاً قوله (لبيك ذا المعارج لبيك)(79).وفي العروة: واجبات الاحرام ثلاثة 1 ـ (النية) بمعنى القصد اليه 2ـ (التلبيات الأربع) وصورتها على القول القويّ لبيك اللّهم لبيك ـ لبيك لا شريك لك لبيك، كما هو صريح صحيحة معاوية بن عمّار والزوائد مستحبّة 3 ـ (ولبس الثوبين) بعد التجرّد عمّا يجب على المحرم اجتنابه ـ والاقوى عدم كون لبسهما شرطاً في تحقق الاحرام بل كونه واجباً تعبّدياً.فائدة الاشتراطقال المجلسي طاب ثراه عند التعرّض لحديث الاشتراط (قال أو لم يقل): أجمععلماؤنا واكثر العامّة على أنّه يستحب لمن اراد الاحرام بالحج أو العمرة، أن يشترط على ربّه عند عقد إحرامه أن يحلّه حيث حبسه واختلف في فائدته على أقوال.أحدها: أنّ فائدته سقوط الهدي مع الاحصار والتحلل بمجرد النيّة.ثانيها: ما ذكره المحقق من أنّ فائدته جواز التحلّل عند الاحصار من غير تربص الى أن يبلغ الهدي محلّه.ثالثها: أنّ فائدته سقوط الحج في القابل عمّن فاته الموقفان، ذكره الشيخ في التهذيب واستشكل فيه العلاّمة.رابعها: فائدته استحقاق الثواب بذكره في عقد الاحرام كما هو ظاهر هذا الخبر (قال أو لم يقل).وقال في المدارك: الذي يقتضيه النظر أنّ فائدته سقوط التربّص عن المحصر، كما يستفاد من قوله: وحلّني حيث حبستني(80). وسقوط الهدي عن المصدود بل لا يبعد سقوطه موضع الحصر أيضاً.علة التلبيةالحلبي، عن الإمام الصادق (عليه السلام): سألته لم جعلت التلبية؟ فقال: إنّ الله ـعزّ وجلّ ـ أوحى إلى إبراهيم (وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالا) فنادى فأجيب من كلّ فجّ عميق يلبّون(81).سليمان بن جعفر، عن الامام أبي الحسن (عليه السلام) سألته عن التلبية وعلّتها، فقال: إنّ الناس إذا احرموا ناداهم الله ـ تبارك وتعالى ـ فقال: يا عبادي وإمائي لأحرمنّكم على النار كما أحرمتم لي فيقولون: لبيك اللّهم لبيك إجابةً لله ـ عزّوجلّ ـ على ندائه إياهم(82).